جامع ومقام الامير عليه السلام في البصرة

المقدمة


  كان - وما يزال - اهتمام المسلمين كبيراً بالمقامات، كما هو اهتمامهم بالمساجد؛ فقد اتخذ بعضهم تلك المقامات للتبرّك والعبادة ، كونها مواضع وطأتها قدم نبي مرسل أو ولي صالح، أو كان مصلّى للصالحين.
  ومن المقامات المعروفة في البصرة : مقام الأمير، أو ما يُعرف بجامع المقام، الذي يُعدّ إرثاً تأريخياً، ومَعلَماً مُهمّاً من معالم الحضارة الإسلاميّة تفخر به مدينة البصرة.

أهمّيّة المقام
  لمقام الأمير أهمّيّة كبيرة، سواء أنُسب إلى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أم إلى حفيده الإمام علي بن موسى الرضا ، وتأتي أهمّيّته من دور الإمام علي (عليه السلام) وحفيده الإمام الرضا (عليه السلام) المهم في البصرة، وتوظيف ما أرادا توظيفه ، من بيان أحقّيّة أهل البيت (صلى الله عليه واله وسلم) بالخلافة والإمامة، وكذلك لما أنتجته مجالسهما من علماء في البصرة خلال تواجدهما فيها، وكذلك إعطاء الشرعيّة لإصحابهما بالحديث فيما حدّثوهما به، وغيرها من الأمور.
  فإن كان هذا المقام أحد المقامات المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فإنّه من المشاهد التي تشرفت بحضور الأمير علي (عليه السلام) فيها، ولها حلّة المجد والأهميّة، وإن كان منسوباً إلى الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، فله أيضاً نفس الحلّة والأهميّة ، فإنّه (عليه السلام) سار كما سار جدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) في إظهار مظلوميّتهم (صلى الله عليه واله وسلم) ، من خلال المناظرات، والاهتمام بالعلم والمعرفة ، فقد قصد (عليه السلام) البصرة في زيارتين، كانت الأولى للتصدي إلى الانحرافات والانقسامات في الوسط الشيعي، وظهور الفِرق الضالة بعد استشهاد أبيه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ، وأمّا الزيارة الثانية، فكانت عندما كتب إليه المأمون العبّاسي يدعوه إلى المجيء إلى خراسان ليولّيه العهد، فعزم على المجيء مُكرها عن طريق البصرة.

الموقع وسبب التسميّة
  يقع جامع المقام في محلّة (المقام) من منطقة (العشّار)، وقد اختلفت الآراء في سبب التسمية ، لاختلافها في نسبة المقام، وقد ذكر لنا السيد (محمّد صادق الحكيم) ، (وهو أحد متولّي المقام) في لقاء توثيقي : أنّ المقام يعود إلى عام (193 هـ)، عند مقدم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى البصرة.

الطراز المعماري الحالي لمقام الأمير
  تبلغ مساحة المقام الكليّة اليوم أكثر من (600) متر مربع، وغرفة المقام غرفة صغيرة مربعة الشكل طول ضلعها (3) أمتار، محاطة بثلاثة جدران من جهة الشمال والغرب والجنوب، أمّا جهة الشرق، فيوجد شُبّاك تُهدى عبره الهدايا وتؤدى النذور، وما بين الباب الرئيسي وغرفة المقام ممرٌ تقع في مقدمته من جهة اليمين (الكيشوانية)، التي يلاحظ أنّ أرضها أقل انخفاضاً من الممر بمقدار مرقاة.
  ثم هناك المسجد الذي يعلو الممر وغرفة المقام بمقدار مرقاتين ، وهو كبير واسع يستوعب (400 - 500) مصلٍّ ، وقد بني بناءً حديثاً بحُلّة الطراز الإسلامي القديم ، إذ يعلو جدرانه شريطٌ باللّون الأزرق كُتبت داخله آياتٌ من الذكر الحكيم، وقد استند سقفه ذو البناء الكونكريتي المسلّح المربوط بالجسور الكونكريتيّة على أعمدة اسطوانية الشكل، وعُزل المكان الملاصق لغرفة المقام ليكون مكاناً لاستراحة النساء وصلاتهنَّ، وقد توسّط جدار المسجد باتجاه القبلة محرابٌ جميلٌ، صُنع على الطريقة الحديثة بنقوش إسلاميّة تمثلت بآيات من الذكر الحكيم وأسماء آل البيت (صلى الله عليه واله وسلم).
  كما يشتمل المقام أيضاً على مكتبتين : إحداهما : في الطابق الأرضي، وتضم مصاحف وكُتب أدعية، أمّا الثانية، فتقع في الطابق العلوي، وقد أُسِّست حديثا، وتحمل اسم : (مكتبة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، وفيها العديد من الكتب المتنوعة.


التولية وأئمّة الجماعة
  أمّا عن تولية المقام، فنذكر السيد (باقر السيد حسن الحكيم) (رحمه الله)، فقد تولّى إدارة شؤون المقام والصلاة فيه عام (1343 هـ)، بعد أن أرسلته المرجعيّة الدينيّة في النجف الأشرف لحلِّ نِزاعٍ نَشب بين عشيرتين في البصرة، فبقي فيها بعد طلب أهاليها وموافقة المرجعيّة، وبعد وفاته، أصبح السيد (محمد سعيد الحكيم) متولياً للمقام، وكان خطيباً وإماماً للصلاة من سنة (1352 هـ) إلى سنة (1386 هـ)، وهي سنة وفاته، فخلفه نجله السيد (أحمد الحكيم)، فكان المتولي من سنة (1386 هـ) إلى غاية سنة (1406 هـ)، وبعده آلت التولية إلى السيد (محمد حسن الحكيم)، فكان خطيب جامع المقام وإمام الصلاة فيه، وهو الذي قام بتوسيع الجامع وتجديده، وبعد وفاته، خلفه السيد (محمد صادق الحكيم) من عام (1426 هـ) وإلى غاية وفاته عام (1435 هـ).

الأنشطة
  لجامع المقام اليوم أنشطة كثيرة متعدّدة، منها : إقامة صلاة الجماعة يوميّاً، واستقبال زوّار المقام بشكل يوميّ ومنتظم، من الصباح الباكر وحتى المساء، كما تبنّى المقام بين فترة وأخرى إقامة دورات تعليمية مختلفة، منها : دورات قرآنية تهتم بعلوم القرآن وتلاوته وحفظه، استقطبت عدداً من المهتمين بهذا المجال من الأطفال والشباب، فضلاً عن إحياء المناسبات الدينيّة بمواعيدها المحدّدة، وعقد محافل لقراءة الأدعيّة الواردة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، خصوصاً في شهري : محرّم الحرام وصفر الخير، وقد توالى على جامع المقام عدد من الخطباء البارزين، كما يُقام فيه تشييعٌ رمزيٌ سنويٌ في ذكرى شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام) ، كما أن هناك النشرة الشهريّة التي يصدرها الجامع للتوعية الدينيّة بعنوان : (أنوار المقام)، استمرت في الصدور إلى أكثر من سنة، وللجامع لجنة ثقافيّة تتحمّل الكثير من العبء في إقامة هذه الأنشطة وغيرها.
  ويبقى جامع المقام مصدراً للعطاء الديني والفكري والثقافي، وواحداً من منارات الهدى في البصرة، عامراً بذكر الله، فواحا بعطر الإيمان، وعنواناً للتراث البصري الأصيل الذي يحقّ لنا أن نفخر به.

BASRAHCITY.NET