فقالت : قتل نعثل ؟ فقال : قتل نعثل ! فقالت : خبرني عن قصته وكيف كان أمره ؟ فقال : لما احاط الناس بالدار وبه رأيت طلحة بن عبيدالله قد غلب على الامر ، واتخذ مفاتيح على بيوت الاموال والخزائن ، وتهيأ ليبايع له ، فلما قتل عثمان مال الناس الى علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) ، ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره ، خرجوا في طلب علي يقدمهم الاشتر ، ومحمد بن ابي بكر ، وعمار بن ياسر حتى أتوا عليا ( عليه السلام ) وهو في بيت سكن فيه ، فقالوا له : بايعنا على الطاعة لك ، فتلكأ ساعة ، فقال الاشتر : يا علي إن الناس لا يعدلون بك غيرك ، فبايع قبل ان تختلف الناس ، قال : وفي الجماعة طلحة والزبير فظننت أن سيكون بين طلحة والزبير وعلي كلام قبل ذلك ، فقال الاشتر لطلحة : قم يا طلحة فبايع ، قم يا زبير فبايع ، فما تنتظران ؟ فقاما فبايعا وأنا أرى أيديهما على يده يصفقانها ببيعته ، ثم صعد علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) المنبر فتكلم بكلام لا احفظه ، إلا أن الناس بايعوه يومئذ على المنبر وبايعوه من الغد ، فلما كان اليوم الثالث خرجت ولا أعلم ما جرى بعدي .
فقالت : يا اخا بني بكر ، انت رأيت طلحة بايع عليا ؟ فقلت : إي والله ، رأيته بايعه ، وما قلت إلا ما رأيت ، طلحة والزبير أول من بايعه . فقالت : إنا لله ! أكره ـ والله ـ الرجل ، وغصب علي بن ابي طالب أمرهم وقتل خليفة الله مظلوما ! ردوا بغالي ، ردوا بغالي . فرجعت الى مكة ، قال : وسرت معها فجعلت تسألني في المسير وجعلت أخبرها بما كان ، فقالت لي : هذا بعدي وما كنت أظن أن الناس يعدلون عن طلحة مع بلائه يوم اُحُد .
قلت : فإن كان بالبلاء فصاحبه الذي بويع أشد بلاء وعناء ، فقالت : يا أخا بني بكر لم أسألك غير هذا ، فإذا دخلت مكة وسألك الناس : ما رد ام المؤمنين ؟ فقل : القيام بدم عثمان والطلب به ! وجاءها يعلى بن منية ، فقال لها : قد قتل خليفتك الذي كنت تحرضين على قتله . فقالت : برئت الى الله من قاتله ، فقال لها : الان ! ثم قال لها : أظهري البراءة ثانيا من قاتله ، قال : فخرجت الى المسجد فجعلت تتبرأ ممن قتل عثمان
.
لكن السيدة لم تزل مبغضة وماقتة لعلي عليه السلام منذ قصة الذين رموها بصفوان بن المعطل ، وما كان منها في غزوة بني المصطلق وهجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، واستشارته في امرها أسامة بن زيد ، وذكر له قذف القوم بصفوان ، فقال له اسامة : لا تظن يا رسول الله إلا خيراً ، فإن المرأة مأمونة ، وصفوان عبد صالح ، ثم استشار عليا ( عليه السلام ) ، فقال له : ( يا رسول الله صلى الله عليك ، النساء كثيرة وسل بريرة خادمتها وابحث عن خبرها منها ) .
فقال له رسول الله صلى عليه وآله : ( فتول أنت يا علي تقريرها ) ، فقطع لها علي عليه السلام عسبا من النخل وخلا بها يسألها عني ( اي عن عائشة ) ويتهددها ويرهبها ، لا جرم أني لا أحب عليا ابدا
(1) .
فهذا تصريح منها ببغضها له ومقتها إياه ، قال شيخنا المفيد ( اعلا الله مقامه ) : ولم يكن ذلك منه ( عليه السلام ) إلا النصيحة لله ولرسوله واجتهاده في الرأي ، ونصحه وامتثاله لأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومسارعته الى طاعته
(2) .
ومن شدة بغضها وحقدها على امير المؤمنين ( عليه السلام ) حتى انها لا تستطيع ان تصرح باسمه ، ففي رواية عكرمة وابن عباس ، وأن عكرمة خبره عن حديث حدثته عائشة في مرض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، خرج متوكئا على رجلين من أهل بيته ، أحدهما الفضل بن العباس ، فقال عبد الله بن العباس لعكرمة : فلم تسم لك الاخر ؟ فقال : لا والله ما سمته ، فقال : أتدري من هو ؟ قال : لا ، قال : ذلك علي بن ابي طالب ( عليه السلام ) ، وما كانت والله أمّنا تذكره بخير وهي تستطيع
(3) .
ولم تخف ام المؤمنين فرحها وسرورها عند سماعها باستشهاد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فذكر أبو الفرج الاصفهاني رواية بسند اسماعيل بن راشد قال : لما أتى عائشة نعي علي امير المؤمنين ( عليه السلام ) تمثلت :
| فألقت عصاها واستقر بها النوى كـما قـر عينا بالإياب المسافر |
ثم قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
| فـإن يـك نائيا فلقد iiبغاه غلام ليس في فيه التراب |
فقالت لها زينب بنت أم سلمة : العلي تقولين هذا ؟ فقالت : إذا نسيت فذكروني ، ثم تمثلت :
ما زال إهداء القصائد iiبيننا باسم الصديق وكثرة الالقاب حتى تركت كأن قولك iiفيهم في كل مجتمع طنين iiذباب |
وذكر رواية ايضا عن ابي البحتري ، قال : لما ان جاء عائشة قتل علي عليه السلام سجدت
(4) .
---------------------------
(1) مغازي الواقدي 1 : 430 ، صحيح البخاري 3 : 155 ، الكشاف 4 : 453 .
(2) مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 157 .
(3) طبقات ابن سعد 2 : 231 ، مسند أحمد 6 : 38 ، صحيح البخاري 1 : 162 ، صحيح مسلم 4 : 138 ، المستدرك 3 : 56 ، السنن الكبرى 1 : 31 .
ومصنفات الشيخ المفيد م 1 : 158 .
(4) مقاتل الطالبيين : 55 ، وانظر أيضا : طبقات ابن سعد 3 : 40 ، تاريخ الطبري 5 : 150 ، بحار الانوار 32 : 340 .
واقعة الجمل
_ 13 _
وبقي هذا الحقد ملازما لها حتى بعد مصرع الامام علي ( عليه السلام ) ، ففي رواية مسروق انه قال : دخلت عليها فاستدعت غلاما بأسم عبد الرحمن ، فسألتها عنه ، فقالت : عبدي ، فقلت : كيف سميته بعبد الرحمن ؟ قالت : حبا لعبد الرحمن بن ملجم قاتل علي
(1) !!
رسائل طلحة والزبير والسيدة عائشة :
بعد ان احكمت الفتنة ، واظهر القوم الشقاق والخلاف على حكومة امير المؤمنين ( عليه السلام ) الفتية ، وقد حاولوا استدراج من له تأثير في الساحة السياسية ، فكاتبوهم يطالبونهم بأتخاذ موقف مشابه لموقفهم في نكث بيعة الامام علي ( عليه السلام ) ، والمطالبة بدم عثمان ، وتحريض الناس للالتحاق بركب الشر ، لكن اجاباتهم كانت طعنة في خاصرة القوم ، فلقد كان اصحاب الشر يتوقعون ان يجنوا ولو شيئاً يسيراً من الذين كاتبوهم ، لكن الرد جاء مخيبا للامال ، وكان عنيفاً وقاسياً .
كما كاتبهم من عاب عملهم الشائن ، وحذرهم الولوغ في الفتنة ، والسعي في شق عصا المسلمين واهراق دمائهم ، فقد كتبت ام سلمة الى عائشة عندما عزمت على الخروج الى البصرة : من ام سلمة زوج النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى عائشة ام المؤمنين : سلام عليك ، فأني أحمد اليك الذي لا الله الا هو ، أما بعد : فإنك سدة بين رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين امته ، وحجابك مضروب على حرمته ، قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه ، وسكن عقيراك فلا تصحريها ، الله من وراء هذه الامة ، لو علم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ان النساء يحتملن الجهاد عهد إليك ، علت علت ! بل نهاك عن الفرطة في البلاد ، ان عمود الدين لا يثاب بالنساء ان مال ، ولا يرأب بهن ان صدع ، حماديات النساء غض الاطراف وخفض الاصوات ، وخفر الاعراض ، وضم الذيول ، وقعر الوهازة ، وما كنت قائلة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لو عارضك ببعض الفلوات ناصة قلوصا من منهل الى منهل ، قد وجهت سدافته وتركتك عهداه ، ان بعين الله مهواك ، وعلى رسوله تردين ، واقسم بالله لو سرت مسيرك هذا ، ثم قيل لي : يا ام سلمة : ادخلي الفردوس ، لاستحييت ان القى محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هاتكة حجابا قد ضربه عليّ .
اجعلي بيتك حصنك
(2) ، وقاعة الستر قبرك ، حتى تلقيه وانت على تلك ، أطوع ما تكونين لله إذا الزمته ، وانصر ما تكونين للدين ما حللت فيه ، ولو ذكرتك قولا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تعرفينه ، لنهشت به نهش الرقشاء المطرقة ، والسلام »
(3) .
---------------------------
(1) الشافي 4 : 306 ، بحار الانوار 32 : 341 ، مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 160 .
(2) وكانت ام سلمة تطالبها بتطبيق قوله تعالى ( وقرن في بيوتكن ) ، ففي تفسير روح المعاني للالوسي ، روى البزاز عن انس : ان النساء جئن الى رسول الله بعد نزول الاية فقلن : لقد ذهب الرجال بالفضل والجهاد ، فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين ؟ فقال : من قعد منكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين ، وقال السيوطي : ان سودة بنت زمعة زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تحج بعد نزول الاية فقيل لها في ذلك ، فقالت : اني حججت واعتمرت ، وأمرني ربي تعالى شأنه ان أقر في بيتي حتى تخرج جنازتي .
وأخرج مسووق : ان عائشة كلما قرأت ( وقرن في بيوتكن ) تبكي حتى تبل خمارها .
انظر : روح المعاني 22 : 6 ، الدر المنثور 5 : 196 .
(3) العقد الفريد 2 : 277 ، الامامة والسياسة 1 : 45 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 180 ، بلاغات النساء : 15 ، الاحتجاج 1 : 244 ، مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 236 .
« يذكر شيخنا المفيد ومؤرخون آخرون ان ام سلمة دخلت على عائشة وكلمتها » .
واقعة الجمل
_ 14 _
رد عائشة على ام سلمة :
فأجابتها عائشة : من عائشة ام المؤمنين الى ام سلمة : « سلام عليك ، فأني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو ، اما بعد : فما أقبلني لوعظك ، وأعرفني لحق نصحك ، وما انا بعمية عن رأيك ، وليس مسيري على ما تظنين ، ولنعم المسير مسير فزعت فيه الي فئتان متناحرتان من المسلمين ، فإن اقعد ففي غير حرج ، وان امض فإلى ما بد لي من الازدياد منه ، والسلام »
(1) .
كتاب الاشتر الى عائشة :
وكتب الاشتر من المدينة الى عائشة ، وهي بمكة : « اما بعد : فأنك ضعينة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد أمرك ان تقري في بيتك ، فإن فعلت فهو خير لك ، وإن ابيت الا ان تأخذي فسأتك ، وتلقي جلبابك ، وتبد للناس شعيراتك ، فأقاتلك حتى أردك الى بيتك ، والموضع الذي يرضاه لك ربك »
(2) .
رد عائشة على الاشتر :
فكتبت إليه في الجواب : « اما بعد : فأنك اول العرب شب الفتنة ، ودعا الى الفرقة ، وخالف الائمة ، وسعر في قتل الخليفة ، وقد علمت أنك لن تعجز الله حتى يصيبك منه بنقمة ينتصر بها منك للخليفة المظلوم ، وقد جاءني كتابك ، وفهمت ما فيه ، وسيكفينك الله ، وكان من اصبح مماثلاً لك في ضلالك وغيك ، ان شاء الله »
(3) .
كتاب عائشة الى زيد بن صوحان :
وكتبت عائشة الى زيد بن صوحان العبدي ، إذ قدمت البصرة .
من عائشة ابنة ابي بكر ام المؤمنين حبيبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الى ابنها الخالص زيد بن صوحان ، « سلام عليك ، اما بعد : فأن اباك كان رأساً في الجاهلية ، وسيداً في الاسلام ، وإنك من ابيك بمنزلة المصلى من السابق ، يقال : كاد أو لحق ، وقد بلغك الذي كان في الاسلام من مصاب عثمان بن عفان ، ونحن قادمون عليك ، والعيان اشفى لك من الخبر ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فاقدم فانصرنا على أمرنا هذا ، فإن لم تفعل فثبط الناس عن علي بن ابي طالب ، وكن مكانك حتى يأتيك أمري ، والسلام »
(4) .
---------------------------
(1) العقد الفريد 2 : 277 ، الامامة والسياسة 1 : 45 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 180 ، بلاغات النساء : 15 ، الاحتجاج 1 : 244 ، مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 236 .
(2-3) شرح نهج البلاغة 2 : 80 .
(4) العقد الفريد 2 : 227 ، تاريخ الطبري 4 : 476 ، رجال الكشي : 76 ، شرح نهج البلاغة 2 : 81 .
واقعة الجمل
_ 15 _
رد زيد بن صوحان على عائشة :
فكتب إليها زيد : من زيد بن صوحان الى عائشة ام المؤمنين : « سلام عليك ، اما بعد : فأن الله امرك بأمر وأمرنا بأمر : أمرك أن تقري في بيتك ، وأمرنا ان نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة ، فتركت ما امرت به ، وكتبت تنهينا عما امرنا به ، فأمرك عندنا غير مطاع ، وكتابك غير مجاب ، والسلام »
(1) .
وفي رواية الطبري : كتب إليها :
من زيد بن صوحان الى عائشة ابنة ابي بكر الصديق ( رضي الله عنه ) حبيبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « اما بعد : فأنا ابنك الخالص ان اعتزلت هذا الامر ، ورجعت الى بيتك ، وإلا فأنا اول من نابذك » .
كتاب عائشة الى حفصة :
ولما بلغ عائشة نزول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بذي قار ، كتبت الى حفصة بنت عمر : « اما بعد ؛ فإنا نزلنا البصرة ونزل علي بذي قار ، والله داق عنقه كدق البيضة على الصفا ، إنه بذي قار بمنزلة الاشقر
(2) ، إن تقدم نحر وان تأخر عقر » .
فلما وصل الكتاب الى حفصة استبشرت بذلك ودعت صبيان بني تيم وعدي واعطت جواريها دفوفا وأمرتهن ان يضربن بالدفوف ، ويقلن : ما الخبر ما الخبر ؟ علي كالاشقر ، إن تقدم نحر وإن تأخر عقر ، فبلغ أم سلمة ( رضي الله عنها ) اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سب امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والمسرة بالكتاب الوارد عليهن من عائشة ، فبكت وقالت : اعطوني ثيابي حتى أخرج إليهن واقع بهن ، فقالت أم كلثوم بنت امير المؤمنين ( عليه السلام ) : أنا أنوب عنك فأنني أعرف منك ، فلبست ثيابها وتنكرت وتخفرت واستصحبت جواريها متخفرات ، وجاءت حتى دخلت عليهن كأنها من النضارة ، فلما رأت ما هن فيه من العبث والسفه ، كشفت نقابها وابرزت لهن وجهها ، ثم قالت لحفصة : إن تظاهرت انت وأختك على امير المؤمنين ( عليه السلام ) فقد تظاهرتا على اخيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من قبل ، فأنزل الله عزوجل فيكما ما أنزل ، والله من وراء حربكما ، فأنكرت حفصة وأظهرت خجلاً ، وقالت : إنهن فعلن هذا بجهل ، وفرقتهن في الحال ، فانصرفن من المكان
(3) .
---------------------------
(1) العقد الفريد 2 : 227 ، تاريخ الطبري 4 : 476 ، رجال الكشي : 76 ، شرح نهج البلاغة 2 : 81 .
(2) هذا مثل يضرب لمن وقع بين شرين لا ينجو من احدهما ، وأول من قال به لقيط بن زرارة يوم جبلة ، وكان على فرس له أشقر .
انظر : كتاب الامثال : 262 ، وجمهرة الامثال 2 : 127 .
(3) انظر : شرح نهج البلاغة 14 : 13 : الفتوح م 1 : 467 ، بحار الانوار 32 : 90 .
واقعة الجمل
_ 16 _
كتاب عائشة الى أهل المدينة :
روى الواقدي عن رجاله قال : لما أخرج القوم عن عثمان بن حنيف لما خافوه من أخيه سهل بن حنيف ، كتبت عائشة الى اهل المدينة :
« بسم الله الرحمن الرحيم ، ومن أم المؤمنين عائشة زوجة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وابنة الصديق الى أهل المدينة ، اما بعد ؛ فإن الله أظهر الحق ونصر طالبيه ، وقد قال الله عز اسمه : ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )
(1) فأتقوا الله عباد الله واسمعوا واطيعوا واعتصموا بحبل الله جميعا وعروة الحق ، ولا تجعلوا على انفسكم سبيلاً ، فإن الله قد جمع كلمة أهل البصرة وأمروا عليهم الزبير بن العوام فهو أمير الجنود ، والكافة يجتمعون على السمع والطاعة له ، فإذا اجتمعت كلمة المؤمنين على امرائهم عن ملأ منهم وتشاور فأنا ندخل في صالح ما دخلوا فيه ، فإذا جاءكم كتابي هذا فأسمعوا وأطيعوا واعينوا على ما سمعتم عليه من امر الله .
وكتب عبيد الله بن كعب لخمس ليال من شهر ربيع الاول سنة ست وثلاثين »
(2) .
كتاب عائشة الى أهل اليمامة :
وكتبت إلى أهل اليمامة وأهل تلك النواحي : « أما بعد ، فإني أذكركم الله الذي أنعم عليكم وألزمكم بالاسلام ، فإن الله يقول : ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
(3) فأعتصموا عباد الله بحبله وكونوا مع كتابه ، فإن أمكم ناصحة لكم فيما تدعوكم إليه من الغضب له والجهاد لمن قتل خليفة حرمه ، وابتز المسلمين أمرهم وقد أظهر الله عليه ، وإن ابن حنيف الضال المضل كان بالبصرة يدعو المسلمين الى سبيل النار ، وإنا أقبلنا إليها ندعو المسلمين الى كتاب الله ، وأن يضعوا بينهم القرآن فيكون ذلك رضا لهم وأجمع لأمرهم ، وكان ذلك لله عز وجل على المسلمين فيه الطاعة ، فإما أن ندرك به حاجتنا أو نبلغ عذرا ، فلما دنونا الى البصرة وسمع بنا أبن حنيف جمع لنا الجموع وأمرهم أن يلقونا بالسلاح فيقاتلونا ويطردونا وشهدوا علينا بالكفر وقالوا فينا المنكر ، فأكذبهم المسلمين وأنكروا عليهم ، وقالوا لعثمان بن حنيف : ويحك ! إنما تابعنا زوج النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأم المؤمنين وأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وائمة المسلمين ، فتمادى في غيه وأقام على أمره ، فلما رأى المسلمين انه قد عصاهم ورد عليهم أمرهم غضبوا لله عز وجل ولأم المؤمنين ، ولم نشعر به حتى أظلنا في ثلاثة آلاف من جهلة العرب وسفهائهم ، وصفهم دون المسجد بالسلاح ، فالتمسنا أن يبايعوا على الحق ولا يحولوا بيننا وبين المسجد ، فرد علينا ذلك كله ، حتى إذا كان يوم الجمعة وتفرق الناس بعد الصلاة عنه ، دخل طلحة والزبير ومعهما المسلمون وفتحوه عنوة ، وقدموا عبد الله بن الزبير للصلاة بالناس ، وإنا نخاف من عثمان واصحابه ان يأتونا بغتة ليصيبوا منا غرة .
---------------------------
(1) الانبياء 21 : 18 .
(2) مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 299 .
(3) الحديد : 23 .
واقعة الجمل
_ 17 _
فلما رأى المسلمون أنهم لا يبرحون تحرزوا لانفسهم ولم يحرج ومن معه حتى هجموا علينا وبلغوا سدة بيتي ومعهم هاد يدلهم عليه ليسفكوا دمي ، فوجدوا نفرا على باب بيتي فردوهم عني وكان حولي نفراً من القريشيين والازديين يدفعونهم عني ، فقتل منهم من قتل وانهزموا فلم نعرض لبقيتهم وخلينا ابن حنيف منا عليه ، وقد توجه الى صاحبه ، وعرفناكم ذلك عباد الله لتكونوا على ما كنتم عليه من النية في نصرة دين الله والغضب للخليفة المظلوم »
(1) .
كتاب طلحة والزبير الى كعب بن سور :
ولما اجمعت عائشة وطلحة والزبير واشياعهم على المسير الى البصرة ، قال الزبير لعبدالله بن عامر ـ وكان عامل عثمان على البصرة وهرب عنها حين مصير عثمان بن حنيف عامل علي ( عليه السلام ) إليها : من رجال البصرة ؟
قال : ثلاثة ، كلهم سيد مطاع : كعب بن سور في اليمن والمنذر بن ربيعة ، والاحنف بن قيس في البصرة .
فكتب طلحة والزبير الى كعب بن سور : « اما بعد ، فأنك قاضي عمر بن الخطاب ، وشيخ اهل البصرة وسيد أهل اليمن ، وقد كنت غضبت لعثمان من الاذى ، فأغضب له من القتل ، والسلام »
(2) .
كتابهما الى الاحنف بن قيس :
وكتبا الى الاحنف بن قيس : « اما بعد ، فأنك وافد عمر ، وسيد مضر ، وحليم اهل العراق ، وقد بلغك مصاب عثمان ، ونحن قادمون عليك ، والعيان أشفى لك من الخبر ، والسلام »
(3) .
---------------------------
(1) مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 310 ، 302 .
(2) الامامة والسياسة 1 : 48 .
(3) الامامة والسياسة 1 : 48 .
واقعة الجمل
_ 18 _
كتابهما الى المنذر بن ربيعة :
وكتبا الى المنذر : « اما بعد ، فأن أباك كان رئيسا في الجاهلية ، وسيدا في الاسلام وإنك من أبيك بمنزلة المصلى من السابق ، يقال كاد أو لحق ، وقد قتل عثمان من انت خير منه ، وغضب له من خير منك ، والسلام »
(1) .
رد كعب بن سور على طلحة والزبير :
فكتب كعب بن سور الى طلحة والزبير : « اما بعد ، فإنا غضبنا لعثمان من الاذى ، والغير باللسان ، فجاء أمر الغير فيه بالسيف ، فإن يك عثمان قتل ظالما فما لكما وله ؟ وإن كان قتل مظلوما فغيركما أولى به ، وإن كان أمره أشكل على من شهده فهو على من غاب عنه أشكل »
(2) .
رد الاحنف عليهما :
وكتب الاحنف اليهما : « اما بعد ، فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لانشك فيه الا قتل عثمان ، وانتم قادمون علينا ، فإن يكن في العيان فضل نظرنا فيه ونظرتم ، وإلا يكن فيه فضل فليس في ايدينا ولا ايديكم ثقة ، والسلام »
(3) .
رد المنذر بن ربيعة عليهما :
وكتب المنذر اليهما : « اما بعد ، فأنه لم يلحقني بأهل الخير إلا ان اكون خيرا من اهل الشر ، وإنما اوجب حق عثمان اليوم حقه امس ، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه ، فمتى استنبطتم هذا العلم ، وبدا لكم هذا الرأي »
(4) .
---------------------------
(1) الامامة والسياسة 1 : 48 .
(2) المصدر السابق 1 : 48 .
(3 ـ 4) الامامة والسياسة 1 : 48 .
ملاحظة : يظهر ان كعب بن سور وقع في شباك الفتنة ، وغرر به حتى قتل في المعركة ، فعندما طاف الامام ( عليه السلام ) على القتلى مر به مقتولا وفي عنقه المصحف ، فقال : « نحوا المصحف وضعوه في مواضع الطهارة » ثم قال : « أجلسوا إلي كعبا » . فأجلس ورأسه ينخفض الى الارض فقال : « يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدك ربك حقا ؟ ! » ثم قال : « أضجعوا كعبا » فتجاوزه .
انظر : مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 392 .
واقعة الجمل
_ 19 _
كتاب الصلح بين أصحاب الجمل وعثمان بن حنيف :
لقد أصر الناكثون على التمادي في غيهم ، حتى صار النكث والغدر سجية ملازمة لهم اينما حلوا ، وشعارا يجمعون حوله الانتهازيين والسفهاء وأصحاب السوء ، فهم لم يكتفوا بخيانة امير المؤمنين ( عليه السلام ) حتى غروا بعثمان بن حنيف ، وقد كان الاخيرة قد وقع اتفاقا للصلح بينهم على شروط اتفقوا عليها ، منها ايقاف القتال ، وان يكون لعثمان بن حنيف دار الامارة والمسجد وبيت المال ، ولطلحة والزبير وعائشة ما شاؤوا من البصرة ، ولا يهاجون حتى يقدم امير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأن أحبوا ذلك دخلوا في طاعته ، وإن أحبوا ان يقاتلوا
(1) .
وقيل انهم أوقفوا القتال وتصالحوا ، على ان يبعثوا رسولا الى المدينة ، حتى يرجع الرسول بالجواب الذي يبتغيه ابن حنيف ، والذي كان من اهم بنود الصلح ، وهو : هل طلحة والزبير اكرها على بيعة الامام علي ( عليه السلام ) ؟ فإذا كان الجواب ( نعم ) خرج ابن حنيف من البصرة وأخلاها لهما ، وإن كان الجواب بالنفي خرج طلحة والزبير
(2) ، وارسل كعب بن سور لهذا المهمة ، وفي هذه الفترة القصيرة حاولوا كسب الوقت الى جانبهم ، بمكاتبة من له القدرة في توسيع دائرة الخلاف على الحكومة الشرعية بقيادة ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
ومع هذا لم يصبروا على ابن حنيف كثيرا ، فمزقوا كتاب الصلح ، وغدروا به في ليلة مظلمة ذات رياح ، فخرج طلحة والزبير وأصحابهما حتى أتوا دار الامارة وعثمان بن حنيف غافل عنهم ، وعلى الباب السبابجة يحرسون بيوت الاموال وكانوا قوما من الزط قد استبصروا وأئتمنهم عثمان على بيت المال ودار الامارة ، فأكب عليهم القوم وأخذوهم من اربع جوانبهم ووضعوا فيهم السيف فقتلوا منهم اربعين رجلاً صبراً ! يتولى منهم ذلك الزبير خاصة ، ثم هجموا على عثمان فأوثقوه
رباطا وعمدوا الى لحيته ـ وكان شيخا كثّ اللحية ـ فنتفوها حتى لم يبق منها شيء ، وقال طلحة : عذبوا الفاسق وانتفوا شعر حاجبيه واشفار عينيه واوثقوه بالحديد .
فلما اصبحوا اجتمع الناس اليهما وأذن مؤذن المسجد لصلاة الغداة فرام طلحة ان يتقدم للصلاة بهم فدفعه الزبير وأراد ان يصلي بهم فمنعه طلحة ، فما زالا يتدافعان حتى كادت الشمس ان تطلع فنادى اهل البصرة : الله الله ، يا أصحاب رسول الله ، في الصلاة نخاف فوتها ! فقالت عائشة : مروا ان يصلي بالناس غيرهما ، فقال لهم يعلى بن منية : يصلي عبد الله بن الزبير يوماً ومحمد بن طلحة يوماً حتى يتفق الناس على امير يرضونه ، فتقدم ابن الزبير وصلى بهم ذلك اليوم
(3) .
---------------------------
(1) الامامة والسياسة 1 : 68 ، العقد الفريد 4 : 313 ، تاريخ خليفة بن خياط : 183 ، نهاية الارب 20 : 37 .
(2) الكامل في التاريخ 3 : 214 ، تاريخ الطبري 4 : 464 ـ 467 ، جمهرة رسائل العرب 1 : 321 .
(3) انظر : مصنفات الشيخ المفيد م 1 : 283 ، انساب الاشراف 1 : 227 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، تاريخ الطبري 4 : 468 .