ركـوبك بـعد الامـن حربا iiمشارفا      وقـد دمـيت أظلافها والسناسن (1)
وقـدحك بـالكفين تـوري iiضريمة      مـن  الجهل أدتها إليك الكهائن (2)ii
ومـسحك أقـراب الـشموس iiكانها      تبس بإحدى الداحيات الحواضن (3)ii
تـنازع  أسـباب الـمروء‌ة iiأهـلها      وفي الصدر داء من جوى الغل كامن
  فلما قرأ معاوية كتاب محمد كتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر الزاري على أبيه (4) .
  أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه ما الله أهله من سلطانه وقدرته واصطفاه رسوله مع كلام ألفته ووضعته ، لرأيك فيه تضعيف ، ولابيك فيه تعنيف ، وذكرت فضل علي بن أبي طالب وقديم سوابقه وقرابته لرسول الله صلى الله عليه وآله ونصرته له ومواساته إياه في كل خوف وهول ، فكان احتجاجك علي وعيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك ، فأحمد ربا صرف ذلك الفضل عنك وجعله لغيرك ، فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا محمد صلى الله عليه وآله نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علينا حتى اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله ما عنده ، و أتم له وعده ، وأظهر له دعوته وأفلج له حجته ، ثم قبضه الله إليه فكان أول من ابتزه حقه أبوك وفاروقه ، (5) وخالفاه في أمره ، على ذلك اتفقا واتسقا ، ثم إنهما

------------------------------------
(1) ( مشارفا ) حال من المضاف إليه في ركوبك بمعنى مفاخرا أو مقاربا أو مدانيا ، وأظلاف جمع ظلف ـ بكسر الظاء ـ وهو لما اجتز من الحوانات كالبقرة والظبى بمنزلة الحافر للفرس ، والسناسن جمع سنسن وسنسنة وهو طرف فقار الظهر ورأس المحالة وطرف الضلع التى في الصدر.
(2) قدح واقتدح بالزند : حاول اخراج النار منه وروى الزند ـ كوعى ـ خرجت ناره ومنه قوله تعالى : ( فالموريات قدحا )، والضريم : الحريق ، وضرمت النار اشتعلت.
(3) الاقراب جمع قرب ـ كاقفال وقفل ـ وقرب ـ بضم الراء ايضا ـ كاعناق وعنق بمعنى الخاصرة أو من الخاصرة إلى السرة ، والشموس من الخيل : الشامس وهو الفرس الذى تمنع ان يمكن أحدا من امتطائه ومن اسراجه أو إلجامه وكاد لا يستقر ، وقوله : ( تبس ) أى تسوق و الحواضن جمع حاضن يقال : حمامة حاضن وحمام حواضن اى جواثم ، والداحيات هكذا في النسخ ولعل المراد بها الادحيات ـ والادحى ككرسى ـ : مبيض النعام.
(4) زرى عليه : عابه.
(5) ( ابتزه حقه ) أى سلبه اياه.

الاختصاص _ 127 _
  دعواه ليبايعهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما (1) ، فهما به الهموم ، وأرادا به العظيم ، ثم إنه بايع لهما وسلم فلم يشركاه في آمرهما ولم يطلعاه على سرهما حتى قبضا على ذلك ، [وانقضى أمرهما ] ثم قام ثالثهما من بعدهما عثمان بن عفان فاقتدى بهديهما [ وسار بسيرتهما ] فعتبه أنت وصاحبك حتى طمع فيه الاقاصى من أهل المعاصي وبطنتما له و أظهرتما له العداوة حتى بلغتما فيه منا كما ، فخذ حذرك يا ابن أبي بكر وقس شبرك بفترك (2) فكيف توازي من يوازن الجبال حلمه ، ولا تعب من مهد له أبوك مهاده ، وطرح لملكه وساده ، فإن يكن ما نحن فيه صوابا فأبوك فيه أول ، ونحن فيه تبع ، وإن يكن جورا فأبوك أول من أسس بناه ، فبهديه اقتدينا ، وبفعله احتذينا ، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا إليه ولكن عب أباك بما شئت أو دعه والسلام على من أناب ورجع عن غوايته ، (3) وروي عن زيد بن علي عليهما السلام أنه كان يقول في قول الله تبارك وتعالى :( وريشا ولباس التقوى (4) ) : السيف، وروي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام في قوله : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) قال نزلت فينا أهل البيت (5) .
  وروي عن أبي معمر قال : جاء كثير النوا فبايع زيد بن علي ثم رجع فاستقال فأقاله ثم قال :
للحرب  أقوام لها iiخلقوا      وللتجارة والسلطان أقوام

------------------------------------
(1) تلكأ عليه : اعتل، وعن الامر : أبطأ وتوقف.
(2) الشبر ـ بكسر الشين ـ : ما بين طرف الابهام وطرف الخنصر ممتدين ، والفتر ـ بالكسر أيضا ـ : مابين طرف الابهام وطرف السبابة اذا فتحتهما.
(3) روى الكتاب دون الاشعار ، والجواب أيضا نصر بن مزاحم في كتاب الصفين ص 63 ، وابن ابى الحديد في شرح النهج ج 1 ص 283 من ط مصر ، و 350 من ط بيروت ، والطبرسى في الاحتجاج ونقله المجلسى في البحار ج 8 ص 654.
(4) اعراف : 26.
(5) نقله البحرانى في التفسير عن كتاب ما انزل من القرآن في أهل البيت عليهم السلام تأليف الشيخ محمد بن العباس بن مروان بن الماهيار ابن عبدالله البزاز مسندا عن ابى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام من الاختصاص ايضا ، والاية في سورة العنكبوت : 69.

الاختصاص _ 128 _
لـلحرخير البرية من أمسى iiتجارته      تقوى الاله وضرب يجتلي الهام (1)

  وروي عن حكم بن جبير قال : قلت لابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام : إن الشعبي يروي عندنا بالكوفة أن عليا قال : خير هذه الامة بعد نبيها أبوبكر وعمر ، فقال : إن الرجل يفضل على نفسه من ليس هو مثله ، حبا وتكرما ، ثم أتيت علي بن الحسين عليهما السلام فأخبرته ذلك ، فضرب على فخذي وقال : هو أفضل منهما كما بين السماء والارض.
  وروي عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : قلت لابي نعيم الفضل بن الدكين : كان زهير بن معاوية يحرس خشبة زيد بن علي ؟ قال نعم وكان فيه شر من ذلك ، وكان جده الرحيل فيمن قتل الحسين عليه السلام ، وكان زهير يختلف إلى قائده وقائده يحرس الخشبة وهو زهير بن معاوية بن خديج بن الرحيل (2) .
  وروي عن سعيد بن عبدالعزيز قال : كان الغالب على مكحول علم علي بن أبي طالب عليه السلام وكان إذا ذكر عليا لا يسميه ويقول : أبوزينب (3) .
  وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : إن بني امية وطئوا على صماخ الدين و ذبحوا كتاب الله بشفرة (4) .
  وروي عن ابن كدينة الاودي (5) قال : قام رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن قول الله عزوجل : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله (6) ) فيمن نزلت قال : في رجلين من قريش.
  وروي عن جابر الجعفي قال : كنت ليلة من بعض الليالي عند أبي جعفر عليه السلام

------------------------------------
(1) نقله المجلسى في البحار ج 11 ص 50 من الاختصاص.
(2) نقله المجلسى في البحار ج 11 ص 50 من الاختصاص والمامقانى في التنقيح ج 1 ص 453 وقال بعد نقل الرواية من الكتاب : أقول : كان أبوه معاوية بن خديج صاحب معاوية فهو قاتل محمد بن أبي بكر بمصر فيكون نسبه أعرق في الخبث.
(3) قال المامقانى : مكحول غير مذكور في رجالنا وانما عده أبوموسى من الصحابة واصفا له بمولى رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر ابن أبى الحديد في شرح النهج أنه كان من المبغضين لامير المؤمنين عليه السلام وروى هو عن زهير بن معاوية عن الحسن بن الحسن قال : لقيت مكحولا فاذا هو مضليع يعنى مملوء بغضا لامير المؤمنين عليه السلام فلم أزل به حتى لان وسكن ، انتهى
(4) الشفرة : السكين العظيمة العريضة.
(5) كذا والظاهر أنه أبوكريبة الازدى.
(6) الحجرات : 2 ونقله البحرانى في تفسير البرهان عن الكتاب.

الاختصاص _ 129 _
  فقرأت هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) (1) قال : فقال عليه السلام : مه يا جابر كيف قرأت ؟ ! قال : قلت : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) قال : هذا تحريف يا جابر ، قال : قلت : فكيف أقرء ـ جعلني الله فداك ـ ؟ قال : فقال : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله ) هكذا نزلت يا جابر لو كان سعيا لكان عدوا لما كرهه رسول الله صلى الله عليه وآله لقد كان يكره أن يعدو الرجل إلى الصلاة ، يا جابر لم سميت يوم الجمعة جمعة ؟ قال : قلت : تخبرني جعلني الله فداك ، قال : أفلا اخبرك بتأويله الاعظم ؟ قال : قلت : بلى جعلني الله فداك ، قال : فقال : يا جابر سمى الله الجمعة جمعة لان الله عزوجل جمع ذلك اليوم الاولين والآخرين وجميع ما خلق الله من الجن والانس وكل شئ خلق ربنا والسموات والارضين والبحار والجنة والنار وكل شئ خلق الله في الميثاق فأخذ الميثاق منهم له بالربوبية ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة ولعلي عليه السلام بالولاية وفي ذلك اليوم قال الله للسماوات والارض : ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) (2) فسمى الله ذلك اليوم الجمعة لجمعه فيه الاولين والآخرين ، ثم قال عزوجل : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة ) من يومكم هذا الذي جمعكم فيه والصلاة أمير المؤمنين عليه السلام يعني بالصلاة الولاية وهي الوالاية الكبرى ففي ذلك اليوم أتت الرسل والانبياء والملائكة وكل شئ خلق الله والثقلان الجن والانس والسماوات والارضون والمؤمنون بالتلبية لله عزوجل ( فامضوا إلى ذكر الله ) وذكر الله أمير المؤمنين ( وذروا البيع ) يعني الاول ( ذلكم ) يعني بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وولايته ( خير لكم ) من بيعة الاول وولايته ( إن كنتم تعلمون ) ، ( فإذا قضيت الصلاة ) يعني بيعة أمير المؤمنين ( فانتشروا في الارض ) يعني بالارض : الاوصياء ، أمر الله بطاعتهم وولايتهم كما أمر بطاعة الرسول وطاعة أمير المؤمنين عليه السلام كنى الله في ذلك عن أسمائهم فسماهم بالارض ( وابتغوا فضل الله ) قال جابر : ( وابتغوا من فضل الله ) قال : تحريف هكذا انزلت وابتغوا فضل الله على الاوصياء ( واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) ثم خاطب الله عزوجل في ذلك الموقف صلى الله عليه وآله فقال : يا محمد

------------------------------------
(1) الجمعة : 9.
(2) فصلت : 11.

الاختصاص _ 130 _
  ( إذا رأوا ) الشكاك والجاحدون ( تجارة ) يعني الاول ( أو لهوا ) يعني الثاني انصرفوا إليها قال : قلت : ( انفضوا إليها ) قال : تحريف هكذا نزلت ( وتركوك ) مع علي ( قائما ، قل ) يا محمد ( ما عند الله ) من ولاية علي والاوصياء ( خير من اللهو ومن التجارة ) يعني بيعة الاول والثاني للذين اتقوا ، قال : قلت : ليس فيها للذين اتقوا ، قال : فقال : بلى هكذا نزلت الآية وأنتم هم الذين اتقوا ( والله خير الرازقين ) (1) .
  وروي عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن يوم الجمعة وليلتها فقال : ليلتها غراء ويومها أزهر وليس على الارض يوم تغرب فيه الشمس أكثر معتقا من النار من يوم الجمعة ، فمن مات يوم الجمعة عارفا بحق أهل البيت كتب له براء‌ة من النار وبراء‌ة من عذاب القبر ، ومن مات ليلة الجمعة اعتق من النار ، (2) وروى علي بن مهزيار رفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام قال : من مات ليلة الجمعة عارفا بحقنا عتق من النار وكتب له براء‌ة من عذاب القبر (3) .
  الحمد لله وحده والصلاة على محمد وآله أجمعين وسلم تسليما كثيرا.
  قرن إسرافيل برسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يرى شيئا ثم قرن به جبرئيل عليه السلام عشرين سنة وذلك حيث اوحي إليه فأقام بمكة عشر سنين ، ثم هاجر إلى المدينة فأقا بها عشر سنين وقبض صلى الله عليه وآله وهو ابن ثلاث وستين سنة (4) .
  ومات أبوبكر وهو ابن ثلاث وستين سنة وولي الامر سنتين وستة أشهر، (5) وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة وولي الامر عشر سنين وستة أشهر، وقتل عثمان وهو ابن إحدى وثمانين سنة وولي اثنى عشر سنة (6) .

------------------------------------
(1) نقله البحرانى من الكتاب في تفسير البرهان ج 4 ص 334 ، وفى جميع المواضع التى قال عليه السلام : ( هكذا نزلت ) أى نزلت بذلك التأويل نزلت كما هو الظاهر لمن تدبر او تتبع أخبار التحريف.
(2) رواه الكلينى مسندا في الكافى ج 3 ص 415 ونقله المجلسى من دعائم الاسلام في ج 18 ص 747.
(3) نقله المجلسى من الكتاب في المجلد الثامن عشر ص 747.
(4) نقله المجلسى ـ رحمه الله ـ في المجلد السادس ص 553.
(5) نقله المجلسى في البحار ص 272.
(6) نقله المجلسى في البحار ج 8 ص 375.

الاختصاص _ 131 _
  وقتل أمير المؤمنين صلوات عليه عليه وهو ابن ثلاث وستين سنة ، تزعم العامة انه قتل وهو ابن سبعة وخمسين سنة وولي الامر خمس سنين (1) .
  وهلك معاوية لعنه الله وهو ابن ثمانية وسبعين سنة وولي الامر عشرين سنة، (2) وهلك ابنه يزيد لعنه الله لعنا وبيلا وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وولي الامر أربعة سنين.
وهلك معاوية بن يزيد وهو ابن إحدى وعشرين سنة وولي الامر أربعين ليلة ، (3) مروان بن الحكم ، عبدالملك بن مروان ، الوليد بن عبدالملك ، سليمان بن عبد الملك ، عمر عبدالعزيز بن مروان ، يزيد بن عبدالملك ، هشام بن عبدالملك ، الوليد بن يزيد بن عبدالملك ، يزيد بن الوليد بن عبدالملك ، إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك ، مروان ابن محمد الحمار (4) .

------------------------------------
(1) قال الكلينى في المجلد الاول من الكافى ص 452 : ولد أمير المؤمنين عليه السلام بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقتل عليه السلام في شهر رمضان لتسع بقين منه ليلة الاحد سنة اربعين من الهجرة وهو ابن ثلاث وستين سنة ، بقى بعد قبض النبى صلى الله عليه وآله ثلاثين سنة وقال المسعودى في اثبات الوصية ص 118 من الطبع الحجرى وص 126 من طبع النجف : قبض عليه السلام في ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان فكان عمره خمسا وستين سنة وروى ثلاثا وستين سنة منها مع النبى خمس وثلاثون سنة وبعده ثلاثون سنة.
أقول : ذكر المجلسى ـ رحمه الله ـ اختلافات العامة في مدة حياته عليه السلام في مرآة العقول ج 1 ص 374 فليراجع.
(2) نقله المجلسى ـ رحمه الله ـ في البحار ج 8 ص 562.
(3) نقله المجلسى ـ رحمه الله ـ في البحار ج 11 ص 34.
(4) كذا ، والظاهر أن المؤلف ـ رحمه الله ـ عنون هذه الاسماء ليذكر تاريخهم ومدة خلافتهم بعد فانصرف أو نسى أو لم يمهله الاجل.

الاختصاص _ 132 _

(أحاديث ووصايا النبي صلى الله عليه وآله لعلى عليه السلام)
  بسم الله الرحمن الرحيم
  أحمد قال : حدثنا عمرو بن حفص ، (1) وأبونصر ، عن محمد بن الهيثم ، عن إسحاق بن نجيح ، عن حصيب ، عن مجاهد ، عن الخدري قال : أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام : فقال : يا علي إذا دخلت العروس بيتك فاخلع خفها حين تجلس واغسل رجليها و صب الماء من باب دارك إلى أقصى دارك فإنك إذا فعلت ذلك أخرج الله من دارك سبعين نوعا من الفقر ، وأدخل سبعين نوعا من البركة ، وأنزل عليك سبعين رحمة ترفرف على رأس العروس(2) حتى تنال بركتها كل زاوية في بيتك وتأمن العروس من الجنون والجذام والبرص وأن لا تصيبها ما دامت في تلك الدار وامنع العروس في اسبوعها الاول من الالبان والخل والكزبرة والتفاحة الحامضة من هذه الاربعة الاشياء.
  قال علي عليه السلام : يا رسول الله ولاي شئ أمنعها هذه الاربعة الاشياء ؟ قال : لان الرحم يعقم ويبرد بهذه الاشياء عن الولد ، والحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد.
  قال علي عليه السلام : يا رسول الله فما بال الخل منع منه ؟ قال : إذا حاضت على الخل لم تطهر أبدا بتمام ، والكزبرة تبور الحيض (3) في بطنها وتشد عليها الولادة ، والتفاحة الحامضة تقطع حيضها فيصير ذلك داء عليها.
  ثم قال : يا علي لا تجامع امرأتك في أول الشهر وفي وسطه وفي آخره فإن الجنون والجذام والبرص يسرع إليها وإلى ولدها.

------------------------------------
(1) كذا في نسخة وفى الاخرى ( احمد : قال : حدثنا عمر بن حفص ).
(2) ترفرف أى تبسط.
(3) بار يبور بورا وبوارا أى هلك ، والسوق والسلعة : كسدت ، والعمل : بطل ، وفى بعض نسخ الحديث ( تثير الحيض في بطنها ) .

الاختصاص _ 133 _
  يا علي لا تجامع امرأتك بعد الظهر فإنه إن قضى بينكما ولد في ذلك الوقت يكون أحول ، والشيطان يفرح بالاحول من الانسان.
  يا علي لا تتكلم عند الجماع فإنه إن قضى بينكما ولد لا يؤمن أن يكون أخرس ولا تنظر إلى فرج امرأتك وغض بصرك عند الجماع فإنه يورث العمى ـ يعنى للولد ـ.
  يا علي لا تجامع امرأتك بشهوة امرأة غيرك فإنه إن قضى بينكما ولد يكون مخنثا مؤنثا (1) متذللا.
  يا علي إذا كنت جنبا في الفراش فلا تقرأ القرآن فإني أخشى أن تنزل عليكما نار من السماء فتحرقكما.
  يا علي لا تجامع امرأتك إلا ومعك خرقة ومع أهلك خرقة ولا تمسحا بخرقة واحدة فيقع الشهوة على الشهوة فإن ذلك يعقب العداوة ثم يؤديكما إلى الفرقة والطلاق.
  يا علي لا تجامع امرأتك من قيام فإن ذلك من فعل الحمير وإن قضى بينكما ولد يكون بوالا في الفراش كالحمير البوالة في كل مكان.
  يا علي لا تجامع امرأتك في ليلة الفطر فإنه إذا قضى بينكما ولد ينكث ذلك الولد (2) ولا يصيب ولدا إلا على كبر السن.
  يا علي لا تجامع في ليلة الاضحى فإنه إن قضى بينكما ولد أخشى أن يكون له ست أصابع أو أربع أصابع.
  يا علي لا تجامع أهلك في وجه الشمس وتلالوئها إلا أن ترخي سترا فإنه إن قضى بينكما ولد لا يزال في بؤس وفقر حتى يموت.
  يا علي لا تجامع أهلك تحت شجرة مثمرة فإنه إن قضى بينكما ولد يكون جلاداأو قتالا أو عريفا (3) .
  يا علي لا تجامع أهلك بين الاذان والاقامة ، فإنه إن قضى بينكما ولد يكون حريصا على هراقة الدماء.

------------------------------------
(1) المؤنث والمخنث كلاهما بمعنى.
(2) في بعض النسخ [ ينكد ذلك الولد ] ، وفى بعضها [ ينكب ذلك الولد ].
(3) العريف ـ كامير ـ : رئيس القوم والقيم بامورهم ومن يتعرف الحاكم منه أحوالهم.

الاختصاص _ 134 _
  يا علي إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلا وأنت على وضوء فإنه إن قضى بينكما ولد (1) يكون أعمى القلب ، بخيل اليد.
  يا علي لا تجامع امرأتك في نصف من الشعبان فإنه إن قضى بينكما ولد يكون مشوما ذا شامة في شعره ووجهه.
  يا علي لا تجامع أهلك في آخر الشهر ـ يعني إذا بقي يومان ـ فإنه إن قضى بينكما ولد يكون معدما (2) يا علي لا تجامع أهلك في شهوة اختها فإنه إن قضى بينكما ولد يكون عشارا أو عونا للظالم أو يكون هلاك فئام الناس على يده ، (3) يا علي إذا جامعت أهلك فقل : ( اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان مما رزقتني ) فإنه إن قضى بينكما ولد لم يضره الشيطان أبدا.
  يا علي لا تجامع أهلك في سقوف البنيان فإنه إن قضى بينكما ولد يكون منافقا مرائيا مبتدعا.
  يا علي إذا خرجت في السفر فلا تجامع أهلك تلك الليلة فإنه إن قضى بينكما ولد ينفق ماله في غير حق وقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله : ( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ).
  يا علي لا تجامع أهلك إذا خرجت إلى سفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن فإنه إن قضى بينكما ولد يكون عونا لكل ظالم.
  يا علي عليك بالجماع ليلة الاثنين فإنه إن قضى بينكما ولد يكون حافظا لكتاب الله ، راضيا بما قسم الله عزوجل.
  يا علي إن جامعت أهلك في ليلة الثلثاء فقضى بينكما ولد يرزق الشهادة بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ولا يعذبه الله عز وجل مع المشركين ويكون طيب النكهة من الفم (4) رحيم القلب ، طاهر اللسان من الغيبة والكذب والبهتان.

------------------------------------
(1) كذا ونسخ الحديث ايضا هكذا ولعل جملة ( فانه ان قضى بينكما ولد ) زائدة من النساخ.
(2) المعدم : الفقير المحتاج.
(3) فئام الناس : جماعة منهم.
(4) النكهة : ريح الفهم.

الاختصاص _ 135 _
  يا علي وإن جامعت أهلك في ليلة الخميس فقضى بينكما ولد يكون حكيما من الحكماء أو عالما من العلماء وإن جامعتها في كبد الشمس (1) فقضى بينكما ولد فإن الشيطان لا يقربه حتى يشيب ويكون فقيها ويرزقه الله السلامة في الدين والدنيا ، وإن جامعتها ليلة الجمعة وكان بينكما ولد يكون خطيبا قوالا مفوها (2) ، وإن جامعتها يوم الجمعة بعد العصر وقضى بينكما ولد يكون معروفا مشهورا عالما ، وإن جامعتها في ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة فإنه يرجى أن يكون ولدك من الابدال إن شاء الله (3) .
  يا علي لا تجامع أهلك في أول ساعة من الليل فإنه إن قضى بينكما ولد لا يؤمن أن يكون ساحرا ، كاهنا ، مؤثرا للدنيا على الآخرة (4) .
  يا علي احفظ وصيتي هذه كما حفظتها عن جبرئيل عليه السلام ، (5) كمل الحديث بحمد الله ومنه.

------------------------------------
(1) كبدت الشمس السماء : صارت في كبيدانها اى وسطها وكبد الشئ وسطها ومعظمها.
(2) المفوه : المنطيق ، البليغ الكلام ، يقال : ( خطيب مفوه ).
(3) البدل ـ بكسر الباء واسكان الدال ـ والبدل ـ بالتحريك ـ والبديل ـ بفتح الباء و كسر الدال ـ : الخلف ، الكريم ، الشريف يقال : ( رجل بدل وبدل ) الجمع أبدال وبدلاء.
(4) آثره ايثارا : اكرمه واختاره وفضله وقدمه على غيره.
(5) رواه الصدوق في الفقيه ص 456 ، وفى العلل ص 174 ، وفى الامالى المجلس الرابع والثمانين.

الاختصاص _ 136 _

حديث منطق بعض الحيوانات
  بسم الله الرحمن الرحيم
  قال : قال ابن عباس شهدنا مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فإذا نحن بعدة من العجم ، فسلموا عليه فقالوا : جئناك لنسألك عن ست خصال فإن أنت أخبرتنا آمنا وصدقنا وإلا كذبنا وجحدنا ، فقال علي عليه السلام : سلوا متفقهين ولا تسألوا متعنتين ، قالوا : أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله ، والحمار في نهيقه ، والدراج في صياحه ، و القنبرة في صفيرها ، والديك في نعيقه ، والضفدع في نقيقه ؟ فقال علي عليه السلام : إذا التقى الجمعان ومشى الرجال إلى الرجال بالسيوف يرفع الفرس رأسه فيقول : ( سبحان الملك القدوس ) و يقول الحمار في نهيقه : ( اللهم العن العشارين ).
  ويقول الديك في نعيقه بالاسحار : ( اذكروا الله يا غافلين ) ويقول الضفدع في نقيقه :
  ( سبحان المعبود في لجج البحار ).
  ويقول الدراج في صياحه : ( الرحمن على العرش استوى ).
  وتقول القنبرة في صفيرها : ( اللهم العن مبغضي آل محمد ).
  قال : فقالوا : آمنا وصدقنا وما على وجه الارض من هو أعلم منك ، فقال عليه السلام : ألا افيدكم ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين ، فقال : إن للفرس في كل يوم ثلاث دعوات مستجابات تقول في أول نهاره ( اللهم وسع على سيدي الرزق ) وتقول في وسط النهار ( اللهم اجعلني أحب إلى سيدي من أهله وماله ) ويقول في آخر نهاره : ( اللهم ارزق سيدى على ظهري الشهادة ) (1) .

المسوخ وسبب مسخها
  بسم الله الرحمن الرحيم
  محمد بن أبي عاتكة الدمشقي قال : حدثني الوليد بن سلمة الازدي ، عن عبدالرحمن القرشي ، عن حذيفة بن اليمان قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله

------------------------------------
(1) نقله المجلسي ـ رحمه الله ـ في البحار المجلد الرابع عشر ص 660 من الاختصاص.

الاختصاص _ 137 _
  إذ قال : إن الله تبارك وتعالى مسخ من بني آدم اثنى عشر جزء‌ا ، فمسخ منهم القردة ، و الخنازير ، والسهيل ، والزهرة ، والعقرب والفيل ، والجري ـ وهو سمك لا يؤكل ـ ، والدعموص ، والدب ، والضب ، والعنكبوت والقنفذ.
  قال حذيفة : بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله فسر لنا هذا كيف مسخوا ؟ قال : نعم ، أما القردة فمسخوا لانهم اصطادوا الحيتان في السبت على عهد داود النبي عليه السلام ، وأما الخنازير فمسخوا لانهم كفروا بالمائدة التي نزلت من السماء على عيسى ابن مريم عليهما السلام ، وأما السهيل فمسخ لانه كان رجلا عشارا فمر به عابد من عباد ذلك الزمان فقال العشار : دلني على اسم الله الذي يمشى به على الماء ويصعد به إلى السماء فدله على ذلك ، فقال العشار : قد ينبغي لمن عرف هذا الاسم أن لا يكون في الارض بل يصعد به إلى السماء فمسخه الله وجعله آية للعالمين ، وأما الزهرة فمسخت لانها هي المرأة التي افتتنت ، هاروت وماروت الملكين ، وأما العقرب فمسخ لانه كان رجلا نماما يسعى بين الناس بالنميمة ويغري بينهم العداوة وأما الفيل فإنه كان رجلا جميلا فمسخ لانه كان تنكح البهائم والبقر والغنم شهوة من دون النساء ، وأما الجري فمسخ لانه كان رجلا من التجار وكان يبخس الناس بالمكيال والميزان ، وأما الدعموص فمسخ لانه كان رجلا إذا حضر النساء لم يغتسل من الجنابة ويترك الصلاة فجعل الله قراره في الماء إلى يوم القيامة من جزعه على البرد ، وأما الدب فمسخ لانه كان رجلا يقطع الطريق ، لا يرحم غنيا ولا فقيرا إلا سلبه ، وأما الضب فمسخ لانه كان رجلا من الاعراب وكانت خيمته على ظهر الطريق وكان إذا مرت القافلة يقول له : يا عبدالله كيف نأخذ الطريق إلى كذا وكذا ، فإن أراد القوم المشرق ردهم إلى المغرب وإن أرادوا المغرب ردهم إلى المشرق وتركهم يهيمون (1) لم يرشدهم إلى سبيل الخير ، وأما العنكبوت فمسخت لانها كانت خائنة للبعل ، وكانت تمكن فرجها سواه ، وأما القنفذ فإنه كان رجلا من صناديد العرب (2) فمسخ لانه كان إذا نزل به الضيف رد الباب في وجهه ويقول

------------------------------------
(1) هام يهيم هيما على وجهه : ذهب لا يدرى أين يتوجه.
(2) الصناديد جمع الصنديد وهو السيد الشجاع

الاختصاص _138 _
  لجاريته اخرجي إلى الضيف فقولي له : إن مولاي غائب عن المنزل فيبيت الضيف بالباب جوعا ويبيت أهل البيت شباعا مخصبين (1) .

كتاب معاوية إلى على عليه السلام وجواب على عليه السلام على يد الطرماح إليه
  كتب معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب صلوات الله عليه : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا علي لاضربنك بشهاب قاطع لا يدكنه الريح (2) ولا يطفئه الماء إذا اهتز وقع وإذا وقع نقب والسلام.
  فلما قرأ علي عليه السلام كتابه دعا بدواة وقرطاس ثم كتب : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا معاوية فقد كذبت ، أنا علي بن أبي طالب ، وأنا أبوالحسن والحسين قاتل جدك وعمك وخالك وأبيك ، وأنا الذي أفنيت قومك في يوم بدر ويوم فتح ويوم احد ، وذلك السيف بيدي ، تحمله ساعدي بجرأة قلبي كما خلفه النبي صلى الله عليه وآله بكف الوصي ، لم أستبدل بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وآله نبيا وبالسيف بدلا والسلام على من اتبع الهدى.
  ثم طوى الكتاب ودعا الطرماح بن عدي الطائي وكان رجلا مفوها طوالا (3) ، فقال له : خذ كتابي هذا فانطلق به إلى معاوية ورد جوابه ، فأخذ الطرماح الكتاب ودعا بعمامة فلبسها فوق قلنسوته ، ثم ركب جملا بازلا فتيقا مشرفا عليا في الهواء (4) ، فسار

------------------------------------
(1) نقله المجلسي من الكتاب في المجلد الرابع عشر من البحار ص 786.
(2) كذا وفى بعض النسخ [ لا يذكيه الريح ].
(3) طرماح ـ بكسر الطاء وشد الميم ـ هوأخو حجر بن عدى كان من كبار أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام كما عده الشيخ تارة منهم قائلا رسوله عليه السلام إلى معاوية أو من اصحاب الحسين عليه السلام كما قاله الشيخ أيضا : والمفوه : المنطيق.
(4) قال الجوهري : بزل البعير فطر نابه أى انشق فهو بازل ذكرا كان أو انثى وذلك في السنة التاسعة وربما بزل في السنة الثامنة ، وقال : يقال : جمل فتيق اذا انفتق سمنا وفى بعض النسخ [ الفنيق ] بالنون وهو الفحل المكرم.

الاختصاص _ 139 _
  حتى نزل مدينة دمشق فسأل عن قواد معاوية ، فقيل له : من تريد منهم ؟ فقال : اريد جرولا وجهضما وصلادة وقلادة وسوادة وصاعقة (1) أبا المنايا ، وأبا الحتوف ، وأبا الاعور السلمي ، وعمرو بن العاص ، وشمر بن ذي الجوشن والهدى بن [ محمد بن ] الاشعث الكندي (2) ، فقيل إنهم يجتمعون عند باب الخضراء ، فنزل وعقل بعيره وتركهم حتى اجتمعوا ركب إليهم ، فلما بصروا به قاموا إليه يهزؤون به ، فقال واحد منهم : يا أعرابي أعندك خبر من السماء ؟ قال : نعم جبرئيل في السماء وملك الموت في الهواء وعلي في القضاء فقالوا له : يا أعرابي من أين أقبلت ؟ قال : من عند التقي النقي إلى المنافق الردي ، قالوا له : يا أعرابي فما تنزل إلى الارض حتى نشاورك ؟ قال : والله ما في مشاورتكم بركة ولا مثلي يشاور أمثالكم ، قالوا : يا أعرابي فإنا نكتب إلى يزيد بخبرك وكان يزيد يومئذ ولي عهدهم ، فكتبوا إليه : أما بعد يا يزيد فقد قدم علينا من عند علي بن أبي طالب أعرابي له لسان يقول فما يمل ، ويكثر فما يكل والسلام.
  فلما قرأ يزيد الكتاب أمر أن يهول عليه وأن يقام له سماطان بالباب بأيديهم أعمدة الحديد فلما توسطهم الطرماح قال : من هؤلاء كأنهم زبانية مالك في ضيق المسالك عند تلك الهوالك ؟ قالوا : اسكت هؤلاء أعدوا ليزيد ، فلم يلبث أن خرج يزيد ، فلما نظر إليه قال : السلام عليك يا أعرابي ، قال : الله السلام المؤمن المهيمن وعلى ولد أمير المؤمنين ، قال : إن أمير المؤمنين يقرء عليك السلام ، قال : سلامه معي من الكوفة ، قال :
  إنه يعرض عليك الحوائج ، قال : أما أول حاجتي إليه فنزع روحه من بين جنبيه وأن يقوم من مجلسه حتى يجلسه فيه من هو أحق به وأولى منه ، قال له : يا أعرابي فإنا ندخل عليه ، فما فيك حيلة والسرير قال : السلام عليك أيها الملك ، قال : وما منعك أن تقول : يا أمير المؤمنين ؟ قال : نحن

------------------------------------
(1) الجرول ـ كجعفر ـ : الحجارة.والجهضم ـ كجعفر أيضا ـ : الضخم الهامة ، المستدير الوجه والرحب الجنبين ، الواسع الصدر ، والاسد ، وصلد يصلد ـ كشرف يشرف ـ : بخل وصلد اى صلب ورجل صلد أى بخيل ولعل اراد بتلك الاسماء خواص معاوية او خدمه ويكون ذلك نبزا واستهزاء لهم ، أو الجرول صفة أبي المنايا وجهضم صفة أبى الحتوف وهلم جرا.
(2) كذا.

الاختصاص _ 140 _
  المؤمنون فمن أمرك علينا ؟ فقال : ناولني كتابك ، قال : إني لاكره أن أطأ بساطك ، قال فناوله وزيري ، قال : خان الوزير وظلم الامير ، قال : فناوله غلامي ، قال : غلام سوء اشتراه مولاه من غير حل واستخدمه في غير طاعة الله ، قال : فما الحيلة يا أعرابي ؟ قال : ما يحتال مؤمن مثلي لمنافق مثلك قم صاغرا فخذه ، فقام معاوية صاغرا فتناوله ثم فصه وقرأ ثم قال : يا أعرابي كيف خلفت عليا ؟ قال : خلفته والله جلدا ، حريا ، ضابطا ، كريما ، شجاعا ، جوادا ، لم يلق جيشا إلا هزمه ولا قرنا إلا أرداه ولا قصرا إلا هدمه ، قال : فكيف خلفت الحسن والحسين ؟ قال : خلفتهما صلوات الله عليهما صحيحين ، فصيحين ، كريمين ، شجاعين ، جوادين ، شابين ، طريين مصلحان للدنيا والآخرة ، قال : فكيف خلفت أصحاب علي ؟ قال : خلفتهم وعلي عليه السلام بينهم كالبدر وهم كالنجوم ، إن أمرهم ابتدروا وإن نهاهم ارتدعوا ، فقال له : يا أعرابي ما أظن بباب علي أحدا أعلم منك ، قال : ويلك استغفر ربك وصم سنة كفارة لما قلت ، كيف لو رأيت الفصحاء الادباء النطقاء ، و وقعت في بحر علومهم لغرقت يا شقي ، قال : الويل لامك ، قال : بل طوبى لها ولدت مؤمنا يغمز منافقا مثلك ، قال له : يا أعرابي هل لك في جائزة ؟ قال : أرى استنقاص روحك ، فكيف لا أرى استنقاص مالك (1) ، فأمر له بمائة ألف درهم ، قال : أزيدك يا أعرابي ؟ قال اسد يدا سد أبدا (2) ، فأمر له بمائة ألف اخرى ، فقال ثلثها فإن الله فرد ، ثم ثلثها ، فقال : الآن ما تقول ؟ فقال : أحمد الله وأذمك ، قال : ولم ويلك ؟ قال : لانه لم يكن لك ولابيك ميراثا ، إنما هو من بيت مال المسلمين أعطيتنيه.
  ثم أقبل معاوية على كاتبه فقال اكتب للاعرابي جوابا فلا طاقة لنا به فكتب أما بعد يا علي فلاوجهن إليك بأربعين حملا من خردل مع كل خردلة ألف مقاتل يشربون الدجلة ويسقون الفرات ، فلما نظر الطرماح إلى ما كتب به الكاتب أقبل على معاوية فقال له : سوء‌ة لك يا معاوية فلا أدري أيكما أقل حياء أنت أم كاتبك ؟ ويلك لو جمعت الجن والانس وأهل الزبور والفرقان كانوا لا يقولون بما قلت ، قال : ما كتبه عن أمري ، قال :

------------------------------------
(1) في غيره من نسخ الحديث ( اريد استقباض روحك من جسدك فكيف باستقباض مالك ).
(2) كذا وفى البحار أى اعط نعمة تكون أبدا سيدا للقوم ، وفى بعض النسخ[ سديدا سديدا ].

الاختصاص _ 141 _
  إن لم يكن كتبه عن أمرك فقد استضعفك في سلطانك وإن كان كتبه بأمرك فقد استحييت لك من الكذب ، أمن أيهما تعتذر ومن أيهما تعتبر ؟ أما إن لعلي صلوات الله عليه ديكا أشتر جيد العنصر (1) يلتقط الخردل لجيشه وجيوشه ، فيجمعه في حوصلته ، قال : و من ذلك يا أعرابي ؟ قال : ذلك مالك بن الحارث الاشتر ، ثم أخذ الكتاب والجائزة و انطلق به إلى علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، فأقبل معاوية على أصحابه فقال : نرى لو وجهتكم بأجمعكم في كل ما وجه به صاحبه ما كنتم تؤدون عني عشر عشير ما أدى هذا عن صاحبه كمل الخبر (2) .

------------------------------------
(1) في بعض النسخ[ جيدا أخضر ].
(2) نقله المجلسي من الكتاب في المجلد الثامن ص 587 من البحار.

الاختصاص _ 141 _
  ما قرأه أبو عبد الله عليه السلام بعد قراء‌ة القرآن
  روي عن أبي عبدالله عليه السلام أنه إذا قرأ القرآن قال : " اللهم إنني قد قرأت ما قضيت لي من كتابك الذي أنزلته على نبيك الصادق ، فلك الحمد ربنا ، اللهم اجعلني ممن أحل حلاله وحرم حرامه وآمن بمحكمه ومتشابهه ، واجعله لي انسا في قبري وانسا في حشري وانسا في نشري ، واجعلني ممن ترقيه بكل آية قرأتها لي درجة في أعلى عليين آمين رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله وسلم ، بسم الله اللهم إني أشهد أن هذا كتابك المنزل من عندك على رسولك محمد بن عبدالله صلواتك عليه وآله وكلامك الناطق على لسان رسولك ، فيه حكمك وشرائع دينك ، أنزلته على نبيك وجعلته عهدا منك إلى خلقك وحبلا متصلا فيما بينك وبين عبادك ، اللهم إني نشرت عهدك وكتابك ، اللهم فاجعل نظري فيه عبادة وقراء‌تي فيه فكرا وفكري اعتبارا ، واجعلني ممن اتعظ ببيان مواعظك فيه واجتنب معاصيك ، ولا تطبع عند قراء‌تي كتابك على قلبي ، ولا على سمعي ولا تجعل على بصري غشاوة ، ولا تجعل قراء‌تي قراء‌ة لا تدبر فيها بل اجعلني أتدبر آياته و أحكامه آخذا بشرائع دينك ولا تجعل نظري فيه غفلة ولا قراء‌تي منه هذرا إنك أنت الرؤوف الرحيم.

الاختصاص _ 142 _
  روي هذا الخبر عن أبي عبدالله عليه السلام أنه كان إذا أخذ المصحف ونشره قال هذا ـ كمل الخبر ـ (1) .

ثمانية لا يقبل الله صلاتهم
ثمانية لا يقبل الله صلاتهم : الامام الجائر ، والامام الذي يصلي بالقوم وهم له كارهون ، والسكران ، ومانع الزكاة ، وتارك الوضوء ، والزبين ، والمرأة تبيت وزوجها عليها ساخط ، والحرة تصلي بغير قناع (2) .
  روي عن العالم عليه السلام أنه قال : المستتر بالحسنة له سبعون ضعفا والمذيع له واحد والمستتر بالسيئة مغفور لها والمذيع لها مخذول ، المقر بذنبه كمن لا ذنب له ، وإذا كان الرجل في جوف الليل في صلاته يقر لله بذنوبه ويسأله التوبة وفي ضميره أن لا يرجع إليه فالله يغفر إن شاء الله.
  قال : رفع رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كتابا فيه سعاية فنظر إليه أمير المؤمنين ثم قال عليه السلام : يا هذا إن كنت صادقا مقتناك وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن أحببت القيلة أقلناك (3) ، قال : بل تقيلني يا أمير المؤمنين.
  قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون (4) ) اصبروا على مصائبكم وصابروا على دينكم ورابطوا لامامكم.

خلق الإنسان
  قال العالم عليه السلام : خلق الله عالمين متصلين ، فعالم علوي وعالم سفلي ، وركب العالمين جميعا في ابن آدم وخلقه كرويا مدورا فخلق الله رأس ابن آدم كقبة الفلك ، وشعره كعدد

------------------------------------
(1) نقله المجلسى في المجلد التاسع عشر من البحار ص 52 عن مصباح الانوار وقال بعد نقله : وفى الاختصاص عن ابى عبدالله عليه السلام مثله.
(2) رواه الصدوق ـ رحمه الله ـ في الخصال أبواب الثمانية بتقديم وتأخير وأدنى اختلاف بهذا السند حدثنا أحمد بن يحيى بن عمران الاشعرى ، عن احمد بن محمد بن خالد باسناده رفعه إلى ابى عبدالله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : ثمانية لا يقبل لهم صلاة وساق إلى أن قال : قالوا : يا رسول الله : وما الزبين ؟ قال : الذي يدافع الغائط والبول.
(3) الاقالة : فسخ البيع ، وأقلنى عثرتى أى تجاوز عن سيئتى.
(4) آل عمران : 200

الاختصاص _ 143 _
  النجوم ، وعينيه كالشمس والقمر ، ومنخيريه كالشمال والجنوب ، واذينه كالمشرق و المغرب ، وجعل لمحه كالبرق وكلامه كالرعد ومشيه كسير الكواكب وقعوده كشرفها ، وغفوه كهبوطها (1) وموته كاحتراقها ، وخلق في ظهره أربعة وعشرين فقرة كعدد ساعات الليل والنهار ، وخلق له ثلاثين معى كعدد الهلال ثلاثين يوما ، وخلق له اثنى عشر عضوا وهو مقدار ما تقيم الجنين في بطن امه (2) ، وعجنه من مياه أربعة فخلق المالح في عينيه فهما لا يذوبان في الحر ولا يخمدان في البرد ، وخلق المر في اذنيه لكيلا تقر بها الهوام ، وخلق المني في ظهره لكيلا يعتريه الفساد ، وخلق العذب في لسانه فشهد آدم أن لا إله إلا الله (3) وخلقه بنفس وجسد وروح ، فروحه التي لا تفارقه إلا بفراق الدنيا وبنفسه التي يرى بها الاحلام والمقامات وجسمه هو الذي يبلى ويرجع إلى التراب ـ كمل الحديث ـ (4) .
  يروى عن الصادق عليه السلام أنه قال : المؤمن هاشمي لانه هشم الضلال والكفر والنفاق والمؤمن قرشي لانه أقر للشئ ونحن الشئ وأنكر اللاشئ الدلام وأتباعه ، والمؤمن نبطي لانه استنبط الاشياء فعرف الخبيث من الطيب ، والمؤمن عربي لانه أعرب عنا أهل البيت ، والمؤمن أعجمي لانه أعجم عن الدلام فلم يذكره بخير والمؤمن فارسي لانه يفرس في الايمان لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله أبناء فارس يعني به المتفرس فاختار منها أفضلها واعتصم بأشرفها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله (5) .

------------------------------------
(1) غفوه أى نومه ، والغفوة : النومة الخفيفة.
(2) اكثر الحمل على الاشهر اثنى عشر شهرا كما ذكره المجلسى ـ رحمه الله ـ.وروى الكلينى في باب النوادر من كتاب العقيقة الحديث الثالث عن أبي جعفر عليه السلام سئل عن غاية الحمل بالولد في بطن امه وكم هو ؟ فان الناس يقولون : ربما بقى في بطنها سنين ، فقال : كذبوا أقصى حد الحمل تسعة اشهر لا يزيد لحظة ولو زاد ساعة لقتل امه قبل ان يخرج.
(3) في بعض النسخ [ وخلق العذب في لسانه ليجد طعم الطعام والشراب ]،وهكذا في البحار.
(4) نقله في البحار ج 14 ص 461.
(5) نقله المجلسى ـ رحمه الله ـ في الجزء الاول من المجلد الخامس عشر من البحار ص 17 وذكر في توضيحه المراد بالشئ الحق الثابت وباللاشئ الباطل المضمحل ويمكن أن يكون بمعنى المشى اى ما يصلح أن تتعلق به المشية والحق كذلك و ( الدلام ) للاشئ ويكنى به غالبا عن المنافق.

الاختصاص _ 144 _

( من كتاب ابن دأب في فضل أمير المؤمنين عليه السلام )
  من كتاب ابن دأب في فضل أمير المؤمنين عليه السلام فيه سبعون منقبة له ليس لأحد فيها نصيب بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا عبدالله ـ رحمه الله ـ قال : حدثنا أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان قال : روى لنا أبوالحسين محمد بن علي بن الفضل بن عامر الكوفي قال : أخبرنا أبوعبدالله الحسين بن الفرزدق فزاري البزاز قراء‌ة عليه قال : حدثنا أبوعيسى محمد بن علي بن عمرويه الطحان وهو الوراق قال : حدثنا أبومحمد الحسن بن موسى قال : حدثنا علي بن أسباط ، عن غير واحد من أصحاب ابن دأب (1) قال : لقيت الناس يتحدثون أن العرب كانت تقول : إن يبعث الله فينا نبيا يكون في أصحابه سبعون خصلة من مكارم الدنيا والآخرة ، فنظروا وفتشوا هل يجتمع عشر خصال في واحد فضلا عن سبعين ، فلم يجدوا خصالا مجتمعة للدين والدنيا ووجدوا عشر خصال مجتمعة في الدنيا وليس في الدين منها شئ ووجدوا زهير بن حباب الكلبي ووجدوه شاعرا ، طبيبا ، فارسا ، منجما ، شريفا أيدا ، كاهنا ، قائفا ، عائفا ، زاجرا (2) وذكروا أنه عاش ثلاث مائة سنين وأبلى أربعة لحم.

------------------------------------
(1) قال المحدث القمى ـ رحمه الله ـ في الكنى والالقاب ، أبوالوليد عيسى بن يزيد بن بكر ابن دأب ـ كفلسـ كان من أهل الحجاز من كنانة معاصرا لموسى الهادى العباسى وكان أكثر أهل عصره أدبا وعلما ومعرفة بأخبار الناس وأيامهم وكان موسى الهادى يدعو له متكئا ولم يكن غيره يطمع منه في ذلك وكان يقول له : يا عيسى ما استطلت بك يوما ولا ليلة ولا غبت عنى الا ظننت أنى لا أرى غيرك ، ذكر المسعودى في مروج الذهب بعض أخباره مع الهادى ثم قال : ولابن دأب مع الهادى أخبار حسان يطول ذكرها ويتسع علينا شرحها ولا يتأتى لنا ايراد ذلك في هذا الكتاب لاشتراطنا فيه على انفسنا الاختصار والايجاز انتهى قلت : ويظهر من رواية نقلها صاحب الاختصاص عنه في الخصال الشريفة التى جمعت في امير المؤمنين عليه السلام ولم تجتمع في أحد غيره تشيعه والرواية طويلة أوردها العلامة المجلسى في البحار ج 9 ص 450 لا يحتمل المقام ذكرها ، قال ابن قتيبة ولابن دأب عقب بالبصرة وأخوه يحيى بن يزيد وكان أبوهما يزيد أيضا عالما بأخبار العرب واشعارها وكان شاعرا أيضا وأغلب على آل دأب الاخبار، انتهى.
(2) الايد ـ ككيس ـ : القوى ، والقائف : الذى يعرف النسب بفراسته ونظره إلى اعضاء المولود ، والعائف : المتكهن بالطير أو غيرها.

الاختصاص _ 145 _
  قال ابن دأب : ثم نظروا وفتشوا في العرب وكان الناظر في ذلك أهل النظر ، فلم يجتمع في أحد خصال مجموعة للدين والدنيا بالاضطرار على ما أحبوا وكرهوا إلا في علي بن أبي طالب عليه السلام فحسدوه عليها حسدا أنغل القلوب (1) وأحبط الاعمال ، وكان أحق الناس وأولاهم بذلك إذ هدم الله عزوجل به بيوت المشركين ونصر به الرسول صلى الله عليه وآله واعتز به الدين في قتله من قتل من المشركين في مغازي النبي صلى الله عليه وآله.
  قال ابن دأب : فقلنا لهم : وما هذه الخصال ؟ قالوا : المواساة للرسول صلى الله عليه وآله وبذل نفسه دونه ، والحفيظة ، ودفع الضيم عنه ، والتصديق للرسول صلى الله عليه وآله بالوعد ، والزهد و ترك الامل ، والحياء ، والكرم ، والبلاغة في الخطب ، والرئاسة ، والحلم ، والعلم ، والقضاء بالفصل ، والشجاعة ، وترك الفرح عند الظفر ، وترك إظهار المرح ، وترك الخديعة والمكر والغدر ، وترك المثلة وهو يقدر عليها ، والرغبة الخالصة إلى الله ، وإطعام الطعام على حبه ، وهو ان ما ظفر به من الدنيا عليه ، وتركه أن يفضل نفسه وولده على أحد من رعيته و طعامه أدنى ما تأكل الرعية ، ولباسه أدنى ما يلبس أحد من المسلمين ، وقسمه بالسوية و عدله في الرعية ، والصرامة في حربه (2) وقد خذله الناس ، وكان في خذل الناس وذهابهم عنه بمنزلة اجتماعهم عليه طاعة لله وانتهاء إلى أمره ، والحفظ وهو الذي تسميه العرب العقل حتى سمي اذنا واعية ، والسماحة ، وبث الحكمة ، واستخراج الكلمة ، والابلاغ في الموعظة ، وحاجة الناس إليه إذا حضر ، حتى لا يؤخذ إلا بقوله ، وانغلاق كلما في الارض (3) على الناس حتى يستخرجه ، والدفع عن المظلوم وإغاثة الملهوف ، والمروء‌ة ، وعفة البطن والفرج ، وإصلاح المال بيده ليستغني به عن مال غيره ، وترك الوهن والاستكانة وترك الشكاية في موضع ألم الجراحة ، وكتمان ما وجد في جسده من الجراحات من قرنه إلى قدمه وكانت ألف جراحة في سبيل الله ، والامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ولو على نفسه ، وترك الكتمان فيما لله فيه الرضا على ولده ، وإقرار الناس بما

------------------------------------
(1) انغل القلوب أى أفسدها.
(2) الصرامة ـ بفتح الصاد ـ ورجل صرامة أى مستبد برأيه ، ماض في اموره.
(3) في بعض النسخ [ وانفلاق ما في الارض ].

الاختصاص _ 146 _
  نزل به القرآن من فضائله وما يحدث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله من مناقبه واجتماعهم على أنه لم يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله كلمة قط ، ولم ترتعد فرائصه في موضع بعثه فيه قط ، وشهادة الذين كانوا في أيامه أنه وفر فيئهم وظلف نفسه عن دنياهم ، (1) ولم يرتشي في أحكامهم ، وزكاء القلب ، وقوة الصدر عندما حكمت الخوارج عليه ـ وهرب كل من كان في المسجد وبقي على المنبر وحده ـ وما يحدث الناس أن الطير بكت عليه ، وما روي عن ابن شهاب الزهري أن حجارة أرض بيت المقدس قلبت عند قتله فوجد تحتها دم عبيط والامر العظيم حتى تكلمت به الرهبان وقالوا فيه ، ودعاؤه الناس إلى أن يسألوه عن كل فتنة تضل مائة أو تهدي مائة ، وما روى الناس من عجائبه في إخباره عن الخوارج وقتلهم ، وتركه مع هذا أن يظهر منه استطالة أو صلف (2) ، بل كان الغالب عليه إذا كان ذلك غلب البكاء عليه ، والاستكانة لله حتى يقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : ما هذا البكاء يا علي ؟ فيقول : أبكي لرضاء رسول الله عني ، قال : فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله وملائكته ورسوله عنك راضون ، وذهاب البرد عنه في أيام البرد ، وذهاب الحر عنه في أيام الحر ، فكان لا يجد حرا ولا بردا ، والتأييد بضرب السيف في سبيل الله ، والجمال قال : أشرف يوما على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : ما ظننت إلا أنه أشرف علي القمر ليلة البدر ، ومباينته للناس في احكام خلقه ، قال : وكان له سنام كسنام الثور ، بعيد ما بين المنكبين ، وإن ساعديه لا يستبينان من عضديه من إدماجهما من إحكام الخلق ، لم يأخذ بيده أحدا قط إلا حبس نفسه ، فإن زاد قليلا قتله.
  قال ابن دأب : فقلنا : أي شئ معنى أول خصاله المواساة ؟ قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله له : إن قريشا قد أجمعوا على قتلي فنم علي فراشي ، فقال : بأبي أنت وأمي السمع والطاعة لله ولرسوله فنام على فراشه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله لوجهه ، وأصبح علي وقريش يحرسه فأخذوه فقالوا : أنت الذي غدرتنا منذ الليلة ؟ فقطعوا له قضبان الشجر فضرب حتى كادوا يأتون على نفسه ، ثم أفلت من أيديهم وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الغار

------------------------------------
(1) ظلف نفسه عن الشئ أي كف عنه. ورجل ظلف النفس : مترفع عن الدنايا.
(2) الصلف ـ محركة ـ : الادعاء ما فوق القدر اعجابا وتكبرا ، ومجاوزة قدر الظرف.

الاختصاص _ 147 _
  أن أكثر ثلاثة أباعر : واحدا لي وواحدا لابي بكر وواحدا للدليل واحمل أنت بناتي إلى أن تلحق بي ، ففعل.
  قال : فما الحفيظة والكرم ؟ قالوا : مشى على رجليه وحمل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله على الظهر ، وكمن النهار وسار بهن الليل ماشيا على رجليه ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تعلقت قدماه دما ومدة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : هل تدري ما نزل فيك ؟ فأعلمه بما لا عوض له لو بقي في الدنيا ما كانت الدنيا باقية ، قال : يا علي نزل فيك ( فاستجاب لهم ربي أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى (1) ) فالذكر أنت والاناث بنات رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله تبارك وتعالى : ( فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (2) ).
  قال : فما دفع الضيم ؟ قالوا : حيث حصر رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب ، حتى أنفق أبوطالب ماله ومنعه في بضع عشرة قبيلة من قريش وقال أبوطالب في ذلك لعلي عليه السلام (3) وهو مع رسول الله صلى الله عليه وآله في اموره وخدمته وموازرته ومحاماته.
  قال : فما التصديق بالوعد ؟ قالوا : قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بالثواب والذخر ، وجزيل المآب لمن جاهد محسنا بماله ونفسه ونيته ، فلم يتعجل شيئا من ثواب الدنيا عوضا من ثواب الآخرة ، ولم يفضل نفسه على أحد للذي كان عنده وترك ثوابه ليأخذه مجتمعا كاملا يوم القيامة ، وعاهد الله أن لا ينال من الدنيا إلا بقدر البلغة ، ولا يفضل له شئ مما أتعب فيه بدنه ، ورشح فيه جبينه ، إلا قدمه قبله فأنزل الله ( وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله ) (4) .
  قال : فقيل لهم : فما الزهد في الدنيا ؟ قالوا : لبس الكرابيس وقطع ما جاوز من أنامله وقصر طول كمه ، وضيق أسفله ، كان طول الكم ثلاثة أشبار وأسفله اثنى عشر شبرا ، وطول البدن ستة أشبار (5) .

------------------------------------
(1) آل عمران : 194.
(2) آل عمران : 195.
(3) كذا ، يعنى قال لعلى عليه السلام ما قال وأوصاه به صلى الله عليه وآله.
(4) البقر : 110.
(5) كذا. وفى الكافى عن زرارة قال : رأيت قميص على عليه السلام الذى قتل فيه عند ابى جعفر عليه السلام فاذا أسفله اثنى عشر شبرا وبدنه ثلاثة اشبار.

الاختصاص _ 148 _
  قال : قلنا : فما ترك الامل ؟ قالوا : قيل له : هذا قد قطعت ما خلف أناملك فمالك لا تلف كمك ؟ قال الامر أسرع من ذلك ، فاجتمعت إليه بنو هاشم قاطبة وسألوه وطلبوا إليه لما وهب لهم لباسه ، ولبس لباس الناس ، وانتقل عما هو عليه من ذلك ، فكان جوابه لهم البكاء والشهيق (1) ، وقال : بأبي وامي من لم يشبع من خبز البر حتى لقى الله ، وقال لهم : هذا لباس هدى يقنع به الفقير ويستر به المؤمن.
  قال : فما الحياء ؟ قالوا : لم يهجم على أحد قط أراد قتله فأبدا عورته إلا انكفأ عنه حياء منه.
  قال : فما الكرم ؟ قالوا : قال له سعد بن معاذ وكان نازلا عليه في العزاب في أول الهجرة : ما منعك أن تخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته ؟ فقال عليه السلام : أنا أجتري أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ والله لو كانت أمة له ما اجترأت عليه ، فحكى سعد مقالته لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : قل له يفعل فإني سأفعل ، قال : فبكى حيث قال له سعد ، قال : ثم قال : لقد سعدت إذا ان جمع الله لي صهره مع قرابته ، فالذي يعرف من الكرم هو الوضع لنفسه وترك الشرف على غيره وشرف أبي طالب ما قد علمه الناس وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله لابيه وامه أبوه أبوطالب بن عبدالمطلب بن هاشم وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم التي خاطبها رسول الله صلى الله عليه وآله في لحدها ، وكفنها في قميصه ، ولفها في ردائه ، وضمن لها على الله أن لا تبلى أكفانها ، وأن لا تبدي لها عورة ، ولا يسلط عليها ملكي القبر ، وأثنى عليها عند موتها ، وذكر حسن صنيعها به وتربيتها له ، وهو عند عمه أبي طالب وقال : ما نفعني نفعها أحد.
  ثم البلاغة مال الناس إليه حيث نزل من المنبر فقالوا : ما سمعنا يا أمير المؤمنين أحد قط أبلغ منك ولا أفصح ، فتبسم وقال : وما يمنعني ؟ وأنا مولد مكي ، ولم يزدهم على هاتين الكلمتين.
  ثم الخطب فهل سمع السامعون من الاولين والآخرين بمثل خطبه وكلامه ، وزعم أهل الدواوين لولا كلام علي بن أبي طالب عليه السلام وخطبه وبلاغته في منطقه ما أحسن أحد

------------------------------------
(1) الشهيق : تردد البكاء في الصدر.

الاختصاص _ 149 _
  أن يكتب إلى أمير جند ولا إلى رعية.
  ثم الرئاسة فجميع من قاتله ونابذه على الجهالة والعمى والضلالة ، فقالوا : نطلب دم عثمان ولم يكن في أنفسهم ولا قدروا من قلوبهم أن يدعوا رئاسته معه ، وقال هو : أنا أدعوكم إلى الله وإلى رسوله بالعمل بما اقررتم لله ورسوله من فرض الطاعة ، وإجابة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاقرار بالكتاب والسنة.
  ثم الحلم قالت له صفية بنت عبدالله بن خلف الخزاعي : أيم الله نساء‌ك منك كما أيمت نساء‌نا وأيتم الله بنيك منك كما أيتمت أبناء‌نا من آبائهم ، فوثب الناس عليها ، فقال : كفوا عن المرأة فكفوا عنها ، فقالت لاهلها : ويلكم الذين قالوا هذا سمعوا كلامه قط عجبا من حلمه عنها (1) .
  ثم العلم ، فكم من قول قد قاله عمر : ( لولا علي لهلك عمر ).
  ثم المشورة في كل أمر جرى بينهم حتى يجيبهم بالمخرج.
  ثم القضاء لم يقدم إليه أحد قط فقال له : عد غدا أو دفعه ، إنما يفصل القضاء مكانه ، ثم لو جاء‌ه بعد لم يكن إلا ما بدر منه أولا.
  ثم الشجاعة كان منها على أمر لم يسبقه الاولون ولم يدركه الآخرون من النجدة والبأس ومباركة الاخماس علي أمر لم ير مثله ، لم يول دبرا قط ، ولم يبرز إليه أحد قط إلا قتله ولم يكع عن أحد قط (2) دعاه إلى مبارزته ولم يضرب أحدا قط في الطول إلا قده ، ولم يضربه في العرض إلا قطعه بنصفين ، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله حمله على فرس ، فقال : بأبي أنت وامي مالي وللخيل أنا لا أتبع أحدا ولا أفر من أحد وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلا للذي أرتدي له.
  ثم ترك الفرح وترك المرح ، أتت البشرى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تترى بقتل من قتل يوم احد من أصحاب الالوية فلم يفرح ولم يختل وقد اختال أبودجانة ومشى بين الصفين مختالا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع.

------------------------------------
(1) كذا في النسختين وفيه تصحيف، وأوردنا القضية بتفصيلها في آخر الكتاب فليراجع.
(2) كع يكع كعا : ضعف وجبن.

الاختصاص _ 150 _
  ثم لما صنع بخيبر ما صنع من قتل مرحب ، وفرار من فر بها قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار ، فإخباره أنه ليس بفرار معرضا عن القوم الذين فروا قبله ، فافتتحها وقتل مرحبا وحمل بابها وحده فلم يطقه دون أربعين رجلا ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فنهض مسرورا فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أقبل إليه انكفأ إليه (1) فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : بلغني بلاؤك فأنا عنك راض فبكى علي عليه السلام عند ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : أمسك ما يبكيك ؟ فقال : ومالي لا أبكي ورسول الله عني راض ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الله وملائكته ورسوله عنك راضون ، وقال له : لولا أن يقول فيك الطوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملا من المسلمين قلوا أو كثروا إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يطلبون بذلك البركة.
  ثم ترك الخديعة والمكر والغدر ، اجتمع الناس عليه جميعا ، فقالوا له : اكتب يا أمير المؤمنين إلى من خالفك بولايته ثم اعزله (2) ، فقال : المكر والخديعة والغدر في النار.
  ثم ترك المثلة قال لابنه الحسن عليه السلام : يا بني اقتل قاتلي وإياك والمثلة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كرهها ولو بالكلب العقور.
  ثم الرغبة بالقربة إلى الله بالصدقة ، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا علي ما عملت في ليلتك ؟ قال : ولم يا رسول الله ؟ قال : نزلت فيك أربعة معالي ، قال : بأبي أنت وامي كانت معي أربعة دراهم فتصدقت بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية ، قال : فإن الله أنزل فيك ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (3) ) ثم قال له : فهل عملت شيئا غير هذا فإن الله قد أنزل علي سبعة عشر آية يتلو بعضها بعضا من قوله : ( إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ـ إلى قوله : ـ إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا ) قوله :

------------------------------------
(1) انكفأ إلى كذا اى مال إليه.
(2) يعنون معاوية بن أبي سفيان.
(3) البقرة : 273.