شعر البصرة في القرن الرابع الهجري

الاستاذ بيان علي عبد الرحيم

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

  لقد شهد هذا القرن نهضة فكرية وثائقية واسعة وازدهار الحركة العلمية والادبية برغم سوء الاحوال السياسية والاقتصادية فالبصرة انجبت مجموعة من العلماء والشعراء الا ان اكثر علماء البصرة لم يستقروا بها بل انتقلوا الى مركز الخلافة بسبب تعرض البصرة خلال تلك الحقبة للنكبات والهجمات التي ادت الى ان يترك اهل البصرة مدينتهم فالعلماء كانوا على راس من هجر البصرة الا ان هذا لا يعني خلو البصرة في تلك الحقبة من العلماء والادباء والشعراء الا انهم كانوا قلة قليلة .
  فمن ابرز علماء البصرة في اللغة والنحو ابن الحسن بن دريد الازدي وابو بكر الزبيدي وعلي بن حمزة اللوغي وابو احمد بن ابي غالب النحوي وغيرهم .
  اما عن حياة الادبية فقد كانت بغداد مركز الخلافة لذا التجأ اليها الشعراء ولم يبق في البصرة الا مجموعة من الشعراء لم تسنح لهم الفرص بالذهاب الى بغداد وانه اعتزازا بالمدينة لم يغادروها فظهر نشاطهم الادبي متمثلا بالشعر والنثر ممثلا بما كتب التنوخي في كتابة الفرج بعد الشدة ونشوار المحاضرة واخبار المذاكرة وكذلك من الادباء الذين برزوا في البصرة الحسين بن علي النمري وابو الحسن محمد بن جعفر المعروف بابن لنكك ونصر بن احمد الخبزارزي وابو عاصم البصري وابو الظاهر البصري وغيرهم .
  ومن اهم الاغراض الشعرية التي في القرن الرابع في البصرة :
  الشكوى : الشكوى هي تعبير عن الحرمان والاحساس بالظلم وتظهر عندما تنعقد ظروف الانسان لقد كانت بسيطة في عصر ما فبل الاسلام والعصر الاسلامي حتى جاءت الحضارة العباسية وما تميز به من نضج عقلي لذا كانت الشكوى اثرا لما اصاب الناس في القرن الرابع من ضروب المحن والنكبات لذا يمكن ان نقسم الشكوى الى قسمين الشكوى الخاصة والشكوى العامة .
  فالشكوى الخاصة : تتناول المسائل الخاصة اذ يشكو الشاعر مما يتصل بفقدان الشباب او الامل غير المحققة وغيرها واحيانا قد تخرج من خصوصيتها الى نطاق انساني واسع حيث انها مشكلة تواجه البشر جميعا .
  ومن ذلك قول ابن لنكك يتذكر الشباب وبهجته .
تـولى شبـاب كنـت فيه iiمنعما      تـروح  وتـغدو دائم iiالفرحات
فـلست  تلاقيه ولو سرت iiخلفه      كما سار ذو القرنبن في الظلمات
  حيث يصف الشباب بانه عهد الفرح والسعادة والنعيم فكيف يذهب ولا يمكن ان يعود ويشبه نفسه كما انه يطلب شيئا هو من قبل المستحيل .
  اما الشكوى العامة : فنجد شكوى الزمان وذم الدنيا هي الموضوع الرئيسي وقد تطور الشكوى الزمان لدى شعراء القرن الرابع نتيجة للاوضاع فقد كان القرن الرابع عصر تفكك وانقسام سياسي لذا كثر شعر الشكوى حتى اصبح فنا قائما بذاته في القرن الرابع وخير من مثله ابن لنكك .
  وقد ساعد الزمان وساءت احوال الناس بشكل عبر عنه ابن لنكك بصورة غاضبة ناقمة على الحياة بقوله .
نـحن  والله فـي زمن iiغشوم      لـو  رايـناه في المنام iiفزعنا
اصبح الناس فيه من سوء حال      حـق  مـن مات فيهم ان iiيهنا
  زمانه زمان مفزع مخيف يحلم فيه الناس بالهناء والراحة فلا يجدها بل هو يفزع منه حتى في حلمه وكثيرا ما يؤكد ابن لنكك على ان ما يحصل من قصور في الزمان نتيجة عن خطا في المجتمع نفسه فيقول :
يـعيب  الناس كلهم الزمانا      ومـا لـزماننا عيب iiسوانا
يـعيب زماننا والعيب iiفينا      ولو نطق الزمان اذن هجانا
ذئـاب  كلنا في خلق iiناس      فـسبحان الـذي فيه iiيرانا
يعاف الذئب ياكل لحم iiذئب      وياكل  بعضنا بعضا iiعيانا
  ان شعر الشكوى اتسم بصدق العاطفة حيث يصور قضايا انسانية ومشاهد اجتماعية فهو اقرب الى تصوير الوقائع من الاتجاهات الاخرى ويمتاز بالسهولة والبعد عن التكلف ، وكذلك ظهر شعر الهجاء خلال هذا القرن فقد ظهر من القدم وقد تطور هذا الفن تطورا كبيرا في العصور التي تلي عصور ما قبل الاسلام حتى القرن الرابع وفي القرن الرابع يتجه شعراء الهجاء اتجاهات جديدة بحكم الحياة المتحضرة في البصرة ومن الاتجاهات الجديدة الهجاء المذهبي الذي ظهر نتيجة تعدد الذاهب في البصرة وانتشار الفرق فيها وكذلك ظهر الهجاء الماجن والساخر .
  اما الوصف : فقد شغل حيز كبير في شعر القرن الرابع عشر الهجري وقد عالج الشعراء هذا اللون الشعري باسلوب وطريقة تختلف عما عهدناه في شعر ما قبل الاسلام والعصور التالية له اذ اضافوا اوصافا جديدة وصور فنية تناسب العصر والذوق الحضاري الجديد .
  ومما يلاحظ على شعر الوصف البصري خلال القرن الرابع انه متجه نحو وصف الطبيعة حيث تفنن الشعراء في وصف الانهار والرياض والاثمار والنجوم والشمس والمناخ والغيوم والامطار فعندما تنزل على الارض تبعث الحياة وابن لنكك قد وصف الرياح حيث كانت ريح الشمال تبعث فيهم الروح والحيوية اما ريح الجنوب فتضيق الصدور فيقول :
نحن في البصرة في لو      ن مـن العيش iiظريف
نـحن  ما هبت iiشمال      بـين  جـنات iiوريف
فـاذا هـبت iiجـنوب      فـكـانا  فـي iiكـنيف
  وما الحكمة : فقد وجدت منذ العصر الجاهلي الا انها كانت على شكل ابيات متناثرة فقد كان الشاعر يختم قصيدته ببيت من الحكمة اما في القرن الرابع فقد تطورت نتيجة اتساع افاق الثقافة الاسلامية ، واول مظاهر هذا التطور ان شعر الحكمة لم يصبح خطوات متناثرة ولكنه اصبح موضوعا واصبحت من الموضوعات الثابتة في الشعر .
  وتناول الشعراء شعر الحكمة ضمن قصائد ومقطوعات وقد اشتهر من بينهم ابن دريد اذ قال :
وانما  المرء حديث iiدهره      فكن حديثا حسبنا لمن وعى
  يحث الشاعر هنا على السلوك السليم لان الانسان لا تذر سوى افعاله وتصرفاته ، فقد ظهرت في هذا القرن لتقويم اخلاق الناس .
  اما المديح : فقد ظهر منذ عصر ما قبل الاسلام والى الوقت الحاضر وسبب اتجاه الشعراء الى المديح خلال هذا القرن وذلك لسوء الادارة وتولي البوييهين السلطة ومحاربتهم ان ينصبوا ولاة وقضاة ليس لهم دراية ومعرفة بالحكم وكانت لا تجمعهم الا مصالحهم وكان الناس لا يعيشون في حالة فقر ومن ضمنهم الشعراء مما حفزهم على مدح الروؤساء والولاة بالكرم ومن ذلك قول القاضي التنوخي وهو يمدح شخصا قد اتصف بالكرم وحسن الاخلاق :
مـا منهم الا امرؤ غمر iiالندى      سـمح  اليدين مؤمل iiمرهوب
فله رقيب من نداة على الورى      وعليه  من كرم انطباع iiرقيب

  اما الغزل : فيعد من الاغراض التي وجدت في شعر القرن الرابع نجد كثير من القصائد والمقطوعات نظمت في شعر الغزل حيث قسم منه ينحوا نحوا معنويا وقد سماه محمد مصطفى هدارة بالغزل المعنوي ومداراة الحب نفسه وتأثر تأثير في نفس المحب وموقف الحبيبة في الصد والوصال ، وابرز من مثله الشاعر البصري الخبزارزي فقد ذكر الثعالبي عنه كان يخبز خبز الارز في دكانه بمربد البصرة وينشد اشعاره مقصورة على الغزل والناس يزدحمون من حالة ويحفظون كلامه لقرب ماخذة .
  وكان ابن لنكك الشاعر البصري على ارتفاع مقداره ينتاب دكانه ويسمع شعره من مثل قوله :
فلو كان لي قلبان عشت iiبواحد      وافـردت قلبا في هواك يعذب
ولي الف وجه قد عرفت مكانه      ولكن  بلا قلب الى اين iiاذهب
  وكذلك شاع الغزل بكثرة في القرن الرابع بسبب الرقي الحضاري والتدهور في الحالة الاجتماعية فالشاعر يذكر ما كان بينه وبين حبيبته ويعتمد على الوصف المادي وتكثر التشبيهات المادية وتقل العقلية فالخبزارزي يشبه حبيبته بالقمر :
رايت  الهلال ووجه iiالحبيب      فـكانا هـلالين عـند النظر
فـلم  ادر مـن حيرتي iiفيها      هلال الدجى من هلال البشر
لـكنت اضن الهلال الحبيب      وكـنت اضن الحبيب iiالقمر
  وكذلك شاع هذا القرن الغزل بالمذكر وقد ظهر منذ القرن الثاني وشاع في القرن الرابع لان هذا القرن بلا مبالغة ازهى عصور الاسلام القديمة حضارة ورقيا وترفا كما ويعد في المقابل اكثرها انحطاطا اجتماعا وتدهورا خلقيا .
  اما الرثاء : فقد ظهر في هذا القرن لان البصرة كانت ذات مكانة علمية متميزة وفيها عدد كبير من رجال العلم والمعرفة فوفاة اولئك الاشخاص مما يحفز الشعراء على ان ينظموا شعرا في رثائهم.
  وكذلك ظهر فن الخمريات // وهو وضعي موجود منذ القدم فقد كان منتشرا في ابيات قليلة ضمن قصائد مختلفة لم يقصد اصحابها الى وصف الخمر فقالوا انها حمراء وريحها طيب فواح كالمسك ، اما القرن الثاني والثالث والرابع فقد تطور بسبب الانفتاح والحياة الحضرية فقد تفنن شعراء القرن الرابع في وصف الخمور والتعبير عن اوقاتها ووصف الساقي .
  كقول القاضي التنوخي :
اسقني واسقِ صاحبي      بـاكـف  iiالـكواعب
  وظهرت الخمريات نتيجة مشكلات الحياة وآلامها لما كان يتصف بها القرن الرابع من سوء الادارة اظطراب الاحوال الاجتماعية والاقتصادية واثر هذا في الشعراء الذين كانوا يعانون من الظلم ويحسون الضنك والحرمان مما دفعهم الى ان يشجعوا الى اللهو وشرب الخمر باعتبارها متنفسا عما يعانونه من آلام ومشكلات الحياة ، لذا لابد ان نذكر اهم الشعراء الذين مثلوا الشعر البصري في القرن الرابع الهجري هم .
  ابراهيم بن محمد بن لنكك وابو الحسين الظاهري البصري وابو عاصم البصري والحسين بن علي النمري وعلي بن غسان البصري وعلي بن محمد بن داود ( القاضي التنوخي ) والمحسن بن علي بن القاضي التنوخي ومحمد بن احمد المفجع البصري ومحمد بن الحسن بن دريد الازدي ونصير بن احمد الخبز ارزي .


BASRAHCITY@BASRAHCITY.NET
BASRAHCITY.NET