|
||||||||||||
آبست نبيذ أست عصارات زبيب أست سمية روسبيد أست وهذه كلمات فارسية: أي هذا الذي ترونه إنما هو نبيذ وعصارة زبيب وسمية البغي يعني بها الخنزيرة (29) . ومن الآفات التي ظهرت في لغة أهل البصرة من تأثر الفارسية طريقتهم في تسمية الأماكن « فأهل البصرة يزيدون في اسم الرجل الذي تنسب إليه القرية الفاً ونوناً نحو قولهم :طلحتان، نهر ينسب الى طلحة بن أبي رافع مولى طلحة بن عبيد الله وخيرتان منسوب إلى خيرة بنت ضمرة القشيرية امرأة المهلب بن أبي صفرة، وخلفان قطيعة لعبد الله بن خلف الخزاعي وجبيران قرية لجبران بن حبة . . . » (30) . والحقيقة إن هذه الألف والنون هما علامة الجمع في الفارسية للعاقل فكأنهم يريدون بخيرتان وخلفان وجبيران، قطيعة آل خيرة وقطيعة آل خلف وقطيعة آل جبير . . . إلخ (31) . وشاعت الفارسية في الكوفة فأهلها يسمون الَجوْك وهو ريحانة معروفة الباذّرُوج، الباذّرُوج كلمة فارسية، ويسمون السوق ( بازار ) والبازار فارسية ويسمون القِثّاء خيارا، والخيار فارسية (32) . وشاعت الفارسية في الحجاز بين أهل المدينة وعنهم يقول الجاحظ أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم ولذلك يسمون البطيخ الخرِبْز ويسمون السميط الرزدق « السميط الآجر القائم بعضه على بعض » ، ويسمون المصُوص المزوُر « المصوص لحم ينقع في الخل ويطبخ » (33) . وبعد أن كثر الخطأ في الالسنة بدأ العلماء يضعون القواعد التي تضبط اللغة وتعين على فهمها وتيسيرها للأعاجم، فقد بدأ العلماء بالدراسة العميقة ودقة الملاحظة والأخذ عن العرب الخلّص، وأن ذلك لم يتهيأ لهؤلاء العلماء دفعة واحدة وإنما بدأت الدراسة تضع الخطوط العامة لا الفروع الدقيقة وقد وضعت النواة الأولى لعلم النحو في مدينة البصرة التي كثر فيها الزيغ اللغوي والخطأ في تلاوة القرآن وانتشار العامية فيها (34) . أما اللكنة فهي العجمة في اللسان، قال ابن منظور « اللكنة عجمة في اللسان وعيّ يقال: رجل ألكن بين أللكن، أبن سيدة الألكن الذي لا يقيم العربية من عجمة في لسانه، لكن لكنا ولُكنه ولُكونة ، ويقال به لكنة شديدة ولكونة، اللكنة أن تعترض على كلام المتكلم اللغة الأعجمية يقال : فلان يرتضخ لكنه رومية أو حبشية أو سندية أو كانت من لغات العجم »(35) . واللكنة منها ما يلحق اللهجة فيجري الكلام على جرس يخالف ما ألفه العرب منها ما يلحق حروفاً بعينها كتلك الحروف التي لا يحسن الفرس نطقها كالحاء التي تتحول في لسانهم إلى هاء فيقولون في مثل حمزة - همزة، وكالعين التي تصير همزة فيقولون في مثل عرب - أرب، وكالقاف التي تخرج من ألسنتهم غيناً فيقولون في مثل قريب - غريب (36) . وكانت الفارسية من اللغات الأعجمية المسؤولة عن اللكنة التي أصابت الخواص والعوام على السواء (37) . رومية أو حبشية أو سندية أو كانت من لغات العجم (38) . خامساً : ومن أمثلة اللكنة بين العوام
قال مولى زياد لزياد : أهدوا لنا همار وحش ( يريد حمار وحش ) قال : أي شئ تقول ويلك ؟ قال : أهدوا لنا أيراً ( يريد أهدوا لنا عيراً ) قال زياد: ويلك الأول خير (39) .
ومن اللكنة بين العوام قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج اتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان ؟ قال : شريكاننا في هوازها ، وشريكاننا في مداينها ، وكما تجئ نكون . قال الحجاج : ما تقول ويلك ! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العُلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها (40) . ومن اللكنة أيضاً ما روي عن أم ولد لجرير بن الخطفي حين قالت لبعض ولدها « وقع الجرُدان في عجان أمّكم » فأبدلت الذال من الجرذان دالا ً وضمت الميم وجعلت العجين عجاناً (41) . وهذه لكنة مرجعها الخلط بين الألفاظ المتشابهة والجهل بالفروق اللفظية والمعنوية بينها . ومن اللكن ممن كان خطيباً أو شاعراً أو كاتباً ، فمنهم زياد بن سلمى أبو أمامة وهو زياد الأعجم ومن أمثلة لكنته ما أنشده أبو عبيدة من قوله :
وكان عبيد الله بن زياد والي العراق ألكن ، وكان سبب لكنته أن أمه مرجانة بعد أن ولدته وأخاه تزوجها شيرويه فأخذت معها عبيد الله فنشأ بين الأساورة فعرته لكنة فارسية (43) . فكان ينطق الحاء هاء ، قال لهانئ بن قبيصة ( أهروي سائر اليوم ) يريد أحروري (44) ، وكان يقلب القاف كافاً ، وامتدت لكنة عبيد الله إلى التعبيرات والأساليب حتى أنه قال مرة ( افتحوا سيوفكم ) يريد سلوا سيوفكم فهجاه يزيد بن مفرغ الحميري فقال (45) :
وقد عاب الجاحظ لغة أهل العراق لفشو الفارسية فيه وسماها لخلخانية الفرات (46) . أي عجمة أهل الفرات في المنطق ، وهكذا نرى أن الفارسية قد تركت أثراً واضحاً في ألسنة الناس بالرغم من أن الفارسية قد اخذت الكثير من اللغة العربية وتأثرت بها . سادساً : نتائج البحث 1 ـ إن السبب الرئيس لإقبال الفرس على تعلم اللغة العربية هو اعتناق الفرس للدين الإسلامي وشعورهم بأنهم في حاجة ماسة لتعلم العربية حتى يستطيعوا قراءة القرآن وتأدية الفرائض الإسلامية . 2 ـ كانت هناك بعض الصلات بين اللغتين العربية والفارسية نتيجة لتجاور الشعبين العربي والفارسي ، وقد زادت هذه الصلات بعد الفتح الإسلامي . 3 ـ أدت العلاقات الواسعة بين العرب والفرس إلى انتشار لغتيهما وتبادل التأثير فيما بينهما، فاللغة العربية لها تأثير واسع في اللغة الفارسية من أهم مظاهره : كتابة اللغة الفارسية بالخط العربي ، وكثرة الألفاظ والمصطلحات العلمية العربية في اللغة الفارسية واستعمال أوزان الشعر العربي. 4 ـ لقد كان لاتساع رقعة الإسلام واتصال العرب بغيرهم من جراّء الفتوح ودخول أعداد كبيرة من غير العرب في الإسلام تأثير كبير في فصاحة اللغة وسلامتها ، وكان للفرس كما كان لغيرهم من الأعاجم دور في العيوب التي ظهرت في المنطق العربي ومن أهم هذه العيوب : اللحن واللكنة أو العجمة. سابعاً: ملخص البحث تناولت في هذا البحث أثر اللغة الفارسية في المنطق العربي وذكرت في المقدمة أهمية البحث والحاجة إليه حيث يكتسب هذا البحث أهميته من كونه دراسة متواضعة بيّنت فيها العيوب التي خلفتها الفارسية في المنطق العربي ، وتأتي الحاجة إليه لافتقار المكتبة العربية إلى الدراسات الخاصة باللغة الفارسية ؟ ، ثم ذكرت هدف البحث وهو الكشف عن العيوب التي خلفتها اللغة الفارسية في المنطق العربي ، كما ذكرت الدوافع التي دفعتني إلى كتابة هذا البحث . وتكلمت بعد المقدمة عن اللغة العربية ومكانتها حيث تحتل اللغة العربية مكان الصدارة بين اللغات المشهورة وتتمتع بمكانة رفيعة بين اللغات الحية في الوقت الحاضر . ثم تطرقت إلى العلاقة بين اللغة العربية واللغة الفارسية حيث سادت اللغة العربية في بلاد فارس بعد انتشار الإسلام ، وكتب بها الفرس ومما لاشك فيه أن هناك علاقة وطيدة بين العربية والفارسية وأن تلك العلاقة لم تكن موضع شك بين علماء اللغات. ثم تناولت أثر اللغة الفارسية في المنطق العربي حيث كان للفرس كما كان لغيرهم من الروم والسريان والنبط والقبط والأحباش دور في العيوب التي أصابت المنطق العربي وأهما : اللحن وهو الخطا في الإعراب واللكنة وهي العجمة في اللسان. وبعد ذلك ذكرت نتائج البحث والمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في كتابة هذا البحث . وأخيرا فإني لأرجو أن أكون قد وفقت في تحقيق الهدف المنشود في هذا البحث « وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ». ثامناً : الهوامش
1 ـ د . هند طه حسين/اللغة العربية ومكانتها في خوارزم / مجلة اداب المستنصرية /
العدد الخامس / 1980 ص 505 .
2 ـ د . فؤاد عبد المعطي الصياد/ القواعد والنصوص الفارسية / ص 10 .
3 ـ ولفنسون/ تاريخ اللغات السامية / ط 1 / 1980 / دار العلم / بيروت /لبنان / ص 2 . 4 ـ السيوطي / المزهر في علوم اللغة وانواعها/مطبعة السعادة/ مصر / ص 128 . 5 ـ د . عبد الرحمن السيد / مدرسة البصرة النحوية / ط 1 / دار المعارف / مصر / ص 1 . 6 ـ محمد الخضر حسين/ دراسات في العربية وتاريخها / ط 2 / 1960 / دمشق / ص 17 . 7 ـ ابن قتيبة / عيون الاخبار / ج 2 / المؤسسة المصرية للتأليف والنشر / ص 17 . 8 ـ محمد بدرالدين ابوصالح / المدخل الى العربية / ط 1 / مكتبة الشرق / حلب / ص 15 ـ 16 . 9 ـ د . محمد وصفي ابو مغلي/ دراسات في اللغة والشعر والنثر الفارسي / ج 1 / ص 26 / كارل بروكلمان/ تاريخ الشعوب الاسلامية / ص 103 . 10 ـ د . طه ندا / الادب المقارن / ص 47 . 11 ـ د . محمد وصفي ابو مغلي / دراسات في اللغة والشعر والنثر الفارسي / ص 29 . 12 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 47 . 13 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن /ص 48 . 14 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 51 . 15 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 51 . 16 ـ ابن جني/ الخصائص / ج 2 / ص 11 والسيوطي / المزهر / ص 128 . 17 ـ السيوطي / المزهر / 128 . 18 ـ محمد حسين آل ياسين/ الدراسات اللغوية عند العرب / رسالة دكتوراه / ص 10 . 19 ـ السيوطي/ المزهر / ص 128 . 20 ـ د . هند حسين طه / اللغة العربية ومكانتها في اقليم خوارزم / مجلة آداب المستنصرية / كلية الاداب/ العدد الخامس / ص 505 ود . صلاح الدين المنجد / المفصل في الألفاظ الفارسية المعربة في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم والحديث النبوي والشعر الأموي / ص 14 . 21 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 54 . 22 ـ ابن منظور / لسان العرب / مادة لحن / ج 17 ص 265 والجوهري / الصحاح / مادة لحن / ج 6 / ص 2192 . 23 ـ الفراهيدي / كتاب العين / مادة لحن / ج 3 / ص 230 . 24ـ محمد حسين آل ياسين / الدراسات اللغوية عند العرب / رسالة دكتوراه / ص 13 . 25 ـ الزبيدي/ لحن العامة / تحقيق د . عبد العزيز مطر / دار المعارف / 1981 / ص 34 . 26 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 55 . 27 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 55 . 28 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن /ص 56 ـ 57 ـ 58 . 29 ـ الإصفهاني / الاغاني / ج 18 / ص 282 وابن قتيبة/الشعر والشعراء / ج 1 / ص 276 . 30 ـ الحموي /معجم البلدان/مادة البصرة / ج 1 / دار الكتاب العربي / بيروت / 435 . 31 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 65 . 32 ـ الجاحظ /البيان والتبين / ج 1 / ص 20 . 33 ـ الجاحظ/البيان والتبين / ج 1 / ص 19 . 34 ـ محمد حسين آل ياسين / الدراسات اللغوية عند العرب /ص 15 ـ 16 . 35 ـ ابن منظور / لسان العرب / مادة لكن / ج 17 / ص 275 . 36 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 54 . 37 ـ د0 طه ندا / الادب المقارن / ص 66 . 38 ـ الجاحظ / البيان والتبين / ج1 / ص 165 . 39 ـ الجاحظ / البيان والتبين /ج 1 / ص 161 . 40 ـ الجاحظ / البيان والتبين / ج 1 /ص 37 . 41 ـ الجاحظ / البيان والتبين / ج 1 /ص 71 . 42 ـ الجاحظ / البيان والتبين / ج 1 /ص 73 . 43 ـ الجاحظ / البيان والتبين / ج 1 /ص 72 . 44 ـ الجاحظ / البيان والتبين / ج 2 / ص 210 ـ 211 . 45 ـ الجاحظ / البيان والتبين /ج 3 /ص 212 . تاسعاً : المصادر والمراجع (1) القرآن الكريم . (2) أبن جني / أبو الفتح عثمان / الخصائص ج 2 / تحقيق محمد علي النجار / القاهرة / دار الكتب المصرية / 1955 . (3) ابن قتيبة / أبو محمد عبد الله بن مسلم/الشعر والشعراء / ج 1 / دار الثقافة / بيروت / لبنان / 1964 . (4) أبن قتيبة / أبو محمد عبد الله بن مسلم / عيون الأخبار / ج 2 / المؤسسة المصرية للتأليف والنشر . (5) أبن منظور / محمد بن مكرم / لسان العرب / ج 17 /الدار المصرية للتأليف والترجمة . (6) الأصفهاني / أبو الفرج / الأغاني / 018 / شرح الأستاذ عبداً علي مهنا / دار الكتب العلمية / بيروت / لبنان . (7) الجاحظ / أبو عثمان عمرو بن بحر / البيان والتبين / ج 1 / ج 2 / ج 3 / تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون / مكتبة الخانجي القاهرة / ط 3 . (8) الجوهري / إسماعيل بن حماد / الصحاح / ج 6 / تحقيق حميد عبد الغفور عطار / دار الكتب العربي / مصر . (9) الحموي / ياقوت / معجم البلدان / ج 1 دار الكتاب العربي / بيروت / لبنان . (10) الزبيدي / أبو بكر محمد بن الحسن / لحن العامة / تحقيق الدكتور عبد العزيز مطر / دار المعارف / القاهرة /1981 . (11) صلاح الدين منجد / المفصل في الألفاظ الفارسية المعربة في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم والحديث النبوي والشعر الأموي / ط 1 / 1978 . (12) د . طه ندا / الأدب المقارن / دار النهضة العربية / بيروت / 1975 . (13) د . عبد الرحمن السيد / مدرسة البصرة النحوية / نشأتها وتطورها / ط 1 / 1968 /دار المعارف مصر . (14) د . فؤاد عبد المعطي الصياد / القواعد والنصوص الفارسية / مكتبة سعيد رأفت / جامعة عين شمس . (15) الفراهيدي / الخليل بن أحمد / كتاب العين / تحقيق د . مهدي المخزومي و د . (16) إبراهيم السامرائي / ج 3 وزارة الثقافة والإعلام / 1981 دار الرشيد للنشر . (17) د . محمد بدرالدين أبو صالح / المدخل إلى العربية / ط 1 / مكتبة الشرق / حلب . (18) د . محمد حسين آل ياسين / الدراسات اللغوية عند العرب/ رسالة دكتوراه / 1977 . (19) محمد الخضر حسين / دراسات في العربية وتاريخها / ط 2 / 1960 /المكتبة الإسلامية / دمشق . (20) محمد وصفي أبو مغلي / دراسات في اللغة والشعر والنثر الفارسي / ج 1 / منشورات مركز الدراسات الإيرانية / جامعة البصرة / 1987 . (21) ولفنسون / تاريخ اللغات السامية / ط 1 / 1980 /دار العلم / بيروت / لبنان . عاشراً : الدوريات : (22) د . هند طه حسين / اللغة العربية ومكانتها في خوازم / مجلة آداب المستنصرية / العدد الخامس / 1980 .
|
| |
||||||||||
|
|