4 ـ القسم الرابع
  هم الذين دخلوا التشيع مع التيار الذي صنعه الحكام وأعلنوا ضرورة العدول إلى مذهب الشيعة وهؤلاء قلة يعتد بها وقد تظاهرت بذلك لأنّه لا يمكن للعقائد أن تفرض فرضاً وذلك حينما أعلن خدابنده ثم الصفويون في بداية القرن العاشر رسمية المذهب الشيعي وذلك مثلما حدث لديار بكر وربيعة التي كانت شيعية أيام الحمدانيين ثم حولهم الحكام إلى سنة ، وكما حدث لمصر بعد حكم الفاطميين إذ حولت إلى سنية أيام الأيوبيين وكما حدث ذلك لكثير من البلدان ، ولست أزعم أنّه لا يوجد من قد يكون دخل التشيع وله أهداف غير سليمة وليس ذلك بذنب للتشيع فكثير من اليهود دخلوا الإِسلام وتظاهروا بذلك وفي نفوسهم أهداف خبيثة ولا نعتبر الإِسلام مسؤولاً عن ذلك كا أنّ هذه الفصيلة التي تدخل الإِسلام أو التشيع ولها أهداف مسمومة لا تعدو أصابع اليد ولا تشكل خطراً بدليل أنّ جوهر الإِسلام محفوظ رغم وجود أمثال هؤلاء ، ولي س من المنطق في شيءٍ أن ننتزع حكماً عاماً على مذهب من المذاهب لأنّ بعض الأفراد المندسين فيه عرفوا بنظريات هدامة ، لا سيما إذا كانت اُسس المذهب واضحة لا تلتقي مع المندسين بشكل من الأشكال ، فالإِصرار على تحمل مذهب مسؤولية فعل فرد مندس فيه عملية إما أن تكون مشبوهة وغير نظيفة وإما أن تكون بلهاء لا تتصرف بمقاييس .



  قبل الولوج في صلب الموضوع لابد من الإِشارة إلى نقاط يتعين البدء بها تجنباً عن الخلط الذي يقع فيه كثير من الباحثين لسبب أو آخر وينتهي الأمر إلى التجنّي على الحقائق وإلى الخلط وإلى أقوال هي بالهزل أشبه منها بالجد .

هوية التشيع _ 95 _

  والمؤسف أنّ مثل هذه الأقوال الهزيلة بقيت مع تاريخ كأنّها حقائق مقدسة وكأنّها مسلّمات لا تقبل النقاش يأخذها المتأخرون من المتقدمين بدون الرجوع إلى تمحيص أو إلى مقاييس ، فما أعظم مسؤولية هؤلاء الذين رحلوا وخلفوا هذه التركة الموبوءة وهذا الزاد المسموم الذي ابتلي به المسلمون والله المستعان على الخلاص منه وهاهنا نقاط سنجعلها توطئة لهذا العنوان حتى إذا دخلناه فعلى بصيرة .
  1 ـ النقطة الاُولى : إنّ الشيعة الذين أكتب عنهم هنا وأذكر آراءهم أو أدافع عما ينسب لهم هم الإِمامية الإِثنا عشرية الذين يؤلفون الجمهور الشيعي اليوم والذين تملأ كتبهم مكتبات العالم وإن شئت فقل الذين تعيش أفكارهم فعلاً وتتجسد في سلوك حيّ، وتدوّن اراؤهم فعلاً في الفقه والعقائد والتاريخ ، ولست أتكلم عمن يسمى شيعياً لغة لأنّه ذهب إلى تفضيل عليٍّ ( عليه السلام ) على غيره فعرف بالتشيع من أجل ذلك وما عدى ذلك فليس له مضمون عقائدي أو فقهي في أبعاد التشيع ، فهناك من سمي شيعياً وليس له من مضمون إلا أنّه يعتقد أنّ علياً أفضل من غيره وأنّه حيّ لم يمت انقرض هؤلاء الأشخاص من الوجود وهناك من يعدهم فرقة شيعية إلى الآن ، إنّ مثل هذا القول يضحك ويبكي، فهو يضحك لأنّ مثل هؤلاء الأفراد يسمون فرقة ، وبيكي لأنّ المسلمين وصل بهم الإسفاف إلى حد جعلهم يلتمسون أمثال هذه الحالات للتهريج بعضهم على بعض. ودعني أضرب لك مثلاً في مثل هذا الموضوع فانتبه له : فقد ذكر الرازي في كتابه اعتقادات فرق المسلمين : أنّ من فرق الشيعة فرقة الكاملية وقال عنها ما يلي بالحرف الواحد : وهم يزعمون أنّ الصحابة كلهم كفروا إذ فوضوا الأمر إلى أبي بكر ، وكفر عليّ حيث لم يحارب أبا بكر ، إنّ هؤلاء الأشخاص الذين لم يبين الرازي موقعهم ولا عددهم هم فرقة في نظره وكل مضمونهم الفكري هذه الكلمات الأربعة ، ثم انّهم يكفرون الإِمام علياً وهم مع ذلك شيعة في نظر الرازي ، هل سمعت بالأكوس عريض اللحية ، إنّه هؤلاء هل رأيت هذا التناقض شيعي يتشيع لعليٍّ وهو بكفّر علياً ، هل رأيت الخصومة كيف تنسي الإِنسان حتى البدهيات ، وأي إنسان إنّه الرازي صاحب العقلية الكبيرة ومع ذلك يصل إلى حد هذا الإِسقاف اللهم إنا نعوذ بك الخذلان فراجع ما كتبه الرازي عن هذه الفرقة ونظائرها وقف بنفسك على هذا التناقض (1) .
  2 ـ النقطة الثانية : إنّ بعض ما يسميه كتاب الفرق بأنّه فرقة قد لا يتجاوز فرداً واحداً له رأي شاذ ، وقد لا يتجاوز عدد أفراد الفرقة على أحسن الفروض عشرة أفراد ، وقد يكونون منقرضين لا يوجد لهم أثر إلا في مخيلة البعض أو في وريقات من كتب مهجورة ، فماذا تكون نسبة مثل هؤلاء إلى الاّمة حتى يسمون فرقة .

---------------------------
(1) اعتقادات فرق المسلمين ص60 .

هوية التشيع _ 96 _

  هذا من ناحية ، ومن ناحية اُخرى إذا كانت كل فرقة تؤاخذ برأي فرد شاذ منها ويسمى ذلك الشاذ فرقة فإنّ كل فرد اُمة برأسه فلا يوجد شخص ليس له ما يمتاز به عن غيره في بعض الآراء السليمة ، أما الآراء الشاذة فما دامت لا تعد من الآراء السائدة والمتعارف عليها عند الفرقة فلا تعتبر من آرائها وقد بادت بعض الفرق ومع ذلك فلا تزال آراؤهم تلقى على بعض من يعيش اليوم مع أنّه بريء منها .
3 ـ النقطة الثالثة
  يتحتم على كل كاتب إذا أراد أن يكون لرأيه وزن أن يشعر بمسؤولية الكلمة لما يترتب على الكلمة من آثار ولوازم ها خطرها وفعلها في المجتمع، فلا بد حين الكتابة من أن يعتمد على مصادر الفئة نفسها التي يكتب عنها على أن يكون ذلك المصدر أو الكتاب من الكتب المعتبرة عند الفئة والمتسالم عليها أنّها تمثل الفئة وتشكل محصل آرائهم وجماع مذهبهم كالصحاح عند السنة والصحاح عند الشيعة فيما تسالموا عليه من رواياتها واعترفوا بصحته لا كل مايرد فيها فإنّ في كتب الصحاح عند الفرقين ما لا يعترف به (1) ، كل ذلك مع اعتقاد الموضوعية والبحث عن الحقيقة ، فضلاً عن أن يكتب الباحث عن فرقة ويكون مصدره في البحث عنها من مؤلفات خصومها ، وليت الخصوم الذين يستند إليهم ممن يعرف بالصدق والإِستقامة ولكنّهم يستندون إلى أقوال من عرف بالموضع والإِفتعال وعدم التحرج فيرسلون رأيه إرسال المسلمات ويرتبون على كلامه كل الوازم لتلك الكلمات ، وهذا وضع من شأنه أن يسقط كل أمثال هذه الكتب عن الإِعتبار فمتى كان الكذب والوضع مصدراً عن أحوال الناس والله تعالى نهانا عن تصديق الفاسقين .

---------------------------
(1) دراسات في الكافي والصحيح لهاشم معروف طبعة بيروت الأولى .

هوية التشيع _ 97 _

  4 ـ النقطة الرابعة : أن يكون الكتاب الذي يؤخذ مصدراً من الكتب ذات الإِختصاص بموضوعه فلا يمكن أخذ رأي فقهيّ لبعض الفرق من كتاب أدب أو قصص ولا تؤخذ عقيدة فئة من ديوان شعر كما رأينا البعض يفعله فإنّ لكل فرع من فروع المعرفة كتباً تختص به فينبغي الرجوع إليها إذا كنا نتوخى الدقة فيما نكتب وإلا فإنّ ما نكتبه سوف لا يوصف بالعملية ، إنّ الملاحظ أنّ كتب الأدب عندنا تحفل بالآراء العقائدية والفقهية ويتخذها كثير من الكتاب مصدراً عما يكتبه من عقائد وأحكام الفرق ، ولست اُريد أن أقول إن جميع كتب الأدب عندنا لا يعتمد عليها كلا ، وإنّما المقصود أنّ الكتب ذات الإِختصاص تكون ألصق بموضوعها وأكثر إحاطة وبذلك توفر مصدراً موثوقاً .
  5 ـ النقطة الخامسة : إنّ معالجات كتاب الفرق فيما يقومون به من تقييم للفرق هي معالجات غير علمية وذلك لأن المفروض أن تكون العقائد والأحكام عند الفرق مصدرها واحداً من مصادر التشريع المعترف بها والتي تقرها الشريعة كالكتاب والسنة والإِجماع وغيرها ، فإذا ذهب الشيعة مثلاً إلى نظرية التعيين في الخلافة وأوردوا دليلاً من الكتاب أو السنة فينبغي النظر إلى دليلهم فإذا كان الدليل مستوفياً لشروط الصحة فيها وإلا نوقش الدليل علمياً ، لا أن يقال: إنّ الفرس يرون لملوكهم حقاً إلهياً بالحكم وبما أنّ الشيعة يقولون بالنص لا الشورى فهم قد أخذوا ذلك من الفرس إنّ مثل هذا المنطق لا يصدر عن عقلية ناضجة فمتى كان مجرد الإِلتقاء مع الآخرين بنظرية معناه الأخذ منهم ، إنّ الإِسلام مثلاً يذهب إلى التأميم في حالات معينة إذا توقفت المصلحة العامة على ذلك والشوعية تذهب إلى التأميم فهل معنى ذلك أنّ الإِسلام شيوعي أو الشيوعية إسلام لأنّها التفت مع الإِسلام في موضوع معين ، إنّي أطلب من قارئ الكتاب أن يعود إلى كتب الفرق فإذا وجد فيها منطقاً غير هذا المنطق فليقل ماشاء ، إنّ معظم أدلة ابن حزم والشهرستاني وابن عبد ربه الأندلسي ومن لف لفهم من هذا النمط ، وبعضهم يصدر فتاوى بدون دليل وبدون شبهة من دليل وإنّما هي مجرد استحسان انقدح في نفسه فأراد أن يدونه بدون مسؤولية ، ودعني أضرب لك مثلاً واحداً ذلك هو أنّ المستشرق و لهوزن ذكر أنّ أصل الشيعة يهودي ، واستند في ذلك إلى قول نسب للشعبي وقد نقله أصحاب كتب الفرق ابن حزم والشهرستاني وابن عبد ربه الأندلسي والقول المنسوب للشعبي هو :

هوية التشيع _ 98 _

  قول للشعبي : قال الشعبي اُحذرك الأهواء المضلة : شرّها الرافضة فإنّها يهود هذه الاُمة يبغضون الإِسلام كما يبغض اليهود النصرانية ولم يدخلوا الإِسلام رغبة ولا رهبة من الله إنّ محبة الرافضة محبة اليهود قالت اليهود لا يكون الملك إلا في آل داود وقال الرافضة لا يكون الملك إلا في آل عليٍّ ، وقالت اليهود لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح ، وقالت الرافضة لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي ، واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم وكذلك الرافضة إنتهى بتلخيص (1) تعقيبان هذه القصة استعرضها الدكتور عرفان عبد الحميد في كتابه دراسات في الفرق وعقب عليها ناقداً ومزيفاً بالاُمور التالية :
  أولاً : إنّ العقد الفريد وتاريخ الطبري هي كتب أدب وتاريخ وليست كتب عقائد .
  وثانياً : إنّ الطبري استند في هذه الرواية إلى سيف بن عمر وهو كذاب متهم بالوضع وقد نصت على كذبه كتب الجرح والتعديل ولم تأخذ بأقواله في شيء .
  أ ـ سؤال عن أنّه هل لليهود صلاة يشترط فيها وقت الغروب ؟ هذا من جانب والجانب الآخر هذه الكتب الشيعة كافة في الفقه وأنا أتحدى من يجد فيها رأياً واحداً يذهب إلى أنّ وقت صلاة المغرب عند اشتباك النجوم وإنّما إجماعهم أنّه بعد غروب الشمس مباشرة ويحتاطون فيشترط بعضهم ذهاب الحمرة المشرقية فليراجع القارئ أي كتاب فقه من كتبهم .

---------------------------
(1) العقد الفريد 2/409 .

هوية التشيع _ 99 _

  ب ـ أما الجهاد فإنّ باب الجهاد في كل كتب الشيعة كفيل بالرد على هذه الفرية فإنّ حكم الجهاد عندهم أنّه قائم في كل وقت بشروطه كما هو عند سائر الفرق الإِسلامية (1) .
  ج ـ أما كون الخلافة عندهم في آل عليٍّ فليس ذلك منهم وإنّما هو استناد إلى أدلة الكتاب والسنة وقد تقدم بعضها وسيرد قسم آخر منها فينبغي النظر في أدلتهم والحكم عليها هل هي تامة أم لا ، ثم ينبغي توجيه هذا الإِنتقاد للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) لأنّه قال : الأئمة من قريش ، كما يذهب لذلك جمهور المسلمين إنّ هذا النمط من الكلام يوقفك على عقلية هؤلاء الكتّاب الذين يكتبون عن الشيعة ومصدرهم قول وهمي ينسب إلى شخص قبل ألف سنة وبين أيديهم مصادر الشيعة ولا يرجعون إليها فما تسمي هذا ؟ وبعد هذا الإِستطراد نعود للهوية العقائدية عند الشيعة إنّها لا تختلف بشيءٍ عما عند باقي فرق المسلمين إلا اذا استثنينا موضوع الإِمامة وما يتصل به من صفات الإِمام أما باقي نقاط الخلاف التي يفترق بها الشيعة عن باقي فرق المسلمين فإنّ ما بين المذاهب الأربعة أنفسهم من نقاط الخلاف أضعاف ما يوجد بين السنة والشيعة بل إنّ علماء المذهب الواحد وفقهائهم بينهم من الحلاف أكثر مما بين الشيعة والسنة بدون مبالغة ، وربما يرد علينا ما يؤيد هذه الدعوى خلال البحث في فقرات قادمة ، عقائدهم بأقلامهم سأذكر هنا جملاً قصيرة عما كتبه علماء الشيعة أنفسهم عن آرائهم الدينية وعقائدهم لتكون مجرد مؤشر لمن يريد التوسع ويبحث عن الحقيقة بعيداً عن الأهواء والعواطف .

---------------------------
(1) انظر دراسات في الفرق والعقائد : ص30 .

هوية التشيع _ 100 _

1 ـ ابن بابويه القمي
  وكتابه « عقائد الشيعة » من الكتب الرائدة في هذا الميدان وقد ضمنه كل عقائد الشيعة بدون مواربة لذا كان كتابه من المصادر التي يرجع إليها بالإِضافة إلى أنّ الرجل من أساطين المذهب وعمالقة الطائفة ، وهذه نبذة عما كتبه عن عقيدة الإِمامية بالاُلوهية قال : إعتقادنا بالتوحيد : أنّ الله تعالى واحد ليس مثله شيء قديم لم يزل ولا يزال سميعاً بصيراً حكيماً حياً قيوماً عزيزاً قدوساً عالماً قادراً ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ، خارج عن الحدين حد الإِبطال وحد التشبيه ، واعتقادنا في القرآن : أنّه كلام الله ووحيه وتنزيله وكتابه وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس بأكثر من ذلك ومن نسب إلينا أنا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب ـ، هذا ما كتبه ابن بابويه الذي عاش وسط القرن الرابع وتوفي سنة 381 هـ (2) .

2 ـ الشيخ المفيد محمد بن النعمان قال في « أوائل المقالات »
  إنّ الله ( عز وجل ) واحد في الإِلهية والأزلية لا يشبهه شيء وا يجوز أن يماثله شيء وإنّه فرد في المعبودية لا ثاني له فيها على الوجوه كلها والأسباب ، على هذا إجماع أهل التوحيد إلا من شذ من أهل التشبيه ، وإنّ الله ( عز وجل ) حيّ لنفسه لا بحياة ، وعالم لنفسه لا كما ذهب إليه المشبهة وقادر لنفسه ، وأقول إنّ القرآن كلام الله ووحيه وإنّه محدث كما وصفه الله تعالى ، وأمنع من إطلاق القول عليه بأنّه مخلوق ، وإنّ الله عالم بكل ما يكون قبل كونه ، وانه لا حادث إلا وقد علمه قبل حدوثه ، ولا معلوم وممكن أن يكون معلوماً إلا وهو عالم بحقيقته ، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء لهذا اقتضت دلائل العقول والكتاب المسطور .

---------------------------
(1) دراسات في عقائد والفرق الإِسلامية ص18 .

هوية التشيع _ 101 _

  ثم تحدّث الشيخ المفيد وأشار إلى قول من يدعي أنّ القرآن حذف منه شيء فأوّل هذا القول بأنّ المحذوف هو الشروح والتفسيرات ولا شيء من أصل القرآن محذوف وذكر أنّه من الذاهبين إلى هذا الرأي فقال في ذلك : وقال جماعة من أهل الإِمامة إنّه لم ينقص من آية ولا من كلمة ولا من سورة ولكن حذف ما كان مصحف عليٍّ من تأويله ، وتفسير معانيه على حقيقة تنزله ، وذلك كان ثابتاً وإن لم يكن من كلام الله تعالى وقد يسمى تأويل القرآن قرآناً ، قال الله تعالى : ـ ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) (1) فقد سمى تأويل القرآن قرآناً ، وعندي أنّ هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم نفس القرآن (2).

3 ـ السيد محسن الأمين العاملي
  قال وعقيدة الشيعة أنّ كل من شك في وجود الباري أو وحدانيته ، أو نبوة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) أو جعل له شريكاً في النبوة فهو خارج عن دين الإِسلام ، وكل من غالى في أحد من الناس من أهل البيت أو غيرهم وأخرجه عن درجة العبودية لله تعالى ، وأثبت له نبوة أو مشاركة فيها ، أو شيئاً من صفات الإِلهية فهو خارج عن ربقة الإِسلام ، والشيعة يبرأون من جميع الغلاة والمفوضة وأمثالهم ، إنتهى بتلخيص (3) .

4 ـ محمد رضا المضفر قال
  نعتقد أنّ الله واحد ليس كمثله شيء قديم لم يزل ولا يزال الأول والآخر ، عليم حكيم عادل قادر حيّ غنيّ سميع بصير لا يوصف بما توصف به المخلوقات ، ونعتقد بأنّه يجب توحيد الله تعالى من جميع الجهات بأنّه واحد في ذلك وصفاته عين ذاته ، وكذلك يجب توحيده في العبادة ، ونعتقد أنّ النبوة وظيفة إلهية وسفارة ربانية يجعلها الله لمن يختاره من عباده الصالحين فيرسلهم إلى سائر الناس لإِرشادهم ، ونعتقد أنّ الإِمامة أصل من اُصول الدين لا يتم الإِيمان إلا بالاعتقاد بها ، ويجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوة ، وهي كالنبوة لطف الله تعالى ، ونعتقد أنّ القرآن هو الوحي الإِلهي المنزل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم ، لا يعتربه التبديل والتغيير والتحريف ، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط وكلهم على غير هدى فإنّه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (4).

---------------------------
(1) أعيان الشيعة للأمين 1/91 .
(2) عقائد الإِمامية للمظفر ص43 فصاعداً .
(3) سورة طه آية 114 .
(4) أوائل المقالات للمفيد ص53 إلى آخر الفصل .

هوية التشيع _ 102 _

  هذه أربع مقتطفات أوردتها بتلخيص لتكون مؤشراً لمن يريد التوسع في معرفة عقائد الشيعة وليرجع إلى المؤلفات في ذلك وراعيت فيها أن تكون ممتدة على أبعاد التاريخ الشيعي فإنّ اثنين ممن ذكرتهم وهما الصدوق والمفيد عاشا في القرن الرابع أما الآخران فقد عاشا في القرن الرابع عشر ، ومن المضحك حقاً بأن نسجل أننا قوم مسلمون ولكنّ كثيراً من الاُمور المضحكة قد يرغم الإِنسان على علملها بحكم الضرورة فما نصنع ونحن ما زلنا هدفاً للرماة وأيسر ما نرمي به هو ما يخرج عن الإِسلام وما يؤدّي إلى الكفر ، وقد أردت بوضع هذه المقتطفات في صدر البحث لتكون مجرد مذكر للقارئ وهو يمشي معي بهذه المسيرة التي ساُطلعه خلالها على ما ينسب للشيعة من دواهي ، والقارئ الذي أقصده هو القارئ السنّي خاصة من دون باقي القراء لأنّ في ذهنه عن الشيعة صور من العسير جداً انتزاعها بسهولة الا أنّ أملي بعون الله وإخلاص قصدي في تخليص هذا الطريق من الشوائب يفتح لي باب أمل في وضع لبنة بصرح وحدة المسلمين.


  بالرغم من وفرة المصادر عن الشيعة وبالرغم من خطورة موضوع الكتابة عن العقائد ، وبالرغم من الواقع المجسد للشيعة من مؤسسات دينية وفعاليات عقائدية ومساجد تردد كلمة التوحيد ليل نهار برغم ذلك كله فإننا ما زلنا نرى من يكتب عن الشيعة يترك هذا الواقع القائم وراء ظهره ويولي وجهه شطر كتابات صدرت من قوم كتبوا ومن خلفهم دوافع غير سليمة لمختلف الأسباب فبدلاً من أن يعودوا إلى مؤلفات الشيعة أنفسهم رأيناهم يرجعون إلى أقوال صاغها الوهم وافترضها الحقد وخلقتها الخصومة وقد يكون الجهل أحد عوامل وجودها ، ومما افترضه هؤلاء الكتاب بأنّ عقائد الشيعة الأساسية وضعها يهودي حاقد اندس في صفوف المسلمين اسمه عبد الله بن سبأ .

هوية التشيع _ 103 _

  وهذا العبد المفترض موضوعه طريف جداً ، فقد صنعه قوم واخترعوه اختراعاً وأعطوه من الصفات والنعوت ما هو من المعجزات وصنعوا له من القابليات ما لا يمكن نسبته إلا إلى عفاريت الأساطير ومردة الجن وما تعجز عن تحقيقه اُمة قوية فضلاً عن فرد وإنّ مثل هذا الكلام يجسد فجيعتنا بعقولنا قيل أن يجسد هذه الخرافات في تاريخنا وسنرى من الذي حاك عبدالله بن سبأ ، ومن هو وما الذي عمله، ولماذا تربط الشيعة به ، من الذي حاك عبد الله بن سبأ إنّ الذي يريد التعرف على مصدر ولادة عبد الله بن سبأ سيجد أنّه ولد من روايات الطبري وروايات الطبري تستند في هذا الموضوع على ركيزتين هما :

أ ـ الركيزة الاُولى
  سيف بن عمر وتقول عنه كتب التراجم ما يلي بالحرف الواحد ، يقول ابن حيان كان سيف بن عمر يروي الموضوعات عن الأثبات وقالوا إنّه كان يضع الحديث واتهم بالزندقة ، كما يقول عنه الحاكم النيسابوري اتهم سيف بالزندقة وهو بالرواية ساقط ، ويقول عنه ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها ، ويقول عنه ابن معين ضعيف الحديث فليس فيه خير ، وقال ابن حاتم متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي وقال عنه أبو داود صاحب السنن ليس بشيء ، وقال عنه النسائي صاحب السنن : ضعيف ، وقال عنه السيوطي إنّه وضاع وقال محمد بن طاهر بن عليّ الهندي عنه : سيف بن عمر متروك اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعاً (1) .

ب ـ الركيزة الثانية
  السري بن يحيى كما يسميه الطبري ، وهو ليس بالسري بن يحيى الثقة ، لأنّ السري بن يحيى الثقة يكون زمانه أقدم من الطبري فقد توفي 167سنة هـ ، في حين ولد الطبري سنة 224 ، فالفرق بينهما سبعة وخمسون عاماً ، ولا يوجد عند الرواة سري بن يحيى غيره ، ولذلك يفترض أهل الجرح والتعديل أنّ السري الذي يروي عنه الطبري يجب أن يكون واحداً من اثنين : كل منهما كذاب وهما :

---------------------------
(1) تهذيب التهذيب لابن حجر 4/295 ، والغدير للأميني 8/68 .

هوية التشيع _ 104 _

  السري بن إسماعيل الهمداني الكوفي وهو أولهما ، وثانيهما السري ابن عاصم الهمداني نزيل بغداد المتوفى سنة 258 ، والذي أدرك ابن جرير الطبري وعاصره أكثر من ثلاثين عاماً ، وكل من هذين قد كذبه أهل الحديث واتهموه بالوضع فقد كذبهما صاحب تهذيب التهذيب ، وصاحب ميزان الإِعتدال ، وصاحب تذكرة الموضوعات ، وصاحب لسان الميزان ، وغيرهم واتهموا كل واحد منهم بالوضع ويوسع القارئ مراجعة المصادر التي ذكرتها في ترجمة المذكورين (1) ، وقد ذكر النقاد للطبري سبعمائة حديث وحديثاً واحداً ، وهذه الأحاديث تغطي زمن الخلفاء الثلاثة وأسانيد هذه الروايات كلها عن السري الكذاب ، وعن شعيب المجهول وعن سيف الوضاع المتهم بالزندقة ، ومن تلك الروايات رواياته في أحوال عبد الله بن سبأ وسنده عن شعيب وعن سيف بن عمر ، وكل من كتب عن عبد الله بن سبأ فهو عيال على الطبري وعنه أخذ وإليه استند (2) ومن ذلك تعرف مقدار ما في موضوع عبد الله بن سبأ من وثاقة وصدق وفي رأيي أنّ من العبث أن نلفت أنظار هؤلاء الذين يصرون على وجوده وما قام به من أعمال لأنّهم يوجدونه حتى لو لم يكن موجوداً وذلك لأمور في نفوسهم .
  1 ـ من هو عبدالله بن سبأ : للتعرف على هوية عبد الله بن سبأ سوف أبدأ بالمنبع الأساس وهو تاريخ الطبري واُعقبه بباقي المصادر عنه ، وسأنقل قول الطبري من خلال ما نقله أبو زهرة ، قال : كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء اُمه سوداء فأسلم أيام عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام ، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فقال لهم فيما يقول : العجب ممن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع وقد قال الله تعالى : ( إنّ الذي فرض عليك القرآت لرادك إلى معاد ) القصص/85 .

---------------------------
(1) لسان الميزان 3/12 ، والغدير للأميني 8/143 .
(2) انظر الغدير للأميني 9/218 .

هوية التشيع _ 105 _

  ثم أنّ محمداً أحق بالرجعة من عيسى ، ثم قال ذلك إنّه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وعليّ وصي محمد ، ومحمد خاتم النبين وعليّ خاتم الأوصياء (1) ، وهنا نقاط ذكرها اُريد أن اُؤكد عليها للمقارنة مع غيرها وهي : أولاً أنّه ابن السوداء وثانياً أنه من أهل صنعاء ، وثالثاً أنه يؤكد رجوع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) للدنيا ورابعاً أنّه ذكر أنّ علياً وصي النبي ، وخامساً أنّه أسلم أيام عثمان ، وبعد ذلك نعود لأبي زهرة وفي نفس كتابه المذكور أي تاريخ المذاهب الإِسلامية قال في مورد آخر : عبد الله بن سبأ كان يهودياً من أهل الحيرة ، أظهر الإِسلام وأخذ ينشر بين الناس أنّه وجد في التوراة أنّ لكل نبي وصياً وأنّ علياً وصي محمد ، وأنّ علياً أراد قتله ولكن نهاه عبد الله بن عباس فنفاه للمدائن بدل قتله (2) .
  وبين هذين المقتطفتين الفروق التالية الفت النظر إليها وهي : أنّه في الاُولى من أهل صنعاء ، وفي الثانية من أهل الحيرة ، وأنّه في الاُولى أسلم أيام عثمان وفي الثانية أظهر الإِسلام ولم يحدد وقت إسلامه ، وأنّ الإِمام أراد قتله كما ذكر في الثانية في حين لم يذكر ذلك في الاُولى ، وأنّه من المقطتفة الثانية قرأ فكرة الوصاية في التوراة في حين في الاُولى لم يذكر مصدر فكرة الوصاية فلنحفظ هذا لنرى مابين المقتطفات من فروق وخصائص قد تتضارب .
  2 ـ محمد فريد وجدي في دائرة المعارف ، وقال :

---------------------------
(1) تاريخ المذاهب الإِسلامية 1/32 .
(2) تاريخ المذاهب الإِسلامية 1/43 .

هوية التشيع _ 106 _

  السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في الإِنتصار لعليٍّ وزعم أنّه كان نبياً ثم غلا فزعم أنّه الله ودعا إلى ذلك قوماً من أهل الكوفة فاتصل خبرهم بعليٍّ فأمر بإحراق قوم منهم ، ثم خاف من إحراق الباقين أن ينتقض عليه قوم فنفى ابن سبأ للمدائن ، فلما قتل عليّ زعم ابن سبأ أنّه ليس المقتول علياً وإنما هو شيطان صور على صورته وهذه الطائفة تزعم أنّ المهدي المنتظر إنما هو عليّ ، وكان ابن السوداء في الأصل يهودياً من أهل الحيرة فأظهر الإِسلام وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة ، فذكر لهم أنّه وجد في التوراة أنّ لكل نبي وصياً وأنّ علياً وصي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) فلما سمعوا ذلك قالوا لعليٍّ إنّه من محبيك فرفع عليّ قدره وأجلسه تحت درجة منبره ثم بلغه عنه غلوه فيه فهمّ بقتله فنهاه عبدالله بن عباس فنفاه إلى المدائن (1) وفي هذه المقتطفة : أنّه من أهل الحيرة لا صنعاء ، وأنّه ابن السوداء وأنّ الإِمام علياً خدع به ، وأنّه ادعى النبوة لعليٍّ ، ثم ادعى له الاُلوهية وإلى هنا يمكن الجمع بين هذا الخلط العجيب ولكن كيف يمكن بعد ذلك أن نجمع بين كونه ينسب له الاُلوهية ثم يجعله وصياً لمحمد : أترك تقدير هذا إلى العقول الجبارة كمحمد فريد وجودي ونظائره ممن يقود خُطى الجماهير في دروب الثقافة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، ولا تستعجل أيها القارئ فستسمع اُموراً اُخرى من المقتطفات القادمة تصطدم مع ما مر .

---------------------------
(1) داورة معارف القرن العشرين 5/17 فصاعداً .

هوية التشيع _ 107 _

  3 ـ أحمد عطية الله ، قال حفظه الله : ابن سبأ رأس الفرقة السبائية من الشيعة وهو عبدالله بن سبأ كان من يهود صنعاء وأظهر إسلامه في خلافة عثمان يعرف بابن السوداء انتقل إلى المدينة وبث فيها أقوالاً وآراء منافية لروح الإِسلام ونابعة من يهوديته ومن معتقدات فارسية كان شايعة في اليمن ، برز في صورة المنتصر لحق عليٍّ ، وادعى أنّ لكل نبيٍّ وصياً ، وأنّ عليّاً وصي محمد ، كما ادعى أنّ في عليٍّ جزءاً إلهياً ، طاف بأنحاء العراق ناشراً دعوته فطرده عبد الله بن عامر من البصرة فنزل الكوفة وأوغر صدور الناس على عثمان ، وانتقل إلى دمشق في ولاية معاوية وفيها التقى بأبي ذر الغفاري وحرضه على الثورة مدعياً أنّه ليس من حق الأغنياء أن يقتنوا مالاً ، واُخرج من الشام فنزل مصر فالتف حوله الناقمون على عثمان وفيهم محمد بن أبي بكر وأبو حذيفة ، ووضع على لسان عليٍّ أقوالاً لم يقلها كادعاء علم الغيب وبعد استشهاد عليٍّ إنّه قال إنّه لم يقتل وسيرجع وبذلك وضع فكرة الرجعة بين الشيعة (1) ، وفي هذه المقتطفة التي رواها عطية الله اُمور منها : أنّ ابن سبأ جمع إلى عقائده اليهودية معتقدات اُخرى فنقلها للتشيع ومنها الرجعة ولكن الرجعة هنا لعليٍّ وليست لمحمد كما هي عند أبي زهرة ، ومنها أنّه أعطى لعليٍّ جزءاً من الاُلوهية لا كلها ، حتى يمكن الجمع بين كونه جزء إله وبين كونه وصياً للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومنها الكشف عن هذه الطاقات الهائلة عند ابن سبأ بحيث أنّ كل الثورات على عثمان ومعاوية كانت من فعله .
  4 ـ وبنفس هذا المضمون المتضارب كتب كل من أحمد أمين في فجر الإِسلام ، ومحمد بن يحيى في التمهيد والبيان في مقتل عثمان والزركلي في الأعلام (2) ، ولا اُريد أن اُطيل عليك فإنّ كل خلف يأخذ عن سلفه بدون تمحيص مما أدى إلى هذا الخلط والإِضطراب في الروايات فهو في هذه الأخبار تارة من أهل الحيرة واُخرى من أهل صنعاء ، وهو عند ابن حزم والشهرستاني وغيرهما ابن السوداء ، بينما يذهب ابن طاهر البغدادي في الفرق بين الفرق والأسفرايني في كتابه التبصرة في الدين أنّ ابن السوداء شخص آخر ليس عبد الله بن سبأ (3) ، وهو في بعض هذه الروايات يدعي الرجعة للنبي ، وفي بعضها الآخر يدعي الرجعة لعليٍّ وهو تارة يدعي بأنّ في عليٍّ جزءاً من الاُلوهية واُخرى أنّه إله كامل ، وفي هذه الروايات نجد علياً مرة يحرق الغلاة ولا يخاف ، وأخرى يخاف أن يحرق ابن السوداء مع أنه يهودي بسيط لا يأبه له أحد ، وهكذا نقع في هذا الخليط المضطرب ، وأهم هذه الأمور في نظرنا هو أنه مرة يكون داعياً لفضل علي فقط وأخرى يكون محرضاً على عثمان وواضعاً لأهم عقائد الشيعة من وصية وعلم غيب للأئمة وقول بالرجعة ، وهذان الأمران هما روح الموضوع فإنّ من صنع فرية عبد الله بن سبأ رمى فيها عصفورين بحجر واحد وأراد هذين الأمرين :

---------------------------
(1) القاموس الإِسلامي 3/222 .
(2) انظر فجر الإِسلام ص276 ، والتمهيد والبيان ص96 ، والأعلام للزركلي 4/220 .
(3) انظر هامش منهاج السنة لابن تيمية ص220 .

هوية التشيع _ 108 _

  الأول : أنّ عثمان قتل بتحريض من السبائية لا أنّه صنع أشياء نقم فيها عليه المسلمون واشتركوا في قتله وفيهم صحابة النبي مما ذكره التاريخ مفصلاً بل كل ما في الأمر أنّ يهودياً حاقداً حرك المسلمين فانساقوا معه بغباء وبدون تفكير حتى ارتكبوا هذه الجناية وقتلوا الخليفة بدون أن يصدر منه ذنب .
  والثاني : أنّ عقائد الشيعة لا سند لها من الإِسلام وإنما هي من هذا اليهودي العبقري عبد الله بن سبأ فالشيعة إذاً يهود لا صلة لهم بالمسلمين ، وعلى كل حال إنّ هذا الإِضطراب في الصورة المرسومة لعبدالله بن سبأ أيقظ الباحثين ودفعهم لإِلقاء الضوء على هذه الشخصية الاُسطورية فأصحروا بآرائهم وكسروا الطوق وأعلنوا الناس زيف هذا الفرية التي لا سبيل للجمع بين أبعادها وأجزائها ، وبدأ الواقع يتضح رويداً رويداً والأهداف من وراء اُسطورة ابن سبأ كشفت عن وجهها وسأذكر لك آراء كثير من النقاد بعد أن أذكر ما عندي في هذه المسألة لنصل إلى صورة واضحة في هذا الموضوع ، رأينا في عبد الله بن سبأ إننا نرى أنّ عبد الله بن سبأ شخصية وهمية مخترعة وندلل على وهميتها بالاُمور التالية :
  1 ـ الإختلاف في أنّه هو ابن السوداء أم لا مع أنّ الذي قام بكل المصائب هو ابن السوداء ، وابن طاهر والإِسفرايني يقولان إن ابن السوداء شخص آخر شارك عبد الله بن سبأ بمقالته .
2 ـ الإِختلاف في وقت ظهوره فالطبري وجماعة يصرحون بأنّه ظهر أيام عثمان بينما يذهب جماعة آخرون إلى أنّه ظهر أيام عليٍّ ( عليه السلام ) أو بعد موته ومن هؤلاء سعد بن عبد الله الأشعري في كتابه المقالات (1) وابن طاهر في الفرق بين الفرق (2) وغيرهما كثير .
  3 ـ الإضطراب في الروايات في أصل دعوته فبينما رأينا الطبري وجماعة معه يقولون إنّ دعوته اقتصرت على الغلو في عليٍّ والإِنتصار لحقه وكل ما يدور حول عليٍّ فقط نجد جماعة من المتأخرين يذهبون ومعهم أسانيدهم طبعاً إلى أنّه كان في كل بلد له دعوة خاصة، يقول محب الدين الخطيب بأسانيده التي ذكرها : ومن دهاء ابن سبأ ومكره أنّه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعليٍّ ( عليه السلام ) وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة ، وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير (3) .
  4 ـ إنّ بض الروايات ذكرت أنّه كان مقتصراً على الإِشادة بفضل عليٍّ ( عليه السلام ) فقط في حين ذهب آخرون إلى أنه كان يحرض على عثمان ويدس الدسائس وهو الذي دفع أبا ذر للثورة أما على معاوية أو على عثمان بروايات اُخرى .
  5 ـ لم يعلل لنا واضعوا خرافة ابن سبأ لماذا سكت عنه عثمان وولاته مع أنّهم ضربوا المعارضين بمنتهى الشدة والقسوة وهم من خيرة الصحابة كعمار وابن مسعود وغيرهم .
  6 ـ لماذا تخلوا المصادر الصحيحة من ذكر قصة ابن سبأ كالبلاذري وابن سعد وغيرهما ممن يعتد بتاريخهم .
7 ـ إنّ رواية عبد الله بن سبأ رواها الوضاعون الكذابون كما أسلفنا فيما مر .
8 ـ يساعد على أنّ الرواية موضوعة أنّها ليست الوحيدة التي وضعت ضدّ الشيعة وإنّما هي جزء من كل مما سنذكره لك فيها يأتي ونبرهن على كذبه ، حتى تعرف أنّ قصة عبدالله بن سبأ خرجت من نفس المقلع ولنفس الهدف. والآن لنستعرض آراء النقاد والباحثين في هذه القصة لنصل إلى الحقيقة .

---------------------------
(1) المقالات والفرق ص15 .
(2) انظر هامش منهاج السنة لابن تيمية ص15 .
(3) الإِمام الصادق لأسد حيدر 6/237 .

هوية التشيع _ 109 _

  رأي طه حسين استعرض الدكتور طه حسين الصورة التي رسمت لابن سبأ ومزقها بعد تحليل دقيق وانتهى إلى أنّ ابن سبأ شخصية وهمية خلقها خصوم الشيعة ودعم رأيه بالاُمور التالية :
  أولاً : إنّ كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ لم يذكروا عنها شيئاً .
  ثانياً : إنّ المصدر الوحيد عنه سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنّه وضاع .
  ثالثاً : إنّ الاُمور التي اُسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبدالله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض : في منتهى البلاهة والسخف .
  رابعاً : عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمار وغيرهم .
  خامساً : قصة الإحراق وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للإِحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر .
  سادساً : عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النّهروان ، وقد انتهى طه حسين إلى القول : أنّ ابن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج (1) ويشترك مع طه حسين كثير من لمستشرقين في وهمية وجود عبدالله بن سبأ ومنهم :

---------------------------
(1) طه حسين الفتنة الكبرى فصل ابن سبأ .

هوية التشيع _ 110 _

آراء المستشرقين
1 ـ الدكتور برناد لويس
  قال : ولكن التحقيق قد أظهر أنّ هذا استباق للحوادث وأنّه ـ أيّ ابن سبأ ـ صورة مثل بها في الماضي وتخيلها محدثوا القرن الثاني للهجرة من أحوالهم وأفكارهم السائدة حينئذٍ .

2 ـ فلهوزن
  ذهب إلى أنّ المؤامرة والدعوة والفعاليات المنسوبة لابن سبأ من اختلاق المتأخرين ، وقد محص النصوص ودرس الموضوع وقام بتحليل دقيق .

3 ـ فريدليندر
  اشترك مع فلهوزن وانتهى لنفس النتيجة معه .

4 ـ كايتاني
  شك في وجود عبد الله بن سبأ وقال عما ينسب له من أعمال ضخمة ومؤامرة مثل هذه بهذا التفكير وهذا التنظيم لا يمكن أن يتصورها العالم العربي المعروف عام خمسة وثلاثين بنظامه القائم على سلطان الأبوة ، إنّها تعكس أحوال العصر العباسي الأول بجلاء (1) ، آراء إسلامية اُخرى بابن سبأ هناك آراء اُخرى في عبد الله بن سبأ تتراوح بين وجوده وعدم صلته بالشيعة ، وبين عدم التصديق بما ينسب إليه لأنّه من غير الممكن صدور تلك الأعمال من شخص عادي ، وبين نسبة هذه الأعمال لشخص آخر سمي بابن السوداء فلنستمع لهذه الآراء .

---------------------------
(1) انظر آراء المستشرقين المذكورة في نظرية الإِمامة لأحمد محمود ص37 .

هوية التشيع _ 111 _

  أ ـ محمد كرد علي قال في خطط الشام : أما ما ذهب إليه بعض الكتّاب من أنّ مذهب التشيع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء فهو وهم وقلة علم بتحقيق مذهبهم ، ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله ، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك علم مبلغ هذا القول من الصواب (1) .
  ب ـ الدكتور أحمد محمود صبحي في نظرية الإِمامة قال : وليس ما يمنع أن يستغل يهودي الأحداث التي جرت في عهد عثمان ليحدث فتنة وليزيدها اشتعالاً وليؤلب الناس على عثمان ، بل أن ينادي بأفكار غريبة ، ولكنّ السابق لأوانه ان يكون لابن سبأ هذا الأثر الفكري العميق فيحدث هذا الإِنشقاق العقائدي بين طائفة كبيرة من المسلمين (2).
  ج ـ الدكتوران علي الوردي وكامل الشيبي التقيا في الآتي : إنّ المقصود بابن السوداء عمار بن ياسر وقد رمزت له قريش بابن السوداء ولم تصرح باسمه لأنّ له ثقلاً ومركزاً بين الصحابة وكان على رأس الثائرين على عثمان ، فلم ترد قريش أن تضعه مقابل عثمان وبجانب عليٍّ لأنّه يرجّح كفة عليٍّ ويهبط بكفة عثمان فرمزوا له وسموه بابن السوداء لأنّ اُمه أمة سوداء ولا وجود لابن سوداء غيره ، إنّ رأي الدكتورين يلتقي مع رأي الأسفرايني ، وابن طاهر البغدادي الذي أشرنا إليه فيما مضى عند ذكرنا لتعيين هوية ابن سبأ .

---------------------------
(1) خطط الشام 6/251 .
(2) نظرية الإِمامة ص37، وعاظ السلاطين ص279 والصلة بين التصوف والتشيع ص84 .

هوية التشيع _ 112 _

  وبعد هذا الجولة من الآراء اتضح أنّه لا وجود لابن سبأ لأنّ تسليمنا بوجوده يفضي إلى إلغاء عقولنا ، ولأنّ منهح البحث العلمي يأبى وجوده لأنّ مصادره مختلفة ، ولأنّ من خلقوا عبد الله بن سبأ خلقوا له أخوة من الإِدعاءات سنوقفك عليها قريباً وإن كانت ستهز مشاعرك وتدمر ثقتك بمن قد تعتبرهم من القمم في دنيا الإِسلام ؛ ولأن الخوارق التي تنسب لابن سبأ لا يمكن تصديقها ، ولأنّ سكوت عثمان عنه عجيب مع أنّه نفى أبا ذر للربذة مع أنّ أبا ذر من كبار الصحابة لأنّ أبا ذر كان له رأي في البذخ في أموال المسلمين أيام عثمان ، فلماذا هذا الحلم عن ابن سبأ ، ولأنّ علياً وهو الخشن في ذات الله لماذا سكت عن ابن سبأ ولم يحرقه كغيره، لأنّ معاوية وهو الذي يقتل على التهمة والظنة كيف سكت عن ابن سبأ والحال هو الذي دفع بسر للغارة على خصومه وأدت الغارة إلى قتل ثلاثين ألفاً من الناس (1) إنّ كل هذه الاُمور تجعل حديث ابن سبأ حديث خرافة ، وإنما اخترع لما ذكرنا سابقاً ليصنع منه مصدراً لعقائد الشيعة كلها كما جعله مصدراً لعقائد الشيعة كل من محيي الدين عبدالحميد في تعليقته على كتاب مقالات الإِسلاميين وعلى سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي (2) وما كان كل من النشار ومحيي الدين عبد الحميد بالذي يجهل عقائد الشيعة أو لا يهتدي إلى مصادرها وبين أيديهما من المصادر ما ينهض بالمطلوب وأمام بصرهما من الممارسات العقائدية ما هو واضح في تجسيد عقائد الشيعة ومع ذلك كله كتبا عن الشيعة مالا يجتمع وأمانة التاريخ وروح الإِسلام ولا ينبغي أن يفت في عضد المصلحين أمثال هؤلاء ممن هم على أحسن الفروض أصداء بلهاء لغيرهم والا فعلامات الإِستفهام موجودة إزاء ماكتباه ، في حين يؤكد الكتاب الموضوعين أن حديث ابن سبأ خرافة يقول احمد عباس الصالح : عبد الله بن سبأ رجل خرافي بغير شك فأنّى هو من هذه الأحداث جميعاً وساذج بغير شك الذي يتجه إلى خلق شخصية كهذا ليعطيها أثراً أي أثر فيما حدث من الأحداث إنّ كل ما حيك من قصوص حول عبد الله بن سبأ من وضع المتأخرين فلا دليل على وجوده في المراجع (3) .

---------------------------
(1) مروج الذهب للمسعودي 3/30 .
(2) نشأة الفكر الفلسفي ص28 .
(3) مجلة الكاتب عدد أذار 1965 .

هوية التشيع _ 113 _


  في الإِجابة على هذه السؤال يكمن مركز الثقل في قصة عبد الله بن سبأ كلها ، فإنّ الفكر الشيعي في الإِمامة وما يلحق بها والمواقف المتساجلة بين فرق المسلمين من الشيعة وغيرهم ، إذا شدت إلى جذرها من أدلتها من الكتاب والسنة فقد يختل الميزان لأنّ فكرة الوصية ، والعصمة ، وغيرهما تبعد عن الحكم ـ في نظر الشيعة ـ من لا تتوفر فيه هذه الشروط وتلك هي الطامة الكبرى ، وأي فكر أخطر من هذا الفكر ، فلم لا يربط فكر الشيعة بجذر يهودي وتخترع له شخصية تكون كبش الفداء فيلقى اللوم عليها وعلى الذين أخذوا عنها ويشار إليهم بأنّهم مارقون الغموا تاريخ الاُمة ودسوا في عقائدها عقائد غريبة عن الإِسلام وهكذا صنع عبد الله بن سبأ ولو كان صنعه على حساب الحقيقة وعلى رغم أنف العقول والمقاييس ، وبالإِضافة لما ذكرنا هناك سبب آخر دفع إلى خلق عبد الله بن سبأ أشار إليه الدكتور أحمد محمود صبحي وذلك بعد أن استعرض آراء الدكتور طه حسين في وهمية وجود عبد الله بن سبأ ، قال الدكتور أحمد صبحي : ويبدو أنّ مبالغة المؤرخين وكتاب الفرق في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ يرجع إلى سبب آخر غير ما ذكره الدكتور طه حسين ، فلقد حدثت في الإِسلام أحداث سياسية ضخمة كمقتل عثمان ثم حرب الجمل وقد شارك فيها كبار الصحابة وزوجة الرسول ، وكلهم يتفرقون ويتحاربون وكل هذه الأحداث تصدم وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي ، أن يبتلي تاريخ الإِسلام هذه الإِبتلاءات ويشارك فيها كبار الصحابة الذين حاربوا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وشاركوا في وضع اُسس الإِسلام ، كان لا بد أن تلقى مسؤولية هذه الأحداث الجسام على كاهل أحد ، ولم يكن من المعقول أن يتحمل وزر ذلك كله صحابة أجلاء اُبلوا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) بلاءً حسناً ، فكان لا بد أن يقع عبء ذلك كله على ابن سبأ فهو الذي أثار الفتنة التي أدت لقتل عثمان ، وهو الذي حرض الجيشين يوم الجمل على الإِلتحام على حين غفلة من عليٍّ وطلحة والزبير ، أما في التاريخ الفكري فعلى عاتقه يقع أكبر انشقاق عقائدي في الإِسلام بظهور الشيعة ، هذا هو تفسير مبالغة كتّاب الفرق وأصحاب المذاهب لا سيما السلفيين والمؤخين : في حقيقة الدور الذي قام به ابن سبأ .

هوية التشيع _ 114 _

  ولكن أليس عجيباً أيضاً أن يعبث دخيل في الإِسلام كل هذا العبث فيحرك تاريخ الإِسلام السياسي والعقائدي على النحو الذي تم عليه وكبار الصحابة شهود (1) ، وبعد هذه الإلمامة بملابسات موضوع عبد الله بن سبأ التي انتهينا منها إلى مسك طرف الخيط فيما نظن ألا وهو ربط عقائد الشيعة بعبد الله بن سبأ وما اسندوه إليه من عقائد الشيعة ولنتبين مصدرها الإِسلامي وبذلك نكتفي عن الإِصرار على وجود ابن سبأ أو عدم وجوده لأنّه قد ثبت أنّ هذه العقائد مصدرها الإِسلام فلا يبقى بعد ذلك قيمة لعدم وجود ابن سبأ أو لوجوده ، لنبدأ من ذلك بموضوع الوصية .
  1 ـ الإِمام عليّ ( عليه السلام ) وصيّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) : قلنا فيما سبق أنّ من أحكام الإِسلام ضرورة أن يوصي الإِنسان قبل موته بما يريد التصرف به بعد موته فيها يملك من اُمور مادية، وذكرنا أنّ سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) أنّه كان لا يخرج من المدينة في سفرة ولو ليوم واحد حتى يستخلف على المدينة ، فكيف يترك أمر هذه الاُمة من بعده سدى ويعرضها إلى الفتن دون أن يوصي أو يرشح للأمر شخصاً من بعده ، وبما أنّ هذه المسألة قد أشبعتها أقلام الباحثين من مختلف الفرق الإِسلامية فلا اُريد العودة إلى ما دار حولها ، وكل ما يعنيني هنا أن اُبيّن أنّ مسألة الوصية مصدرها القرآن والسنة ، أما القرآن فقد أشرك علياً بالولاية العامة وجعل إمامته امتداداً للنبوة حين تختم النبوة بموت الرسول فقال تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنو الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) وقد ذكرنا نزول هذه الآية في عليٍّ عليه السلام وما يترتب عليها من لوازم في مكان آخر من هذا الكتاب ، وأما السنة الشريفة فإنّ الروايات المعتبرة متظافرة بأنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) نص على عليٍّ بالوصية في أكثر من مورد ، ومن تلك الموارد :

---------------------------
(1) نظرية الإِمامة ص39 .

هوية التشيع _ 115 _

  ما نزل عليه قوله تعالى : (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء/214 ، فجمع أقاربه وعددهم أربعون على فخذ شاة وطلب منهم أن يؤازروه على الدعوة فلم يقم إليه إلا عليّ فأخذ برقبته وقال : هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا (1) فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لا بنك وتطيع ، هذا وقد ذكر ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة فصلاً ممتعاً في موضوع وصاية الإِمام عليّ ( عليه السلام ) للنبي وأشبع الموضوع وبوسع القارئ الرجوع إليه ، وها أنت قد سمعت أن الوصية جاءت على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) لفظاً ومعنى ومع ذلك ترى هؤلاء يقولون إنّ موضوع الوصية اخترعه عبدالله بن سبأ وستسمع لو قلت لهم إنّ الوصية لها مصادرها من السنة : مَنْ يقول لك هذه أحاديث دسها الشيعة على لسان السنة .
  2 ـ العصمة : موضوع العصمة موضوع مهم في الفكر الشيعي خاصة والإِسلامي عامة وسأضطر للإِطالة فيه لأنّه يرتبط باُمور هامة لا بد من التعرف عليها ، فالعصمة لغة هي المنع ومنه قوله تعالى : (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) سورة هود/43 ، أما في الإِصلاح الكلامي فالعصمة : لطف يفعله الله تعالى بالمكلف لا يكون معه داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك (2) ، وواضح من هذا التعريف أنّ العصمة لا إلجاء فيها وإنما هي مجدد مدد من الله تعالى واستعداد من العبد ، فهي أشبه شيءٍ باستاذ يقبل على تلميذه لأنّه وجد عند التلميذ استعداداً أكثر من غيره لتلقي العلم ، وقد أجمعت الاُمة الإِسلامية على عصمة الأنبياء عن تعمد الكذب فيها يبلغونه عن الله تعالى واختلفوا بعد ذلك في صدور ما ينافي العصمة منهم على سبيل السهو أو النسيان سواء كانت أدلتهم في ذلك سمعية أو عقلية ، على صدور أو عدم صدور ما ينافي العصمة ذهب بعض أئمة السنة إلى جواز وقوع كل ذنب منهم صغيراً كان أو كبيراً حتى الكفر وبوسع القارئ الرجوع إلى آراء الباقلاني والرازي والغزالي مفصلاً في نظرية الإِمامة (3) بينما البعض الآخر فصل في ذلك ولم يصل إلى هذا الحد في تجريدهم من العصمة ، أما الشيعة فقد ذهبوا إلى عصمة الأنبياء مطلقاً قبل البعثة وبعدها (4) وقد ساقوا لذلك أدلة كثيرة ، وقد تعرض الفخر الرازي في كتابه عصمة الأنبياء وكذلك الشيخ المجلسي في البحار مفصلاً لذلك والذي يهمني هنا عصمة الأئمة لأنّها موضع البحث ، إنّ عصمة الأئمة أمر مفروغ عند الشيعة وقد أثبتها الشيعة للإِمام بأدلة من العقل والنقل أقتصر على ذكر بعضها وبوسع طالب المزيد ان يرجع إلى الكتب والبحوث المطولة في ذلك .

---------------------------
(1) انظر تاريخ الطبري 2/216 ، وتاريخ ابن الآثير 2/28 ، وتفسير الدر المنثور للسيوطي 45/97 طبعة أوفست .
(2) توفيق التطبيق للكيلاني ص16 .
(3) نظرية الإِمامة ص111 و112 .
(4) معالم الفلسفة لمغنية ص193 .

هوية التشيع _ 116 _

عصمة الأئمة وأدلتها العقلية
1 ـ الدليل الأول
  يقول العلامة الحلي في كتابه الألفين : الممكنات تحتاج في وجودها وعدمها إلى علة ليست من جنسها إذ لو كانت من جنسها لا حتاجت إلى علة اُخرى واجبة غير ممكنة ، كذلك الخطأ من البشر ممكن فإذا أردنا رفع الخطأ الممكن يجب أن نرجع إلى المجرد من الخطأ وهو المعصوم ، ولا يمكن افتراض عدم عصمته لأدائه إلى التسلسل أو الدور أما التسلسل فإنّ الإِمام إذا لم يكن معصوماً احتاج إلى إمام آخر لأنّ العلة المحوجة إلى نصبه هي جواز الخطأ على الرعية ، فلو جاز عليه الخطأ لا حتاج إلى إمام آخر فإن كان معصوماً والالزم التسلسل ، وأما الدور فلحاجة الإِمامة إذا لم يكن معصوماً للرعية لترده إلى الصواب مع حاجة الرعية للإِقتداء به (1) .

2 ـ الدليل الثاني
  يقول الشيعة إنّ مفهوم الإِمام يتضمن معنى العصمة لأنّ الإِمام لغة هو المؤتم به : كالرداء إسم لما يرتدى به ، فلو جاز عليه الذنب فحال إقدامه على الذنب إما أن يقتدى به أو لا ؛ فإن كان الأول كان الله تعالى قد أمر بالذنب وهذا محال ، وإن كان الثاني ـ خرج الإِمام عن كونه إماماً فيستحيل رفع التناقض بين وجوب كونه مؤتماً به وبين وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بتصور أنّ العصمة متضمنة في مفهوم الإِمام ولازمة لوجوده (2).

---------------------------
(1) الألفين للعلامة الحلي ص54 .
(2) الأربعين للرازي ص434 .

هوية التشيع _ 117 _

  3 ـ الدليل الثالث : الإِمام حجة الله في تبليغ الشرع للعباد وهو لا يقرب العباد من الطاعة ويبعدهم عن المعصية من حيث كونه إنساناً ، ولا من حيث سلطته فإنّ بعض الرؤساء الذين ادعود الإِمامة كانوا فجرة لا يصح الإِقتداء بهم فإذا أمروا بطاعة الله كانوا مصداق قوله تعالى : ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) 44/البقرة ، وفي مثل هذه الحالات لا يثق المكلف بقولهم وله عذره ، فثبت أنّ تقريب الناس من طاعة الله لا من حيث كون الإِمام إماماً ، وإنّما من حيث كونه معصوماً حيث لا يكون للناس عرذ عصيانه تصديقاً لقوله تعالى : ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) الآية/165 من سورة النساء ، والأئمة حجج الله كالرسل سواء بسواء لأنّ الإِمام منصوب من قبل الله تعالى لهداية البشر (1) هذه ثلاثة أدلة من كثير من الأدلة العقلية التي اعتمدوها في التدليل على العصمة .

الأدلة النقلية على عصمة الإِمام
  أ ـ قال الله تعالى في سورة البقرة: الآية/124 لنبيه إبراهيم: ( إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومكن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) دلت هذه الاية على العصمة لانّ المذنب ظالم ولو لنفسه لقوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه) 32/فاطر .
  ب ـ قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم) الآية/49 من سورة النساء ، والدليل فيها : أنّ اُولي الأمر الواجب طاعتهم يجب أن تكون أوامرهم موافقة لأحكام الله تعالى لتجب لهم هذه الطاعة ولا يتسنى هذا إلا بعصمتهم إذ لو وقع الخطأ منهم لوجب الإِنكار عليهم وذلك ينافي أمر الله بالطاعة لهم (2) .

---------------------------
(1) نهاية الإِقدام للشهرستاني ص85 .
(2) كشف المراد للعلامة الحلي ص124 .

هوية التشيع _ 118 _

  ج ـ ذهبت الآية الثانية والثلاثين من سورة الأحزاب إلى عصمة أهل البيت الذين نزلت فيهم وهي قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) فبعد إثبات نزولها في أهل البيت الذي نص عليه كل من الإِمام أحمد في مسنده ، ومستدرك الصحيحين والدر المنثور ، وكنز العمال وسنن الترمذي ، وتفسير الطبري ، وخصائص النسائي ، وتاريخ بغداد ، والإستيعاب لابن عبد البر ، والرياض النضرة للمحب الطبري ، ومسند أبي داوود وأسد الغابة ، جميع هؤلاء قالوا إنّها نزلت في النبي ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) وعليّ ( عليه السلام ) وفاطمة والحسن والحسين ( عليه السلام )(1) ، ويتساءل العلماء عن معنى ذهاب الرجس لينتهوا إلى أنّه نفي كل ذنب وخطأ عنهم والإِرادة هنا تكوينية لا تشريعية لوضوح أنّ التشريعية مرادة لكل الناس ، ولا يلزم منه الإِلجاء لما سبق أن ذكرناه من أنّ العصمة مدد من الله تعالى واستعداد من العبد ، هذه بعض أدلة الشيعة في العصمة وهي كما ترى منتزعة من الكتاب والسنة والعقل ، فما وجه نسبتها إلى عبد الله بن سبأ ؟ وأين موضع الصدق من تلك النسبة ، إنّ القارئ من حقه أن يسأل هؤلاء الكتّاب هل اطلعوا على مصادر الفكر الشيعي عندما كتبوا عن الشيعة أو لا ، فإن كان الأول فما معنى هذا الخبط وهذا النسب الباطلة ، وإن كان الثاني فما هو المبرر لهم للخوض في اُمور لم يطلعوا عليها أليس لهم رادع من مقاييس الأدب الإِسلامي الذي رسمه الله تعالى بقوله : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً ) الإسراء/36 ، وفي الوقت ذاته إنّ المنهج العلمي يأبى عليهم هذه التخرصات ونسبة الأشياء إلى غير مصادرها إذاً ففكرة العصمة حتى ولو كانت أدلتها غير ناهضة ، فلا يجوز أن تنحى عن مصدرها وتنسب إلى شخصية وهمية خلقها الحقد وافتعلها الهوى .

---------------------------
(1) انظر فضائل الخمسة من الصحاح الستة 5/219 فصاعداً .

هوية التشيع _ 119 _

موقف السنة من العصمة
  قبل الدخول بالموضوع اُلفت النظر إلى قصة تحكى ولها دلالتها في موضوعنا وهي : أنّ شخصاً مديناً جُلب إلى الحاكم فسأله الحاكم هل أنت مدين لهذا المدعي ؟ قال : نعم ، أنا مدين ولكنّي منكر للدَّين ، إنّ هذه القصة تشبه تماماً موقف من ينكر علينا القول بالعصمة وفي الوقت ذاته يقول بها ، على أننا إنما نشترط العصمة في الإِمام لضمان وصول أحكام وعقائد صحيحة ، ولضمان اجتناب المفارقات التي قد تنشأ من كون الإِمام غير معصوم ، ولا نريد من العصمة أن تكون وساماً نضعه على صدور الأئمة فإنّ لهم من فضائلهم ما يكفيهم كما أننا لا نسبح في بحر من الطوبائية لأننا نعيش دنيا الواقع بكل مفارقاتها ، إننا من وراء القول بالعصمة نربأ بالإِمام أن يكون من سنخ من نراهم من الناس ، لأنّه لو كان من نفس السنخ والسلوكية فما هي ميزته حتى يحكم الناس وفي الناس من هو أكثر منه استقامة ومؤهلات وقابلية ، تلك هي الأمور التي نريدها من وراء العصمة لا أنّ المعصوم من نوع آخر غير نوع الإِنسان كما قد يتصور البعض ، فالعصمة في نظرنا ضابط يؤدي إلى حفظ شريعة الله تعالى نظرناً وصيانتها من البعث تطبيقياً ، وأساطين السنة يذهبون لمثل ذلك ولكنّهم في الوقت نفسه ينكرون علينا القول بها وإليك نماذج من أقوالهم لتعرف صحة ما نسبناه لهم :