فخر ، قال : نعم ، قال : يأخذ حلقة باب الجنة فيفتحها فيخر ساجدا فيقول الله : إرفع رأسك إشفع تشفع أطلب تعط فيرفع رأسه ثم يخر ساجدا فيقول الله : إرفع رأسك إشفع تشفع واطلب تعط ثم يرفع رأسه فيشفع فيشفع ويطلب فيعطى.
  وفي تفسير الفرات : عن محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا عن بشر بن شريح البصري قال : قلت لمحمد بن علي ( عليه السلام ) ، آية آية في كتاب الله أرجى ؟ قال : فما يقول فيها قومك ؟
  قلت : يقولون : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ) ، قال : لكنا أهل بيت لا نقول ذلك ، قال : قلت : فأي شئ تقولون فيها ؟ قال : نقول : ولسوف يعطيك ربك فترضى ، الشفاعة والله الشفاعة والله الشفاعة.
  أقول : أما كون قوله تعالى : ( عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) ، الآية مقام الشفاعة فربما ساعد عليه لفظ الآية أيضا مضافا إلى ما استفاض عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه مقام الشفاعة فإن قوله تعالى : أن يبعثك ، يدل على أنه مقام سيناله يوم القيامة ، وقوله محمودا مطلق فهو حمد غير مقيد يدل على وقوعه من جميع الناس من الاولين والآخرين ، والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري ففيه دلالة على وقوع فعل منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينتفع به ويستفيد منه الكل فيحمده عليه ، ولذلك قال ( عليه السلام ) : في رواية عبيد بن زرارة السابقة وما من أحد إلا يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ الحديث ، وسيجئ بيان هذا المعنى بوجه آخر وجيه.
  وأما كون قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى ، أرجى آية في كتاب الله دون قوله تعالى : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا الآية ، فإن النهي عن القنوط وإن تكرر ذكره في القرآن الشريف إلا أن قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حكاية عن ابراهيم ( عليه السلام ) : قال : ( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ) الحجر ـ 56 ، وقوله تعالى حكاية عن يعقوب ( عليه السلام ) : ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) يوسف ـ 87 ، ناظرتان إلى اليأس والقنوط من الرحمة التكوينية بشهادة المورد.
  وأما قوله تعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 177 _

  اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) الزمر ـ 54 ، إلى آخر الآيات فهو وإن كان نهيا عن القنوط من الرحمة التشريعية بقرينة قوله تعالى أسرفوا على أنفسهم الظاهر في كون القنوط في الآية قنوطا من جهة المعصية ، وقد عمم سبحانه المغفرة للذنوب جميعا من غير استثناء ، ولكنه تعالى ذيله بالامر بالتوبة والاسلام والعمل بالاتباع فدلت الآية على أن العبد المسرف على نفسه لا ينبغي له أن يقنط من روح الله ما دام يمكنه إختبار التوبة والاسلام والعمل الصالح.
  وبالجملة فهذه رحمة مقيدة أمر الله تعالى عباده بالتعلق بها ، وليس رجاء الرحمة المقيدة كرجاء الرحمة العامة والاعطاء ، والارضاء المطلقين الذين وعدهما الله لرسوله الذي جعله رحمة للعالمين ذلك الوعد يطيب نفس رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) الآية.
  توضيح ذلك : إن الآية في مقام الامتنان وفيها وعد يختص به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يعد الله سبحانه بمثله أحدا من خلقة قط ، ولم يقيد الاعطاء بشئ فهو إعطاء مطلق وقد وعد الله ما يشابه ذلك فريقا من عباده في الجنة فقال تعالى : ( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ) الشورى ـ 22 ، وقال تعالى : ( لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ق ـ 35 ، فأفاد أن لهم هناك ما هو فوق مشيتهم ، والمشية تتعلق بكل ما يخطر ببال الانسان من السعادة والخير ، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى : ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) السجدة ـ 17 ، فإذا كان هذا قدر ما إعطاه الله على عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك فما يعطيه لرسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم فافهم.
  فهذا شأن إعطائه تعالى ، وأما شأن رضى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فمن المعلوم أن هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله ، الذي هو زميل لامر الله ، فإن الله هو المالك الغني على الاطلاق وليس للعبد إلا الفقر والحاجة فينبغي أن يرضي بقليل ما يعطيه ربه وكثيره وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقه ، سره ذلك أو ساءه ، فإذا كان هذا هكذا فرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعلم وأعمل ، لا يريد إلا ما يريده الله في حقه ، لكن هذا

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 178 _

  الرضا حيث وضع في مقابل الاعطاء يفيد معنى آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده ، وإرضاء الجائع بإشباعه فهو الارضاء بالاعطاء من غير تحديد ، وهذا أيضا مما وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده ، قال عز من قائل : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) البينة ـ 8 ، وهذا أيضا لموقع الامتنان و الاختصاص يجب أن يكون أمرا فوق ما للمؤمنين وأوسع من ذلك ، وقد قال تعالى : في حق رسوله : ( بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) التوبة ـ 128 ، فصدق رأفته وكيف يرضى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويطيب نفسه أن يتنعم بنعيم الجنة ويرتاض في رياضه وفريق من المؤمنين متغلغلون في دركات السعير ، مسجونون تحت أطباق النار وهم معترفون لله بالربوبية ، ولرسوله بالرسالة ، ولما جاء به بالصدق ، وإنما غلبت عليهم الجهالة ، ولعب بهم الشيطان ، فاقترفوا معاصي من غير عناد وإستكبار ، والواحد منا إذا راجع ما أسلفه من عمره ونظر إلى ما قصر به في الاستكمال والارتقاء يلوم نفسه بالتفريط في سعيه وطلبه ثم يلتفت إلى جهالة الشباب ونقص التجارب فربما خمدت نار غضبه وانكسرت سورة ملامته لرحمة ناقصة أودعها الله فطرته ، فما ظنك برحمة رب العالمين في موقف ليس فيه إلا جهالة إنسان ضعيف وكرامة النبي الرؤوف الرحيم ورحمة أرحم الراحمين ، وقد رأى ما رأى من وبال أمره من لدن نشبت عليه أظفار المنية إلى آخر مواقف يوم القيامة ؟.
  وفي تفسير القمي في قوله تعالى : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له الآية ، عن أبي العباس المكبر قال : دخل مولى لامرأة علي بن الحسين يقال له : أبو أيمن فقال : يا أبا جعفر تغرون الناس وتقولون : شفاعة محمد ، شفاعة محمد ، فغضب أبو جعفر حتى تربد وجهه ، ثم قال : ( ويحك يا أبا أيمن أغرك أن عف بطنك وفرجك ؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيمة لقد احتجت إلى شفاعة محمد ، ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار ؟ قال : ما من أحد من الاولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد صلى الله عليه عليه وآله وسلم يوم القيامة ، ثم قال أبو جعفر : إن لرسول الله الشفاعة في امته ، ولنا شفاعة في شيعتنا ، ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم ، ثم قال : وإن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر ، وإن المؤمن ليشفع لخادمه ويقول : يا رب حق خدمتي كان يقيني الحرو البرد.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 179 _

  أقول : قوله ( عليه السلام ) : ما من أحد من الاولين والآخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ظاهره ان هذه الشفاعة العامة غير التي ذكرها بقوله : ويلك فهل يشفع إلا لمن وجبت له النار ، وقد مر نظير هذا المعني في رواية العياشي عن عبيد بن زرارة عن الصادق ( عليه السلام ) ، وفي هذا المعنى روايات أخر روتها العامة والخاصة ، ويدل عليه قوله تعالى : ( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف ـ 86 ، حيث يفيد أن الملاك في الشفاعة هو الشهادة ، فالشهداء هم الشفعاء المالكون للشفاعة ، وسيأتي أن شاء الله في قوله تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة ـ 143 ، أن الانبياء شهداء وأن محمدا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شهيد عليهم ، فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شهيد الشهداء فهو شفيع الشفعاء ولو لا شهادة الشهداء لما قام للقيامة أساس.
  وفي تفسير القمي أيضا : في قوله تعالى ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له قال ( عليه السلام ) لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله حتى يأذن الله له إلا رسول الله فإن الله أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة ، والشفاعة له وللائمة من ولده ثم من بعد ذلك للانبياء.
  وفي الخصال : عن علي ( عليه السلام ) قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ثلاثة يشفعون إلى الله عزوجل فيشفعون : الانبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء.
  اقول : الظاهر أن المراد بالشهداء ، شهداء معركة القتال كما هو المعروف في لسان الائمة في الاخبار لا شهداء الاعمال كما هو مصطلح القرآن.
  وفي الخصال في حديث الاربعمائة : وقال ( عليه السلام ) : لنا شفاعة ولاهل مودتنا شفاعة.
  أقول : وهناك روايات كثيرة في شفاعة سيدة النساء فاطمة ( عليه السلام ) وشفاعة ذريتها غير الائمة وشفاعة المؤمنين حتى السقط منهم ، ففي الحديث المعروف عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : تناكحوا تناسلوا فإني أباهي بكم الامم يوم القيامة ولو بالسقط يقوم محبنطئا على باب الجنة فيقال له : أدخل فيقول : لا حتى يدخل أبواي الحديث.
  وفي الخصال : عن أبي عبد الله عن أبيه عن جده عن علي ( عليه السلام ) قال : إن للجنة

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 180 _

  ثمانية أبواب ، باب يدخل منه النبيون والصديقون ، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون ، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا ، فلا ازال واقفا على الصراط أدعو واقول : رب سلم شيعتي و محبي وأنصاري ومن تولاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش ، قد اجيبت دعوتك ، وشفعت في شيعتك ، ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من عاداني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه وأقربائه ، وباب يدخل منه ساير المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت
  وفي الكافي : عن حفص المؤذن عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في رسالته إلى أصحابه قال ( عليه السلام ) : واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من سره أن ينفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه.
  وفي تفسير الفرات : باسناده عن الصادق ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : قال جابر لابي جعفر ( عليه السلام ) : جعلت فداك يا بن رسول الله حدثني بحديث في جدتك فاطمة وساق الحديث يذكر فيه شفاعة فاطمة يوم القيامة إلى أن قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : فو الله لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق ، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى فما لنا من شافعين لا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين ، قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : هيهات هيهات منعوا ما طلبوا ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.
  اقول : تمسكه ( عليه السلام ) بقوله تعالى : فما لنا من شافعين يدل على إستشعار دلالة الآيات على وقوع الشفاعة وقد تمسك بها النافون للشفاعة على نفيها وقد إتضح مما قدمناه في قوله تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين وجه دلالتها عليها في الجملة ، فلو كان المراد مجرد النفي لكان حق الكلام أن يقال : فما لنا من شفيع ولا صديق حميم ، فالاتيان في حيز النفي بصيغة الجمع يدل على وقوع شفاعة من جماعة وعدم نفعها في حقهم ، مضافا إلى ان قوله تعالى : فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين بعد قوله : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم المسوق للتحسر تمن واقع في حيز التحسر ومن المعلوم أن التمني في حيز التحسر انما يكون بما يتضمن ما فقده ويشتمل على ما تحسر

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 181 _
  عليه فيكون معنى قولهم : فلو أن لنا كرة ، معناه يا ليتنا نرد فنكون من المؤمنين حتى ننال الشفاعة من الشافعين كما نالها المؤمنون ، فالآية من الآيات الدالة على وقوع الشفاعة.
  وفي التوحيد : عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : إنما شفاعتي لاهل الكبائر من امتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل ، قيل : يا بن رسول الله كيف تكون الشفاعة لاهل الكبائر والله تعالى يقول : ولا يشفعون إلا لمن إرتضى ومن إرتكب الكبيرة لا يكون مرتضى ؟ فقال ( عليه السلام ) : ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا سائه ذلك وندم عليه ، وقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : كفي بالندم توبه ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من سرته حسنة وسائته سيئة فهو مؤمن ، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالما والله تعالى ذكره يقول : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ، فقيل له : يا بن رسول الله وكيف لا يكون مؤمنا من لا يندم على ذنب يرتكبه فقال : ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أن سيعاقب عليه إلا ندم على ما ارتكب ، ومتى ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة ، ومتى لم يندم عليها كان مصرا والمصر لا يغفر له ، لانه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب ، ولو كان مؤمنا بالعقوبة لندم وقد قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الاصرار ، وأما قول الله عزوجل : ولا يشفعون الا لمن ارتضى فإنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه ، والدين الاقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات ، فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة.
  اقول : قوله ( عليه السلام ) وكان ظالما ، فيه تعريف الظالم يوم القيامة واشارة إلى ما عرفه به القرآن حيث يقول : ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ) الاعراف ـ 44 و 45 ، وهو الذي لا يعتقد بيوم المجازاة فلا يتأسف على فوت أوامر الله تعالى ولا يسوئه إقتحام محارمه إما بجحد جميع المعارف الحقة والتعاليم الدينية وإما بالاستهانة لامرها وعدم الاعتناء بالجزاء والدين يوم الجزاء والدين فيكون قوله به إستهزائا بأمره وتكذيبا له ، وقوله ( عليه السلام ) : فتكون تائبا مستحقا للشفاعة ، أي راجعا إلى الله ذا دين

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 182 _
  مرضي مستحقا للشفاعة ، وأما التوبة المصطلحة فهي بنفسها شفيعة منجية ، وقوله ( عليه السلام ) وقد قال النبي لا كبيرة مع الاستغفار ، الخ تمسكه ( عليه السلام ) به من جهة أن الاصرار وهو عدم الانقباض بالذنب والندم عليه يخرج الذنب عن شأنه الذي له إلى شأن آخر وهو تكذيب المعاد والظلم بآيات الله فلا يغفر لان الذنب إنما يغفر إما بتوبة أو بشفاعة متوقفة على دين مرضي ولا توبة هناك ولا دين مرضيا.
  ونظير هذا المعنى واقع في رواية العلل عن أبي إسحق الليثي قال : قلت لابي جعفر محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) : يا بن رسول الله أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني ؟ قال : اللهم لا ، قلت : فيلوط ؟ قال اللهم لا ، قلت فيسرق ؟ قال لا ، قلت : فيشرب الخمر ؟ قال لا ، قلت : فيأتي ؟ بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش ؟ قال : لا ، قلت : فيذنب ذنبا ؟ قال : نعم وهو مؤمن مذنب مسلم ، قلت : ما معنى مسلم ؟ قال : المسلم لا يلزمه ولا يصر عليه الحديث.
  وفي الخصال : بأسانيد عن الرضا عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا كان يوم القيامة تجلى الله عزوجل لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يغفر الله له لا يطلع الله له ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ويستر عليه أن يقف عليه أحد ، ثم يقول لسيئأته كوني حسنات.
  وعن صحيح مسلم مرفوعا إلى أبى ذر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يؤتي بالرجل يوم القيامة فيقال : أعرضوا عليه صغار ذنوبه ونحوا عنه كبارها فيقال : عملت يوم كذا وكذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال : اعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول : ان لي ذنوبا ما أراها هيهنا ، قال : ولقد رايت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه.
  وفي الامالي : عن الصادق ( عليه السلام ) : إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمتة.
  اقول : والروايات الثلاث الاخيرة من المطلقات والاخبار الدالة على وقوع

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 183 _
  شفاعة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم القيامة من طرق أئمة أهل البيت وكذا من طرق أهل السنة والجماعة بالغة حد التواتر ، وهي من حيث المجموع إنما تدل على معنى واحد وهو الشفاعة على المذنبين من أهل الايمان إما بالتخليص من دخول النار وإما بالاخراج منها بعد الدخول فيها ، والمتيقن منها عدم خلود المذنبين من أهل الايمان في النار وقد عرفت أن القرآن أيضا لا يدل على أزيد من ذلك.
  ( بحث فلسفي )
  البراهين العقلية وإن قصرت عن إعطاء التفاصيل الواردة كتابا وسنة في المعاد لعدم نيلها المقدمات المتوسطة في الاستنتاج على ما ذكره الشيخ إبن سينا لكنها تنال ما يستقبله الانسان من كمالاته العقلية والمثالية في صراطي السعادة والشقاوة بعد مفارقة نفسه بدنه من جهة التجرد العقلي والمثالي الناهض عليهما البرهان.
  فالانسان في بادئ أمره يحصل له من كل فعل يفعله هيئة نفسانيه وحال من احوال السعادة والشقاوة ، ونعني بالسعادة ما هو خير له من حيث أنه إنسان ، وبالشقاوة ما يقابل ذلك ، ثم تصير تلك الاحوال بتكررها ملكة راسخة ، ثم يتحصل منها صورة سعيدة أو شقية للنفس تكون مبدئا لهيئأت وصور نفسانية ، فإن كانت سعيدة فأثارها وجودية ملائمة للصورة الجديدة ، وللنفس التي هي بمنزلة المادة القابلة لها ، وان كانت شقية فأثارها أمور عدمية ترجع بالتحليل إلى الفقدان والشر ، فالنفس السعيدة تلتذ بآثارها بما هي انسان ، وتلتذ بها بما هي انسان سعيد بالفعل ، والنفس الشقية وان كانت آثارها مستأنسة لها وملائمة بما أنها مبدأ لها لكنها تتألم بها بما انها انسان ، هذا بالنسبة إلى النفوس الكاملة في جانب السعادة والشقاوة ، أعني الانسان السعيد ذاتا والصالح عملا والانسان الشقى ذاتا والطالح عملا ، واما الناقصة في سعادتها وشقاوتها فالانسان السعيد ذاتا الشقى فعلا بمعنى ان يكون ذاته ذات صورة سعيدة بالاعتقاد الحق الثابت غير ان في نفسه هيآت شقية ردية من الذنوب والاثام إكتسبتها حين تعلقها بالبدن الدنيوي وارتضاعها من ثدي الاختيار ، فهي امور قسرية غير ملائمة لذاتة ، وقد اقيم البرهان على أن القسر لا يدوم ، فهذه النفس سترزق التطهر منها في برزخ أو

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 184 _
  قيمة على حسب قوة رسوخها في النفس ، وكذلك الامر فيما للنفس الشقية من الهيآت العارضة السعيدة فانها ستسلب عنها وتزول سريعا أو بطيئا ، واما النفس التي لم تتم لها فعلية السعادة والشقاوة في الحيوة الدنيا حتى فارقت البدن مستضعفة ناقصة فهي من المرجئين لامر الله عزوجل ، فهذا ما يقتضيه البراهين في المجازاة بالثواب والعقاب المقتضية لكونها من لوازم الاعمال ونتائجها ، لوجوب رجوع الروابط الوضعية الاعتبارية بالآخرة إلى روابط حقيقية وجودية هذا.
  ثم ان البراهين قائمة على أن الكمال الوجودي مختلف بحسب مراتب الكمال والنقص والشدة والضعف وهو التشكيك خاصة في النور المجرد فلهذه النفوس مراتب مختلفة في القرب والبعد من مبدأ الكمال ومنتهاه في سيرها الارتقائي وعودها إلى ما بدأت منها وهي بعضها فوق بعض ، وهذه شأن العلل الفاعلية ( بمعنى ما به ) ووسائط الفيض ، فلبعض النفوس وهي النفوس التامة الكاملة كنفوس الانبياء ( عليهم السلام ) وخاصة من هو في أرقي درجات الكمال والفعلية وساطة في زوال الهيئات الشقية الردية القسرية من نفوس الضعفاء ، ومن دونهم من السعداء إذا لزمتها قسرا ، وهذه هي الشفاعة الخاصة بأصحاب الذنوب.
  ( بحث اجتماعي )
  الذي تعطيه اصول الاجتماع ان المجتمع الانساني لا يقدر على حفظ حياته وادامة وجوده الا بقوانين موضوعة معتبرة بينهم ، لها النظارة في حاله ، الحكومة في أعمال الافراد وشؤونهم ، تنشأ عن فطرة المجتمع وغريزه الافراد المجتمعين بحسب الشرائط الموجودة ، فتسير بهدايتها جميع طبقات الاجتماع كل على حسب ما يلائم شأنه ويناسب موقعه فيسير المجتمع بذلك سيرا حثيثا ويتولد بتألف أطرافه وتفاعل متفرقاته العدل الاجتماعي وهي موضوعة على مصالح ومنافع مادية يحتاج إليها إرتقاء الاجتماع المادي ، وعلى كمالات معنوية كالاخلاق الحسنة الفاضلة التي يدعو إليها صلاح الاجتماع كالصدق في القول والوفاء بالعهد والنصح وغير ذلك ، وحيث كانت القوانين والاحكام وضعية غير حقيقية احتاجت إلى تتميم تأثيرها ، بوضع أحكام مقررة اخرى في المجازاة لتكون

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 185 _
  هي الحافظة لحماها عن تعدي الافراد المتهوسين وتساهل آخرين ، ولذلك كلما قويت حكومة ( أي حكومة كانت ) على إجراء مقررات الجزاء لم يتوقف المجتمع في سيره ولا ضل سائره عن طريقه ومقصده ، وكلما ضعفت اشتد الهرج والمرج في داخله وانحرف عن مسيره فمن التعاليم اللازمة تثبيتها في الاجتماع تلقين أمر الجزاء ، وإيجاد الايمان به في نفوس الافراد ، ومن الواجب الاحتراز من أن يدخل في نفوسهم رجاء التخلص عن حكم الجزاء ، وتبعة المخالفة والعصيان ، بشفاعة أو رشوة أو بشئ من الحيل والدسائس المهلكة ، ولذلك نقموا على الديانة المسيحية ما وقع فيها أن المسيح فدى الناس في معاصيهم بصلبه ، فالناس يتكلون عليه في تخليصهم من يد القضاء يوم القيامة ويكون الدين إذ ذاك هادما للانسانية ، مؤخرا للمدنية ، راجعا بالانسان القهقرى كما قيل. وان الاحصاء يدل من أن المتدينين أكثر كذبا وأبعد من العدل من غيرهم وليس ذلك إلا انهم يتكلون بحقية دينهم ، وإدخار الشفاعة في حقهم ليوم القيامة ، فلا يبالون ما يعملون بخلاف غيرهم ، فإنهم خلوا وغرائزهم وفطرهم ولم يبطل حكمها بما بطل به في المتدينين فحكمت بقبح التخلف عما يخالف حكم الانسانية والمدنية الفاضله.
  وبذلك عول جمع من الباحثين في تأويل ما ورد في خصوص الشفاعة في الاسلام وقد نطق به الكتاب وتواترت عليه السنة.
  ولعمري لا الاسلام تثبت الشفاعة بالمعنى الذي فسروها به ، ولا الشفاعة التي تثبتها تؤثر الاثر الذي زعموه لها ، فمن الواجب أن يحصل الباحث في المعارف الدينية وتطبيق ما شرعه الاسلام على هيكل الاجتماع الصالح والمدنية الفاضلة تمام ما رامه الاسلام من الاصول والقوانين المنطبقة على الاجتماع كيفية ذلك التطبيق ، ثم يحصل ما هي الشفاعة الموعودة وما هو محلها وموقعها بين المعارف التي جاء بها.
  فيعلم اولا: أن الذي يثبته القرآن من الشفاعة هو ان المؤمنين لا يخلدون في النار يوم القيامة بشرط أن يلاقوا ربهم بالايمان المرضي والدين الحق فهو وعد وعده القرآن مشروطا ثم نطق بأن الايمان من حيث بقائه على خطر عظيم من جهة الذنوب ولاسيما الكبائر ولا سيما الادمان منها والامرار فيها ، فهو شفا جرف الهلاك الدائم

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 186 _
  وبذلك يتحصل رجاء النجاة وخوف الهلاك ، ويسلك نفس المؤمن بين الخوف والرجاء فيعبد ربه رغبة ورهبة ، ويسير في حيوته سيرا معتدلا غير منحرف لا إلى خمود القنوط ، ولا إلى كسل الوثوق.
  وثانيا : أن الاسلام قد وضع من القوانين الاجتماعية من مادياتها ومعنوياتها ما يستوعب جميع الحركات والسكنات الفردية والاجتماعية ، ثم إعتبر لكل مادة من موادها ما هو المناسب له من التبعة والجزاء من دية وحد وتعزير إلى أن ينتهي إلى تحريم مزايا الاجتماع واللوم والذم والتقبيح ، ثم تحفظ على ذلك بعد تحكيم حكومة أولياء الامر ، بتسليط الكل على الكل بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر ثم أحيى ذلك بنفخ روح الدعوة الدينية المضمنة بالانذار والتبشير بالعقاب والثواب في الآخرة ، وبنى أساس تربيتة بتلقين معارف المبدا والمعاد على هذا الترتيب.
  فهذا ما يرومه الاسلام بتعليمه ، جاء به النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وصدقه التجارب الواقع في عهده وعهد من يليه حتى اثبت به أيدي الولاة في السلطنة الاموية ومن شايعهم في استبدادهم ولعبهم بأحكام الدين وابطالهم الحدود والسياسات الدينية حتى آل الامر إلى ما آل إليه اليوم وارتفعت أعلام الحرية وظهرت المدنية الغربية ولم يبق من الدين بين المسلمين إلا كصبابة في إناء فهذا الضعف البين في سياسة الدين وارتجاع المسلمين القهقرى هو الموجب لتنزلهم في الفضائل والفواضل وانحطاطهم في الاخلاق والآداب الشريفة وإنغمارهم في الملاهي والشهوات وخوضهم في الفواحش والمنكرات ، هو الذي أجراهم على انتهاك كل حرمة وإقتراف كل ما يستشنعه حتى غير المنتحل بالدين لا ما يتخيله المعترض من إستناد الفساد إلى بعض المعارف الدينية التي لا غاية لها وفيها إلا سعادة الانسان في آجله وعاجله والله المعين ، والاحصاء الذي ذكروها إنما وقع على جمعية المتدينين وليس عليهم قيم ولا حافظ قوي وعلى جمعية غير المنتحلين ، والتعليم والتربية الاجتماعيان قيمان عليهم حافظان لصلاحهم الاجتماعي فلا يفيد فيما أراده شيئا
  ( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 187 _
  يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) ـ 49 ، ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) ـ 50 ، ( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ) ـ 51 ، ( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ـ 52 ، ( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ـ 53 ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ـ 54 ، ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) ـ 55 ، ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ـ 56 ، ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ـ 57 ، ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) ـ 58 ، ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) ـ 59 ، ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 188 _
   ، فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) ـ 60 ، ، ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) ـ 61.
  ( بيان )
  قوله تعالى : ويستحيون نسائكم ، أي يتركونهن احياء للخدمة من غير أن يقتلوهن كالابناء فالاستحياء طلب الحيوة ويمكن أن يكون المعنى ويفعلون ما يوجب زوال حيائهن من المنكرات ، ومعنى يسومونكم يولونكم.
  قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم الفرق مقابل الجمع كالفصل والوصل ، والفرق في البحر الشق والباء للسببية ألملابسة أي فرقنا لانجائكم البحر أو لملابستكم دخول البحر.
  قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى اربعين ليلة وقص تعالى القصة في سورة الاعراف بقوله : ، ( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) الاعراف ـ 142 ، فعد المواعدة فيها أربعين ليلة إما للتغليب أو لانه كانت العشرة الاخيرة بمواعدة أخرى فالاربعون مجموع المواعدتين كما وردت به الرواية.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 189 _
  قوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم البارئ من الاسماء الحسنى كما قال تعالى : ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى ) الحشر ـ 24 ، وقع في ثلاث مواضع من كلامه تعالى : اثنان منها في هذه الآية ولعله خص بالذكر هيهنا من بين الاسماء الملائمة معناه للمورد لانه قريب المعنى من الخالق والموجد ، من برء يبرء برائا إذا فصل لانه يفصل الخلق من العدم أو الانسان من الارض ، فكأنه تعالى يقول : هذه التوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشق ما يكون من الاوامر لكن الله الذي أمركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برئكم فالذي أحب وجودكم وهو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم وكيف لا يحب خيركم وقد برئكم ، فاختيار لفظ البارئ باضافته إليهم في قوله : إلى بارئكم ، وقوله عند بارئكم للاشعار بالاختصاص لاثارة المحبة.
  قوله تعالى : ذلكم خير لكم عند بارئكم ظاهر الآية وما تقدمها أن هذه الخطابات وما وقع فيها من عد أنواع تعدياتهم ومعاصيهم إنما نسبت إلى الكل مع كونها صادرة عن البعض لكونهم جامعة ذات قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض ، وينسب فعل بعضهم إلى آخرين ، لمكان الوحدة الموجودة فيهم ، فما كل بنى اسرائيل عبدوا العجل ، ولا كلهم قتلوا الانبياء إلى غير ذلك من معاصيهم وعلى هذا فقوله تعالى : فاقتلوا أنفسكم ، إنما يعني به قتل البعض وهم الذين عبدوا العجل كما يدل عليه أيضا قوله تعالى : إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ، وقوله تعالى : ذلكم خير لكم عند بارئكم تتمة الحكاية من قول موسى كما هو الظاهر ، وقوله تعالى : فتاب عليكم يدل على نزول التوبة وقبولها ، وقد وردت الرواية أن التوبة نزلت ولما يقتل جميع المجرمين منهم.
  ومن هنا يظهر أن الامر كان أمرا إمتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا إبراهيم ( عليه السلام ) وذبح اسماعيل ( يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) لصافات ـ 105 ، فقد ذكر موسى ( عليه السلام ) فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ، وأمضى الله سبحانه قوله ( عليه السلام ) وجعل قتل البعض قتلا للكل وأنزل التوبة بقوله : فتاب عليكم

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 190 ـ
  قوله تعالى : رجزا من السماء ، الرجز العذاب.
  قوله تعالى : ولا تعثوا ، العيث والعثى أشد الفساد.
  قوله تعالى : وقثائها وفومها ، القثاء الخيار والفوم الثوم أو الحنطة.
  قوله تعالى : وبائوا بغضب ، أي رجعوا.
  قوله تعالى : ذلك بأنهم كانوا يكفرون ، تعليل لما تقدمه.
  قوله تعالى : ذلك بما عصوا ، تعليل للتعليل فعصيانهم ومداومتهم للاعتداء هو الموجب لكفرهم بالآيات وقتلهم الانبياء كما قال تعالى : ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون ) الروم ـ 10 ، وفي التعليل بالمعصية وجه سيأتي في البحث الآتي
  ( بحث روائي )
  في تفسير العياشي : في قوله تعالى : ( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة ثم بدا منه فزاد عشرا فتم ميقات ربه الاول والآخر أربعين ليلة.
  اقول : والرواية تؤيد ما مر أن الاربعين مجموع المواعدتين.
  وفي الدر المنثور : عن علي ( عليه السلام ) : في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ ) الآية ، قال : قالوا لموسى : ما توبتنا ؟ قال : يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وإبنه والله لا يبالى من قتل حتى قتل منهم سبعون الفا فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقى.
  وفي تفسير القمي : قال ( عليه السلام ) : أن موسى لما خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم موسى : يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فأقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فقالوا له : كيف نقتل

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 191 _
  أنفسنا فقال لهم موسى : أغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني اسرائيل فكونوا أنتم ملتثمين لا يعرف أحد صاحبه فأقتلوا بعضكم بعضا ، فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممن كان عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلى بهم موسى وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرائيل فقال : قل لهم : يا موسى إرفعوا القتل فقد تاب الله لكم ، فقتل منهم عشرة آلاف وأنزل الله : ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )
  اقول : والرواية كما ترى تدل على كون قوله تعالى : ذلكم خير لكم عند بارئكم مقولا لموسى ومقولا له سبحانه فيكون إمضائا لكلمة قالها موسى وكشفا عن كونها تامة على خلاف ما يلوح من الظاهر من كونها ناقصة فإن الظاهر يعطي أن موسى جعل قتل الجميع خيرا لهم عند بارئهم ، وقد قتل منهم البعض دون الجميع فجعل سبحانه ، ما وقع من القتل هو الخير الذي ذكره موسى ( عليه السلام ) كما مر.
  وفي تفسير القمي أيضا : في قوله تعالى : ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) الآية أن بني اسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا في مفازة فقالوا : يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ، ولا شجر ، ولا ماء ، وكانت تجئ بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على موائدهم فإذا أكلوا وشربوا طار ومر وكان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضر به بعصاه فتنفجر منها إثنتا عشرة عينا كما حكى الله فيذهب إلى كل سبط في رحله وكانوا اثنى عشر سبطا
  وفي الكافي : في قوله تعالى : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، عن أبي الحسن الماضي ( عليه السلام ) قال : إن الله أعز( وأمنع من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى الظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته ) ، ثم أنزل الله بذلك قرآنا على نبيه فقال : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، قال الراوي قلت ، هذا تنزيل ، قال : نعم.
  اقول : وروى ما يقرب منه أيضا عن الباقر ( عليه السلام ) وقوله ( عليه السلام ) أمنع من

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 192 _
  أن يظلم بالبناء للمفعول تفسير لقوله تعالى : وما ظلمونا ، وقوله : أو ينسب نفسه إلى الظلم بالبناء للفاعل : وقوله : ولكنه خلطنا بنفسه أي خلطنا معاشر الانبياء والاوصياء والائمة بنفسه ، وقوله : قلت : هذا تنزيل قال : نعم وجهه أن النفي في هذه الموارد وأمثالها إنما يصح فيما يصح فيه الاثبات أو يتوهم صحته ، فلا يقال للجدار ، أنه لا يبصر أو لا يظلم إلا لنكتة وهو سبحانه أجل من أن يسلم في كلامه توهم الظلم عليه ، أو جاز وقوعه عليه فالنكتة في هذا النفي الخلط المذكور لان العظماء يتكلمون عن خدمهم وأعوانهم.
  وفي تفسير العياشي : في قوله تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ) الآية عن الصادق ( عليه السلام ) أنه قرأ هذه الآية : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بأيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فقال : والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فكان قتلا واعتداء ومصيبة.
  اقول : وفي الكافي عنه ( عليه السلام ) مثله وكأنه ( عليه السلام ) استفاد ذلك من قوله تعالى : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فإن القتل وخاصة قتل الانبياء والكفر بآيات الله لا يعلل بالعصيان بل الامر بالعكس على ما يوجبه الشدة والاهمية لكن العصيان بمعنى عدم الكتمان والتحفظ مما يصح التعليل المذكور به.
  ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ـ 62.
  ( بيان )
  تكرار الايمان ثانيا وهو الاتصاف بحقيقتة كما يعطيه السياق يفيد أن المراد

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 193 _
  بالذين آمنوا في صدر الآية هم المتصفون بالايمان ظاهرا المتسمون بهذا الاسم فيكون محصل المعنى أن الاسماء والتسمي بها مثل المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجرا ولا أمنا من العذاب كقولهم : لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، وإنما ملاك الامر وسبب الكرامة والسعادة حقيقة الايمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح ، ولذلك لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلا يكون تقريرا للفائدة في التسمي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى وهذا مما تكررت فيه آيات القرآن أن السعادة والكرامة تدور مدار العبودية ، فلا إسم من هذه الاسماء ينفع لمتسميه شيئا ، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه إلا مع لزوم العبودية ، الانبياء ومن دونهم فيه سواء ، فقد قال تعالى في أنبيائه بعد ما وصفهم بكل وصف جميل : ( وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) الانعام ـ 88 ، وقال تعالى في أصحاب نبيه ومن آمن معه مع ما ذكر من عظم شأنهم وعلو قدرهم : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) الفتح ـ 29 ، فأتى بكلمة منهم وقال في غيرهم ممن اوتي آيات الله تعالى : ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) الاعراف ـ 176 ، إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الكرامة بالحقيقة دون الظاهر.
  ( بحث روائي )
  في الدر المنثور : عن سلمان الفارسي قال : سألت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن اهل دين كنت معهم ، فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ) الآية.
  اقول : وروي أيضا نزول الآية في أصحاب سلمان بعدة طرق أخرى.
  وفي المعاني : عن ابن فضال قال : قلت للرضا ( عليه السلام ) لم سمي النصاري نصارى قال : لانهم كانوا من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم وعيسى بعد رجوعهما من مصر.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 194 _
  اقول : وفي الرواية بحث سنتعرض له في قصص عيسى ( عليه السلام ) من سورة آل عمران انشاء الله.
  وفي الرواية ان اليهود سموا باليهود لانهم من ولد يهودا بن يعقوب.
  وفي تفسير القمي : قال : قال ( عليه السلام ) : الصابئون قوم لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون وهم يعبدون النجوم والكواكب.
  اقول : وهي الوثنية ، غير أن عبادة الاصنام غير مقصورة عليهم بل الذي يخصهم عبادة أصنام الكواكب.
  ( بحث تاريخي )
  ذكر أبو ريحان البيروني في الآثار الباقية ما لفظه : واول المذكورين منهم يعني المتنبئين يوذاسف وقد ظهر عند مضي سنة من ملك طهمورث بأرض الهند وأتي بالكتابة الفارسية ، ودعا إلى ملة الصابئين فأتبعه خلق كثير ، وكانت الملوك البيشدادية وبعض الكيانية ممن كان يستوطن بلخ يعظمون النيرين والكواكب وكليات العناصر ويقدسونها إلى وقت ظهور زرادشت عند مضي ثلاثين سنة من ملك بشتاسف ، وبقايا اؤلئك الصابئين بحران ينسبون إلى موضعهم ، فيقال لهم : الحرانية وقد قيل : انها نسبة إلى هادان بن ترخ اخى ابراهيم ( عليه السلام ) وانه كان من بين رؤسائهم اوغلهم في الدين واشدهم تمسكا به ، وحكى عنه ابن سنكلا النصراني في كتابه الذي قصد فيه نقض نحلتهم ، فحشاه بالكذب والاباطيل ، انهم يقولون ان ابراهيم ( عليه السلام ) انما خرج عن جملتهم لانه خرج في قلفته برص وأن من كان به ذلك فهو نجس لا يخالطونه فقطع قلفته بذلك السبب يعني اختتن ، ودخل إلى بيت من بيوت الاصنام فسمع صوتا من صنم يقول له : يا ابراهيم خرجت من عندنا بعيب واحد ، وجئتنا بعيبين ، أخرج ولا تعاود المجئ الينا فحمله الغيظ على أن جعلها جذاذا ، وخرج من جملتهم ثم انه ندم بعد ما فعله ، وأراد ذبح ابنه لكوكب المشتري على عادتهم في ذبح اولادهم ، زعم فلما علم كوكب المشتري صدق توبته فداه بكبش.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 195 _
  وحكى عبد المسيح بن اسحاق الكندي عنهم في جوابه عن كتاب عبد الله بن اسماعيل الهاشمي ، انهم يعرفون بذبح الناس ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا ونحن لا نعلم منهم الا انهم اناس يوحدون الله ، وينزهونه عن القبائح ، ويصفونه بالسلب لا الايجاب كقولهم : لا يحد ، ولا يرى ، ولا يظلم ، ولا يجور ويسمونه بالاسماء الحسنى مجازا ، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة ، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ، ويقولون بحياتها نطقها وسمعها وبصرها ، ويعظمون الانوار ، ومن آثارهم القبة التي فوق محراب عند المقصورة من جامع دمشق ، وكان مصلاهم ، كان اليونانيون والروم على دينهم ، ثم صارت في أيدي اليهود ، فعملوها كنيستهم ، ثم تغلب عليها النصارى ، فصيروها بيعة إلى أن جاء الاسلام وأهله فأتخذوها مسجدا ، وكانت لهم هياكل واصنام بأسماء الشمس معلومة الاشكال كما ذكرها أبو معشر البلخي في كتابه في بيوت العبادات ، مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس ، وقران فانها منسوبة إلى القمر ، وبنائها على صورته كالطيلسان ، وبقربها قرية تسمى سلمسين ، واسمها القديم صنم سين ، أي صنم القمر ، وقرية اخرى تسمى ترع عوز أي باب الزهرة ويذكرون أن الكعبة واصنامها كانت لهم ، وعبدتها كانوا من جملتهم ، وان اللات كان باسم زحل ، والعزى باسم الزهرة ولهم أنبياء كثيرة اكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصري واغاذيمون وواليس وفيثاغورث وباباسوار جد افلاطون من جهة امه وامثالهم ، ومنهم من حرم عليه السمك خوفا أن يكون رغاوة والفرخ لانه ابدا محموم ، والثوم لانه مصدع محرق للدم أو المني الذي منه قوام العالم ، والباقلاء لانه يغلظ الذهن ويفسده ، وأنه في أول الامر إنما نبت في جمجمة إنسان ، ولهم ثلاث صلوات مكتوبات.
  أولها : عند طلوع الشمس ثماني ركعات.
  والثانية : عند زوال الشمس عن وسط السماء خمس ركعات ، وفي كل ركعة من صلاتهم ثلاث سجدات ، ويتنفلون بصلاة في الساعة الثانية من النهار ، واخرى في التاسعة من النهار.
  والثالثة : في الساعة الثالثة من الليل ، ويصلون على طهر ووضوء ، ويغتسلون من الجنابة ولا يختتنون إذ لم يؤمروا بذلك زعموا واكثر احكامهم في المناكح والحدود مثل احكام المسلمين ، وفي التنجس عند مس الموتى ، وأمثال ذلك شبيهة بالتورية ، ولهم

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 196 _
  قرابين متعلقة بالكواكب واصنامها وهياكلها ، وذبائح يتولاها كهنتهم وفاتنوهم ، ويستخرجون من ذلك علم ما عسى يكون المقرب وجواب ما يسأل عنه ، وقد يسمى هرمس بإدريس الذي ذكر في التوراة أخنوخ ، وبعضهم زعم أن يوذاسف هو هرمس.
  وقد قيل : إن هؤلاء الحرانية ليسوا هم الصابئة بالحقيقة ، بل هم المسمون في الكتب بالحنفاء والوثنية ، فإن الصابئة هم الذين تخلفوا ببابل من جملة الاسباط الناهضة في ايام كورش وايام ارطحشست إلى بيت المقدس ، ومالوا إلى شرائع المجوس فصبوا إلى دين بختنصر ، فذهبوا مذهبا ممتزجا من المجوسية واليهودية ، كالسامرة بالشام ، وقد توجد اكثرهم بواسط وسواد العراق بناحية جعفر والجامدة ونهرى الصلة منتمين إلى انوش بن شيث ، ومخالفين للحرانية ، عائبين مذاهبهم ، لا يوافقونهم الا في أشياء قليلة ، حتى انهم يتوجهون في الصلاة إلى جهة القطب الشمالي والحرانية إلى الجنوبي ، وزعم بعض أهل الكتاب أنه كان لمتوشلخ ابن غير ملك يسمى صابي ، وأن الصابئة سموا به ، وكان الناس قبل ظهور الشرائع وخروج يوذاسف شمينين سكان الجانب الشرقي من الارض وكانوا عبدة اوثان ، وبقاياهم الآن بالهند والصين والتغزغز ويسميهم أهل خراسان شمنان ، وآثارهم وبهاراتهم وأصنامهم وفرخاراتهم ظاهرة في ثغور خراسان المتصلة بالهند ، ويقولون : بقدم الدهر ، وتناسخ الارواح وهوي الفلك في خلا غير متناه ، ولذلك يتحرك على استدارة فإن الشئ المستدير إذا أزيل ينزل مع دوران ، زعموا ومنهم من أقر بحدوث العالم ، وزعم أن مدته ألف الف سنة إنتهى موضع الحاجة.
  أقول : وما نسبه إلى بعض من تفسير الصائبة بالمذهب الممتزج من المجوسية واليهودية مع أشياء من الحرانية هو الاوفق بما في الآية فإن ظاهر السياق أن التعداد لاهل الملة.
  ( إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ـ 63 ، ثم توليتم

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 197 _
  ( مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) ـ 64 ، ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) ـ 65 ، ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) ـ 66 ، ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ـ 67 ، ( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ) ـ 68 ، ( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) ـ 69 ، ( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) ـ 70 ، ( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) ـ 71 ، ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) ـ 72 ، ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ـ 73 ، ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 198 _
  يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ـ 74 .
  ( بيان )
  قوله تعالى : ورفعنا فوقكم الطور ، الطور هو الجبل كما بدله منه في قوله تعالى : ( وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) الاعراف ـ 171 ، والنتق هوالجذب والاقتلاع ، وسياق الآية حيث ذكر أخذ الميثاق أولا والامر بأخذ ما أوتوا وذكر ما فيه أخيرا ووضع رفع الطور فوقهم بين الامرين مع السكوت عن سبب الرفع وغايتها يدل على أنه كان لارهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون لاجبارهم وإكراههم على العمل بما اوتوه وإلا لم يكن لاخذ الميثاق وجه ، فما ربما يقال : أن رفع الجبل فوقهم لو كان على ظاهره كان آية معجزة وأوجب إجبارهم وإكراههم على العمل ، وقد قال سبحانه : ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة ـ 256 ، وقال تعالى : ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) يونس ـ 99 ، غير وجيه فإن الآية كما مر لا تدل على أزيد من الاخافة والارهاب ولو كان مجرد رفع الجبل فوق بني اسرائيل إكراها لهم على الايمان أو العمل ، لكان أغلب معجزات موسى موجبة للاكراه ، نعم هذا التأويل وصرف الآية عن ظاهرها ، والقول بأن بني اسرائيل كانوا في أصل الجبل فزلزل وزعزع حتى أظل رأسه عليهم ، فظنوا أنه واقع بهم فعبر عنها برفعه فوقهم أو نتقه فوقهم ، مبنى على أصل إنكار المعجزات وخوارق العادات ، وقد مر الكلام فيها ولو جاز أمثال هذه التأويلات لم يبق للكلام ظهور ، ولا لبلاغة الكلام وفصاحتة أصل تتكي عليه وتقوم به.
  قوله تعالى : لعلكم تتقون ، لعل كلمة ترج واللازم في الترجي صحتة في الكلام سواء كان قائما بنفس المتكلم أو المخاطب أو بالمقام ، كان يكون المقام مقام رجاء وإن لم يكن للمتكلم والمخاطب رجاء فيه وهو لا يخلو عن شوب جهل بعاقبة الامر فالرجاء في كلامه تعالى إما بملاحظة المخاطب أو بملاحظة المقام ، وأما هو تعالى فيستحيل نسبة الرجاء إليه لعلمه بعواقب الامور ، كما نبه عليه الراغب في مفرداته.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 199 _
  قوله تعالى : كونوا قردة خاسئين أي صاغرين.
  قوله تعالى : فجعلناها نكالا أي عبرة يعتبر بها ، والنكال هو ما يفعل من الاذلال والاهانة بواحد ليعتبر به آخرون.
  قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) الخ ، هذه قصة بقرة بني اسرائيل ، وبها سميت السورة سورة البقرة ، والامر في بيان القرآن لهذه القصة عجيب فان القصة فصل بعضها عن بعض حيث قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ) إلى آخره ثم قال : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) ثم إنه أخرج فصل منها من وسطها وقدم أولا ووضع صدر القصة وذيلها ثانيا ، ثم إن الكلام كان مع بني اسرائيل في الآيات السابقة بنحو الخطاب فانتقل بالالتفات إلى الغيبة حيث قال : ( وإذ قال موسى لقومه ثم التفت إلى الخطاب ثانيا ) بقوله : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها.
  أما الالتفات في قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ، ففيه صرف الخطاب عن بني إسرائيل ، وتوجيهه إلى النبي في شطر من القصة وهو أمر ذبح البقرة وتوصيفها ليكون كالمقدمة الموضحة للخطاب الذي سيخاطب به بنو إسرائيل بقوله : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ، فقلنا إضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ، الآيتان في سلك الخطابات السابقة فهذه الآيات الخمس من قوله : وإذ قال موسى إلى قوله : وما كادوا يفعلون ، كالمعترضة في الكلام تبين معنى الخطاب التالي مع ما فيها من الدلالة على سوء ادبهم وإيذائهم لرسولهم ، برميه بفضول القول ولغو الكلام ، مع ما فيه من تعنتهم وتشديدهم واصرارهم في الاستيضاح والاستفهام المستلزم لنسبة الابهام إلى الاوامر الالهية وبيانات الانبياء مع ما في ، كلامهم من شوب الاهانة والاستخفاف الظاهر بمقام الربوبية فانظر إلى قول موسى ( عليه السلام ) لهم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وقولهم : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ، وقولهم ثانيا : ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ، وقولهم ثالثا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا ، فأتوا في الجميع بلفظ ربك من غير أن يقولوا ربنا ، ثم كرروا قولهم : ما هي وقالوا ان البقر تشابه علينا فادعوا التشابه بعد البيان ، ولم يقولوا : ان البقرة تشابهت علينا بل قالوا : إن البقر

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 200 _
  تشابه علينا كأنهم يدعون أن جنس البقر متشابه ولا يؤثر هذا إلاثر إلا بعض أفراد هذا النوع وهذا المقدار من البيان لا يجزي في تعيين الفرد المطلوب وتشخيصه ، مع ان التأثير لله عز إسمه لا للبقرة ، وقد أمرهم أن يذبحوا بقرة فاطلق القول ولم يقيده بقيد ، وكان لهم أن يأخذوا بإطلاقه ، ثم انظر إلى قولهم لنبيهم : أتتخذنا هزوا ، المتضمن لرميه ( عليه السلام ) بالجهالة واللغو حتى نفاه عن نفسه بقوله : أعوذ بالله أن اكون من الجاهلين ، وقولهم أخيرا بعد تمام البيان الالهي : الآن جئت بالحق ، الدال على نفي الحق عن البيانات السابقة المستلزم لنسبة الباطل إلى طرز البيان الالهى والتبليغ النبوي.
  وبالجملة فتقديم هذا الشطر من القصة لابانة الامر في الخطاب التالي كما ذكر مضافا إلى نكتة اخرى ، وهي أن قصة البقرة غير مذكورة في التوراة الموجودة عند اليهود اليوم فكان من الحري أن لا يخاطبوا بهذه القصة اصلا أو يخاطبوا به بعد بيان ما لعبت به أيديهم من التحريف ، فأعرض عن خطابهم اولا بتوجيه الخطاب إلى النبي ثم بعد تثبيت الاصل ، عاد إلى ما جرى عليه الكلام من خطابهم المتسلسل ، نعم في هذا المورد من التوراة حكم لا يخلو عن دلالة ما على وقوع القصة وهاك عبارة التوراة.
  قال في الفصل الحادي والعشرين من سفر تثنيه الاشتراع : إذا وجد قتيل في الارض التي يعطيك الرب إلهك لتمتلكها واقعا في الحقل لا يعلم من قتله يخرج شيوخك وقضاتك ويقيسون إلى المدن التي حول القتيل فالمدينة القريبة من القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تجر بالغير وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه ولم يزرع ويكسرون عنق العجلة في الوادي ثم يتقدم الكهنة بني لاوي لانه إياهم اختار الرب إلهك ليخدموه ويباركوا بإسم الرب وحسب قولهم تكون كل خصومة وكل ضربة ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي ويصرخون ويقولون أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر إغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب ولا تجعل دم برئ في وسط شعبك اسرائيل فيغفر لهم الدم نتهى.
  إذا عرفت هذا على طوله ، علمت أن بيان هذه القصة على هذا النحو ليس من قبيل

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 201 _
  فصل لقصة ، بل القصة مبينة على نحو الاجمال في الخطاب الذي في قوله : وإذ قتلتم نفسا الخ وشطر من القصة مأتية بها ببيان تفصيلي في صورة قصة اخرى لنكتة دعت إليه.
  فقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه خطاب للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو كلام في صورة قصة وانما هي مقدمة توضيحية للخطاب التالي لم يذكرمعها السبب الباعث على هذا الامر والغاية المقصودة منها بل اطلقت إطلاقا ليتنبه بذلك نفس السامع وتقف موقف التجسس ، وتنتشط إذا سمعت أصل القصة ، ونالت الارتباط بين الكلامين ، ولذلك لما سمعت بنو اسرائيل قوله : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تعجبوا من ذلك ولم يحملوه إلا على أن نبي الله موسى يستهزء بهم لعدم وجود رابطة عندهم بين ذبح البقرة وما يسألونه من فصل الخصومة والحصول على القاتل قالوا أتتخذنا هزوا وسخرية.
  وانما قالوا ذلك لفقدهم روح الاطاعة والسمع وإستقرار ملكة الاستكبار والعتو فيهم ، وقولهم : إنا لا نحوم حول التقليد المذموم ، وانما نؤمن بما نشاهده ونراه كما قالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وانما وقعوا فيما وقعوا من جهة استقلالهم في الحكم والقضاء فيما لهم ذلك ، وفيما ليس لهم ذلك فحكموا بالمحسوس على المعقول فطالبوا معاينة الرب بالحس الباصر وقالوا : ( يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) الاعراف ـ 138 ، وزعموا أن نبيهم موسى مثلهم يتهوس كتهوسهم ، ويلعب كلعبهم ، فرموه بالاستهزاء والسفه والجهالة حتى رد عليهم ، وقال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ، وانما استعاذ بالله ولم يخبر عن نفسه بأنه ليس يجاهل لان ذلك منه ( عليه السلام ) أخذ بالعصمة الالهية التي لا تتخلف لا الحكمة الخلقية التي ربما تتخلف.
  وزعموا أن ليس للانسان أن يقبل قولا إلا عن دليل ، وهذا حق لكنهم غلطوا في زعمهم أن كل حكم يجب العثور على دليله تفصيلا ولا يكفي في ذلك الاجمال ومن أجل ذلك طالبوا تفصيل أوصاف البقرة لحكمهم أن نوع البقر ليس فيه خاصة الاحياء ، فإن كان ولا بد فهو في فرد خاص منه يجب تعيينه بأوصاف كاملة البيان ولذلك قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ، وهذا تشديد منهم على أنفسهم من غير جهة فشدد الله عليهم ، وقال موسى إنه يقول إنها بقرة لا فارض ، إي ليست بمسنة إنقطعت

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 202 _
  ولادتها ولا بكر أي لم تلد عوان بين ذلك ، والعوان من النساء والبهائم ما هو في منتصف السن أي واقعة في السن بين ما ذكر من الفارض والبكر ، ثم ترحم عليهم ربهم فوعظهم أن لا يلحوا في السؤال ، ولا يشددوا على أنفسهم ويقنعوا بما بين لهم فقال : فافعلوا ما تؤمرون ، لكنهم لم يرتدعوا بذلك بل قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما لونها ، قال إنه يقول انها بقرة صفراء فاقع شديد الصفرة في صفاء لونها تسر الناظرين وتم بذلك وصف البقرة بيانا ، واتضح أنها ما هي وما لونها وهم مع ذلك لم يرضوا به ، وأعادوا كلامهم الاول ، من غير تحجب وانقباض وقالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا انشاء الله لمهتدون ، فأجابهم ثانيا بتوضيح في ماهيتها ولونها وقال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول أي غير مذللة بالحرث والسقي تثير الارض بالشيار ولا تسقي الحرث فلما تم عليهم البيان ولم يجدوا ما يسألونه قالوا الآن جئت بالحق قول من يعترف بالحقيقة بالالزام والحجة من غير أن يجد إلى الرد سبيلا ، فيعترف بالحق إضطرارا ، ويعتذر عن المبادرة إلى الانكار بأن القول لم يكن مبينا من قبل ، ولا بينا تاما ، والدليل على ذلك قوله تعالى : فذبحوها وما كادوا يفعلون.
  قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ، شروع في أصل القصة والتدارء هو التدافع من الدرء بمعنى الدفع فقد كانوا قتلوا نفسا ـ وكل طائفة منهم يدفع الدم عن نفسها إلى غيرها ـ واراد الله سبحانه إظهار ما كتموه ،
  قوله تعالى : فقلنا إضربوه ببعضها ، أول الضميرين راجع إلى النفس باعتبار أنه قتيل ، وثانيهما إلى البقرة وقد قيل : إن المراد بالقصة بيان أصل تشريع الحكم حتى ينطبق على الحكم المذكور في التورية الذي نقلناه ، والمراد بإحياء الموتى العثور بوسيلة تشريع هذا الحكم على دم المقتول ، نظير ما ذكره تعالى بقوله : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) البقرة ـ 179 ، من دون أن يكون هناك إحياء بنحو الاعجاز هذا ، وأنت خبير بأن سياق الكلام وخاصة قوله تعالى : فقلنا إضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتي يأبى ذلك.
  قوله تعالى : ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشد قسوة القسوة ، في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر وكلمة أو بمعنى بل ، والمراد بكونها بمعنى بل إنطباق معناه على موردها ،

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 203_
  وقد بين شده قسوة قلوبهم بقوله : وإن من الحجرة لما يتفجر منه الانهار وقوبل فيه بين الحجارة والماء لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلابة ككون الماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجر منها الانهار على لين مائها وتشقق فيخرج منها الماء على لينه وصلابتها ، ولا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحق ، ولا قول حق يلائم الكمال الواقع ، قوله تعالى : وإن منها لما يهبط من خشية الله ، وهبوط الحجارة ما نشاهد من إنشقاق الصخور على قلل الجبال ، وهبوط قطعات منها بواسطة الزلازل ، وصيرورة الجمد الذي يتخللها في فصل الشتاء مائا في فصل الربيع إلى غير ذلك ، وعد هذا الهبوط المستند إلى أسبابها الطبيعية هبوطا من خشية الله تعالى لان جميع الاسباب منتهية إلى الله سبحانه فإنفعال الحجارة في هبوطها عن سببها الخاص بها إنفعال عن أمر الله سبحانه إياها بالهبوط ، وهي شاعرة لامر ربها شعورا تكوينيا ، كما قال تعالى : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) اسرى ـ 44 ، وقال تعالى : ( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) البقرة ـ 116 ، والانفعال الشعوري هو الخشية فهي هابطة من خشية الله تعالى ، فالآية جارية مجرى قوله تعالى : ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) الرعد ـ 13 : وقوله تعالى : ( وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) الرعد ـ 15 ، حيث عد صوت الرعد تسبيحا بالحمد وعد الظلال ساجدة لله سبحانه إلى غير ذلك من الآيات التي جرى القول فيها مجرى التحليل كما لا يخفى.
  وبالجملة فقوله : وإن منها لما يهبط ، بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من الحجارة فإن الحجارة تخشى الله تعالى ، فتهبط من خشيتة ، وقلوبهم لا تخشى الله تعالى ولا تهابه.
  ( بحث روائي )
  في محاسن : عن الصادق ( عليه السلام ) : في قول الله خذوا ما آتيناكم بقوة ، أقوة

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 204 _
  لابدان أو قوة القلب ؟ قال ( عليه السلام ) : فيهما جميعا.
  أقول : ورواه العياشي أيضا في تفسيره.
  وفي تفسير العياشي ، عن الحلبي في قوله تعالى : وأذكروا ما فيه ، قال : قال أذكروا ما فيه وأذكروا ما في تركه من العقوبة.
  أقول : وقد استفيد ذلك من المقام من قوله تعالى : ورفعنا فوقكم الطور خذوا.
  وفي الدر المنثور : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لو لا أن بني إسرائيل قالوا وإنا إنشاء الله لمتهدون ما أعطوا أبدا ولو أنهم إعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لاجزات عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
  وفي تفسير القمي : عن إبن فضال قال : سمعت أبا الحسن ( عليه السلام ) يقول : إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وإنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدد الله عليهم.
  وفي المعاني وتفسير العياشي : عن البزنطي قال : سمعت الرضا ( عليه السلام ) يقول : إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى ان سبط آل فلان قتلوا فلانا فأخبر من قتله قال : إئتوني ببقرة قالوا : أتتخذنا هزوا ؟ قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم ، قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر يعني لا صغيرة ولا كبيرة عوان بين ذلك ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ولو أنهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم قالوا أدع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا وإنا إنشاء الله لمهتدون ، قال : إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ، قالوا الآن جئت بالحق فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال لا أبيعها إلا

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 205 _
  بملؤ مسك ذهبا ، فجاءوا إلى موسى وقالوا له ذلك قال إشتروها فاشتروها وجاؤا بها فأمر بذبحها ثم أمر إن يضربوا الميت بذنبها فلما فعلوا ذلك حيي المقتول وقال يا رسول الله إن إبن عمي قتلني ، دون من إدعى عليه قتلي ، فعلموا بذلك قاتله فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه إن هذه البقرة لها نبأ فقال وما هو ؟ قال إن فتى من بني إسرائيل كان بارا بابيه وإنه اشترى بيعا فجاء إلى أبيه والاقاليد تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره فقال أحسنت ، هذه البقرة فهي لك عوضا مما فاتك فقال له رسول الله موسى أنظر إلى البر ما بلغ بأهله.
  اقول : والروايات كما ترى منطبقة على إجمال ما استفدناه من الآيات الشريفة.
  ( بحث فلسفي )
  السورة كما ترى مشتملة على عدة من الآيات المعجزة ، في قصص بني إسرائيل وغيرهم ، كفرق البحر وإغراق آل فرعون في قوله تعالى : ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ) الآية ، وأخذ الصاعقة بني إسرائيل وإحيائهم بعد الموت في قوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ) الآية ، وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى عليهم في قوله تعالى : ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) الآية ، وإنفجار العيون من الحجر في قوله تعالى : ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ ) الآية ، ورفع الطور فوقهم في قوله تعالى : ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) الآية ، ومسخ قوم منهم في قوله تعالى : ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً ) الآية ، وإحياء القتيل ببعض البقرة المذبوحة في قوله : ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) الآية ، وكإحياء قوم آخرين في قوله ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ) الآية ، وكإحياء الذي مر على قرية خربة في قوله أو ( كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) الآية ، وكإحياء الطير بيد إبراهيم في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ) الآية ، فهذه إثنتا عشرة آية معجزة خارقة للعادة جرت أكثرها في بني إسرائيل ـ ذكرها القرآن ـ وقد بينا فيما مر إمكان وقوع المعجزة وأن خوارق العادات جائزة الوقوع في الوجود وهي مع ذلك ليست ناقضة لقانون العلية والمعلولية الكلي ، وتبين به أن

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 206 _
  لا دليل علي تأويل لآيات الظاهرة في وقوع الاعجاز ، وصرفها عن ظواهرها ما دامت الحادثة ممكنة ، بخلاف المحالات كإنقسام الثلثة بمتساويين وتولد مولود يكون أبا لنفسه ، فإنه لا سبيل إلى جوازها.
  نعم تختص بعض المعجزات كإحياء الموتى والمسخ ببحث آخر ، فقد قيل : إنه قد ثبت في محله أن الموجود الذي له قوة الكمال والفعلية إذا خرج من القوة إلى الفعل فإنه يستحيل بعد ذلك رجوعه إلى القوة ثانيا ، وكذلك كل ما هو أكمل وجودا فإنه لا يرجع في سيره الاستكمالي إلى ما هو أنقص وجودا منه من حيث هو كذلك ، والانسان بموته يتجرد بنفسه عن المادة فيعود موجودا مجردا مثاليا أو عقليا ، وهاتان الرتبتان فوق مرتبة المادة ، والوجود فيهما أقوى من الوجود المادي ، فمن المحال أن تتعلق النفس بعد موتها بالمادة ثانيا ، وإلا لزم رجوع الشئ إلى القوة بعد خروجه إلى الفعل ، وهو محال ، وأيضا الانسان أقوى وجودا من سائر أنواع الحيوان ، فمن المحال أن يعود الانسان شيئا من سائر أنواع الحيوان بالمسخ.
  أقول : ما ذكره من إستحاله رجوع ما بالقوة بعد خروجه إلى الفعل إلى القوة ثانيا حق لا ريب فيه ، لكن عود الميت إلى حيوته الدنيا ثانيا في الجملة وكذا المسخ ليسا من مصاديقه. بيان ذلك : أن المحصل من الحس والبرهان أن الجوهر النباتي المادي إذا وقعت في صراط الاستكمال الحيواني فإنه يتحرك إلى الحيوانية ، فيتصور بالصورة الحيوانية وهي صورة مجردة بالتجرد البرزخي ، وحقيقتها إدراك الشئ نفسه بإدراك جزئي خيالي وهذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتي وفعلية لهذه القوة تلبس بها بالحركة الجوهرية ومن المحال أن ترجع يوما إلى الجوهر المادي فتصير إياه إلا أن تفارق مادتها فتبقى المادة مع صورة مادية كالحيوان تموت فيصير جسدا لا حراك به ، ثم أن الصورة الحيوانية مبدأ لافعال إدراكية تصدر عنها ، وأحوال علمية تترتب عليها ، تنتقش النفس بكل واحد من تلك الاحوال بصدورها منها ، ولا يزال نقش عن نقش ، وإذا تراكمت من هذه النقوش ما هي متشاكلة متشابهة تحصل نقش واحد وصار صورة ثابتة غير قابلع للزوال ، وملكة راسخة ، وهذه صورة نفسانية جديدة يمكن أن يتنوع بها نفس حيوانى فتصير حيوانا خاصا ذا صورة خاصة منوعة كصورة المكر والحقد والشهوة والوفاء والافتراس وغير ذلك وإذا لم تحصل ملكة بقي النفس

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 207 _
  على مرتبتها الساذجة السابقة ، كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهرية بقي نباتا ولم يخرج إلى الفعلية الحيوانية ، ولو أن النفس البرزخية تتكامل من جهة أحوالها وأفعالها بحصول الصورة دفعة لانقطعت علقتها مع البدن في أول وجودها لكنها تتكامل بواسطة أفعالها الادراكية المتعلقة بالمادة شيئا فشيئا حتى تصير حيوانا خاصا إن عمر العمر الطبيعي أو قدرا معتدا به ، وإن حال بينه وبين استتمام العمر الطبيعي أو القدر المعتد به مانع كالموت الاخترامي بقي على ما كان عليه من سذاجة الحيوانية ، ثم أن الحيوان إذا وقعت في صراط الانسانية وهي الوجود الذي يعقل ذاته تعقلا كليا مجردا عن المادة ولوازمها من المقادير والالوان وغيرهما خرج بالحركة الجوهرية من فعلية المثال التي هي قوة العقل إلى فعلية التجرد العقلي ، وتحققت له صورة الانسان بالفعل ، ومن المحال أن تعود هذه الفعلية إلى قوتها التي هي التجرد المثالي على حد ما ذكر في الحيوان.
  ثم إن لهذه الصورة أيضا أفعالا وأحوالا تحصل بتراكمها التدريجي صورة خاصة جديدة توجب تنوع النوعية الانسانية على حد ما ذكر نظيره في النوعية الحيوانية.
  إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنا لو فرضنا إنسانا رجع بعد موته إلى الدنيا وتجدد لنفسه التعلق بالمادة وخاصة المادة التي كانت متعلقة نفسه من قبل لم يبطل بذلك أصل تجرد نفسه فقد كانت مجردة قبل انقطاع العلقة ومعها أيضا وهي مع التعلق ثانيا حافظة لتجردها ، والذي كان لها بالموت أن الاداة التي كانت رابطة فعلها بالمادة صارت مفقودة لها فلا تقدر على فعل مادي كالصانع إذا فقد آلات صنعته والدوات اللازمة لها ، فإذا عادت النفس إلى تعلقها الفعلي بالمادة أخذت في استعمال قواها وأدواتها البدنية ووضعت ما اكتسبتها من الاحوال والملكات بواسطة الافعال فوق ما كانت حاضرة وحاصلة لها من قبل واستكملت بها استكمالا جديدا من غير أن يكون ذلك منه رجوعا قهقرى وسيرا نزوليا من الكمال إلى النقص ، ومن الفعل إلى القوة.
  فان قلت : هذا يوجب القول : بالقسر الدائم مع ضرورة بطلانه ، فإن النفس المجردة المنقطعة عن البدن لو بقي في طباعها إمكان الاستكمال من جهة لافعال المادية بالتعلق بالمادة ثانيا كان بقائها على الحرمان من الكمال إلى الابد حرمانا عما تستدعيه بطباعها ، فما كل نفس براجعة إلى الدنيا بإعجاز أو خرق عادة ، والحرمان المستمر

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 208 _
  قسر دائم.
  قلت : هذه النفوس التي خرجت من القوة إلى الفعل في الدنيا واتصلت إلى حد وماتت عندها لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائما بل يستقر على فعليتها الحاضرة بعد حين أو تخرج إلى الصورة العقلية المناسبة لذلك وتبقى على ذلك وتزول الامكان المذكور بعد ذلك فالانسان الذي مات وله نفس ساذجة غير أنه فعل أفعالا وخلط عملا صالحا وآخر سيئا لو عاش حينا أمكن أن يكتسب على نفسه الساذجة صورة سعيده أو شقيه وكذا لو عاد بعد الموت إلى الدنيا وعاش أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورة خاصة جديدة وإذا لم يعد فهو في البرزخ مثاب أو معذب بما كسبته من الافعال حتى يتصور بصورة عقلية مناسبة لصورته السابقة المثالية وعند ذلك يبطل الامكان المذكور ويبقى إمكانات الاستكمالات العقلية فإن عاد إلى الدنيا كالانبياء والاولياء لو عادوا إلى الدنيا بعد موتهم أمكن أن يحصل صورة أخرى عقلية من ناحية المادة والافعال المتعلقة بها ولو لم يعد فليس له إلا ما كسب من الكمال والصعود في مدارجه ، والسير في صراطه ، هذا.
  ومن المعلوم أن هذا ليس قسرا دائما ولو كان مجرد حرمان موجود عن كماله الممكن له بواسطة عمل عوامل وتأثير علل مؤثرة قسرا دائما لكان أكثر حوادث هذا العالم الذي هو دار التزاحم ، وموطن التضاد أو جميعها قسرا دائما ، فجميع أجزاء هذا العالم الطبيعي مؤثرة في الجميع ، وإنما القسر الدائم أن يجعل في غريزة نوع من الانواع إقتضاء كمال من الكمالات أو إستعداد ثم لا يظهر أثر ذلك دائما إما لا مر في داخل ذاته أو لامر من خارج ذاته متوجه إلى إبطاله بحسب الغريزة فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعد للكمال تغريزا باطلا وتجبيلا هباء لغوا فافهم ذلك ، وكذا لو فرضنا إنسانا تغيرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير فإنما هي صورة على صورة ، فهو إنسان خنزير أو إنسان قردة ، لا إنسان بطلت إنسانيتة وخلت الصورة الخنزيرية أو القردية محلها ، فالانسان إذا كسب صورة من صور الملكات تصورت نفسه بها ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حد ما ستظهر في الآخرة بعد الموت ، وقد مر أن النفس

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 209 _
  الانسانية في أول حدوثها على السذاجة يمكن أن تتنوع بصورة خاصة تخصصها بعد الابهام وتقيدها بعد الاطلاق والقبول فالممسوخ من الانسان إنسان ممسوخ لا أنه ممسوخ فاقد للانسانية هذا ، ونحن نقرا في المنشورات اليومية من أخبار المجامع العلمية بأوربا وأمريكا ما يؤخذ جواز الحيوة بعد الموت ، وتبدل صورة الانسان بصورة المسخ ، وإن لم نتكل في هذه المباحث على أمثال هذه الاخبار ، لكن من الواجب على الباحثين من المحصلين أن لا ينسوا اليوم ما يتلونه بالامس.
  فإن قلت : فعلى هذا فلا مانع من القول بالتناسخ.
  قلت : كلا فإن لتناسخ وهو تعلق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر محال ، فإن هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلق نفسين ببدن واحد ، وهو وحدة الكثير ، وكثرة الواحد ، وإن لم تكن ذا نفس استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوة ، كرجوع الشيخ إلى الصبا ، وكذلك يستحيل تعلق نفس إنساني مستكملة مفارقة ببدن نبأتي أو حيواني بما مر من البيان.
  ( بحث علمي وأخلاقي )
  أكثر الا مم الماضية قصة في القرآن امة بني اسرائيل ، وأكثر الانبياء ذكرا فيه موسى بن عمران ( عليه السلام ) ، فقد ذكر اسمه في القرآن ، في مائة وستة وثلاثين موضعا ضعف ما ذكر إبراهيم ( عليه السلام ) الذي هو أكثر الانبياء ذكرا بعد موسى ، فقد ذكر في تسعة وستين موضعا على ما قيل فيهما ، والوجه الظاهر فيه أن الاسلام هو الدين الحنيف المبني على التوحيد الذي أسس أساسه إبراهيم ( عليه السلام ) وأتمه الله سبحانه وأكمله لنبيه محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال تعالى : ( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ) الحج ـ 78 ، وبنو إسرائيل أكثر الامم لجاجا وخصاما ، وأبعدهم من الانقياد للحق ، كما أنه كان كفار العرب الذين ابتلى بهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على هذه الصفة ، فقد آل الامر إلى أن نزل فيهم : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) البقرة ـ 6.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 210 _
  ولا ترى رذيلة من رذائل بني اسرائيل في قسوتهم وجفوتهم مما ذكره القرآن إلا وهو موجود فيهم ، وكيف كان فأنت إذا تأملت قصص بني اسرائيل المذكورة في القرآن ، وأمعنت فيها ، وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية ، فقد كانت هذه الامة لا تؤمن بما وراء الحس ، ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال المادي وهم اليوم كذلك ، وهذا الشأن هو الذي صير عقلهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة ، لا يعقلون إلا ما يجوزانه ، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس ، وإن كان حقا وانقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممن أوتي جمال المادة ، وزخرف الحياة وإن لم يكن حقا ، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا وفعلا ، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم ، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظ الحيوة ، وان كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية ، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم على مكثهم الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت إستذلال المصريين ، واسترقاقهم ، وتعذيبهم ، يسومونهم سوء العذاب ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربهم عظيم.
  وبالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم ، والربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم ( تذكر في ذلك مواقفهم مع موسى وغيره ) وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم.
  وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية التي اتحفها إليها عالم الغرب ، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية ، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الانسانية في أحكامهاو ارتحال المعارف العالية والاخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدد الانسانية بالانهدام ، وجامعة البشر بأشد الفساد وليعلمن نبأه بعد حين.
  واستيفاء البحث في الاخلاق ينتج خلاف ذلك ، فما كل دليل بمطلوب ، وما كل تقليد بمذموم ، بيان ذلك : أن النوع الانساني بما أنه إنسان إنما يسير إلى كماله

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 211 _
  الحيوي بأفعاله الارادية المتوقفة على الفكر والارادة منه مستحيلة التحقق إلا عن فكر ، فالفكر هو الاساس الوحيد الذي يبتني عليه الكمال الوجودي الضروري فلا بد للانسان من تصديقات عملية أو نظرية يرتبط بها كماله الوجودي ارتباطا بلا واسطة أو بواسطة ، وهي القضايا التي نعلل بها أفعالنا الفرديه أو الاجتماعية أو نحضرها في أذهاننا ، ثم نحصلها في الخارج بأفعالنا هذا.
  ثم إن في غريزة الانسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث ، أو يهاجم إلى ذهنه من المعلومات ، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلا إذا حضر في ذهنه علته الموجبة ، ولا يقبل تصديقا نظريا إلا إذا اتكئ على التصديق بعلته بنحو ، وهذا شأن الانسان لا يتخطاه البته ، ولو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمل والامعان تنحل الشبهة ، ويظهر البحث عن العلة ، والركون والطمأنينة إليها فطري ، والفطرة لا تختلف ولا يتخلف فعلها ، وهذا يؤدي الانسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكري والفعل المتفرع عليه لسعة الاحتياج الطبيعي ، بحيث لا يقدر الانسان الواحد إلى رفعه معتمدا على نفسه ومتكئا إلى قوة طبيعتة الشخصية فاحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع وهو المدينة والحضارة ووزعت أبواب الحاجة الحيوية بين أفراد الاجتماع ، ووكل بكل باب من أبوابها طائفة كاعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها وعائدتها في نفسه ، ولا تزال الحوائج الانسانية تزداد كمية واتساعا وتنشعب الفنون والصناعات والعلوم ، ويتربى عند ذلك الاخصائيون من العلماء والصناع ، فكثير من العلوم والصناعات كانت علما أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس ، واليوم نرى كل باب من أبوابه علما أو علوما أو صنعة أو صنائع ، كالطب المعدود قديما فنا واحدا من فروع الطبيعيات وهو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الاخصائيين بأزيد من أمر فن واحد منها.
  وهذا يدعو الانسان بالالهام الفطري ، أن يستقل بما يخصه من الشغل الانساني في البحث عن علته ويتبع في غيره من يعتمد على خبرته ومهارته.
  فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة وحقيقة هذا الاتباع ، والتقليد المصطلح والركون إلى الدليل الاجمالي فيما ليس في وسع الانسان

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 212 _
  أن ينال دليل تفاصيله كما أنه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله التفصيلي فيما يسعة أن ينال تفصيل علته و دليله ، وملاك الامر كله أن الانسان لا يركن إلى غير العلم ، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد ، وهو الاستقلال في البحث عن العلة فيما يسعه ذلك والتقليد وهو الاتباع ورجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يسعه ذلك ، ولما استحال إن يوجد فرد من هذا النوع الانساني مستقلا بنفسه قائما بجميع شؤون الاصل الذي يتكي عليه الحياة أستحال أن يوجد فرد من الانسان من غير اتباع وتقليد ، ومن ادعى خلاف ذلك أو ظن من نفسه انه غير مقلد في حيوته فقد سفه نفسه.
  نعم : التقليد فيما للانسان أن ينال علته وسببه كالاجتهاد فيما ليس له الورود عليه والنيل منه ، من الرذائل التي هي من مهلكات الاجتماع ، ومفنيات المدنية الفاضلة ولا يجوز الاتباع المحض إلا في الله سبحانه لانه السبب الذي إليه تنتهي الاسباب
  ( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ـ 75 ، ( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) ـ 76 ، ( أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) ـ 77 ، ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) ـ 78 ، ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) ـ 79 ، ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 213 _
  مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) ـ 80 ، ( بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ـ 81 ، ( وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ـ 82.
  ( بيان )
  السياق وخاصة ما في ذيل الآيات يفيد أن اليهود عند الكفار ، وخاصة كفار المدينة : لقرب دارهم منهم كانوا يعرفون قبل البعثة ظهيرا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعندهم علم الدين والكتاب ، ولذلك كان الرجاء في إيمانهم أكثر من غيرهم ، وكان المتوقع أن يؤمنوا به أفواجا فيتأيد بذلك ويظهر نوره ، وينتشر دعوته ، ولما هاجر النبي إلي المدينة وكان من أمرهم ما كان تبدل الرجاء قنوطا ، والطمع يأسا ، ولذلك يقول سبحانه : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم الخ ، يعني أن كتمان الحقائق وتحريف الكلام من شيمهم ، فلا ينبغي أن يستبعد نكولهم عما قالوا ونقضهم ما أبرموا.
  قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ، فيه التفات من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب النبي والذين آمنوا ووضعهم موضع الغيبة وكان الوجه فيه أنه لما قص قصة البقرة وعدل فيها من خطاب بني إسرائيل إلى غيبتهم لمكان التحريف الواقع فيها بحذفها من التورية كما مر ، اريد إتمام البيان بنحو الغيبة بالاشارة إلى تحريفهم كتاب الله تعالى فصرف لذلك وجه الكلام إلى الغيبة.
  قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا الخ ، لا تقابل بين الشرطين وهما مدخولا إذا في الموضعين كما في قوله تعالى : ( وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ ) البقرة ـ 14 ، بل المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم وجهالتهم.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 214 _
  احدهما : أنهم ينافقون فيتظاهرون بالايمان صونا لانفسم من الايذاء والطعن والقتل.
  وثانيهما : أنهم يريدون تعمية الامر وإبهامه على الله سبحانه العالم بسرهم وعلانيتهم وذلك أن العامة منهم ، وهم أولوا بساطة النفس ربما كانوا ينبسطون للمؤمنين ، فيحدثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبي أو ما ينفع المؤمنين في تصديق النبوة ، كما يلوح من لحن الخطاب فكان أولياؤهم ينهونهم معللا بأن ذلك مما فتح الله لهم ، فلا ينبغي أن يفشى للمؤمنين ، فيحاجوهم به عند ربهم كأنهم لو لم يحاجوهم به عند ربهم لم يطلع الله عليه فلم يؤاخذهم بذلك ولازم ذلك أن الله تعالى إنما يعلم علانية الامر ، دون سره وباطنه وهذا من الجهل بمكان ، فرد الله سبحانه عليهم بقوله : ( أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) الآية فإن هذا النوع من العلم ـ وهو ما يتعلق بظاهر الامر دون باطنه ـ إنما هو العلم المنتهي إلى الحس الذي يفتقر إلى بدن مادي مجهز بآلات مادية مقيد بقيود الزمان والمكان مولود لعلل اخرى مادية وما هو كذلك مصنوع من العالم لا صانع العالم.
  وهذا أيضا من شواهد ما قدمناه آنفا أن بني إسرائيل لاذعانهم باصالة المادة كانوا يحكمون في الله سبحانه بما للمادة من الاحكام ، فكانوا يظنونه موجودا فعالا في المادة مستعليا قاهرا عليه ، ولكن بعين ما تفعل علة مادية وتستعلي وتقهر على معلول مادي ، وهذا أمر لا يختص به اليهود ، بل هو شأن كل من يذعن باصالة المادة من المليين وغيرهم ، فلا يحكمون في ساحة قدسه سبحانه إلا بما يعقلون من أوصاف الماديات من الحيوة والعلم والقدرة والاختيار والارادة والقضاء والحكم وتدبير الامر وإبرام القضاء إلى غير ذلك ، وهذا داء لا ينجع معه دواء ، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يعقلون ، حتى آل الامر إلى أن استهزأ بهم من لا مسكة له في دينهم الحق ولا قدم له في معارفهم الحقة ، قائلا أن المسلمين يروون عن نبيهم ان الله خلق آدم على صورته وهم معاشر أمته يخلقون الله على صورة آدم ، فهؤلاء يدور امرهم بين أن يثبتوا لربهم جميع احكام المادة ، كما يفعله المشبهة من المسلمين أو من يتلو تلوهم وإن لم يعرف بالتشبيه ، أو لا يفهموا شيئا من أوصاف جماله ، فينفوا الجميع بارجاعها إلى السلوب قائلا أن ما يبين أوصافه تعالى من الالفاظ إنما يقع عليه بالاشتراك اللفظي

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 215 _
  فلقولنا : انه موجود ثابت عالم قادر حي معان لا نفهمها ولا نعقلها ، فاللازم إرجاع معانيها إلى النفي ، فالمعنى مثلا أنه ليس بمعدوم ، ولا زائل ، ولا جاهل ، ولا عاجز ولا ميت فاعتبروا يا أولي الابصار فهذا بالاستلزام زعم منهم بانهم يؤمنون بما لا يدرون ، ويعبدون ما لا يفهمون ، ويدعون إلى ما لا يعقلون ، ولا يعقله أحد من الناس ، وقد كفتهم الدعوة الدينية مؤنة هذه الاباطيل بالحق فحكم على العامة أن يحفظوا حقيقة القول ولب الحقيقة بين التشبيه والتنزيه فيقولوا : ان الله سبحانه شئ لا كالاشياء وأن له علما لا كعلومنا ، وقدرة لا كقدرتنا وحيوة لا كحيوتنا ، مريد لا بهمامة ، متكلم لا بشق فم ، وعلى الخاصة أن يتدبروا في آياته ويتفقهوا في دينه فقد قال الله سبحانه : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) الزمر ـ 9 ، والخاصة كما لا يساوون العامة في درجات المعرفة ، كذلك لا يساوونهم في التكاليف المتوجهة إليهم ، فهذا هو التعليم الديني النازل في حقهم لو أنهم كانوا يأخذون به.
  قوله تعالى : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أماني ، الامي من لا يقرأ ولا يكتب منسوب إلى الام لان عطوفة الام وشفقتها كانت تمنعها أن ترسل ولدها إلى المعلم وتسلمه إلى تربيتة ، فكان يكتفي بتربية الام ، والاماني جمع امنية ، وهي الاكاذيب ، فمحصل المعنى انهم بين من يقرأ الكتاب ويكتبه فيحرفه وبين من لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم من الكتاب الا اكاذيب المحرفين.
  قوله تعالى : فويل للذين يكتبون ، الويل هو الهلكة والعذاب الشديد والحزن والخزى والهوان وكل ما يحذره الانسان اشد الحذر والاشتراء هو الابتياع.
  قوله تعالى : فويل لهم مما كسبت أيديهم وويل لهم الخ ، الضمائر إما راجعة إلى بني اسرائيل أو لخصوص المحرفين منهم ولكل وجه وعلى الاول يثبت الويل للاميين منهم أيضا.
  قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته الخ ، الخطيئة هي الحالة الحاصلة للنفس من كسب السيئة ، ولذلك أتي باحاطة الخطيئة بعد ذكر كسب

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 216 _
  السيئة وإحاطة الخطيئة توجب ان يكون الانسان المحاط مقطوع الطريق إلى النجاة كان الهداية لاحاطة الخطيئة به لا تجد إليه سبيلا فهو من أصحاب النار مخلدا فيها ولو كان في قلبه شئ من الايمان بالفعل ، أو كان معه بعض ما لا يدفع الحق من الاخلاق والملكات ، كالانصاف والخضوع للحق ، أو ما يشابههما لكانت الهداية والسعادة ممكنتي النفوذ إليه ، فإحاطة الخطيئة لا تتحقق الا بالشرك الذي قال تعالى فيه : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) النساء ـ 48 ، ومن جهة اخرى إلا بالكفر وتكذيب الآيات كما قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة ـ 39 ، فكسب السيئة وإحاطة الخطيئة كالكلمة الجامعة لما يوجب الخلود في النار.
  واعلم أن هاتين الآيتين قريبتا المعنى من قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ ... الخ ) البقرة ـ 62 ، وانما الفرق أن الآيتين أعني قوله : بلى من كسب سيئة ، في مقام بيان ان الملاك في السعادة انما هو حقيقة الايمان والعمل الصالح دون الدعاوي والآيتان المتقدمتان أعني قوله : ( إن الذين آمنوا الخ ، في مقام بيان أن الملاك فيها هو حقيقة الايمان والعمل الصالح دون التسمي بالاسماء.
  ( بحث روائي )
  في المجمع : في قوله وإذا لقوا الذين الآية ، عن الباقر ( عليه السلام ) قال : كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فنهى كبراءهم عن ذلك وقالوا لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيحاجوهم به عند ربهم فنزلت هذه الآية.
  وفي الكافي عن أحدهما ( عليهما السلام ) في قوله تعالى : بلى من كسب سيئة ، قال : إذا جحدوا ولآية أمير المؤمنين فاؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
  اقول : وروي قريبا من هذا المعنى الشيخ في اماليه عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والروايتان من الجرى والتطبيق على المصداق ، وقد عد سبحانه الولاية حسنة في

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 217 _
  قوله : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) الشوري ـ 23 ، ويمكن أن يكون من التفسير لما سيجئ في سورة المائدة أنها العمل بما يقتضيه التوحيد وانما نسب إلى علي ( عليه السلام ) لانه أول فاتح من هذه الامة لهذا الباب فانتظر.
  ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ ) ـ 83 ، ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ) ـ 84 ، ( ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا ) ـ 85 ، ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) ـ 86 ، ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 218 _
  وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) ـ 87 ، ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ) ـ 88 .
  ( بيان )
  قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) ، الآية في بديع نظمها تبتدئ أولا بالغيبة وتنتهي إلى الخطاب حيث تقول : ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ، ثم إنها تذكر أولا الميثاق وهو أخذ للعهد ، ولا يكون إلا بالقول ، ثم تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدئ فيه بالخبر ، حيث تقول : لا تعبدون إلا الله ، وتختتم بالانشاء حيث تقول وقولوا للناس حسنا إلخ. ولعل الوجه في ذلك كله أن الآيات المتعرضة لحال بني إسرائيل لما بدئت بالخطاب لمكان إشتمالها على التقريع والتوبيخ وجرت عليه كان سياق الكلام فيها الخطاب ثم لما تبدل الخطاب بالغيبة بعد قصة البقرة لنكتة داعية إليها كما مر حتى انتهت إلى هذه الآية ، فبدئت أيضا بالغيبة لكن الميثاق حيث كان بالقول وبنى على حكايته حكي بالخطاب فقيل : لا تعبدون إلا الله إلخ ، وهو نهى في صورة الخبر. وإنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به ، كأن الناهي لا يشك في عدم تحقق ما نهى عنه في الخارج ، ولا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه ، فلا يوقع الفعل قطعا وكذا قوله : وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين ، كل ذلك أمر في صورة الخبر.
  ثم إن الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل الكلام ، وهو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله : وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة ثم توليتم الخ وانتظم بذلك السياق.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 219 _
  قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا ، امر أو خبر بمعنى الامر والتقدير واحسنوا بالوالدين إحسانا ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، أو التقدير : وتحسنون بالوالدين إحسانا الخ ، وقد رتب موارد إلاحسان أخذا من الاهم والاقرب إلى المهم والابعد فقرابة الانسان أقرب إليه من غيرهم ، والوالدان وهما الاصل الذي تتكي عليه وتقوم به شجرة وجوده أقرب من غيرهما من الارحام وفي غير القرابة أيضا اليتامى احق بالاحسان لصغرهم وفقدهم من يقوم بأمرهم من المساكين ، هذا وقوله : واليتامى ، اليتيم من مات أبوه ولا يقال لمن ماتت أمه يتيم ، وقيل اليتيم في الانسان إنما تكون من جهة الاب وفي غير الانسان من سائر الحيوان من جهة الام وقوله تعالى : والمساكين ، جمع مسكين وهو الفقير العادم الذليل ، وقوله تعالى : حسنا مصدر بمعنى الصفة جئ به للمبالغة ، وفي بعض القرائات حسنا ، بفتح الحاء والسين صفة مشبهة ، والمعنى قولوا للناس قولا حسنا ، وهو كناية عن حسن المعاشرة مع الناس ، كافرهم ، ومؤمنهم ولا ينافي حكم القتال حتى تكون آية القتال ناسخة له لان مورد القتال غير مورد المعاشرة فلا ينافي الامر بحسن المعاشرة كما أن القول الخشن في مقام التأديب لا ينافي حسن المعاشرة.
  قوله تعالى : لا تسفكون دماءكم ، خبر في معنى الانشاء نظير ما مر في قوله : لا تعبدون الا الله ، والسفك الصب.
  قوله تعالى : تظاهرون عليهم ، التظاهر هو التعاون ، والظهير العون مأخوذ من الظهر لان العون يلي ظهر الانسان.
  قوله تعالى : وهو محرم عليكم إخراجهم ، الضمير لاشان والقصة كقوله تعالى : قل هو الله أحد.
  قوله تعالى أفتؤمنون ببعض الكتاب ، أي ما هو الفرق بين الاخراج والفدية حيث أخذتم بحكم الفدية وتركتم حكم الاخراج وهما جميعا في الكتاب ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.
  قوله تعالى : وقفينا ، التقفية الاتباع وإتيان الواحد قفأ الواحد.
  قوله تعالى : وآتينا عيسى بن مريم البينات ، سيأتي الكلام فيه في سورة آل عمران.

الميزان في تفسير القران (الجزء الاول) _ 220 _
  قوله تعالى : وقالوا قلوبنا غلف جمع أغلف من الغلاف أي قلوبنا محفوظة تحت لفائف وأستار وحجب ، فهو نظير قوله تعالى : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ) حم سجدة ـ 5 ، وهو كناية عن عدم امكان استماع ما يدعون إليه.
  بحث روائي
  في الكافي عن أبي جعفر ( عليه السلام ) : في قوله تعالى : ( وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ) الآية ، قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم.
  وفي الكافي أيضا عن الصادق ( عليه السلام ) قال : قولوا للناس ولا تقولوا الا خيرا حتى تعلموا ما هو.
  وفي المعاني عن الباقر ( عليه السلام ) قال : قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم ، فإن الله عزوجل يبغض السباب اللعان الطعان على المؤمنين الفاحش المفحش السائل ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف.
  أقول : وروي مثل الحديث في الكافي بطريق آخر عن الصادق ( عليه السلام ) وكذا العياشي عنه ( عليه السلام ) ومثل الحديث الثاني في الكافي عنه ، ومثل الحديث الثالث العياشي عن الباقر ( عليه السلام ) وكأن هذه المعاني أستفيدت من اطلاق الحسن عند القائل واطلاقه من حيث المورد.
  وفي تفسير العياشي عن الصادق ( عليه السلام ) قال : ان الله بعث محمدا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بخمسة أسياف فسيف على أهل الذمة.
  قال الله : وقولوا للناس حسنا ، نزلت في أهل الذمة ثم نسختها أخرى قوله : ( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) الحديث.
  أقول : وهو منه ( عليه السلام ) أخذ بإطلاق آخر للقول وهو شموله للكلام ولمطلق التعرض ، يقال لا تقل له الا حسنا وخيرا أي لا تتعرض له الا بالخير والحسن ، ولا تمسسه الا بالخير والحسن ، ان كان النسخ في قوله ( عليه السلام ) هو النسخ بالمعنى الاخص