شـعر اسـماعيل الخطاب
دراســة ايقاعــية

الاستاذ نوري حساني علوان

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
   ان الحديث عن الشعر الحديث وحصرياً عن شعر الستينات او السبعينات وماقبلها , يعني الحديث عن جانب مهم من الشعر الذي انماز بالاتزان والرصانه والابداع والحياديه , وذلك بسبب حب هذه الاجيال للعلم والثقافات المختلفه ولاسيما فنون الادب المختلفه ومــنها صنعة الشعـر , والـتأثر بالمد الغربي والاشتراكي والموروث العربي القديم منه والحديث , وعلى رأسهم السياب ونازك والبياتي . . .
   ومن هؤلاء الشعراء المغمورين الذين لم يحالفهم الحظ لأن يد الشيوع والانتشار لم تمتد اليهم عـبر قنوات الحياة المتنوعه هو ( اسماعيل ياسين الخطاب ) الشاعر الحاضر الغائب المنسي لانه كـان نصير المظلومين الكادحين مـن فقراء ومتأوهين ولم يكن من المقربين للسلطه بل كان يميل الـى كل ماهو جديد ومبدع لخدمة وناسه المجتمع ليتوجع مع الامهم وحسراتهم لانه منهم وهـم منه .
   فالشاعر واكب موجة الشعر الحديث وسار مع من سار عليه اقرانه أبان الستينات والسبعينات من الشباب الواعي المثقف المنفلت عن قيود الكلاسيكيه والرومنطقيه لتبني لنفسها جسوراً تربطـهم بالمجتمع وطبقاته المسحوقه, ليعبروا بكلماتهم عن ذلك الواقع بكل امانه ومصداقيه .
   فهو واحد منهم لم يسعفه احد ليطبع ديوانه الذي كــان يحلم يوماً ان يراه كتاباً بين ايدي المثقفيـن ، لكنه بقي مخطوطاً متناثر الاوراق هنا وهناك عرضه للضياع والنسيان والتمزيق .
   لذا هذا البحث المتواضع جزءاً مما يحيي شيئاً من قصائده التي نشرهـا بين صفحـات مجلاتنا المحليه والعربيه . . . حيث درستها دراسه ايقاعــيه تبرز من خلالها قدرة الشاعر فـي اختيار الفاظه ومعانيه وصوره لبنـاء جمله علـى وفق نسق رصين ومؤثر وما تؤديه بناءاته الجميله مـن انعكاسات ايحائيه تثير في المتلقي روح التفاعل والمشاركه في الوصول الـى الدلالات والمعاني التي تكمن وراء النص , مبيناً اهم الاليات التي وظفها لمثل هذا الاثر الهرموني الايقــاعي الصوتي , من تراكمات وايحاءات وتكرارات هذا راجياً من الله ان يوفقني لكل خير .
والله من وراء القصــد


اولاً: نبذه عـن حياتــه

   ولد الاديب الشاعر أسماعيل ياسين الشيخلي نسبه يرجع الى ( ابو علوة ) من الحدادة حيث يرجع ذلك النسب الى الامام الحسن ( عليه السلام ) ، اما نسبة الى الشيخلية فهو نسبة الى منطقة باب الشيخ لانها كانت موطناً الى لاجداده .
   اذ كانت ولادته في فترة من فترات إنهيار المجتمع العربي التقليدي وذلك عام 1950 م . . . ( فضلاً ان هذه الفترة شهدت انهيار هذا المجتمع المتخلف المحافظ امام الحركات النامية تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية ) (1) .
   فضلا عن كونها فترة شهدت التاثر بالتجارب الغربيه لاسيما الشعر الفرنسي والانكليزي بتياراته المختلفه , وكذلك تاثرها بنزعة الفكر الاشتراكي عامه ، والماركسي خاصة التي تسربت الى واقعنا من اجل التحرر والتجديد . . . (2) وذلك بعد نهايات الحرب العالميه الثانية .
   فالشاعر في بدايات حياته شانه شان اولئك الشباب المنفتح بثقافته والمنفتح بثقافته والمتحمس الى مستقبل حر واعد موحد لذا تاثر بمد الفكر الشيوعي الماركسي ، والمد الثقافي الادبي الغربي من جانب اخر ، فاكتسب من خلال ذلك كثيرا من المعتقدات الفكريه التي تتصل بالمجتمع ، والمراه ، والفقراء والامة ، والعالم ، واندفاع هذا العالم نحو التجدد والتقدم .
   كان اسماعيل غريبا في ذاته وحياته، هادئا متزنا في تصرفاته قليل الكلام ، فقد ولد يتيما في مدينة البصرة، حيث احتضنته امه وامدته بالحنان والرعايه في احد احياء مدينة البصرة القديمه ( حي الاحرار ) التي كانت معروفه انذاك بشناشيلها الوارفه والرائعه وازقتها الضيقه .
   لكن بسبب ظروف والداته الاجتماعيه اودعته في ماجأ للايتام فيما يسمى انذاك ( مبرة البهجة ) في شارع 14 تموز وحتى بلغ من العمر مبلغ الشباب تكفل شاعرنا رعاية امه رعايه لاتوصف وفاءً منه اليها ، وبسبب هذه الظروف الصعبه لم يتم شاعرنا دراسته الجامعية , اذ عمل الى جانب دراسته الاولية في اعمال شتى ومضنيه من اجل ان يحصل على قوت يومه ، تزوج من احبها فأنجبت له اربعة اولاد: بنت واحده وأولاد ثلاثة .
   حتى عمل ملاحظاً اشعاعياً في شركة نفط الجنوب , الا ان ظروفه ظلت قاسية , لذا عرف بحياة غير مستقره بعد وفاة والدته فأخذ يتنقل من بيت الى بيت لانه ماكان يملك داراً تضمه وتضم عائلته .
   لقد عرف اسماعيل محباً الى قراءة الادب الانكليزي والفرنسي فضلاً عن الادب العربي ، وتأثر كثيراً , وفرانس كافكا وهنري باربوس . . . ومن العرب , المتنبي , ابي فراس الحمداني، وأودونيس والسياب ونازك الملائكه وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور .
   ومن ابرز اصدقائه الادباء الذين عاصرهم يوسف يعقوب وكاظم الحجاج وعباس جيجان وعبدالخالق .
   وكانت لديه مكتبه في داره يحبها مثلما يحب ذاته . . . ويحرص عليها. والدليل على ذلك حين غرق بيته يوماً من جراء مطر غزير ( الذي استئجره في دور الضباط ) انذاك . . .
   فاستعان بي بحكم العلاقه التي تربطني به لننقذ تلك المكتبه قبل أي شيء من الغرق والتلف والضياع .
   عرف الشاعر عند الجميع بطيبة القلب وهدوئه وثقافته الواسعه , وغزارة نتاجه الادبي وتنوعه ، حيث كتب الشعر وكتب القصه القصيره وفن المقاله . . . وقام بعرض بعض النتاجات الادبيه لادباء اخرين وابدا رأيه فيها ، وكان يمتاز بخط جميل جداً ، فقد كان ينزوي في صومعته في الطابق العلوي من داره لينطلق مع ذاته في البوح عن مشاعره وانفعالاته .
   وهذا ديدن جيل الخمسينات والستينات والسبعينات اذ نشر في بعض الصحف والمجلات العربيه والمحليه ، ومنها : جريدة المرفأ البصريه التي كان رئيس تحريرها احسان وفيق السامرائي , ومجلة افاق عربية ومجلة الاقلام ومجلة الطليعة العربية ومجلة الفيصل السعودية ومجلة الثقافة العربية , فضلاً عن صحيفتي الثورة والجمهورية .
   كتب عنه الاستاذ ( وارد بدر السالم ) في جريدة القادسية ولم احصل على هذه الصحيفة . . . وكذلك الاستاذ ( عبدالحسين الغراوي ) في مجلة الف باء تحت عنوان ( قداس بصري على روح الشهيد ) والسيد عادل كامل في جريدة الثورة ذي العدد 7719 يوم الاحد 1 / كانون الاول / 1991 م , وكانت المقالة ( بعنوان الحنين الى الميلاد ) .
   مات الشاعر حينما كان جندياً في الحرب العراقية الايرانية في 26 / 10 / 1987 م في القاطع الشمالي تاركاً خلفه مجموعته الشعرية ( وجه الشاعر في كل العصور ) التي اعده للطبع وقدم لها الشاعر حسين عبداللطيف ومجموعة اقاصيص , وبعضاً من ( رسائل حب الى بشرى ) .
   كان عضواً في اتحاد الادباء والكتاب فرع البصره حيث اقام اتحاد الادباء حفلاً تأبينياً تكريماً له يوم الاثنين الموافق 7 / 12 / 1992 م على حدائق ( النادي الثقافي ) في جامعة البصرة .
   والقيت به الكلمات والقصائد . . . وسمع الحاضرون بعض قصائده التي سجلها بصوته . . . حتى فاضت عيون الحاضرين دمعاً تأسفاً وترحماً .
   « كان اسماعيل نجماً بحق ـ رحمه الله ـ في حياته بطباعه بنتاجاته تلالاء فتفتحت قطرات دمه الطهور ورده ملاءت هواء العراق كالاريج » وهذا ماوصفه الاتحاد في كلمة الشؤون الثقافيه عند تكريمه رحم الله الشاعر واسكنه فسيح جناته .
   ذكر السيد عادل كامل في مقالته ( كان الشاعر تدوخه الانا ازاء موضوعـات الامــه والعالم ) (3) ، ويذكر نقلا عن لسان الشاعر ( يجب . . يجب . . ان احيا بعمق , يجب ان اضع خطواتي على طريق واحده تقودني الى اعلى الفنارات . . . ) .
   فالشاعر يكرر كلمة ( يجب ) ثلاث مرات, لكن صوت الشاعر يتفجر بشفافية الحزن, ولااحد لفت النظر الى تجاربه . . . فالشاعر حتى في موته اختار الصمت العميق . . . لقد تنبأ الشاعر بهذا الموت . . . من خلال الحنين الى الارض الى المرأة , الى الانهار , الى الفقراء ، وقد كان الشاعـر (يقوم بجولات عريضه بين القارات والكواكب , كانت الاحلام تكون خياليه ولم يكن الموت الا جزءاً من هذا الخيال الخصب . . . ) (4) .
   ففي صوت الشاعر حين تسمعه الحزن . . ( الى ذكرى الاحداث منذ فجر الحضاره حتي اخر رصاصه تحاول اسكات صوت الشعر في الانسان فالشاعر ادرك منذ البدء ان الكلمه غير قابلـه الا للولاده انها تقودنا نحو الجسر ، وهي في الاخير الجسر انها روح الاشياء بعد ان كانت جسدهـا . . . ) (5) .
   فهو يعترف ( قطعت خط الرجفه لم يعد لي الا الراحه سبيلاً, ويقول سأرقص في شوارع العالم . . . ) فهو لا يريد ان يغادر الدنيا بموته لم يسكت الاصراخات ، عذابات جسده والا ان شيئاً ما قد بدا صوت اجيال جديده وبراءه لم ولن تلوث .
   فأن الشاعر براءه في تفكيره . . . براءة في تعامله . . . براءه في غضبه (فهو مشبع بالبراءه التي لا يريد ان يغادرها بموته . . . ) (6) فكل شيء عند شاعرنا يسير بصمت منذ ان خرج من داره بصمت في تلك ألليله الباردة , والسكون واياه مطبقان ليحل ضيفاً عنده الموت وليرحل عنا بصمت وسكينه , ليرحل عنا وجسده مثقل بالمعاناة والهموم , والعذابات التي لا يحدها حد تاركاً ما كان يفكر به دائماً ويحسب لهم الف حساب من بعده تاركاً خلفه زوجه واطفالاً صغاراً لا معيل لهم سوى رحمة الله الكريم .
   فأسماعيل الخطاب عرف بعفويته وفطرته الشعريه السليمه المتأتيه من خلال ثقافته الذاتيه وتأثره بشعراء جيله عرباً وأجانب .
   (( فكثير هـم الشعراء الذين مازالـت صدى كلماتهم ترن في مخيلتنا وتبحر معهم كلما عز بنا الحنين , لانهم كانوا يملآون ايامنا بالشعر والصخب والنقاش الدائم لكل ماهو جديد , ودائماً ماكانوا يبحثون عن الابداع حيث كنا نرقبهم من خلال الباب وهم يمارسون شتى طقوس الابداع ، فهو واحد من الشعراء البصريين الذين ابدعوا في رفد الشعر معاني ودلالات وتراكيب وحداثـه ، ـ فالشاعر ـ شعلة من نشاط ابداعي حيث يكتب الشعر والمسرحية والقصة , وله مساجلات ونقاشات كثيرة مع زملائه واصدقائه الشعراء ، فكان رؤيا في قراءاته ٍومتابعاته للصحف والمجلات المحلية والعربية واخر الاصدارات الاوربية بالرغم من مشاغله البيتية والعملية )) (7) .
   أكمل دراسته الابتدائية والاعدادية في مدينة البصرة ، نشر بعض قصائده في الصحف والمجلات العراقية والعربية ونشر ضمن كتاب ( المرفأ الشعري . . . قصائده من البصرة ) الصادر 1978 م وله اكثر من مخطوطه قصائد وذكريات لاحصر لها (8) .

ثانياً : الايقاع في شعر اسماعيل الخطاب
   من الوسائل الايقاعيه التي يمكن ملاحظتها في شعر الخطاب ظاهرتي التراكم الصوتي والمحاكات الصوتية . .

ثالثاً : 1 ـ التراكم الصوتي
   التراكم الصوتي يمكن تعريفه بهيمنة مجموعة من الاصوات في لفظة او مجموعة من الالفاظ تتضافر جميعا محققه قيمه تعبيرية في الجملة لاسيما اذا ما تكرر بعضها ، ومثل هذا التكرار يمنح التركيب الجملي قدرة انفعالية (9) وذلك لان الاصوات تمتلك حينا خصوصيه كونيه ، وهذا التكرار الذي يمكن ان يستعمله الشاعر لانماء الايقاع وثرائه ليحاكي الحدث المراد تصويره ومثل ذلك مرتبط بشكل وثيق بما يحشده الشاعر من المهيمنات الصوتية ، ليشكل من خلال تحشيد بعض الاصوات ضمن المقطع الواحد نسيجا ايحائيا قادرا على ايصال المعنى او الاشاره اليه (10) .
فــــــي وجـــهـــك iiالاخـــــر
يـشـتـغل  الانــسـان فـــي iiمـــداره
يــضـيـع  فـــي اقـلـيـمه iiالــواحـد
ويـنـثني  لـلـزمن الـراكض نـحو iiالـبحر
يــلــبــس جـــلـــد iiضـــفــدع
ويـرسـم  الـلـوحات عـن مـدائن iiالـرحيل
يــســقــط  فــــــي iiظـــلالــه
وكـلـمـا  يــريـد ان يـغـيـر iiالـمـرايا
تــكـبـر فـــي خـطـوتـه iiالـفـاجـعة
وفـــي  ســمـاء الــمـوت والاشـبـاح
احـــلـــم فــــــي يــنـبـوعـي
اقــتـات  مـــن مـلامـحـي iiجــوعـي
***                  ***                  ***
تـسـبـقني اصـواتـهـم فــي حـضـرتك
***                  ***                  ***
اسـكـن فــي جـنـتك الـمفتوحة iiالابـواب
وامــنـح الاتــيـن مـــن iiاسـفـارهـم
عـلامـة الـدخـول والـخروج مـن iiجـحيمك
تــتــحـد  الــكــواكـب الــسـيـارة
فـي  لـغة الـدمع الذي ينهل من بكائك iiالعاشق
والـــــمـــــعـــــشـــــوق
المح في كهولتي شمسك والنار التي تزين الجسد
تـحـمـلني لارضــك الـمـملؤة iiالاشـجـار
ارى  حـــمـــامـــتـــيـــن . . ii.
وجــــودلا  ً لا يـعـانـق الـــذات . . ii.
اضـــيـــع فــــــي iiخـــوفــي

   ان القصيدة من بحر الرجز الذي يعد من البحور الصافية (11) والشاعر قد تجاوز الرتابة في الايقاع بشكله التقليدي ، من خلال التنوع الايقاعي في التفعيلة نفسها بادخال ما يطبقون من الزحافات وتنويع صور الاضرب التي يستعملونها (12) .
   وان قيمة هذا التنويع او التلوين في الايقاع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسطور النص بعضها ببعض ، فضلاً عما يتسرب من خلالها من حركة نفسية، ومثل هذا التنوع بالضروب والتفعيلة نفسها من طباع الشعراء المجيدين ، وهذا دليل على القدرة على التعبير ، والتكيف ، والتخطي (13) .
   فهو هنا ينسق ـ الواقع ـ تنسيقاً خاصاً يتلاءم مع حالته الشعورية ، بمعنى « ان الدفقة الشعورية والانفعالية ، والتجربة الشعورية تتحكم في تحديد طبيعة الوزن ، وهذا يعني ان الاطار الداخلي متمثلاً في الانفعال والتجربة الشعورية يتحكمان في الاطار الخارجي ـ الوزن والقافية ـ ويحددان نوعيهما وطبيعتيهما » (14) .
   ومثل ذلك يجعل الايقاع في صعود وهبوط في درجتها من الحدة حتى تطابق ما يحدث فضلاً للعاطفة الانسانية من تراوح بين الصعود والهبوط ، وبهذا التراوح تتم الوحدة الموسيقية الشاملة لبناء القصيدة ككل . . . (15) وهذا ما يوافق تصورات اليوت (16) .
   ومن اجل ان يعبر الشاعر عن احاسيسه وطبيعة تجربته عمد الى استعمال الوسائل البلاغية المتنوعة من استعارة ، وكناية ، وتشبيه ، فضلاً عن الرمز لذلك نجد ان جل قصائده اتسمت بالرمزية لان الرمز ( تلميح الى الاشياء وربما افصاح وهو يمنح القصيدة اعماقً يستثير الفكر وتفسح آماد الخيال ) (17) ، ولكن الرمز اللغوي يبقى عند شاعرنا غامضاً غموض ذاته وانغلاق حياته وصمت اماليه ، لكن هذا الرمز بالرغم من غموضه يحقق المتعة الفنية لخلق الوعي من خلال الاداء الجمالي المتميز (18) ، بمعنى ان الشاعر قد جعل قصائده مرتعاً للصور الفنية ليجعل المتلقي يتفاعل مع النص ومع جماليات اساليبه البلاغية المتنوعة ، وتحمــل النص معان متنوعة يستحضرها المتلقي .
   فقصائده ( تعطيك الكثير من المعاني حتى تخرج من اصدفة الواحدة عدة من الدرر ، وتجني من الغصن الواحد انواعاً من الثمر . . . ان شئت ارتك المعاني التي هي من خبايا العقل . . . (19) .
   فالرمز عنده يعتمد على الصورة الذهنية. لذا عندما تتعمق في قصيدته ( عبور المدن الثابتة ) من خلال تركيبها الايقاعي والبنائي اتسمت بالايهام باعتبارها ملغز . . . لان الشاعر يحاول ان يرينا ماذا تعني الاشياء في ازدواجها مهماً . . . منطلقاً من منطقة اللاوعي من العقل الذي تعد منطقة تعشعش فيها مسارب الروح الخفية من شجون واحزان ، فالمحيط والرهبة والخوف جعلته يركن الى الترميز ، لانه قد وجد فيه ضالته بوصفه ( رؤيا فيها التفاعل بين الذات والموضوع ) (20) .
   فالإيقاع وما فيه من تنوع فضلاً عن الرمز الذي يتمتع به من قدرة على الايحاء . . . من خلال الانتقال من هذا المدلول الاول الى مدلول ثان هو الغاية في التعبير (21) ، مما جعلا المتعة من سمات النص لاننا سنغوص في احتماليات المعاني والدلالات التي تكمن وراء النص ، للوقوف على اعماق المعاني ، وجوهرها ، ليكون الرمز وثيق الصلة بالشاعر فهو يحمل رؤياه ، ويتيح تكراره الفاعل التعبير عن مستويات مختلفة من تجربته لتحتوي الرمزية على جميع عناصر الصورة ، التي ما فتأت ان احتوت على غموض بحاجة الى توقف ، لانها قائمة على التكثيف الفكري والعاطفي .
   فها هو يهجم في قصيدته ( عبور المدن الثابتة ) هجوماً مباشراً بلا مقدمات ليدخل الى صلب الموضوع بقوله :
تطلع في قصيدتي يد
يـمتد  فـي iiداخلها
رأس  بـلا iiمـلامح

    ( فطلوع اليد ، ورأس بلا ملامح، وجه البحر ، عاصفة ، برج الوقت ، بوابتي لقاح ، اسيل كالعجينة ، الجسد الطيني ، الرعشة الاخيرة ، مرأتك ، نلبس في حنان ، جلودنا ونرتحل ، والريح صليب الدائرة ، انسجتي الخفية ، الغرف السرية ، اجنحتي ، ونوافذ الوصول . . . ) .
   فاليد تمثل طالع الانسان ومرآته ، والرأس ، الذات الشاخصة في تيه وضياع ، والعاصفة الفوضى والاضطراب ، ووجه البحر في امتداداته هو الحياة في صمت وسكون .
   ثم يتوسع في اظهار ملامح الذات في ضعفها وهشاشتها حيث تذوب في ذات من أحَبّ التي تشاطره ضعفاً وهشاشة . . . وبذلك تبرز عندها الرؤية السوداوية ... المتمثلة بالفوضى والاضطراب والضعف والتلاشي .
   ثم يتمسك بـ ( الريح ، الاجنحة ، والنوافذ ) املاً وتفاؤلاً ، بعد تلك الصورة السوداوية التي توحي على تفتيت الذات ، وتقسيمها ، لكنه راح بريط بين الريح والاجنحة والنوافذ سبيلاً لذلك الامل والانطلاق الى عالم الانفتاح والخلاص والحرية . . . ، لان الريـح والاجنحة رمزان يعبران عن القوة والسرعة ، وهما صرختان تدلان على التمرد وكسر القيود ، فهما لن يرضيا الا بعودة الامان والاستقرار ليشرق الصباح من جديد بعد ان ( أطفئ برج الوقت ) وتوقف الزمن .
   ففي قصيدة مكابدات شيء متحرك (22) نلاحظ هيمنة بعض الاصوات الشديدة والقوية ( كالجيم , والشين , والنون , والراء , والزاي , والضاد , والسين , واللام , والعين, والباء , والقاف , والخاء ) فضلا عن حروف المد ( كاللالف والواو والياء) .
   فقد وردت الجيم 8 مرات والشين 3 مرات والسين 10 مرات والنون 17 مرة والراء 19 مرة والزاي مرتين والضاد 4 مرات واللام 42 مرة والعين 13 مرة والقاف 7 مرات والباء 10 مرات والحاء 15 مرة والخاء 4 مرات والدال 5 مرات . . . وحروف المد التي شاعت فـي النص بشكل لافت للنظـر . . حيث اختـار الى نهايات مقاطعه : الراء , الهاء , الدال , العين , الباء , الكاف, القاف , الغين . . . وكلها يمكن عدها اصوات انفجارية (23) مجهورة .
   فيما يلاحظ ان قصيدته هذه قد شاعت فيها الاصوات المجهورة والشديدة والمكررة والمفخمة . . . لما لها من توتر عظيم في مختلف اعضاء جهاز الصوت مع تأخر المخرج شيئا ما كالطاء والصاد والضاد والسين والشين والخاء والحاء (24) ومثل هذا الحشد من الاصوات ذات الايقاع الواضح والمتنامي بالقوه قد شكل نسيجا حيا ومتناميا وايحائيا بينا من اجل إيصال المعنى ، إذن السامع والتلميح له .
   فهو من خلال هذه الاصوات المتأرجحه بين الشده والقوه والاجهار والتكرار وتنوع التشكيلات الصوتيه يؤدي الى بروز الايقاع وهيمنته مما يوسع من مخيلة الشاعر , وقدرته على تحقيق التألق بين التجربة والايقاع الذي اتسم بالوضوح , ليستطيع من خلاله استنطاق المفردات لتعبر عن التجربه الانفعالية والاحاسيس داخل البناء الجميل الكامن وراء الاسطر والمفردات ، كما احدثت اثرا في تصعيد النغم من اجل شد المتلقي , والكشف عن عواطف الخطاب ( الشاعر ) المشحونه بطاقه انفعاليه حاده نستشف من خلالها عن حاله من التوتر الواضح في نفسيته وخشيته من الضياع والواقع المجهول الذي يلف ذات الشاعر ، فالشاعر قد احدث اليه في خلق ايقاع داخلي بواسطة ما يحدثه من موازنه نغميه بين هذه الاصوات ، فضلا عن ذلك ، ان النغم قد ازداد وضوحا وصفاء عندما وظف اصوات المد حيث اضفت على الايقاع قوة ونغما ليثير من خلالها الانتباه واثارة اللمحة ولاشارة ، لان هذه الاصوات بشكل خاص اصوات انفجاريه حيث لا تكون الا مجهورة (25) ولما لها من قابليه على الاسماع بسبب العلو النسبي لهذه القابليه السمعيه ولما لها من قابليه على مد الصوت واطالة التصويت (26) فهو بذلك قد حقق قيما تعبيريه في جمله ، فاستطاع الشاعر ان يمد النص قيمته من خلال القدره على تحويل العنصر الفكري او الادوات الفكريه الى مهمة شعريـه . . . (27) .
   وهذا ما يكشف عن مقدره في اختيار الفاظه ليزجها في ميدان التركيب الجملي ليكسبها قدره على الايحاء ، ومسحه ايقاعيه من خلال رصف الاصوات ليكون منها قدرة جماليه في البوح وقوة في التعبير وقوة في التأثير وتصعيداً في النغم الايقاعي .
   فتكرار هذه الاصوات وخاصة (الراء والسين ) لتشكل حالة قرب من الحكاية الصوتية انسجاما مع ما يصدرعن طبيعة تلك التجربة ذاتها .
   فضلا عن ان الشاعر قد اختار نهايات لمقاطعة الجميلة لتسند المعنى الذي اراده كتكرار الراء في اكثر من مقطع والدال والعين والباء واللام والقاف والنون والكاف والهاء . . . حتى ينتهي في المقطع الاخير بصوت الفاء المقترن بصوت الياء في قوله :
( اضيع في خوفي )

   ليعبر عن التلاشي من خلال الحفيف الذي يعتري صوت الفاء وحيث الياء الذي اعطى للكلمة مدا صوتيا وكانه رجيع يؤكد ذلك التلاشي الذي اقر به الشاعر في قرارة ذاته في نهاية المطاف .
   فهذه التشكيلة من الاصوات يمكن عدها ( ظاهرة لغوية ) ويمكن تعريفها ( سلسلة من المنبهات تتلوها استجابات تتحول هي نفسها منبهات تقتضي بدورها استجابات اخرى ) (28) فالالفاظ تجسد معانيها وهذه المعاني هي :
   ( المجسمة لجوهر الاسلوب، فما الاسلوب سوى ما نضفي على افكارنا من نسـق وحركـة . . . ) (29) .
   ومثل هذه الصنعه تكشف عن جوهر الانسان حيث ذكر ماكس جاكوب ( ان جوهر الانسان كامن في لغته وحاسيته ) (30) لذا ان الشاعر قد اعتمد في بناء النص على ( حقائق انتظام النص بنيويـا مما يجعله العلامه المميزه لنوعيـة مظهر الكلام داخـل حدود الخطاب وتلك السمة انمـا هـي شبكـة تقاطـع الدوال بالمدلولات ، ومجموع علائق بعضها ببعض ومن ذلك كله تتكون البنية النوعية للنص . . . ) (31) .
   والعبارة اللفظية تعد ( الوسيلة اللازمة لنقل او اظهار كذا ، ففي نفس الاديب من تلك العناصر المعنوية . . . ) (32) .
   فالنص بأجزائه كافة وتراكيبة يعبر عن العقل والعاطفة (33) فزينـة الكـلام ـ الخطاب ـ تتجلى في الكلام ( الذي يزدوج تركيبه من الحروف ومما يقترن به الى جانب الحروف من هيئه ونغمه ونبرة . . . ) (34) .
   فأن ( الحده والثقل والنبرات تولد النغم والايقاع الايحائي والنغم والايقاع فيهما اشارات نحو الاغراض . . . ومن خلالهما تتآلف الاصوات فيما بينها من ثقل وحدة هيئات تصير بها داله على احوال الملقي ) (35) .
   فقيمة التكرار من وزن وقافية وتنوع في البناء قد اعطى تنوعاً في الدلالات وتنوعاً في المتغيرات الوصفية التي تساير الحدث عبر مقاطع النص الثلاثة ، فضلاً عن الهارمون الموسيقي المتصاعد بين الفينة والاخرى، من خلال الايقاع الخارجي المتنامي وتكرارات الاصوات المدية والاصوات الجهرية . . . وكلها ايقاعات اعطت للنص قيمة ايحائية .
   مما اوجد تلك العلاقة ما بين النبرة الصوتية للمفردة ومعناها (36) فضلاً عن جمعه بين عناصر الموضوع وجمال الاخراج ليندمج التعبير بالمدلول او الشكل بالمعنى . . . فالتجانس بين الاصوات ودلالة العبارات خلق ابداعاً داخلياً اكسب النص بعداً جمالياً ملموساً في اسلوبين موسيقيين منسجمين مع المعاني المصاحبة لها .
   ففي خضم التنوع الموسيقي الذي اتسمت به قصيدته فضلاً عن ايقاعية موسيقية هادئة ومتموجة . . . اصبحت كلماته ضمن جمل قصيرة وبفونيم موحد في نهايات جملة مما زاد الشعر شاعرية . . .
   فالايقاع متحد متناسق في حروف فواصله ومفرداته . .

ومثل ذلك ما نجده في : قصيدته ( انتظار )(37) .
تــشــق غــبــار iiالــبـراري
خــــــطــــــانــــــا
وتـعـبـر مـمـلـكة الـبـحر . . ii.
تـــــــــعـــــــــدو
تــكــون جــراحـي حـنـيـنا iiً
لـوجهك  هـذا الذي يستفيق ظمئي iiفي
رحـيـل  الـطـيور الـحـزينة . . ii.
اشــــرع  قــلـبـي iiحـديـقـة
واســـأل عــشـب iiالـشـواطـئ
الـــم  ّ الـضـفاف الـبـعيدة . . ii.
اهـــــــــــــــوى . . ii.
دمـائي بـلاد تقاسم اغصانها iiالجائعون
فـيالوعة الـروح فـي وقـدة iiالهاجرة
ويالوعة النهر حين يمد الجذور الحبيسة
ويالوعة الموت حين يشيخ اللهيب . . ii.
ويـزهـر هـذا الـعناء الـطويل . . .

   وفي قوله من قصيدة ( مرايا في طرق الليل . . . ) (38) .
هــا انــا خـلـف الـزجاج
هائما تقتلني الليلة هذي الطرقات
لـغة الايـام فـي عـين iiالنبي
تـــــتـــــبــــدد
غـيـر انــي . . . iiاتـجـدد
فـــي  دمـــاء iiالانـبـياء
وانــفــتـاح الــفـقـراء
فـي  الـمرايا الـعاريات . . ii.

   ومثل هذا البروز الصوتي في القصيدة يؤدي الى ( استكشاف مقومات التفكير اللغوي. . . من خلال ـ ما يمكن ان يزدوج مع مسار المقطع الكلامي على سلسلة الزمن من تراكمات اضافيه لها تأثير واضح في ابراز الحجم الكمي والتكثيف النوعي لعملية انجاز الحدث اللغوي . . . ) (39) .
   ولهذا يكون للصوت هنا اثر بالغ في تشكيل بنية التعبير الشعري وأن دراسة أي عمل ابداعـي لايمكن ان تتسم بالتكامل مالم تمنح الاصوات وموسيقاها قسطاً وافراً من الاهتمام والعناية , لان جوهر الشعر هو الصوت . . . , ومع ايماننا ان الشاعر لا يتقصد ان يجعل لقصيدته اصوات معينه يعد لها قبل الشروع بكتابة القصيده لكن تلك الاصوات التي تنثال ضمن العملية الابداعية تعطي للنص خصوصية ايقاعية ودلالية اذ ان ( ثمة امكانات تعبيرية كافية في المادة الصوتية . . . لكنهـا تتفجر حينما يقع التوافق ) (40) بين الاصوات المتقاربة والمتشابهة , ومن المؤكد ان هذه التراكمـات الصوتية لايمكن ان يتضح تأثيرها الدلالي اذا ما نظرنا اليها بمعزل عن تمفصلها مع الاصـوات الاخرى المكونة للمفردة الشعرية , بل يتضح تأثيرها من خلال ماتشكله من لحمه فنية مع ما حولهـا .
   فدراسة التوازي الصوتي يجب أن يكون واعياً الى . . ( خطورة الانسياق وراء المحاولات الساعية للربط الدائم والحتمي بين ضرورات الدلالة في النص والتكرارات الصوتية . . . ) (41) .
   فلذا حقق التقارب الصوتي في قصيدة الخطاب ايقاعاً موسيقياً للنص معززاً بذلك دلالته , لان الايقاع يمكن ان يكون ( نظام امواج صوتيه ومعنويه وشكليه . . . ) (42) لتتأزر فيما بينها لتشكل شعرية النص .
   فاختيار المفرده عند الخطاب: (له علاقه بااتوتر الحسي والنفسي . . . ) (43) وكذلك احساسه قادة الى أستعمال حروف المد التي ( تكسب المقطع اذا شاعت شيوعاً واضحاً نوعاً من البطئ الموسيقي او مايمكن ان يوصف بالتراخي الموسيقي ) (44) .
   ولها ( قيمة موسيقيه ولحنيه تلاحظ من تعاقبها اوتكرارها او تنشأ من العلاقات الهارمونيه بينها , وقد لاحظ لاسن ان ثمة توزاياً بين النغمات الموازيه لحروف المد ونغمات معينة في السلم الموسيقي ) (45) والاكثار منها جعل هذه الاصوات ذات أثر موسيقي واضح في اكساب النص قدرة على الانسياح والديمومه والاستطاله . . . فحروف المد عززت مشاعر الحزن والاسى والمعانات عند شاعرنا واستحضار صورة من اتعبته المعانات والتفكر في مستقبله المجهول .
   ومثل ذلك الشعور والتكرار يبدو جلياً في قصيدته عبور المدن الثابتة : (46)
تــطـلـع  فــــي قـصـيـدتي يـــدْ
يــمــتــد فــــــي iiداخــلــهـا
رأس بـــــــــلا iiمــــلامــــح
يــــــدور  فــــــي مــكــانـه
يـسأل  عـن تـأريخه الـضائع فـي iiكـوكب
يـحـلـم  ان يــكـون وجـــه iiالـبـحر
عـــــــاصـــــــفـــــــه
تــطــفـىء  بـــــرج الـــوقــت
لـــم  يــبـق فــي بـوابـتي iiلـقـاح
وأنـــنــي اســـيــل كـالـعـجـينه
فــــــي الــجــسـد الــطـيـنـي
وصـرخـتـي فــي الـرعـشه iiالاخـيـرة
تـعـصـف فـــي مــرآتـك iiالـسـوداء
وكــــل  مــــا فــــي iiالــذاكـرة
نـــدفـــنـــه  iiحـــــبــــوراً
وقــلـت  فـــي صـحـوتـك iiالـجـديدة
بــأنـنـا  نــلـبـس فـــي حــنـان
جـــلـــودنـــا iiونـــرتـــحــل
***                 ***                 ii***
فالتفتحو أبوابكم فالريح في عبوركم اشاره نحو
الـــــــضـــــــفـــــــاف
وفـــــي  صــلــيـب الـــدائــره
تـقـاسـمـوا  انـسـجـتـي iiالـخـفـيـه
ووزعـــــــــوا iiدمـــــــــي
فـــــي  الـــغــرف iiالــســريـة
لـكنما  اجـنحتي تـفتح لـي نـوافذ الوصول

   فـالتكرار بوصفه بنيه لغويه وشكل آدائي شائع فـي الخطاب الشعـري شيوعاً وظيفيــاً ( وبخاصة في مقومات النص الشعري كالوزن والقافيه وبعض المقومات الايقاعية المبنية بناء تكرارياً او قائمة على التكرار , غير ان ما يميز شاعراً عن اخر في لغتة التكرار هـو اتصافها بالجانـب الاسلوبي أي من كونهـا عنصراً اسلوبياً متصلاً بالدلاله النصيه للقصيده أو المقطع الشعري . . . ) (47) .
   فمثل هذا التتابع الصوتي لحروف المد في القصيده جعلها ابداعاً موحياً وهو صـادر عــن ( اشكال من التنظيم البنائيه الخاصه ومنها شكل التكرار الذي تسهم في تكوينه مقومات تماثل معينه ترقي بسبب من تماثلها بتلك الاشكال . . . ) (48) .

   اما القصيده مكابدات البسطامي (49) .
عــبــرت وجــــه الـمـمـلكه
مــنــتـصـف  الــطــريــق
قـابـلـني  حـراسـها iiالـعـشرون
***             ***             ii***
فــلـذت فــي مـسـالك iiالــولادة
وقــلـت هــذا زمــن iiالـدهـشة
يــولــد فــــي iiالــبــراري
جــيــش مــــن iiالــجـيـاع
وفــــي  هـشـاشـة iiالــريـاح
انـزع مـن ذاكـرتي مـنابع iiالـغياب
أنـــام خـلـف أسـمـك iiمــولاي
***             ***             ii***
مـمداً أسـقط فـي شركك الزاحف iiفي
عـبادة  الاشـياء . . . يحيطني iiنورك
شـيئا  ً فشيئا ً تنحني لرعيك iiالاشجار
أركـض كـالشحاذ فـي دربك iiالشائكة
الــــبــــعـــيـــدة  . . ii.
تـأكـلـني الـمـوانـيء iiالـقـديمة
مـمتلئاً  بـالبحر والـتوهج iiالـصارخ
اسـتطلع  الشموس في غرفتك iiالمعتمة
اعــــلـــن  iiلــــلـــوردة
عـشـقي  الــذي يـحاور iiالـطبيعة
يـــفـــتــح iiلــلــمــطـر
أبـــواب الـقـارعـة iiالاســيـرة
أعود من بدايتي مهاجراً كطائر النورس
حــامـلاً لـعـرشـك iiالـطـقـوس
تـذوب فـي انسجتي همومك iiالمسافرة
أصــرخ فــي تـشـابك iiالـفصول
فــــي الـجـسـد الـشـيـخوخه
وأرتـمـي فــي عـشـبك iiالـيابس
أدور  فـــي سـورتـك iiالـعـاصفه
مـنحنياً اقـطف مـن ثـمارك iiالهزيلة
أخــــرج  عــــن جــلــدي
أدخـــــل فــــي iiجــلــدك
نـصـيـر  عـالـماً مــن iiالالـفـة
ووطـــنـــاً  iiلـلـعـاشـقـيـن

   من خلال الفعل الماضي ( عبرت ) التي استهل بها القصيدة اعطى لباقي النص زمناً مفرغاً مع انه محور القصيدة فهو جامد متوقف لانه يتخطى بالفكر نحو الذاكرة ، وان العبور يدلل على حالة التوتر الناشيء عن الصراع بين ذات الشاعر والواقع ، مما ينتج عن القدرة على التصوير غير المباشر ليتحدث عنه بأسم الايحاء والرمزية ، « فوجه المملكة ، والحراس العشرون ، ومسالك الولادة ، والدهشة والبراري ، وجيش الجياع ، والهشاشة ، والنزوع ، والسقوط في الشرك الزاحف ، والركض ، والدرب الشائك ، والذوبان في انسجة الهموم ، والصراخ والشيخوخة ، ويباس العشب، وسورة العاصفة ، والثمار الهزيلة ، والخروج عن شيء الى شيء . . . » فكل تلك صور تنم عن صراعات متشابكة ومعقدة تحوم حول ذات الشاعر حتى يصل الى ذروة التعقيد ليصل في الاخير الى قمة ما يطمح اليه في قوله :
(  اخـرج عـن iiجلدي
ادخــل  فـي iiجـلدك
نصير  عالما ً من iiالالفة
ووطنا للعاشقين . . . )

   فالشاعر من اجل ان يجيد في وصف الزمن المتجمد لنقل الحالة النفسية وتصوير الجو الشعوري ابتدأ بالافعال الماضية : ( عبرت ، قابلني ، ولذت ، وقلت . . . ) لينقلنا الى مساحة زمنية اخرى بعد ذلك وكأننا ندور في زمن الخطاب الحالي من خلال الافعال : ( يولد ، وانزع ، وانام ، واسقط ، ويحيطني ، وتذمني ، واركض ، وتاكلني ، واستطلع ، واعلن ، ونفتح ، واعوذ ، وتذوب ، واصرخ ، وارتمي ، وادور ، واخرج . . . ) .
   فالفعل ( قلت ) كان مدخلاً ذكياً ومسوغاً فنياً في الولوج في عالم السرد الاتي المتمثل في تكرار الافعال المضارعة . . . ويبدو ان ( وجه المملكة ) كناية عن واقع الشاعر وان فعل العبور يعني الاجتياز حيث يلازم اجتياز الشيء شيء من الفرح والسرو ، كما ان عبور المملكة ليس كعبور وجهها . . . فالمملكة تعبر عن واقع الشاعر بأسواره ، بأبوابه الموصدة وبقيوده وخطوطه الحمراء وذعره بدليل قوله :
( قابلني حراسُها العشرون . . )

   فعبور المملكة من دون وجهها لا يتناسب مع الاحاسيس التي تكمن وراء لفــظ ( عبرت ) ، اما عبور ( وجه المملكة ) يتناغم مع تلك الاحاسيس من فرح غامر لان عبور ( وجه المملكة ) يعني العبور بعد معاناة وترقب وذعر . . . مطبق ، لان لفظة ( وجه ) يحمل دلالة الترقب والحذر والترصد ، وهذا ما لا توحيه لفظة ( عبور المملكة ) .
   ويلاحظ ان القصيدة بالرغم من انا سلكت بعض صيغ الخطاب بيت التصوير والاستفهام والتقرير الا ان الحزن الشخصي تظهر من خلاله شخصيته بشكل واضح . . . وبوساطة هذا التنوع المتمثل بتنوع الصيغ الخطابية والايقاعية الا انها تصب في هدف واحد لتتكامل عناصر اللوحة ومؤثراتها من اجل بناء نصّ مليء بالحركية ، وصورة الذعر والخوف المصحوب بالامل الحذر حيث تبدو جلية وفي قمة عمقها عند الشاعر في قوله : (فلذت في مسالك الولادة . . . ) و (يولد في البراري، جيش من الجياع وفي هشاشة الرياح . . . ) ليوحي كثرة وسعة انتشار الداعين والمحرومين .
   ثم تتعاقب الافعال ( انام ممداً ) لتحمل معنى الهدوء لكن ما يكسر ذلك هو ( السقوط في الشرك الزاحف ) ، ومن المعلوم ان الزحف حركة بطيئة وغير عادية لكنها تزيد على الزحف مشاعر الدهشة ، والولوج في عالم الفقراء ، عالم ما بعد الخروج من عالم الغيبيات الى عالم الماديات في قوله :
انـــام خـلـف اسـمـك iiمــولاي
مـمدا ً اسـقط فـي شركك الزاحف في
عبادة الاشياء . . . يحيطني نورك . . .
شـيئا ً فـشيئا ً تنحني لرعيك الاشجار
اركض  كالشحاذ في دربك الشائكة . . .
الــــبــــعـــيـــدة  . . ii.

   كما ان الزحف يثير مشاعر الخوف الغريزي في العمق بتسللها وسحبها لقوتها ، وذلك المد العقائدي الذي امن به الشاعر في فترة معينة .
   ليستحيل الشوق الى موطن الذكرى بقوة من خلال قوله :
( تاكلني الموانئ القديمة . . . )

   ثم يدخل بما يحمله الفكر من صور مادية :
( اسـتطلع الشموس في غرفتك المعتمة ii،
اعـلن لـلوردة عـشقي محاورا ً iiالطبيعة
ليفتح للمطر ابواب الفارعة الاسيرة . . . )

ليؤمن بما حمله من اعتقاد في قوله :( اعود من بدايتي . . . أي من مسالك الولادة . . . مهاجراً نحو فجر الانطلاق :
( كطائر النورس ) ليسقط هويته الاولى وابدالها باخرى بقوله :
( اخــــــــرج عــــــــن iiجــــلــــدي
ادخــــــــل فـــــــي جــــلـــدك . . . )
والـجـلد كـمـا هـو مـعروف هـوية الانـسان وجـنسه .

   ثم ان الافعال المضارعة كلها تحمل استمرارية الحدث والمشهد وهي تصعيد في التصوير الى نقطة ذات قيمة تعبيرية وانفعالية جاءت تنحو منحى توكيدياً لاستمرار ما ابتدأ به .
لكن بالرغم من امل الحرية يبقى الهم واحد في قوله :
تــذوب  فــي انـسـجتي هـمـومك iiالـمسافرة
اصــــر  فــــي تــشـابـك iiالـفـصـول
فــــــي الــجــســد iiالـشـيـخـوخـة
وارتــمــي  فــــي عـشـبـك الـيـابـس
ادور فـــــي ســـورتــك الــعـاصـفـة
مـنـحـنيا ً اقـطـف مــن ثـمـارك iiالـهـزيلة

   اذن جمع كل هموم الفقراء . . . كما حملها مولاه حتى يعلن في الاخير ان يخرج عما كان يؤمن به ليؤمن بمبدأ مولاه ليصيرا :
عـالما  ً مـن iiالالفة
ووطنا ً من العاشقين

   فنلاحظ ان القصيدة قد شاعت فيها اصوات ما بين الاجهار والشدة واللين وخاصة صوت ( الشين) الذي تكرر 22 مرة ليحدث بذلك تموجا ايقاعيا ينماز بالصعود والهبوط الذي اكسب النغم علوا مهبوطا ، فضلاعن كون هذا الصوت الذي يوحي بالشدة والانتشار والتفشي فيه من الاحساس بما تميز به صدره من الانفعال الحاد وما يصاحب ذلك من الاصوات الاخرى ( كالباء والراء والجيم والخاء والقاف والسين والعين . . . وغيرها من الاصوات ) .
   مما توحي بنفس حزينة مضطربة بأنفاسها المتقطعة ، حيرى تنشد الاستقرار والالفه . . . فمثل هذا التكرار الصوتي اظهر الغرض الوظيفي من النص فضلا عن ذلك قد اكسب هذا التنوع في الاصوات النص ايقاعا صوتيا شديدا ،حيث اكسبه وضوح الغرض وجلاء المعنى . . . وكأنما جرس هذه الاصوات قد اسندت الغرض وهنا تكمن بلاغة النص (50) .
   فضلا عن ذلك تلاحظ الشاعر كان تراوده الاماني نحو المستقبل لذا كان كثيرا ما يستعمل صيغة الزمن الحاضر مما يفسر شوقه الى المستقبل الذي ينتظره ومثل ذلك قد طغى على بناء جملة في النصوص التي اوردتها . . .
رابعاً : 2 ـ المحاكاة الصوتيه
   تعد المحاكاة الصوتيه (الاتجاه بالكلمات الى انه اداء للمعنى عن طريق نطق الصوت الحقيقي لأحرف الكلمة ) (51) .
   والمحاكاة الصوتيه تعد كذلك من ابرز خصائص اللغه العربيه ، حيث تحدث عنها بعض اللغويين القدماء في هذه الخاصيه ، مبينين من خلالها علاقة الصوت بالمعنى .
   فأبن جني : وضعها في باب من ابوابه اللغويه تحت عنوان ( باب في احساس الالفاظ اشباه المعانـي ) (52) وقد نبه الخليل وسيبويه عن ذلك حتى تلقفته الجماعه من بعدها بالقبول والاعتراف بصحته (53) .
   واخذ بعض اللغويين المحدثين بهذا الرأي مؤكدين وجود علاقه حقيقيه بين الصـوت والمعنـى (54) .
   ومن خلال المحاكاة الصوتية يمكن ان نتحسس ايقاعاً داخليً الذي يعد « انسجاماً صوتياً داخلياً المنبعث من هذا التوافق الموسيقي بين الكلمات ودلالاتها حيناً او بين الكلمات بعضها وبعض حيناً آخر » (55) لتتعاضد مع موسيقى الاطار ( الوزن والقافية ) في تكوين الموسيقى الشعرية ثم ( تعتمد اعتماداً على حركة النفس الفردية وتموجاتها الداخلية التي تتمظهر بصورة لفظية تنسجم فيها الالفاظ وتتواءم) (56) فمثل هذا المنحى يرتبط انياً بحركة الانفعال التي تقوم عليها الصورة الايقاعية ـ الرؤيوية ـ لذا فان الايقاع الداخلي يؤدي دوراً مهماً في البنية الموسيقية ، متمثلاً في التعبير والتلقي للشحنات الانفعالية التي هي مجال العمل البشري (57) .
   فاستطاع الشاعر ان يجعل الكلمات تكتسب ( اجنحة النغم في سياق الشعر الجيد وحسب ما ينسج الشاعر للكلمة من علاقات خفية مما حولها وبما يبثه فيها من معان توحي بها دون ان تشخصها تماماً ) (58) مما جعل الفاظه تحمل موسيقى ذات نغم « يجمع بين الالفاظ والصورة ، وبين وقع الكلام والحالة النفسية للشاعر » (59) .
   وبذلك تخلق الموسيقى انسجاماً بين كلمة واخرى او بين كلمة ودلالاتها من دون اهمال دور الصوت في التعبير عن انفعالات الشاعر او مشاعره . . . وفي ضوء تفاعل الوزن مع الكلمات ، حيث تتعمق دلالاتها متى ما كانت : « قادرة على الوصول الى مواقع النفس الانسانية تختلف من المناطق التي يصل اليها ـ النص الادبي ـ انها مناطق الحدس والدهشة والذهول » (60) .
   وتكاد الاصوات الانفجارية تتردد في كل سطر بلا تكلف لكنه يترك نغماً متواصلاً معبراً عن حالة التأثر بالاتصال المعنوي المتأجج في وجدانه .
   ومن خلال هذا يتبين ان الاجماع يتجه الى وجود محاكاة صوتية في اللغة العربية ، وهذه المحاكاة هـي سمة من سماتها وسـر من اسرار بقائها ، فالصوت في اللغـة العربية له ( ايماء خاص فهو ان لم يكن يدل دلاله قاطعة على المعنى فهو يدل دلالة اتجاه وايحاء يثير في النفس جوا يهئ لقبول المعنى ويوجه اليه ويوحي به ) (61).
   وأما في الجمله الشعريه لدى اسماعيل الخطاب قد وردت المحاكاة الصوتيه . . . في قصيدته ( اوجه الشاعر في كل العصور (62) .
ايـــــن اذهـــــب
وحـــدودي  iiتـتـقـطع
كـلـمـاتـي  تـتـسـكع
فــي بـيـوت الـفـقراء
تـتعرى خلف اسوار iiالحياة
آه  مـن يرفع عني الظلمات
فـأنا  احـمل مرآة العصور
وبـقـايـا كـلـمات . . ii.
تحرق الانسان عند الصلوات
آه  مـن يرفع عني الظلمات
ايـــن  اذهــب . . . ii؟

   افتتح الشاعر مقطوعته باسلوب طلبي يتمثل باسلوب الاستفهام بـ ( اين اذهب ) ليجعله مفتاحاً لتهيئة ذهن المتلقي واثارة انتباهه اشعاراً منه على اهمية ما سيطرق اسماع المتلقي من معان وصور . . . وهو مرتبط كذلك بانفعال نفسي شديد وشعور اضطرابي مطبق حيث خرج الاستفهام الى التعجب والتحسر فضلاً عن حالة الشتات ، ثم يجعله مدخلاً لعمق الحالة الشعورية وعمق توترها .
   فالاستفهام الاستهلالي لم يجعله حالة مسيطرة على النص بل حالة جذب وباباً من ابواب التفاعل مع النص والمشاركة في كشف اسباره ، كما ان الجمل الخبرية التي توالت بعدها كأنها صيغ جواب بالشكل الذي يمنح النص استمرارية بالحركة والتأثير .
   فالاستفهام كان بداية لصور متحركة وجانباً من جوانب التصعيد الفنـــي لقوله :
وحـــدودي تـتـقطع iiْ
كـلـمـاتي  تـتـسكع iiْ
فــي  بـيوت iiالـفقراء
تتعرى خلف اسوار الحياة

   فالمتوالية الفعلية : ( تتقطع ، تتسكع ، تتعرى ) تكون صوراً حية ذات ابعاد نفسية سوداوية تحفل بالمعاناة والمآسي ، ثم انها قد حملت ـ كما ذكرت ـ دلالة توكيدية على استمرار الحدث فضلاً عن كون الشاعر قد استعان بالجمل الاسمية التي تحمل معنى الحدوث والتجدد ، والافعال التي جاءت على زنة ( تتفعلل ) التي تثير في الاذهان تردداً ووقعاً مؤثراً من خلال ما فيها من تكرار فهي ( تمتلك رنيناً موسيقياً جاءها من تكرار المقطع ) (63) لتضفي على السياق ايحاء حركياً وقوة في وقوع الحدث وتكراره لما حملته الصيغة من دلالة على ذلك التكرار والترجيع او الاستمرار او المبالغة . . . (64) ومن هذا التتابع نستشف عمق المبالغة في معاناته .
   كما ان الافعال ذاتها منحت الصورة اتساعاً افقياً لتحقيق توافق وتكامل في رسم المآساة لتأخذ امتداداتها بالقوة التأثيرية ذاتها فحصدت النتيجة في قوله :
( خلف اسوار الحياة )

   فوجوده مهمش ، وصوته مهمش ، لان ذلك نتيجة حتمية للتقطيع فـ ( التقطيع، والتسكع ، والتعري . . . ) حملت صورة المعاناة وحجم تجذرها بكل ابعادها ، ضمن هرم قمته التقطيع وقاعدته التسكع، والتعري . . . بمعنى ان نهاية المطاف هو ( التعري ) الذي يعني فقدان الهوية . . . وسماتها السوية ليتلاءم ذلك مع قوله ـ منبوذة
( خلف اسوار الحياة )

   فعنده التمزق اشكال مختلفة : التمزق النفسي الداخلي والتمزق الاجتماعي ثم تمزق الامة ، فلا حرية ، لان التمزق الاجتماعي ناجم عن مصادرة الحريات حيث يبرز عنده التمزق في حالات الفقر الشائعة . . . ففي توظيف السؤال استهلالً لتوليد المعاني التي تتفجر بها تجربته ، ليكون مدعاة للتأمل وبخاصة عندما جعـل السؤال مجمداً بلا جواب .
   ثم يتنامى النغم ويتصاعد باسلوبين وهما التحسر والتآوه تارة باستعمال اللفظ ( اه ) واسلوب الاستفهام ( مَنْ ) والذي كررهما مرتين. ليقفل ما بدأ به ( اين اذهب ) بما يشعر بالخيبة والتشتت .
   فكان الاستفهام في بداية القصيدة وختامها مثاراً للدهشة والتساؤل فضلاً عن اختفاء المنقذ الذي يكون كذلك موضعاً لمرارة السؤال .
   وهو دليل على تفجر كوامنه لينسجم مع طبيعة الواقع الغربي .
   لتكتمل دائرة القصيدة ( اين اذهب ؟ ) ( من يرفع عني الظلمات ) وفي هذا دلالة على تخبط الذات بشكل مستمر للبحث عن المنقد، دون جدوى !! .
   كما ان لتكرار الاصوات ضمن السياق المختلف قيماً موسيقية ومعنوية للدلالة على مرونتها وامكاناتها الواسعة .
  كما ان التمازج بين الاصوات المتكررة وموسيقى الكلمات يمنح البناء « القدرة الرائعة على جذب المتلقي اذناً وقلباً وعقلاً ، ومجيء هذا النوع في الشعر يزيد من موسيقاه ، لان الاصوات التي تتكرر في حشو البيت، فضلاً عما يتكرر في القافية تجعل البيت بفاصلة موسيقية متعددة النغم مختلفة الالوان (65) .
   فكانت التكرارات على مستوى دائرة الحروف او على مستوى دائرة الالفاظ يثري الايقاع الداخلي بلون من الموسيقى تستريح اليه الاذان وتقبل عليه ، فالتكرار هنا ( حين يقع في مواضع من الكلمات يجعل النطق بها عسيراً ، فالمهارة هنا حسن توزيع الحروف حين يتكرر . . ) (66) .
   فضلاً عن ان النفس تبقى اسيرة تتبع الجوابات المحتملة التي تكمن وراء ذلك الاستفهام المتتالي استهلالاً ونهاية بدون اجوبة . . . وهذا ما يدلل على عمق حيرة الشاعر وتخبطه . . . فالعرض المتسلسل للافكار وباسلوب لغوي جاد ورصين وبلغة سلسة تتسم بالاجهار والقوة تصاحبها نغمة موسيقية اضفت على النص مسحة حزينة غاضبة اشبه ما تكون بالصرخة .
   فهو قد احاط النص بلغة موسيقية وباسلوب ينسجم واحاسيسه لتفصح عن ذلك الجو المرير الذي يحيط به وقت كتابة القصيدة ، وهذا التقسيم الصوتي حدث تبعاً لمتغيرات الالفاظ والموضوع في النص والتجانس بين الاصوات ودلالة العبارات مما خلق ابداعاً داخلياً كاسباً النص وغيره من النصوص بعداً جمالياً ملومساً ، حيث التقت المفردات والتراكيب بحروفها فالقت بصداها على موسيقى النص المتساوقة مع المعاني لتتحقق الدلالة للنظم لتشكل عبارات ـ ضمن السطر الشعري ـ تقودنا الى صور شعرية متنوعة ومعان عذبة وواضحة .
   فشيوع بعض الاصوات حين تتآلف مع غيرها من الاصوات تحدث اثرا في اللفظه المفرده مع ما جاور الصوت من الاصوات مايحدثه من اثر في المتلقي (67) لتكون مثل هذه الاصوات رموزا داله على معاني الالفاظ وسرّ قيمتها وقدرتها على الايحاء (68) .
   فصوت التاء : قد ورد في المقطع هذا خمسة عشر مرة ( تتقطع ) ، ( تتسكع ) ، ( بيوت ) ، ( تتعرى ) ، ( الحياة ) ، ( الظلمات ) ، ( مرآة ) ، ( كلمات ) ، ( تحرق ) ، ( الصلوات ) ، ( الظلمات ) .
   وصوت التاء صوت : لثوي انفجاري مهموس لأن: ( الهواء يقف وقوفا تاما حال النطق ـ بها ـ عند نقطة التقاء طرف اللسان بأصول الثنايا العليا ومقدمة اللثة , ويضغط الهواء مدة من الزمن , ثم ينفصل اللسان فجأة تاركا نقطة الالتقاء فيحدث صوتا انفجاريا . . . ) (69) .
   فتكرار هذا الصوت ( التاء ) وتتابعة اكسب الموضع ايقاعا نغميا، فيه شـيء مـن الوضـوح والتصاعد ( تتقطع , تتسكع , تتعرى . . . ) ثم اعقب ( تتسكع , تتقطع , . . ) بصوت العين وهـو ( صوت حلقي احتكاكي مجهـور ) (70) ويظهر على شكل فرقعة تتبعها ضجة (71) وهو صوت حلقي مجهور .
   وهذه الصيغ المفرده تعد من العناصر التي ينتقيها الشاعر لتكون وحدة تكوينيه لنسيجه الشعري ومثل هذه الاصوات داخل المفرده توحي بدلاله وانفعالات لها اثر في احداث الايقاع مما يخلق شيئا من الترابط بين النص وانفعالات الشاعر من جانب والمتلقي من جانب آخر ، وهنا تكمن جمالية الشعر ومقدرة الشاعر الابداعيه في صنعته ، وابراز المعاني امام متلقيه ، فأن هذا السر الموسيقي في الكلمات هو جوهر القصيدة (72) .
   فمن الملاحظ ان في هذا المقطع الفاظا مفردة نظمت اصواتا معبرةعن قوة الشاعر الانفعاليه والشعوريه ليجعل هذه الاصوات اداة لبناء نسيج لغوي متين لتتآلف مع اجزاء البيت الاخرى فتكشف عن معناها ، فضلا عن ما تؤديه من ايقاع صوتي يكسب المشهد طاقه حركيه تعكس انفعال الشاعر عند انشاءالنص ورسم صورة يبرز من خلالها اثر اللفظ في تكوين البيت بشكل فاعل ومؤثر ، فتكرار التاء ، وتضعيف ما بعدها فضلا عن صوت العين والراء ( تتعرى ) الذي يعد صوتا مكررا . . . كلها قد اطالت من زمن التردد النغمي وزمن الخطاب النطقي ليؤدي المعنى صفة التتابع والتكرار ، فهذه الاصوات وتكرارها كانت احسن وعاء صوتي يلجأ اليه الشاعر لاحتوائها اكبر شحنة من الابعاد النفسيه والصوتيه . . . فضلا عن جلاء الدلاله الايحائيه للصوره ، وتكوينها ايقاعا موسيقيا منتظما من خلال تكرار هذه الاصوات وانسجامها .
   فالشاعر قد احدث توازنا صوتيا يضفي نغما قويا ناتج عن تكرار الحدث فمثل هذه الصيغ التضعيفيه تمتلك رنينا موسيقيا احدث ثقلا ووقعا في الذهن .
   فهذا التكرار ووضوح صوت العين عكس لنا حالة الشاعر النفسيه غير المستقره ، وكأنه يصدر آهاتا متعاقبه تتشعب في اعماقه من خلال زمن المد النطقي ليصور شعورا اهتزازيا وصعقه لها وقعها المؤثر .
   فلهذه الالفاظ مغزى عميق ودلاله ايحائيه تتآثر من خلال تراكيبها الصوتية الذي كون ايقاعا عنيفا او وقعا يثير انفعالات المتلقي من خلال الترددات النغمية لتلك الاصوات .
   لذا فالشاعر قد استاثر الايقاع الحركي المتتابع من خلال المفردات ليبث روح المتابعة والمتعة ، لان صوت العين رخو (73) الذي اكتسب قوته النغمية من ملاقاته للصوت المجهور وهو ما اطلق عليه بالـ ( التاثر الرجعي ) الناقص في حال اتصال صوتين (74) .
   كما ان الشاعر قد انهى فقراته بالاصوات الهمزه ( الفقراء ) والتاء ( صوت الحياة ) والراء ( العصور ) والتاء ( كلمات . . صلوات . . ظلمات ) فأفاد من صوت التاء وما سبقها من صوت مد ( الالف ، والواو ) ليكسب اللفظه بطئا وتوءده ووضوحا ليعبرعن تلك الحاله الشعوريه التي اطلقها الشاعر في نهاية المقطع في قوله مستغيثـا متوجعا :
آه من يرفع ...الظلمات

   فعندما وقف على التاء الساكن اكسب الدلاله الايحائيه قوة ووضوحا ، ومثل هذا نجده في قصيدته ( الخروج من باب الدمعة ) (75) في قوله :
مـنـذ  ان صــارت حـيـاتي مـدنـا
فـــي كــوكـب الـنـار الـغـريب
جــئـت فـــي وحـشـة iiنـعـشي
رافــعــا  وجــهــي iiبــــلادا
مــطــرا يــغـسـل iiخــوفــي
مـوسـما يـمنح صـحرائي iiاخـضرارا
وركـضـنا فــي مـسـاحات الـمدينه
واخـتـلطنا فــي ثـيـاب iiالـفـقراء
فـــــــلــــــمــــــاذا
تـــتــلاشــى iiخــطــواتــي
***             ****             ii***
وانـــا  لـــم اتــعـد الـزوبـعه
فــــي  يـنـابـيـعي iiالاخــيـره
بـاغـتتني  صـرخـة الـقتل iiالـدخيله
خلف هذا الشارع المزحوم بالعنف المدوي
اقـــرأ  الآن مـراسـيـم iiالـهـجوم
وتــواريـخ الـلـغـات الـبـربـريه
فـأمنحيني يا سماء النوم ضوء iiالمبراءة
أحـــمـــلـــيـــنــي  . . ii.
غـــابــة  او مــومــيـاء . . ii.

   القصيدة من بحر الرمل، والرمل « يجود نظمه في الاحزان والافراح » (76) ، في حين هناك خروج عن الاساس الى بحر الرجز في بعض اسطره وهو خروج موسيقي طارئ تتمثل في انغام ناتجة عن تغيير تفعيلات البحر او الخروج الى غيره لذا : ( امتلكت القصيدة امكانات واسعة تجعلها تتميز بموسيقاها عن موسيقى القصائد الاخرى التي قد تشاركها في نفس البحر او التفعيلة . . . وهذا ما يميز ـ الشعر الجديد بحرية في الموسيقى والقافية ، اسهمت في ابراز ( الموسيقى الطارئة ) حيث اصبح فيه لكل قصيدة موسيقاها الخاصة ) (77) والرمل من الاوزان التي ( اصبحت اذاننا تالفه وتستريح اليه ) (78) وهو من البحور الصافية والذي يتسم بالشفافية ، ولكنه استطاع ان يكرسه في التعبير عن الامة ، ولكن القصيدة بموسياقها الايحائية تبقى طلاسماً واللغازاً وتعمية . . . تحتاج الى فك رموزها .
   والشاعر يتحث عن فترة مظلمة من حياته فترة انخراطه بالخدمة العسكرية / ابان الحرب العراقية ـ الايرانية . . . فهو يبث لوعته وهمومه . . . من حالة الاضطراب وهم التنقل وسرعة الترحال من ميدان الى ميدان فيقول :
منذ ان صارتْ حياتي مُدنا ً
فـي كـوكب النار الغريب

   فالكوكب غريب لانه : ( كوكب نار ) قذائفاً ودماراً وموتاً . . .
   وبقوله : ( جئت في وحشة نعشي ) وكأنه يتنبأ ان هذا الكوكب سيكون له نعشاً في لحظة من اللحظات . . . حيث من مصادفات الزمان ان هذه القصيدة قد كتبها بتاريخ 26 / 10 / 1986 م في ذات اليوم والشهر الذي توفى به ولكن قبل عام منه .
   وبالرغم من تلك النظرة السوداوية يظل الامل في قوله :
(  رافـعـا ً وجـهـي بــلا دا iiً
مــطـرا ً يـغـسـل iiخـوفـي
موسما ً يمنح صحرائي اخضرار ً )

   ليعيد ذكرياته في تلك اللحظات . . . حيث كان يركض بحبور بالرغم من حالة البؤس السوداء . . . فجأة :
(  تـــتـــلاشــى خـــطــواتــي iiii)
نتيجة ( صرخة القتل الدخيلة ... والعنف المدوي ...
ومـراسيم  الهجوم ... وتواريخ اللغات البربرية ) .
مـــنـــاديـــا ً الـــســـمــاء iiii:
(  فـامـنـحيني يـاسـماء الـنـوم ضــوء ii
الـــمــبــراءة احــمــلـيـنـي . . iiii.
غــــابـــة  او مــومــيــاء . . . iiii)
والغابة كناية عن الحياة . . . وسعة خضرتها . . ii.
او  مـومياء كـناية عـن الـموت والفناء . . iiii.

   كما ان فالشاعر في هذه القصيدة قد وظف الاصوات الصائته في اداء دورهـا في المحاكاة الصوتيه ليثير شيئاً من الشعور الايحائي داخل ذهن المتلقي فـ : ( حياتي ، الغريب ، نعشي ، وجهي ، خوفي ، في ثياب الفقراء ، الاخيرة ، الدخيلة ، المدوي، مراسيم الهجوم ، تواريخ البربرية . . . ) .
   فقد انطلقت فيها اصوات المد الصائته ( الياء ، الواو ، الالف ) في جمله ليقوي استطالة المد الزمني للمفردات خاصة في افادته الواضحه من صوت الياء الذي ( يحكي المـد الى الاسفل ) (79) ليعطي السامع صـورة عن عمق تلك المشـاعر ومدى عمقها في ذاته مما يثير حفيظة ذات المتلقي حيرة وتسائلا فضلاعن الايحاء عن مدى استكانة الشاعر واتزان تلك الذات التي عاشت متفردة في معالجة ما يحيط بها وما يحيط بالمجتمع مما امتاز به من روح كسيرة حزينة . . .
   فهذه الاصوات قد حاكت الحدث المراد ايصاله ، وحصريا عندما أتصلت بصوت ( التاء ) في : ( حياتي ) ، والياء والشين في ( تغشي ) ، والهاء في ( وجهي ) والفاء في ( خوفي ) . . . مكونا منها نسيجا صوتيا مثقلا وقابليه عاليه على الاسماع بسبب ما لها من العلو النسبي ولآن الصوت يمتد بها . . (80) فتكرار هذه الامتدادات المثقله تكسب ما اقترن بها ايقاعا ثقيلا كأمتداد ثقل ( الغربه والغشاوه والخوف والفقر ) حيث كلها تعد مرارات تثقل كاهل الشاعر وتتجه نحو ذات متعبه رخوه فمثل هذا التكرار ضمن نسيج البيت حرص على منح متعة انفعاليه وقدرة معينه على انتاج الصورة لمجموع المحتويات الفكرية بواسطة تنظيم محدد للعلامات (81) .
   فيلاحظ من خلال ذلك ان الشاعر كان لشعره اسلوب ابداعي في تحويل الاصوات والالفاظ المتكونة فيها الى صور طافحه بالحركه والمشاعر المؤثره التي يمكن أن يتوصل اليها المتلقي من خلال التعمق بها والمتابعه لها .
   فكان مبدعا حين حول الرموز التجريديه والصامته الى صوت ومؤثرات حركيـة ومشاعـر شتى تنبثق من النص (ومثل هذا المد وما جاورها يسبغ النص غنائيه وليونه لانه يمد ويطيل نغماته . . . ) (82) .
   ومثل ذلك ما جاء في قول الشاعر : في القصديتين :
(1) في جسدي مدائن الخبز والبكاء
مـنـحوته  عـن زمـن iiالـتمطي
تـمـنحني خـمـيرة الـحـضاره
فـتـنـتـخـي iiالــعــصـور
وتــكــبــر iiالــمـسـافـه
تـتـسع  الايــام فــي حـلمي
***           ***          ii***
وتــصــبــح الـــطــرق
مــمــلـكـة  iiالــغــريـب
مـمـلـكة لـوجـهي الـمـهاجر
(2) هــا أنــا خـلف iiالـزجاج
دائـما  تقتلني الليله هذي iiالطرقات
لـغـة الايـام فـي عـين الـنبي
تــــــتـــــبـــــدد
غــيــر انــــي اتــجـدد
فــــي دمـــاء iiالانـبـيـاء
وانــفــتـاح  iiالــفــقـراء
فــي الـمـرايا الـعاريات ii(83)

   فمثل هذا المد الذي وظفه الشاعر من دون قصد بل احساسه الشعري في اشاعة هذه الاصوات المديه يدعونا للقول انما تعطيه هذه الاصوات من بطء موسيقي عند مشاعر الحزن والحسرات التي حملها الشاعر وتواصل معاناته واستحضار الاجواء القاسية لذا يمكن عد شعره مرثية لزمنه المر القائم على العوز والفقر . . . فالاكثار منها كان تقنيه اسلوبيه افاد منها الشاعر ومنحت نصه الكثير من اشارات الندب وطقوس الحيرة ، وكان الشاعر في نوح طويل يستوحي عذاباته وعذابات من احاطوه .
   فمن خلال التكرار : ( يكشف عن اهتمام المتكلم بها (84) ـ بشكل عفوي ـ وهو بهذا المعنى ذو دلاله نفسيه قيمه ) كما قـد يعمد ( الخطاب ) الى تكرار بعض الالفـاظ او العبارات كما في قوله :
دمـائي بـلاد تقاسم اغصانها iiالجائعون
فـيا لـوعة الـروح فـي وقدة الهاجره
ويا لوعة النهي حين يمد الجذور الحبيبه
ويـا لـوعة الـموت حين يشيخ iiاللهيب
ويـزهر هـذا العناء الطويل . . . (85)

   والتكرار هنا ( ينشأ عن ثبات لحظه شعوريه في الزمن قبل ان تستأنف الذات المبدعة تموجها في الخط الافقي في الزمن الشعري المتنامي ) (86) .
   ومثل ذلك التكرار يولد نسقا تناغميا وقيمـا موسيقيه لتؤكد على ما اراد الشاعر ان يؤكد عليه واظهاره بشكل جلي وواضح تنساب من خلالـه الدلاله انسيابا يقف عنده المتلقي , رغبة من الشاعر ان يحقق ( شبعا شعوريا في لحظه زمنيه ثابته . . . ودوران النفس داخل الذات في الاتجاه العمودي . . . وتحقيق قدرا من التناغم والتآلف ( الموسيقي ) اللذين يثريان الجوانب الايقاعية والدلالية للقصيده او النص الشعري . . . ) (87) .
   ومثل هذا الايقاع يعبر عن جهة ( صدوره ) عن روح المبدع وعفويته . . . بالتكرار الذي يمنح اللفظه المكرره او التركيب معنى جديدا يوحي الشاعر للمتلقي عن رونق تكرار اللفظه الجديده في كل مره يكررها ) (88) .
   فالشاعر تارة ينادي : ( لوعة الروح ) واخرى ( لوعة النهر ) وبعدها ( لوعة الموت ) . . . والتكرار قد اكتسب بوصفه الايقاعي اثرا دلاليا باعثا على الحيره واستحكام اللوعه وتفشيهـا علـى مفاصل متنوعه , وهذا الايقاع الناتج عن طريق التكرار اللفظي حمل ( وظيفتين مزدوجتين : اولها : ربط مكونات النص ببعضها البعض وثانيها : التأثير في المتلقي . . . ) (89) .
   مما زاد الكلام توكيدا وايغالا بغرض من الاغراض الكلامية او المبالغة (90) فيها مما يؤكد على شمولية المعاناة وتفشيها بشكل لافت للنظر وموغل في الاطباق ومثل ذلك نابع من حاله شعوريه من قبل الشاعر دفعته لتكرار مثل هذا الاسلوب ( فيا لوعة ) ثلاثا .
   ويمكن عد تكرار اللفظ او الاسلوب تكرارا للنغمه الصوتيه التي اذا ما وقعت في ذهن السامع ونفسه كان لها الاثر البالغ في الوقوف على مثل هذا الاثر السلبي , مما يجعل المتلقي يتفاعل مع النص متأملا في اسبابه ومسبباته .
   وهذا ما يؤدي الى توكيد المعنى وتثبيته في ذهن المتلقي فضلا عن توجيه العناية له ، وهذا التكرار قد اكسب الجمل تنغيما موسيقيا مرتفعا جدا جاء من تكرار اصوات المد ( يا . . . لو . . .) الموسيقية , فضلا عن ذلك فان لهذا التكرار دلاليه سياقيه مرتبطة بحالة الشاعر الشعورية فعبر عنها من خلال هذا التكرار .
   ومن ذلك ما جاء في قوله ضمن قصيدة ( الحرف والموت ) (91).
من ليل اللوعه من ليل الذكرى ابتسم
كـلـمات  فــي اعـماقي iiتـهرم
وخـواطر ذاتـي مـن ذاتـي iiتسأم
الـسـاحه يـزهـر فـيها الـحزن
اواه مــــــن iiالــصــمـت
اواه  مــــــن iiالـــمــوت
لا شــيء ســوى الاشـباح اراه
تـحـلـو  الـلـيـله لـــي الآه
مـلء الروح الجوفاء مشاعر جوفاء
مـلء الـقلب الـملقى فـي iiالظلماء
اوهــــــام  ســــــوداء

   كما يتصاعد الايقاع الموسيقي في تكرار اسلوب الاستفهام في قوله :
هل لي ان املك او اكتم , او افشي اسراري . . . !
هـل لـي ان ارحـل دون خـيالي العاري . . . ii!
عـبـر بـحار الـشوق لاخـلع عـني اشـعاري
هـــــــــــل  iiلــــلـــرؤيـــا
ان  تــفــتــح لــــــي iiلــلـدنـيـا
هـل  صـدقنا بـعض حـقوقي ان احـيا . . . ii؟

   ففي ذلك توكيد وتوجيه وعنايه واقرار . . . فضلا عن كونه يعبر عن حالة شعورية ، لها صداها النفسي المعبر عن مشاعر المتكلم وانفعالاته النفسية , بسبب تدفق العاطفه ازداد التكرار وارتفعت نغمته الصوتيه وكأنه يتزايد مع حالة الشاعر تزايدا طرديا وامنياته المبعثرة غير المستقرة واضطرابه وحيرته, لذا ختم القصيده دون ان يضع لها اجوبه ليبقى الباب مفتوحا امام المتلقي في الوصول لما وقف عنده الشاعر .
   ففي ذلك التكرار زياده في تشخيص الدلاله وتقويتها , والمبالغة في ثباتها ليصل الى ذروة الحيرة والقلق والاضطراب . . . كما ان استعمال ( هل ) للاستفهام كان اثره القوي لان الاستفهام بهـا ( يكون اقوى واوكد من الاستفهام بالهمزة ) (92) .
   وتكرار مثل هذا الاستفهام في مثل هذه السياقات وسيلة لكسب التوكيد توكيدا اضافيا ليعطي القصيدة قوة في التأثير ودلاله اكبر على شدة الانفعال فضلا عن هذا التكرار ( يوفر له مساحة ايمائية تعبيرية مفتوحة تستوعب دلالات متعددة فان تكررت اتسعت مساحة الايماء وتعددت الدلالات والمعاني اكثر . . . )(93) .
   كما انه اراد ان يعبر عن حالة الشك التي تراود ذاته وما يكتنفها من حرمان وضياع حتى يصل ذلك الشك الى حد الانكار . . . والاستفهام بهل الى جانب ما تعطيه من اثر ايقاعي متين فهي قد تحققت من توازي الاسطر الشعرية وجعلته توازيا متجددا بصوره تعمق الاحساس لذلك الضياع والحرمان .
   فالشاعر يطلق خيال المتلقي في تصوير تلك الهواجس ، بمعنى انه القى على المتلقي مسؤولية وضع الجواب لتلك التساؤلات مما جعل المتلقي مساهما في حل ما ضمره مما اخفاه وراء النص .
   ومن خلال هذه التكرارات الصوتيه ( يكشف عن دلاله نفسيه قيمه تفيد الناقد الذي يدرس الاثر الادبي ) (94) .
   كما وقد يعمد الشاعر الى تكرار بعض الالفاظ والعبارات ، وذلك في قوله (95) :
دمـائي  بـلاد تقاسم اغصانها iiالجائعون
فـيا لـوعة الـروح فـي وقدة iiالهاجره
ويا لوعة النهر حين يمد الجذور الحبيسه
ويـا لـوعة الـموت حين يشيخ iiاللهيب
ويـزهـر  هـذا الـعناء الـطويل . . .

خامساً : موسيقى الجملة
   يميل اسماعيل الخطاب في تراكيبه الى استعمال الجمله الفعليه , فلو تتبعنا قصائده نجد ان الجملة الفعلية وقعت متقدمة على الجملة الاسمية . . . اذ ان الفعل وما في معناه من المشتقات هو الاكثر شيوعا وبروزا , وهذا ما يؤكد على اهتمام الشاعر بالحدث في الاحوال العادية , فهو لا يريد ان ينبه السامع على الاهتمام بمن وقع منه الحدث , فالاساس عنده في الاخبار ان يبدأ بالفعل (96) , لان الشاعر اراد من ذلك ان يجعل من المتلقي مشاركا في الكشف عن شخوصه وفك خطوطها العريضة , وتبيان ملامحها وابراز الاحاسيس والمشاعر التي تلف تلك الشخوص المعبره عن ذات الشاعر ومعاناته .
   فالشاعر يولي الحدث اهتماما كبيرا , لان الشخوص وملامحها وليده لتلك الاحداث, وتقرر مصائرها ، لذا اصبحت العبارات صورة حسية غنية بالابعاد المعنوية والفكرية ، فضلا عما تؤديه هذه الافعال من ايقاع موسيقي نابع من التوافق الموسيقي بين الكلمات ودلالاتها حينا او بين الكلمات بعضها ببعض حينا اخر (97) ، ومثل هذا التراكم الفعلي نجده في قصيدته ( حاله ) :
يـبـيع  ثـيـاب الـرحيل iiالـمفاجيء
يـلبس درع الـحقيقه . . . يسكن سرا ً
طـــــــــويــــــــلا  iiً
تــكــون حــقــول iiالـمـديـنه
زاهــــرة  حــيــن iiيــأتــي
عــــلــــى كــتــفــيــه
بـخـط  رؤوس الـشـهاده / iiنـجـر
ظــــــــل  iiالــــوجـــوه
الـــتـــراب الــعــقـيـم. . .
اضـــعــنــا  iiخـــطــانــا
وقــلـنـا  افــــولا iiيــطــول
يـــــــــطـــــــــول
وتــــهـــوي جــــمـــوع
وتـــعــلــو  iiجــــمـــوع
تــــرف  الـسـمـاوات iiرايـــة
***              ***             ***
خـرجـنـا نـبـارك حـبـك iiفـيـنا
وفــــي  الــنــاس iiحــيـنـا
فـكـن ايـنـما تـشـتهي ان iiتـكونا
هــو  الـوقـت فـالق ولاءك iiعـشقا
هـو الـوقت . . . وقـت انتماء iiالشجر
***              ***             ***
وقــصــيــدة ( رحـــيـــل )
يـكـاشـفني الـبـحـر iiاســـراره
يــنــوح ثــقـيـلا iiبــبـابـي
فــأرحــل دونــــك سـيـدتـي
ثــلاث سـنـين تـفـيضين شـعـبا
تــفــيـضـيـن عـــشــبــا
تـلـف  رؤانــا حــدود iiالـسواحل
فــاعـبـر كــالـقـط iiســـورك
تــقــيء  قــيــود iiالـسـبـايا
تـنـاجي  نـجـوم الـبـلاد الـذبيحه
تـقول لماذا تغيبين في جسد الليل لابسه
جـــــــــســـــــــدي
صـــــــلاة  iiعــشــيــقـه
ســأمـسـح  عـــن iiشــاطـيء
رصــــيـــف  iiحــيــاتــي
ازيــــح  ضـجـيـج iiالـقـوافـل
فـنـهرب ظـلـين فــي نـسغ ورده
تــكــون حــصــاة iiحـزيـنـه
لـــكـــل الــمــراكــب . . .
احــــدد  خــيــط iiفــنــاري
وامضي بوجهك هذا مدار الرياح الرهينة
فـكـيف  اعــد عـصـافير iiسـجني
واهـمـس  فــي جـثتي . . . ii(98)

   فتراكم هذه الافعال وتصدرها بدايات الاسطر الشعريه وما فيها من جناس وتكرار وطباق ومزاوجه تولد انسجاما صوتيا داخليا ينبع من هذا التوافق الموسيقي بين هذه الافعال ودلالاتها ، فضلا عن استعمال الشاعر لمثل هذا النمط من الجمل يضفي على تراكيبه التجدد والحركة , وعدم الثبات في حين ان الجمله الاسميه تضفي صفة السكوت والثبات والاستقرار (99) .
   لذا يمكننا ان نربط كثرة استعمال الشاعر للافعال بطبيعة حياته المتمثلة بالاضطراب , والقلق الذاتي , لذا يتبين من خلال قصائده ان التعب وعدم الاستقرار لم يكن محصورا بفترة زمنية محدودة وانما على امتدادها .
   فاستعمال الجمل الفعلية في معظم نتاجاته يعد سمه بارزه لما اعترى ذاته من الهموم والمعاناة .
   ونلاحظ انه كثيرا ما يستعمل الافعال المضارعة ايحاءً الى ما يصاحب الاستمرار من حالات وجدانية وشعورية ويحيلها الى كتلة من المشاعر التي يرافقها الم الضياع والتحسر المتجدد ليفضي الى شيء من العزلة .
   والافعال المضارعه يمكن ان نلاحظها ضمن قصيدتين (100) :
رحــــــــيـــــــل
مـدائني  تـغيب في مملكة iiالمطر
تــسـتـدرج الـخـطـى . . .
فـتـخرج  الـريـاح عـاصـفة
تـلـهـث  فـــي الـوانـهـا
شـيئا فـشيئا فـتصبح الاشـياء
حـدائقا  بـالية لـلظل في iiصباي
(2) لــم يـبـق فـي iiارضـي
عــــــــشـــــــق
لــيــغـيـر iiالـــوجــوه
لــم  يـبـق فــي iiارضــي
عــــــــشـــــــق
لــغــيــر  iiالــجــنـون
(3) لـكـنـني اخـتـم الـلـيل
بـوجـهـك  الـــذي يـغـيب
مــرايـا  لـلـزمن iiالـمـفقود
مـــشـــيـــنـــا . . ii.
نـــدق  ســكـون iiالـزمـن
نـقـابـل  عـتـمة iiارواحـنـا
نــشـق  خـطـوط iiالـرحـيل
لـتولد مـن زبد البحر ريح . . ii.
تــكـون  ورائـــي ظــلالا
عــــــــذابـــــــا
ومــــــــوتـــــــا
يــلـم كـهـولـة جـسـمـي
فـــأرقــد كـالـمـومـيـاء
***          ***          ii***
اصــاحـب شـيـئـا iiقـديـما
لـه من دمائي صهيل يفيض iiجلالا
فـيـمـحو لـهـيـب iiالـجـسد
بـعيدا تـبوح الـطفولة iiاسرارها
فــي صـبـاي الـدفـين . . ii.
رعــــــودا iiووجـــــدا
يــسـيـل  انـتـسـابي . . ii.
بـريقا  ً يـحول وج هـي iiسماء
يعامد في لحظة الروح صوتي. . .

   الشاعر اراد ان يقف عن اشياء غصت بها ذاته ولكن الظرف جعل القصيدة لغزاً من الالغاز لرسم صورة سوداوية اخرى ثم يحمل صورة المعاناة عمقاً اكبر من خلال اساليب بلاغية لتبرز صورة ثانوية تحمل دلالة الامل نهاية . . ليحاول ان يصنع من اهاته شيئاً ، فـ ( مدائن تغيب ، مملكة المطر ، الرياح العاصفة ، حدائق بالية . . . ) ثم يصفها على التوالي : ( مدائن تغيب تستدرج الخطى ، رياح عاصفة تلهث في الوانها . . .) فها هو يجمع بين نقيضين بين : غياب المدائن في وسط مملكة المطر .
   وكان من الاولى ان تزهر هذه المدائن وتسمو في وسط رمز الخير والعطاء لكن ما يحدث هو النقيض تماماً .
   فالمدينة مغيبة اتعبها ثقل الانكسار والوهن ، فهنا يمثل شعوراً بالاحباط بسبب قساوة ما يحيطها من فقر وعوز ويتجلى ذلك في قوله :
( فتخرج الرياح عاصفة
تـلهث فـي الـوانها )

   كما انه استعمل صيغة المضارع في بناء صورته ( تستدرج ، تخرج ، تلهث . . . ) ليسهم ذلك في ترصين فاعلية التدويم فضلاً عما تعطيه مثل هذه الافعال من اثر موسيقي يدل على التدرج الدلالي من وهن ومباغتة وقسوة . . . وهذا ما ينسجم والطاقة الانفعالية العالية بشكل تصاعدي حيث يلاحظ : ( ان التفكير الحسي كان اكثر ايغالاً في صميم الاشياء من مجرد الوقوف عن سطحها ، واشكالها المرئية . . . ليبين مدى ـ عنايته بتناسي الحركة المماثلة في الاشياء في حميمها وفي علاقتها بعضاً ببعض . . . ) (101) .
   فضلاً عما تقلبت حروفها بين الرقة التي تتخللها تارة، والعنف تارة اخرى . . . خدمة للمعنى مما تعطي قدرة على التكون الموسيقي لتمنح المتلقي لحوناً وتأثيرات نفسية متنوعة لتخلق انسجاماً بين الموسيقى والحالة النفسية ، ممـا يزيد الزمن طولاً وتمدداً وثقلاً وتؤدة حين شيع وسط البناء حروف المد المتنوعة ، ليظل صوت الالف حاضراً اقوى ، ليتناغم النص بمعانيه وبأشكال موسيقية متعددة . . . اصواتاً والفاظاً وموسيقى .
   ليحدث نسيجاً تركيبياً متكاملاً . . . حتى تصير الاشياء عتمة بشكل تدريجي على شكل ( حدائق بالية ) . . . فاللفظ ( شيئاً فشيئاً . . . ثم الجمع اشياء . . . ) ليعطي صفة التكرار والشمولية والاطلاق . . . ثم الصيرورة والتحول والانتشار . . . حتى يصل الى نتيجة مؤكدة : ( لاعطاء لاالفة تلف الاشياء . . ) في قوله :
(  لـم يـبق فـي iiارضي
عـشق . . . يغير iiالوجوه
لـم  يـبق فـي iiارضـي
عشق . . . يغير الجنون )

   فالنفي مطلق ومؤكد من جراء التكرار : ( لم يبق )
ـ ثم يدخل الى صورة اخرى ضمن المقطع الثالث الذي فيه شيء من الامــل المعتم . . . حين يقول :
(  لـكـنني اخـتم iiالـليل
بـوجـهك الـذي يـغيب iiُ
مـرايـا لـلزمن iiالـمفقود
مــشــيــنــا  . . .
نــدق  سـكـون iiالـليل
نـقابل  ُ عـتمة iiارواحـنا
نشق خطوط الرحيل . . . )

   اذن تكمن فسحة الامل بالرجوع الى وجه من احب لانه يجد فيه انعكــاس الذكريات . . . والى الرحيل ( مشينا . . . ندق سكون الزمن ، لنقابل عتمة ارواحنا، نشق خطوط الرحيل . . . ) ، لان الرحيل يحرك ذلك الزمن الساكن والجاثم على صدر شاعرنا ظلاماً ومرارة ويقطع المسافات ليصنع من هيجان الروح عاصفة في قوله : ( لتولد منه زبد البحــر ريح . . . ) و ( فأرقد كالمومياء . . . ) .
   فهو يتمسك بالماضي طفولة وصبابة لانها تبقى صوتاً يفيض جلالاً . . . رعوداً ووجداً . . . ولكي يعطي شيئاً من الرقة والشفافية لبيان بساطة حياته في قوله : ( يسيـل انسيابي ) لتلك الحقبة من الزمن كالبريق لمعاناً وسرعة في الاختراق ليصبح الوجه مثل السماء صفاء ونقاء حتى ( يعامد في لحظة الروح صوتي ) .
   فالألفاظ : ( مرايا الزمن المفقود ، سكون الليل ، عتمة الارواح . . . ) وان عتمة الارواح هي من مستلزمات كل رحيل ، لان الرحيل لا تعرف نتائجه بداً . . . ( بداً البحر ـ ريح . . . ) ، ( كهولة جسمي ، له من دمائي صهيل ) ليدلل على حالة من الالتصاق والتمسك والحرص اللامحدود . . . ( تبوح الطفولة اسرارها في صباي الدفين ، رعوداً ووجداً يسيل انتسابي ) شوقاً لذلك الزمن الذي حمل ما حمل من الاسرار . . . كالبريق لمعاناً واشراقاً حتى يعامد ذلك الانتساب والبريق في لحظة الروح صوتي . . . فالافعال المضارعة التي انتشرت في القصيدتين تدل على تكرار الحدث وتجدده فيما مضى من الوقت ولكنها في الوقت نفسه تحمل انطواء نفسيا متجددا وقت التكلم . . . فيمكن ان نقول هنا ان الشاعر : ( قد يقتضي توظيفا آخر للتعبير بزمن الحاضر لينقلنا من تجدد ـ الحدث ـ الى العزله النفسيه او الاحساس الملح . . . بالانفراد . . . ) (102) .
   فالشاعر من خلال ما تؤديه هذه الافعال من ايقاع متنامي وبخاصة حين تتابعها وتعاقبها وما تؤديه من دلالات تنبع من خياله اكثر ( فان الشاعر حين يستعمل خياله لا يهرب من الحقيقه بل يلتمس الحقيقه كذلك في الخيال ،فالخيال والواقع كلاهما وسيله لنقل ذلك الصراع الداخلي الذي يعاني منه الفنان ) (103) .
   فالخيال والالفاظ التي ينتقيها الشاعر مع ما فيها من موسيقى تجعل العمل الادبي كائنا حيا متحركا تتشوف ذات المتلقي الى الولوج فيه بحـذر وشـوق ، فهو يحاول بأدواته ان يتعمق بالواقع بوساطة الخيال .
   فهو ـ اذن ـ لا يهرب منه بل يغوص فيه فـ ( اللغة في هذا المستوى تشكيل صوتي له دلاله مكانيه والشاعر حين يستعمل اللغه اداة للتعبير انما يقوم بعملية تشكيل مزدوجة في وقت واحد .
   فانه يشكل من الزمان والمكان معا بنيه ذات دلاله ، فأذا كانت الموسيقى تتمثل في التآلف بين الاصوات في ( الزمان ) والتصوير يتمثل في التآلف بين المساحة ( في المكان ) ، فالشاعر يجمع الخاصتين مندمجتين غير منفصلتين ، ليشكل المكان في تشكيلة الزمان او ان شئت العكس ، فهذه هي طبيعة اللغه التي يستعملها اداة للتعبير ومن اجل ذلك كان النظر الى امكانيات التعبير اللغوي على انها تفوق امكانيات التعبير التشكيلي الصرفي وأدواته ومفرداته ) (104) .
   لذا يمكن ان تكون لغة شاعرنا بشكل خاص اداة زمانيه لأنها لاتعدو ان تكون مجموعه من الاصوات المقطعه الى مقاطع تمثل تتابعا زمنيا لحركات وسكنات في نظام اصطلح الناس على ان يجعلوا له دلالات بذاتها .
   فالتشكيل الزماني في الشعر هو كل ما يتصل بالاطار الموسيقي للقصيدة ، فهذا البناء على مثل هذا النمط من الجمل الفعليه تحكي صورة نفسيه لحالة الشاعر (105) لذا تكون اللغة الدالة تشكيلا معينا لمجموعة المقاطع او الحركات والسكنات خلال الزمن ، او هي في الحقيقه تشكيل للزمن نفسه (106) .
   لذا يمكن القول ان للتشكيل الصوتي وتركيباته المتنوعه له اثره القوي في تقديم صورة مؤثرة وصادقة مرتبطة أرتباطاً وثيقاً ومباشراً للحالة النفسسية أو الشعورية التي يصدر عنها الشاعر .
   وبهذا تصبح القصيدة صورة موسيقية تتلاقى فيها الانغام وتفترق محدثه نوعاً من الايقاع الكلي الذي يترك في نفس المتلقي أثره ، مما يساعد المتلقي مع تنسيق مشاعره وأحساسيسه المشتته وشاعرنا جعل القصيدة بنية ايقاعية ذات أثر ودلالة دون أن يلغي الوزن المألوف والقافيه مع انه قد حطم الوحده الموسيقيه ( العروضية ) للبيت ، وكأنه صار يتحرك نفسياً وموسيقياً على وفق مدى الحركه التي تتموج بها النفس .
   فحركاته سريعة ما لبثت أن تنتهي وعندئذ ينتهي الكلام الى غايه أراد أن يوصلها بأسرع ما يمكن .
   وقد يمتد عنده السطر , وهو قليل لانه يؤمن بالحكمه القائلة ( خير الكلام ما قـل ودل ) ليكون الخطاب الشعري أكثر بلاغة وايجازاً , ليكون للعبارة تأثيرها في المتلقي لتهز أعماقه في هدوء ورفق .
   ومن مكملات الايقاع الموسيقي نلاحظ الشاعر لم يتخل عن القافيه بشكل تام بل كان يلزم نفسه بنوع من القافيه المتحررة , لكنه بالرغم من ذلك في احيان كثيرة يلتزم بحرف الروي ، أيماناً منه أن القافية : هي النهاية التي تنتهي عندها النغمة الموسيقية الجزئية في السطر الشعري , وهي من حيث أنها النهاية الوحيدة التي ترتاح لها النفس في ذلك الموضع وتقف عنده .
   وهذا النسق التقنوي يمكن ملاحظته في كثير من مقاطعه الشعريه ليجعل لها بناءً موسيقياً , وهو الصورة الحسيه لها .
   يقول الشاعر : (107)
واحـتـكـمنا وطــن الاســرار iiفـيـنا
مـنـبعاً فــي جـسـد الارض iiالـكـثيبة
وتسكعنا طويلاً , كان في دائرتي جند الخليفة
***                ***                ***
أصـبـحـوا  فــي جـسـدي كـالـقنبلة
تـنـتـهـي أنـسـجـتي iiبـالانـشـطار
ودمـائـي شـجـر فــي غـابة iiمـنفردة
أهٍ مـــن يــذكـر وجـــه الـجـلجلة
ورمــــــاحٍُِ  الــمـقـصـلـة . . ii.

   ومنها قوله في قصيدة ( اغنية المسافر في ليل المدينة ) :
وتـصـبح  الـطريق
مملكة الغريب iiالمسافر
مملكة لوجهي المهاجر

   ومن قوله في ( مرايا في طريق الليل ) :
لـعنة الاْيام في عين iiالنبي
تــــتــــبـــدد
غـيـر  إنــي iiأتـجـدد
فــي  دمــاء iiالاْنـبياء
وانـفـتـاح iiالـفـقـراء
في المرايا العاريات (108)

   ومنه قوله في قصيدة : ( وجه الشاعر في كل العصور ) :
أيـــــن أذهـــــب
وحـــدودي  iiتـتـسـكع
فــي بـيـوت الـفـقراء
تـتحرى خلف أسوار الحياة
آه  مـن يرفع عني الظلمات
وأنـا أحـمل مرآة iiالعصور
وبــقـايـا iiكــلـمـات
تخرق الاٌنسان عند الصلوات
آه  مـن يرفع عني الظلمات

   فالخطاب : موسيقي ولغة تخلو من الاستقرار والحشو والتفكك والاٌضطراب , ليعبر من خلال ذلك عن نفس انغزالية على ذاتها . . . هادئه . . . متزنة . . . بسيطة . . . وهذا ما عرف عنه صاحب صومعة انعزالية ليدون خواطره واشعاره في كل ليلة .
الخاتمـــــة
   بعد هذه الدراسة الايقاعية المتؤاضعة لشعر اسماعيل الخطاب البصري توصلت الى بعض من النتائج البارزة التي اوجزها بالفقرات الاتية :
1 ـ ان الفاظه وتراكيبه وادواته التي وظفها في بناء قصائده لهـا وقعهـا واثرهـا الجرسي في اذان المتلقي ليتناسب ذاك والهدف الذي قصده الشاعر .
2 ـ انه استعمل بعض الوسائل الصوتيه لانماء الايقاع وثرائه مـن خلال استعمالـه المهيمنات الصوتيه لمحاكاة الحدث بواسطة التشكيل النسيجي الايمائي لايصـال المعنى او الاشارة اليه لتشيع في القصيدة ( النص) قيمة شعورية وتعبيرية ليحيل مثل هذه الكتلة من القيم الشعورية الى قدره ابداعيه لبناء صورة وتركيب معانيه على اساس من الطاقة الانفعالية ونمائها في خلق مؤثرات ايقاعية داخلية .
3 ـ تنماز الاصوات في بنائه الجملي بسهولة مخارجها وانسيابها بيسر .
4 ـ ان التآلف الصوتي بين حروف اللفظه وانسجامها مع اخواتها في التركيب يعتمد على قدرة احساس المتلقي وانسجامه مع اصوات المفرده او الجمله .
5 ـ ان التراكمات في الجمله تظافرت جميعها لاظهار بعض الوظائف الدلاليه منهـا حالة التفرد والاتزان والشعور بالحسـرة والحيـاة غير المستقرة , حيث عكست المشاعر النفسية الحزينة له .
6 ـ كما ان الصوت كان محاكيا المعنى او الحدث المراد نقلـه الى السامـع بشكل واضـح وجلي .
7 ـ كان ايقاعه يتشكل من وجود اصوات شديده تعطي الايقاع قرعـا عاليـا جدا , واصوات رخوه سهله تمنح الايقاع سهوله ويسر فضلا عن التكررات المتنوعة التي تحد من وسائل البناء الايقاعي .
8 ـ فالايقاع الصوتي وما يراد به من انه ضربات منتظمه مشروطـة بعنصر الزمن المنسق لهذه الضربات مما يصاحبها من ارتفاع او انخفاض تبعا لمشاعر المتكلم وانفعالاته النفسيه ليحدث في المتلقي تأثيرا وانفعالا ومشاركة في البناء الجملي وكشف معانيه .
9 ـ الايقاع فـي جملة ينماز باستطالـة صوتية عاليـة جدا , لانه كثيرا ما يستعين بحروف المد لتصعيد النغـم واضفاء مد زمني يطغي على المقاطع الشعريـة ليكسب المقطع بطئا موسيقيا فيه من الدلالة على الديمومة والاستطاله ، فهو يكثر من الحروف المجهورة في بناء خطاباته الشعريه لما لها من قابليه على الاسماع بسبب العلو النسبي التي تنماز فيه .
10 ـ ان الغرض من تكرار بعض الصيغ او العبارات في الجمله للتأكيد والاهتمـام على حالة الشقاء والبؤس التي يعيشها الشاعر والشارع الذي هو جزء منـه .
   كتكرار الاستفهام الذي له صدى نفسي يعبر عن ذاته وانفعالاته فجاء لتخفيف عبء الحالة الشعورية وثقلها .
11 ـ ان الايقاع في سياق الجملة الفعلية وخاصة ( المضارع ) منها يكشف لنا جانبا فنيا وهو التماثل والتوازن ليعطي الجملة شيئا من الاطالة والاستمرارية مخلفا انسجاما صوتيا ونسقا موسيقيا ، مركزا على الحدث قبـل صانع الحـدث لان الزمن هو الذي يتحكم بمصائر الانسان .


ومن الله التوفيق . . .

الهوامـــش
1 ـ ينظر تاريخ الوطن العربي : وجاسم العدول واخرون : ص 92 وما بعدها .
2 ـ م . ن .
3 ـ جريدة الثوره : ع : 7791 في 1/4/1997 م .
4 ـ م . ن .
5 ـ م . ن .
6 ـ المصدر السابق .
7 ـ مجلة البصره العدد 111 / 3 كانون الاول 2002 م /نقابة الصحفين العراقيين / عبدالساده البصري , متابعة ثقافية شاعر في الذاكرة / اسماعيل خطاب .
8 ـ المصدر السابق .
9 ـ ينظر اللغة الشعرية دراسة في شعر حميد سعيد : محمد كنوني : 138 .
10 ـ ينظر الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه : 2 / 830 .
11 ـ قضايا الشعر المعاصر : نازك الملائكه : 83 ـ 84 انظر التشكيلان الايقاعي والمكاني في القصيدة العربية الحديثة الموسوعة الثقافية ذي العدد 25 او : كريم الوائلي دار الشؤون الثقافية بغداد : 2006 م : 40 .
12 ـ نحو شكل جديد لشعر عربي جديد : يوسف الخال ، مجلة الشعر ع 31 ـ 32 / 1964 ص 122 .
13 ـ م . ن .
14 ـ ينظر التشكيلان الايقاعي والمكاني في القصيدة العربية الحديثة : 26 .
15 ـ قضية الشعر الجديد : محمد النويهي ص 22 والتشكيلان الايقاعي والمكاني في القصيدة العربية الحديثة : 26 ـ 27 .
16 ـ الصومعة والشرفة الحمراء : نازك الملائكة : دار العلم للملايين بيروت ط 2 ، 1979 م ص 167 .
17 ـ ينظر : عناصر الابداع الفني في شعر احمد مطر : كمال احمد غنيم، منشورات ناظرين ، ط 1 / 2004 م / ص 146 .
18 ـ علوم البلاغة : احمد مصطفى المراغي ، الافاق العربية، ط 1 ، القاهرة 2000 م .
19 ـ الرمز والرمزية في الشعر المعاصر د . محمد فتوح احمد، دار المعارف، القاهرة ، ط 2 ، 1978 ص 308 .
20 ـ ينظر الصورة الشعرية في الكتابة الفنية ( الاصول والفروع ) د . صبحي البستاني / دار الفكر اللبناني ، ط 1 / 1986 / 83 .
21 ـ في البنية الايقاعية للشعر العربي : كمال ابوديب ، دار العلم للملايين 1981 م، ص 295 .
22 ـ مجلة الطليعه الادبيه .
23 ـ ينظر الاصوات العربيه : كمال محمد بشر 100 ـ 101 ـ 102 ـ 104 ـ 107 ـ 108 , 125 وينظر تاريخ الادب او حياة اللغه العربيه حقي ناصف : 21 ـ 116 ـ 109 ـ 111 ـ 115 ـ 117 ـ 120 ـ 121 ـ 129 ـ 130 ـ 133 وينظر : المصطلح الصوتي عند علماء العربية القدماء في ضوء علم اللغة المعاصر : عبدالقادر مرعي 110 ودروس في علم الاصوات العربيه جان كانتينو : 25 وما يليها .
24 ـ ينظر دروس في علم الاصوات العربيه : 25 .
25 ـ ينظر في الاصوات العربيه دراسه في اصوات المد: 66 وفي البحث الصوتي عند العرب : 48 .
26 ـ ينظر الاصوات اللغويه : 26 ـ 27 .
27 ـ الابلاغ الشعري المحكم : ص 14 .
28 ـ الاسلوبيه والاسلوب ص 63 .
29 ـ الاسلوب دراسه بلاغيه تحليليه لاصول الاساليب الادبيه ص45 وينظر الاسلوبيه والاسلوب : ص 65 .
30 ـ نقلا عن الاسلوبيه والاسلوب ص 67 .
31 ـ المصدر نفسه : ص 90 .
32 ـ الاسلوب : دراسه بلاغيه تحليليه لاصول الاساليب الادبيه : ص 12 ـ 13 .
33 ـ التركيب اللغوي للادب / بحث في فلسفة اللغه والاستنطاق ص 85 .
34 ـ الشعر : ابن سينا : ص 65 .
35 ـ كتاب الشعر ابن سينا ص 824 .
36 ـ الثقافة العربية : العدد الثاني ـ السنة السادسة ، شباط 1979م المؤسسة العامة للصحافة / الجماهرية العربية الليبية / ص 103 .
37 ـ الثقافة : العدد السابع / السنة الثانية 1972 م / ص 56 .
38 ـ قضايا في النقد العربي : د . ابراهيم عبد الرحمن محمد : 36 .
39 ـ اللسانيات : عبدالسلام المسدي : 141 ـ 142 .
40 ـ الاسلوبية , الصوتية بين النظرية والتطبيق : ماهر مهدي هلال وافاق عربية ع 12 , 17 كانون الاول 1992 : ص 69 . 41 ـ التوازي في شعر يوسف الصائغ: سامح رواشده/مجلة ابحاث اليرموك : سلسلة الاداب واللغويات /المجلد 16 العدد الثاني 1998 ص 13 .
42 ـ من اسرار الايقاع في الشعر : د . ثامر سلوم حولية كلية انسانيات جامعة قطر العدد 19 سنة 1996: ص 25 .
43 ـ الابلاغ الشعري المحكم قراءه في شعر محمود البريكان : ص 45 .
44 ـ دير الملاك : محسن اطيمش : ص 307 .
45 ـ الانزياح الصوتي الشعري وثامر سلوم مجلة افاق الثقافة والتراث ص 38.
46 ـ الطليعة الادبية عبد ممتاز 52 ص 60 .
47 ـ دلالات لغة التكرار في القصيده المعاصره اديب ناصر انموذجا , الموقف الثقافي عدد 32 شهر اذار / نيسان 2001 ص 79 .
48 ـ مستويات فن الاداء الجمالي : ص 79 .
49 ـ المرفأ العدد 32 /السنه الثانيه السبت 2 تموز 1977 ص 7 والبسطامي : هو ابو زيد البسطامي متصوف عربي عاش في اوائل القرن الثالث الهجري اشتهر بالحكمه التي جمعها تلاميذه من بعده , وهي ذات قيمه روحانيه وقد عرفت حكمه باسم الشطحات .
50 ـ ينظر الشعر كيف نفهمه ونتذوقه : اليزابث درو ترجمة محمد ابراهيم الشوش ، ص 69 .
51 ـ من اسرار الابداع النقدي : د . سامي منير عامر: 28 .
52 ـ الخصائص : 2 / 152 .
53 ـ م . ن : 2 / 152 ، 154 .
54 ـ ينظر علم اللغة العام : دي سوسير ، 88 .
55 ـ قضايا في النقد العربي : د . ابراهيم عبد الرحمن محمد : 36 .
56 ـ ينظر الايقاع الداخلي في قصيدة الحرب : د . عبد الرضا علي : بحث مقدم الى مهرجان المربد العاشر 24 ـ 1 / 12 / 1989 ص 30 .
57 ـ ينظر رماد الشعر د . عبدالكريم راضي جعفر ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد 1998 ، ص 309 ـ 310 .
58 ـ الصومعة والشرفة الحمراء : نازك الملائكة : دار العلم للملايين بيروت ط 2 ، 1979 م ص 147 .
59 ـ الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر: د . عبدالحميد جيدة : مؤسسة نوفل ، بيروت ط 1 / 1980 م : ص : 354 .
60 ـ البنية الموضوعية والفنية للشعر الوجداني الحديث في العراق : محمد راضي جعفر 317 .
61 ـ التركيب اللغوي لشعر السياب : 92 .
62 ـ فقه اللغة وخصائص العربيه : د . محمد المبارك : ص 261 .
63 ـ نشرت والقيت في الحفل التأبيني الذي اقامه اتحاد الادباء والكتاب فرع البصرة لتكريم الشاعر وذلك يوم الاثنين الموافق 7 / 12 / 1992 م .
64 ـ ينظر : خصائص اللغة العربية : حبيب غزالة بك : 29 .
65 ـ موسيقى الشعر : ابراهيم انيس : 45 ط 5 1981 م .
66 ـ م . ن : 41 .
67 ـ ينظر الايقاع في الشعر العربي من البيت الى التفعيل ص 7 .
68 ـ البناء اللغوي لشعر ابي تمام : د . سامي علي جبار ص 25 .
69 ـ الاصوات العربية ص 101 .
70 ـ ينظر في الاصوات العربية ، دراسة في اصوات المد : 66 .
71 ـ ينظر التشكيل الصوتي في اللغة العربية : د . سلمان العاني ص 98 .
72 ـ ينظر وهج النقاء دراسه في النيه في شعر خليل الخوري / 147 .
73ـ ينظر فقه اللغه العربيه : د . الزيدي ص 448 .
74 ـ فقه اللغات الساميه : بروكلمان ص 57 .
75 ـ الطليعه الادبيه العدد 6 سنة 3 /ايلول 1977 م : ص 85 ـ 86 .
76 ـ هوميروس ، الالياذة ج 1 تعريب سليمان البستاني ، بيروت دار المعرفة ص 90 وينظر عناصر الابداع الفني في شعر احمد مطر كمال احمد غنيم ، منشورات ناظرين ، ط 1 2004 م : 305 .
77 ـ عناصر الابداع الفني في شعر احمد مطر : 307 .
78 ـ موسيقى الشعر : 202 .
79 ـ مستويات النظم في تركيب القرآن : عبدالواحد زياره رسالة دكتوراه ص 99 .
80 ـ ينظر في الاصوات العربيه دراسه في اصوات لمد العربيه ص 99 ، وفي البحث الصوتي عند العرب ص 48 .
81 ـ اللغه الشعريه دراسه في شعر حميد سعيد ص 138 .
82 ـ قضايا الشعر المعاصر : د . نازك الملائكة : 112 .
83 ـ هما قصيدتان اغنية المسافر ومرايا في طرق الليل .
84 ـ قضايا الشعر المعاصر ص 286 ص 277 .
85 ـ مجلة الثقافة العربية / المؤسسة العامة للصحافة في الجماهيرية العربية الليبية / العدد 2 لسنة 6 شباط 1979 م ص 103 .
86 ـ دلالات لغة التكرار في القصيده المعاصره د . رحمن غركان ص 79 .
87 ـ البنيات الداله في شعر امل دنفل : بد السلام المنساوي ص 75 وينظر المصدر السابق ص 8 .
88 ـ دلالات لغة التكرار في القصيده المعاصره ص 8 .
89 ـ ينظر مفهوم الادبية في التراث النقدي : توفيق الزيدي تونس 1985 ص 70 .
90 ـ البلاغة الفنية د . علي الجندي ص 201 وينظر وهج العنقاء ص 60 .
91 ـ مجلة الطليعه العربيه العدد 407 6 / 1 / 1972 ص 28 .
92 ـ معاني النحو الجزء الرابع ص 622 .
93 ـ دلالات لغة التكرار في القصيده المعاصره اديب ناصر انموذجا ص 85 .
94 ـ قضايا الشعر المعاصر ص 276 ص 277 .
95 ـ الثقافه العربيه تصدرها المؤسسه العامه للصحافه الليبيه العدد 2 السنه 6 شباط 1979 ص 103 .
96 ـ ينظر فقه اللغه المقارن د . ابراهيم السامرائي ص 54 .
97 ـ ينظر قضايا في النقد العربي د.ابراهيم عبد الرمن محمد ص 36 .
98 ـ نشرتا في مجلة المرفأ السنه 3 العدد 58 السبت 1 تموز 1978 بعنوان ثلاث قصائد .
99 ـ ينظر في النحو العربي قواعد وتطبيق ص 86 .
100 ـ المرفأ العدد 84 السنه 4 السبت 30 حزيران 1979 .
101 ـ التفسير النفسي للادب : 105 .
102 ـ نظرية اللغه والجمال في النقد الادبي د . ثامر سلوم ص 42 وينظر علم الدلاله دراسة . وتطبيقا ص 88 ـ 89 .
103 ـ التفسير النفسي للادب د . عز الدين اسماعيل ص 44 .
104 ـ م . ن ص 56 .
105 ـ م . ن ص 59 .
106 ـ م . ن ص 55 .
107 ـ افاق عربيه العدد 10 حزيران 1976 ص 109 .
108 ـ نشرتا في مجلة الثقافه العدد 7 السنه 2 / 1972 ص 56 .

مــصـادر البحث
1 ـ الابلاغ الشعري المحكم قراءة : في شعر محمود البريكان د ـ فهد محسن فرحان دار الشوؤن الثقافية العامة بغداد ط 2001 م .
2 ـ الاتجاهات الجديدة في الشعر العربي المعاصر : د . عبدالحميد جيدة : مؤسسة نوفل ، بيروت ط 1 / 1980 م .
3 ـ الاسلوب دراسة بلاغية تحليلية لأصول الاساليب العربية احمد الشايب مكتبة النهضة المصرية ط 1966 م .
4 ـ الاسلوبية الصوتيه بين النظرية والتطبيق د . ماهر مهدي هلال ، افاق عربيه عدد 12 / 17 / كانون اول 1992 .
5 ـ الاسلوبية والاسلوب : عبد السلام المسدي الدار العربيه للكتاب ط 3 1982 .
6 ـ الاصوات العربية : كمال محمد بشر مكتبة الشباب 1987 .
7 ـ الاصوات اللغوية د . ابراهيم انيس مطبعة لجنة البيان العربي : دار النهضة المصرية ط 3 1961 .
8 ـ الانزياح الصوتي الشعري د . ثامر سلوم مجلة افاق الثقافه والتراث حزيران 1992 .
9 ـ الايقاع الداخلي في قصيدة الحرب : د . عبد الرضا علي : بحث مقدم الى مهرجان المربد العاشر 24 ـ 1 / 12 / 1989 .
10 ـ الايقاع في الشعر العربي من البيت الى التفعيل : د . مصطفى جمال الدين مطبعة النعمان النجف الاشرف 1974 م .
11 ـ البلاغة الفنية . علي الجندي ، مكتبة الانجلو المصرية ، ط 2 ، 1966 .
12 ـ البناءاللغوي لشعر ابي تمام د . سامي عبد الجبار رسالة دكتوراه جامعة البصرة 1997 م .
13 ـ البنيات الدالة في شعر امل دنفل عبد السلام المنساوي ، المكتبة التجارية الكبرى د . ت .
14 ـ تاريخ الادب او حياة اللغة العربية : حفني ناصف ، بيروت ، دار الاندلس ، 1969 .
15 ـ التركيب اللغوي للادب بحث في فلسفة اللغة والاستطيقا ، لطفي عبد البديع ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1969 .
16 ـ التشكيل الصوتي في اللغة العربية : د . سلمان العاني ، النادي الادبي ، المملكة العربية السعودية ، 1983 .
17 ـ التشكيلان الايقاعي والمكاني في القصيدة العربية الحديثة : أ . د . كريم الوائلي دار الشؤون الثقافية ، الموسوعة الصغيرة 25 ، بغداد 2006 م .
18 ـ التفسير النفسي للادب د . عز الدين اسماعيل دار العودة بيروت ط 4 1981 .
19 ـ التوازي في شعر يوسف الصائغ : سامح رواشدة مجلة ابحاث اليرموك سلسلة الاداب واللغويات مجلد 16 ع 2 / 1998 .
20 ـ الثقافة العربية : العدد الثاني ـ السنة السادسة ، شباط 1979 م المؤسسة العامة للصحافة / الجماهرية العربية الليبية .
21 ـ الخصائص :ابو الفتح عثمان ابن جني ت 392 ه تح محمد علي النجار دار الشوؤن د . ت .
22 ـ دروس علم الاصوات العربية : جان كانتينيو : ترجمة صالح الفرمادي الجامعة التونسية 1966 .
23 ـ دلالات لغة التكرار في القصيدة المعاصرة اديب ناصر انموذجا : د . رحمن عركان الموقف الثقافي ع 22 شهر اذار 2001 .
24 ـ دير الملاك : محسن اطيمش . . دار الرشيد 1982 .
25 ـ رماد الشعر د . عبدالكريم راضي جعفر ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد 1998 .
26 ـ الرمز والرمزية في الشعر المعاصر د . محمد فتوح احمد ، دار المعارف ، القاهرة ، ط 2 ، 1978 .
27 ـ الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمة : د . محمد النويهي الدار القومية للطباعة ، القاهرة .
28 ـ شعر محمد حسين آل ياسين دراسة فنية ـ صاحب رشيد دار الشوؤن الثقافية بغداد ط 1 / 2001 م .
29 ـ الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ، اليزابيث درو ، ترجمة محمد ابراهيم الشوش ، منشورات مكتبة ميمنة بيروت ، 1961 .
30 ـ الصورة الشعرية في الكتابة الفنية ( الاصول والفروع ) د . صبحي البستاني / دار الفكر اللبناني ، ط 1 / 1986 .
31 ـ الصومعة والشرفة الحمراء : نازك الملائكة : دار العلم للملايين بيروت ط 2 1979 م .
32 ـ علم اللغة العام : دي سوسيتر ترجمة د . يونئيل يوسف عزيز مراجعة د . مالك المطلبي بغداد 1987 .
33 ـ علوم البلاغة : احمد مصطفى المراغي ، الافاق العربية، ط 1 ، القاهرة ، 2000 م .
34 ـ عناصر الابداع الفني في شعر احمد مطر : كمال احمد غنيم ، منشورات ناظرين ط 1 / 2004 م .
35 ـ فقه اللغات الساميه : بروكلمان ترجمة رمضان عبدالتواب جامعة الرياض 1977 .
36 ـ فقه اللغه العربيه : د . كاصد الزيدي وزارة التعليم العالي جامعة الموصل 1987 م .
37 ـ فقه اللغه المقارن : د . ابراهيم السامرائي دار العلم للملايين بيروت 1968 .
38 ـ فقه اللغه وخصائص العربيه : د . محمد المبارك ط 3 دار الفكر بيروت 1968 .
39 ـ في الاصوات العربيه دراسة في اصوات المد : د . غالب المطلبي دائرة الشوؤن الثقافية بغداد 1984 م .
40 ـ في البحث الصوتي عند العرب : د . خليل ابراهيم العطية الموسوعة الصغيرة دار الجاحظ بغداد 1983 م .
41 ـ في البنية الايقاعية للشعر العربي: كمال ابوديب ، دار العلم للملايين 1981 م .
42 ـ في النحو العربي قواعد وتطبيق : د . مهدي المخزومي مط مصطفى البابي مصر 1966 .
43 ـ قضايا الشعر المعاصر : د . نازك الملائكة دار العلم للملايين بيروت ط 5 1978 .
44 ـ قضايا النقد الادبي : د . ابراهيم عبد الرحمن محمد ، القاهرة ، مكتبة الشباب ، 1987 .
45 ـ قضية الشعر الجديد محمد النويهي ، القاهرة ، د . ت .
46 ـ كتاب الشعر ابن سينا ، القاهرة ، 1966 .
47 ـ اللسانيات /عبد السلام مسري : الدار العربية د . ت .
48 ـ اللغة الشعرية دراسة في شعر حميد مجيد محمد كنوني دار الشوؤن الثقافية بغداد ط 1 / 1997 م .
49 ـ مستويات النظم في التركيب القرآني : عبد الواحد زيادة رسالة دكتوراه كلية الاداب جامعة البصرة / 2000 .
50 ـ المصطلح الصوتي عند علماء العربيه القدماء في ضوء علم اللغة المعاصر / عبد القادر مرعي جامعة مؤته ط 1 1993 م .
51 ـ معاني النحو محمد فاضل السامرائي : مطبعة التعليم العالي الموصل / 1989 م .
52 ـ مفهوم الادبيه في التراث النقدي : توفيق الزيدي تونس / 1985 .
53 ـ من اسرار الابداع النقدي : د