( 1 ) أُم سلمة أُمّ المؤمنين رضي الله عنها .
( 2 ) أسماء بنت عميس .
رواة هذا الحديث من الصحابة أكثر من ثلاثين ، وربّما يبلغون الاربعين رجل وامرأة ، يقول ابن عبد البر في الاستيعاب عن هذا الحديث : هو من أثبت الاخبار وأصحّها ، قال : وطرق حديث سعد بن أبي وقاص كثيرة جدّاً ، فذكر عدّة من الصحابة الذين رووا هذا الحديث ، ثمّ قال : وجماعة يطول ذكرهم
.
وذكر الحافظ ابن عساكر بترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق كثيراً من طرق هذا الحديث وأسانيده من عشرين من الصحابة تقريباً
، ويقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري بعد أن يذكر أسامي عدّة من الصحابة ، ويروي نصوص روايات جمع منهم يقول : وقد استوعب طرقه ابن عساكر في ترجمة علي
.
فهذا الحديث مضافاً إلى أنّه متواتر عند أصحابنا من الاماميّة ، من الاحاديث الصحيحة المعروفة المشهورة عند أهل السنّة ، بل هو من الاحاديث المتواترة عندهم كذلك ، يقول الحاكم النيسابوري : هذا حديث دخل في حدّ التواتر
، كما أنّ الحافظ السيوطي أورد هذا الحديث في كتابه الازهار المتناثرة في الاخبار المتواترة
، وتبعه الشيخ علي المتقي في كتابه قطف الازهار المتناثرة في الاخبار المتواترة ، وممّن اعترف بتواتر هذا الحديث شاه ولي الله الدهلوي محدّث الهند في كتابه إزالة الخفاء في سيرة الخلفاء .
ولنذكر أسماء عدة من أشهر مشاهير القوم الرواة لهذا الحديث في القرون المختلفة ، منهم :
( 1 ) محمّد بن إسحاق ، صاحب السيرة .
( 2 ) سليمان بن داود الطيالسي أبو داود الطيالسي ، في مسنده .
( 3 ) محمّد بن سعد ، صاحب الطبقات .
( 4 ) أبو بكر ابن أبي شيبة ، صاحب المصنف .
( 5 ) أحمد بن حنبل ، صاحب المسند .
( 6 ) البخاري ، في صحيحه .
( 7 ) مسلم ، في صحيحه .
( 8 ) ابن ماجة ، في صحيحه .
( 9 ) أبو حاتم بن حبّان ، في صحيحه .
( 10 ) الترمذي ، في صحيحه .
( 11 ) عبد الله بن أحمد بن حنبل ، هذا الامام الكبير الذي ربّما يقدّمه بعضهم على والده ، يروي هذا الحديث في زيادات مسند أحمد وزيادات مناقب أحمد .
( 12 ) أبو بكر البزّار ، صاحب المسند .
( 13 ) النسائي ، صاحب الصحيح .
( 14 ) أبو يعلى الموصلي ، صاحب المسند .
( 15 ) محمّد بن جرير الطبري ، صاحب التاريخ والتفسير .
( 16 ) أبو عوانة ، صاحب الصحيح .
( 17 ) أبو الشيخ الاصفهاني ، صاحب طبقات المحدثين .
( 18 ) أبو القاسم الطبراني ، صاحب المعاجم الثلاثة .
( 19 ) أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ، صاحب المستدرك على الصحيحين .
( 20 ) أبو بكر الشيرازي ، صاحب كتاب الالقاب .
حديث المنزلة
_ 6 _
( 21 ) أبو بكر بن مردويه الاصفهاني ، صاحب التفسير .
( 22 ) أبو نعيم الاصفهاني ، صاحب حلية الاولياء .
( 23 ) أبو القاسم التنوخي ، له كتاب في طرق أحاديث المنزلة .
( 24 ) أبو بكر الخطيب ، صاحب تاريخ بغداد .
( 25 ) ابن عبد البر ، صاحب الاستيعاب .
( 26 ) البغوي ، الملقّب عندهم بمحي السنّة ، صاحب مصابيح السنّة .
( 27 ) رزين العبدري ، صاحب الجمع بين الصّحاح .
( 28 ) ابن عساكر ، صاحب تاريخ دمشق .
( 29 ) الفخر الرازي ، صاحب التفسير الكبير .
( 30 ) ابن الاثير الجزري ، صاحب جامع الاُصول .
( 31 ) أخوه ابن الاثير ، صاحب أُسد الغابة .
( 32 ) ابن النجّار البغدادي ، صاحب تاريخ بغداد .
( 33 ) النووي ، صاحب شرح صحيح مسلم .
( 34 ) أبو العباس محب الدين الطبري ، صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة .
( 35 ) ابن سيّد الناس ، في سيرته .
( 36 ) ابن قيّم الجوزية ، في سيرته .
حديث المنزلة
_ 7 _
( 37 ) اليافعي ، صاحب مرآة الجنان .
( 38 ) ابن كثير الدمشقي ، صاحب التاريخ والتفسير .
( 39 ) الخطيب التبريزي ، صاحب مشكاة المصابيح .
( 40 ) جمال الدين المزّي ، صاحب تهذيب الكمال .
( 41 ) ابن الشحنة ، صاحب التاريخ المعروف .
( 42 ) زين الدين العراقي المحدّث المعروف ، صاحب المؤلفات ، صاحب الالفية في علوم الحديث .
( 43 ) ابن حجر العسقلاني ، صاحب المؤلفات .
( 44 ) السيوطي ، صاحب المؤلفات كالدر المنثور وغيره .
( 45 ) الدياربكري ، صاحب تاريخ الخميس .
( 46 ) ابن حجر المكّي ، صاحب الصواعق المحرقة .
( 47 ) المتقي الهندي ، صاحب كنز العمّال .
( 48 ) المناوي ، صاحب فيض القدير في شرح الجامع الصغير .
( 49 ) ولي الله الدهلوي ، صاحب المؤلفات ككتاب حجة الله البالغة وإزالة الخفاء .
( 50 ) أحمد زيني دحلان، صاحب السيرة الدحلانيّة .
وغير هؤلاء من المحدّثين والمؤرّخين والمفسّرين من مختلف القرون والطبقات .
حديث المنزلة
_ 8 _
نصّ حديث المنزلة وتصحيحه :
أمّا نصّ الحديث في صحيح البخاري : حدّثنا محمّد بن بشّار ، حدّثنا غندر ، حدّثنا شعبة ، عن سعد قال : سمعت إبراهيم بن سعد عن أبيه [ أي سعد بن أبي وقّاص ] قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي : « أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى »
(1) ، قال : وحدّثنا مسدّد ، حدّثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن مصعب ـ مصعب بن سعد بن أبي وقّاص ـ عن أبيه : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خرج إلى تبوك فاستخلف عليّاً فقال : أتكلّفني بالصبيان والنساء ؟ قال : « ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس بعدي نبي »
(2) .
وأمّا لفظ مسلم ، فإنّه يروي هذا الحديث بأسانيد عديدة لا بسند وسندين : منها : ما يرويه بسنده عن سعيد بن المسيّب ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص ، عن أبيه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، قال سعيد : فأحببت أنْ أُشافه بها سعدا ً، فلقيت سعداً فحدّثته بما حدّثني به عامر فقال : أنا سمعته ، قلت : أنت سمعته ؟ قال : فوضع إصبعيه على أُذنيه فقال : نعم ، وإلاّ أُستكّتا
(3) ، في هذا الحديث، وفي هذا اللفظ نكت يجب الالتفات إليها.
وبسند آخر في صحيح مسلم : عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص ، عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أنْ تسبّ أبا التراب ؟ فقال : أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله فلن أسبّه . . . فذكر الخصال الثلاث ومنها حديث المنزلة
(1) .
فهذا حديث المنزلة في الصحيحين ، وأنتم تعلمون بأنّ المشهور بينهم قطعيّة أحاديث الصحيحين ، فجمهورهم على أنّ جميع أحاديث الصحيحين مقطوعة الصدور ، ولا مجال للبحث عن أسانيد شيء من تلك الاحاديث ، وللتأكّد من ذلك يمكنكم الرجوع إلى كتبهم في علوم الحديث ، فراجعوا مثلاً كتاب تدريب الراوي في شرح تقريب النوّاوي للحافظ السيوطي ، وبإمكانكم الرجوع إلى شروح ألفيّة الحديث كشرح ابن كثير وشرح زين الدين العراقي وغير ذلك ، وحتّى لو راجعتم كتاب علوم الحديث لابي الصلاح لرأيتم هذا المعنى ، ويزيد شاه ولي الله الدهلوي في كتاب حجة الله البالغة ، وهو كتاب معتبر عندهم ويعتمدون عليه ، يزيد الامر تأكيداً عندما يقول ـ وبعد أنْ يؤكّد على وقوع الاتفاق على هذا المعنى ـ يقول : اتفقوا على أنّ كلّ من يهوّن أمرهما [ أي أمر الصحيحين ] فهو مبتدعٌ متبع غير سبيل المؤمنين .
---------------------------
(1) صحيح البخاري 5 / 24 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
(2) صحيح البخاري 6 / 3 .
(3) صحيح مسلم 4 / 1870 رقم 2404 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1398 هـ .
(4) صحيح مسلم 4 / 1871 رقم .
حديث المنزلة
_ 9 _
فظهر أنّ من يناقش في سند حديث المنزلة بحكم هذا الكلام الذي ادّعى عليه الاتفاق شاه ولي الله الدهلوي ، كلّ من يناقش في سند حديث المنزلة فهو مبتدع متّبع غير سبيل المؤمنين ، وعندما تراجعون كتب الرجال ، هناك اتفاق بينهم على قبول من أخرج له الشيخان ، حتّى أنّ بعضهم قال : من أخرجا له فقد جاز القنطرة ، بهذه العبارة ! ومن هنا نراهم متى ما أعيتهم السبل في ردّ حديث يتمسّك به الامامية على إثبات حقّهم أو على إبطال باطل ، عندما أعيتهم السبل عن الجواب يتذرّعون بعدم إخراج الشيخين لهذا الحديث ، ويتّخذون عدم إخراجهما للحديث ذريعة للطعن في ذلك الحديث الذي ليس في صالحهم .
أذكر لكم مثالاً واحداً ، وهو حديث : « ستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة » ، هذا الحديث بهذا اللفظ غير موجود في الصحيحين ، لكنّه موجود في السنن الاربعة ، يقول ابن تيميّة في مقام الردّ على هذا الحديث
(1) : الحديث ليس في الصحيحين ولكن قد أورده أهل السنن ورووه في المسانيد كالامام أحمد وغيره ، ومع ذلك لا يوافق على هذا الحديث متذرّعاً بعدم وجوده في الصحيحين ، إلاّ أنّ الملفت للنظر لكلّ باحث منصف ، أنّهم في نفس الوقت الذي يؤكّدون على قطعيّة صدور أحاديث الصحيحين ، ويتخذون إخراج الشيخين للحديث أو عدم إخراجهما للحديث دليلاً وذريعة ووسيلة لردّ حديث أو قبوله ، في نفس الوقت إذا رأوا في الصحيحين حديثاً في صالح الاماميّة يخطّئونه ويردّونه وبكلّ جرأة .
---------------------------
(1) منهاج السنة 3 / 456 .
حديث المنزلة
_ 10 _
ولذا لو راجعتم إلى كتاب التحفة الاثنا عشرية
(1) لوجدتم صاحب التحفة يبطل حديث هجر فاطمة الزهراء أبا بكر وأنّها لم تكلّمه إلى أن ماتت ، يبطل هذا الحديث ويردّه مع وجوده في الصحيحين .
وينقل القسطلاني في إرشاد الساري في شرح البخاري
(2) ، وأيضاً ابن حجر المكي في كتاب الصواعق
(3) ، ينقلان عن البيهقي أنّه ضعّف حديث الزهري الدال على أنّ عليّاً ( عليه السلام ) لم يبايع أبا بكر مدّة ستّة أشهر ، فالبيهقي يضعّف هذا الحديث ويحكي غيره كالقسطلاني وابن حجر هذا التضعيف في كتابه ، مع أنّ هذا الحديث موجود في الصحيحين .
وقد رأيتم أنّ الحافظ أبا الفرج ابن الجوزي الحنبلي أدرج حديث الثقلين في كتابه العلل المتناهية في الاحاديث الواهية، مع وجود حديث الثقلين في صحيح مسلم ، ومن هنا اعترض عليه غير واحد ، فيظهر : أنّ القضيّة تدور مدار مصالحهم ، فمتى ما رأوا الحديث في صالحهم وأنّه ينفعهم في مذاهبهم ، اعتمدوا عليه واستندوا إلى وجوده في الصحيحين ، ومتى كان الحديث يضرّهم ويهدم أساساً من أُسس مذهبهم ومدرستهم ، أبطلوا ذلك الحديث أو ضعّفوه مع وجوده في الصحيحين أو أحدهما ، وهذا ليس بصحيح ، وليس من دأب أهل العلم وأهل الفضل ، وليس من دأب أصحاب الفكر وأصحاب العقيدة الذين يبنون فكرهم وعقيدتهم على أُسس متينة يلتزمون بها ويلتزمون بلوازمها .
وعندما نصل إلى محاولات القوم في ردّ حديث المنزلة أو المناقشة في سنده ، سنرى أنّ عدّةً منهم يناقشون في سند هذا الحديث أو يضعّفونه بصراحة ، مع وجوده في الصحيحين ، فأين راحت قطعية صدور أحاديث الصحيحين ؟ وما المقصود من الاصرار على هذه القطعية ؟ ونحن أيضاً لا نعتقد بقطعيّة صدور أحاديث الصحيحين ، ونحن أيضاً لا نعتقد بوجود كتاب صحيح من أوّله إلى آخره سوى القرآن الكريم ، لكن بحثنا معهم ، وإنّما نتكلّم معهم على ضوء ما يقولون وعلى أساس ما به يصرّحون .
---------------------------
(1) التحفة الاثنا عشرية : 278 .
(2) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 6 / 363 .
(3) الصواعق المحرقة : 90 .
حديث المنزلة
_ 11 _
فإذا جاء دور البحث عن سند حديث المنزلة سترون أنّ عدّةً منهم من علماء الاصول ومن علماء الكلام يناقشون في سند حديث المنزلة ولا يسلّمون بصحّته ، فيظهر أنّه ليس هناك قاعدة يلجأون إليها دائماً ويلتزمون بها دائماً ، وإنّما هي أهواء يرتّبونها بعنوان قواعد ، يذكرونها بعنوان أُسس ، فيطبّقونها متى ما شاؤا ويتركونها متى ما شاؤا .
ولا بأس بذكر عدة من ألفاظ حديث المنزلة في غير الصحيحين من الكتب المعروفة المشهورة ، وفي كلّ لفظ أذكره توجد خصوصية أرجو أنْ لا تفوت عليكم ، وأرجو أنْ تتأمّلوا فيها : في الطبقات لابن سعد ، يروي هذا الحديث بطرق ، ومنها : بسنده عن سعيد بن المسيّب ، هذا نفس الحديث الذي قرأناه في صحيح مسلم ، فقارنوا بين لفظه في الطبقات ولفظه في صحيح مسلم يقول سعيد : قلت لسعد بن مالك ـ هو سعد بن أبي وقّاص ـ : إنّي أُريد أنْ أسألك عن حديث ، وأنا أهابك أنْ أسألك عنه ! قال : لا تفعل يا ابن أخي ، إذا علمت أنّ عندي علماً فاسألني عنه ولا تهبني ، فقلت : قول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي حين خلّفه في المدينة في غزوة تبوك ، فجعل سعد يحدّثه الحديث
(1) .
لماذا عندما يريدون أن يسألوا عن حديث يتعلّق بعلي وأهل البيت يهابون الصحابي أن يسألوه ، أمّا إذا كان يتعلّق بغيرهم فيسألونه بكلّ انطلاق وبكلّ سهولة وبكلّ ارتياح ؟ ويروي محمّد بن سعد في الطبقات
(2) باسناده عن البراء بن عازب وعن زيد بن أرقم قالا : لمّا كان عند غزوة جيش العسرة وهي تبوك قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لعلي بن أبي طالب : « إنّه لابدّ أنْ أُقيم أو تقيم » .
يظهر أنّ في المدينة في تلك الظروف حوادث ، وهناك محاولات أو مؤامرات سنقرأها في بعض الاحاديث الاتية ، وكان لابدّ أنْ يبقى في المدينة إمّا رسول الله نفسه وإمّا علي ولا ثالث ، أحدهما لابدّ أنْ يبقى ، وأمّا الغزوة أيضاً فلابدّ وأنْ تتحقّق، فيقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي : « إنّه لابدّ أنْ أُقيم أو تقيم » ، فخلّفه ، فلمّا فَصَلَ رسول الله غازياً قال ناس ـ وفي بعض الالفاظ : قال ناس من قريش ، وفي بعض الالفاظ : قال بعض المنافقين ـ : ما خلّفه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلاّ لشيء كرهه منه ، فبلغ ذلك عليّاً ، فأتبع رسول الله حتّى انتهى إليه ، فقال له : « ما جاء بك يا علي ؟ » قال : لا يا رسول الله ، إلاّ أنّي سمعت ناساً يزعمون أنّك إنّما خلّفتني لشيء كرهته منّي ، فتضاحك رسول الله وقال : « يا علي أما ترضى أن تكون منّي كهارون من موسى إلاّ أنّك لست بنبي ؟ » قال : بلى يا رسول الله، قال : « فإنّه كذلك » .
---------------------------
(1) طبقات ابن سعد 3 / 24 ـ دار صادر ـ بيروت ـ 1405 هـ .
(2) طبقات ابن سعد 3 / 24 .
حديث المنزلة
_ 12 _
وفي رواية خصائص النسائي
(1) قال الناس : قالوا ملّه ، أي ملّ رسول الله عليّاً وكره صحبته ، وفي رواية : قال علي لرسول الله : زعمت قريش أنّك إنّما خلّفتني أنّك استثقلتني وكرهت صحبتي ، وبكى علي ، فنادى رسول الله في الناس : « ما منكم أحد إلاّ وله خاصة ، يابن أبي طالب ، أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ؟ » قال علي : رضيت عن الله عز ّوجلّ وعن رسوله ، وإذا راجعتم سيرة ابن سيّد الناس
(2) ، وكذا سيرة ابن قيّم الجوزية
(3) ، وسيرة ابن إسحاق
(4) ، وأيضاً في بعض المصادر الاُخرى : إنّ الذين قالوا ذلك كانوا رجالاً من المنافقين ، ففي بعض الالفاظ : الناس ، وفي بعض الالفاظ : قريش ، وفي بعض الالفاظ : المنافقون ، ومن هنا يظهر أنّ في قريش أيضاً منافقين ، وهذا مطلب مهم .
وفي المعجم الاوسط للطبراني عن علي ( عليه السلام ) : إنّ النبي قال له : « خلّفتك أنْ تكون خليفتي » ، قلت : أتخلّف عنك يا رسول الله ؟ قال : « ألا ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي »
(5) ، ففيه : « خلّفتك أنْ تكون خليفتي » .
وروى السيوطي في جامعه الكبير
(4) عن كتب جمع منهم : ابن النجار البغدادي ، وأبو بكر الشيرازي في الالقاب ، والحاكم النيسابوري في كتابه الكنى ، والحسن بن بدر ـ الذي هو من كبار الحفّاظ ـ في كتابه ما رواه الخلفاء ، هؤلاء يروون عن ابن عباس قال : قال عمر بن الخطّاب : كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب [ لماذا كانوا يذكرون عليّاً وبم كانوا يذكرونه ؟ حتّى نهاهم عمر عن ذكره ؟ أكانوا يذكرونه بالخير وينهاهم ؟ قائلاً : كفّوا عن ذكر علي بن أبي طالب ] فإنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول في علي ثلاث خصال لو كان لي واحدة منهنّ كان أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس .
---------------------------
(1) الخصائص للنسائي : 67 رقم 44 و 77 رقم61 .
(2) عيون الاثر 2 / 294 ـ مكتبة دار التراث ـ المدينة المنوّرة ـ 1413 هـ .
(3) زاد المعاد 3 / 559 مـ 560 ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 1408 هـ .
(4) سيرة ابن هشام 2 / 519 ـ 520 .
(5) المعجم الاوسط 4 / 484 رقم 4248 .
(6) الجامع الكبير 16 / 244 رقم 7818 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1414 هـ.
حديث المنزلة
_ 13 _
كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجرّاح [ هؤلاء الثلاثة هم أصحاب السقيفة من المهاجرين ] ونفر من أصحاب النبي ، وهو متّكىء [ أي النبي ] على علي بن أبي طالب ، حتّى ضرب بيده على منكبيه ثمّ قال : « يا علي أنت أوّل المؤمنين إيماناً وأوّلهم إسلاماً ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، وكذب من زعم أنّه يحبّني ويبغضك » ، وفي تاريخ ابن كثير
(1) : « أو ما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة » ، وفرق بين عبارة « إلاّ النبوّة » وبين عبارة « إلاّ أنّك لست بنبي » و « إلاّ أنّه لا نبي بعدي » فرق كثير بين العبارتين ، يقول ابن كثير : إسناده صحيح ولم يخرجوه .
وفي تاريخ ابن كثير أيضاً
(2) في حديث معاوية وسعد : إنّ معاوية وقع في علي فشتمه [ بنصّ العبارة ] فقال سعد : والله لانْ تكون لي إحدى خلاله الثلاث أحبّ إليّ ممّا يكون لي ما طلعت عليه الشمس . . . ، فيذكر منها حديث المنزلة ، إلاّ أن الزرندي الحافظ يذكر نفس الحديث يقول : عن سعد : إنّ بعض الاُمراء قال له : ما منعك أنْ تسبّ أبا تراب
(3) ، فأراد أنْ لا يذكر اسم معاوية محاولةً لحفظ ماء وجهه وماء وجههم .
وفي تاريخ دمشق والصواعق المحرقة وغيرهما : إنّ رجلاً سأل معاوية عن مسألة فقال : سل عنها عليّاً فهو أعلم ، قال الرجل : جوابك فيها أحبّ إليّ من جواب علي ، قال معاوية : بئس ما قلت ، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يغرّه بالعلم غرّاً ، ولقد قال له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه
(4) ، وتلاحظون أنّ في كلّ لفظ من هذه الالفاظ التي انتخبتها خصوصية ، لابدّ من النظر إليها بعين الدقّة والاعتبار ، وانتهت الجهة الاُولى ، أي جهة البحث عن السند والرواة .
---------------------------
(1) البداية والنهاية المجلد الرابع الجزء 7 / 340 ـ دار الفكر ـ بيروت .
(2) البداية والنهاية المجلد الرابع الجزء 7 / 340 .
(3) نظم درر السمطين : 107 .
(4) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 396 رقم 410 ، الرياض النضرة 3 / 162 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ، مناقب الامام علي ( عليه السلام ) للمغازلي : 34 رقم 52 ـ دار الاضواء بيروت ـ 1403 .
حديث المنزلة
_ 14 _
دلالات حديث المنزلة :
الجهة الثانية في دلالات حديث المنزلة ، وكما أشرنا من قبل ، دلالات حديث المنزلة متعددة ، وكلّ واحدة منها تكفي لان تكون بوحدها دليلاً على إمامة أمير المؤمنين ، قبل كلّ شيء لابدّ أنْ نرى ما هي منازل هارون من موسى حتّى يكون علي نازلاً من النبي منزلة هارون من موسى ، لنرجع إلى القرآن الكريم ونستفيد من الايات المباركات منازل لهارون :
المنزلة الاُولى : النبوّة
قال تعالى : ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً )
(1) .
المنزلة الثانية : الوزارة
قال تعالى عن لسان موسى : ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي )
(2) ، وفي سورة الفرقان قال تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً )
(3) ، وفي سورة القصص عن لسان موسى : ( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي )
(4) .
المنزلة الثالثة : الخلافة
قال تعالى : ( وَقَالَ مُوسَى لاَِخِيه هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )
(5) .
المنزلة الرابعة : القرابة القريبة
قال تعالى عن لسان موسى : ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي )
(6) .
---------------------------
(1) سورة مريم : 53 .
(2) سورة طه : 29 .
(3) سورة الفرقان : 35 .
(4) سورة القصص : 34 .
(5) سورة الاعراف : 142 .
(6) سورة طه : 31 .
حديث المنزلة
_ 15 _
ورسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يخبر في حديث المنزلة عن ثبوت جميع هذه المنازل القرآنية لهارون وغيرها كما سنقرأ ، عن ثبوتها جميعاً لعلي ما عدا النبوة ، لقد أخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) النبوة بعد شمول تلك الكلمة التي أطلقها ، هي تشمل النبوة إلاّ أنّه أخرجها واستثناها استثناءً ، لقيام الضرورة على أنْ لا نبي بعده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويبقى غير هذه المنزلة باقياً وثابتاً لعلي ( عليه السلام ) ، وبيان ذلك : إنّ عليّاً ( عليه السلام ) وإنْ لم يكن بنبي ، وهذا هو الفارق الوحيد بينه وبين هارون في المراتب والمقامات والمنازل المعنوية الثابتة لهارون ، وإنْ لم يكن بنبي، إلاّ أنّه ( عليه السلام ) يعرّف نفسه ويذكر بعض خصائصه وأوصافه في الخطبة القاصعة ، نقرأ في نهج البلاغة يقول ( عليه السلام ) : « ولقد علمتم موضعي من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد ، يَضمّني إلى صدره ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة بقول ولا خطلة في فعل ، ولقد قرن الله به ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من لدن أنْ كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالَم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه عَلَما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما » .
لاحظوا هذه الكلمة : « أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة ، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه ، فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته » .
حديث المنزلة
_ 16 _
ثمّ لاحظوا ماذا يقول الرسول لعلي : « إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبي ولكنّك وزير ، وإنّك لعلى خير »
(1) ، أرجو الانتباه إلى ما أقول ، لتروا كيف تتطابق الايات القرآنيّة والاحاديث النبويّة وكلام علي في الخطبة القاصعة ، إنّ عليّاً وإنْ لم يكن بنبي لكنّه رأى نور الوحي والرسالة وشمّ ريح النبوّة .
أترون أنّ هذا المقام وهذه المنزلة تعادلها منازل جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم في المنازل الثابتة لهم ؟ تلك المنازل لو وضعت في كفّة ميزان ، ووضعت هذه المنزلة في كفّة، أترون أنّ تلك المنازل كلّها وتلك المناقب ، تعادل هذه المنقبة الواحدة ؟ فكيف وأنْ يُدّعى أنّ شيئاً من تلك المناقب المزعومة يترجّح على هذه المنقبة ؟ علي لم يكن بنبي ، لكنّه شمّ ريح النبوّة ، لكنْ ما معنى هذه الكلمة بالدقّة ، لا نتوصّل إلى معناها، وعقولنا قاصرة عن درك هذه الحقيقة ، لم يكن بنبي إلاّ أنّه شمّ ريح النبوّة ، وأيضاً : لم يكن علي نبيّاً إلاّ أنّه كان وزيراً ، لمن ؟ لرسول الله الذي هو أشرف الانبياء وخير المرسلين وأكرمهم وأعظمهم وأقربهم إلى الله سبحانه وتعالى ، وأين هذه المرتبة من مرتبة هارون بالنسبة إلى موسى الذي طلب أن يكون هارون وزيراً له ، إلاّ أنّ كلامنا الان في دوران الامر بين علي وأبي بكر .
ومن الاحاديث الشاهدة بوزارة علي ( عليه السلام ) لرسول الله ، الحديث الذي ذكرناه في يوم الدار ، يوم الانذار ، حيث قال : « فأيّكم يوآزرني على أمري هذا ؟ » قال علي : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فقال : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا »
(2) .
---------------------------
(1) نهج البلاغة 2 / 182 ـ مطبعة الاستقامة بمصر ( محمّد عبده ) .
(2) تفسير البغوي 4 / 278 ، ومصادر أُخرى .
حديث المنزلة
_ 17 _
وفي رواية الحلبي في سيرته : « إجلس ، فأنت أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي »
(1) ، وفي تاريخ دمشق ، وفي المرقاة ، وفي الدر المنثور ، وفي الرياض النضرة ، يروون عن ابن مردويه وعن ابن عساكر وعن الخطيب البغدادي وغيرهم ، عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : « اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى : اللهمّ اجعل لي وزيراً من أهلي أخي عليّاً ، اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبّحك كثيراً ونذكرك كثيراً ، إنّك كنت بنا بصيراً »
(2) .
وأيضاً ، هذه دلالات حديث المنزلة ، لاحظوا كيف تتطابق الايات والروايات وكلام علي بالذات ؟ إنّ لعلي ( عليه السلام ) موضعاً من رسول الله يقول : « قد علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القريبة » ، هذه القرابة القريبة في قصّة موسى وهارون قول موسى : ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ) ، ومن هنا سيأتي أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد ذكر حديث المنزلة في قصة المؤاخاة بينه وبين علي ( عليهما الصلاة والسلام ) .
مضافاً إلى قوله تعالى : ( وَأُولُوا الاَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ )
(3) ، فإنّ الاوصاف الثلاثة هذه ـ أي الايمان والهجرة وكونه ذا رحم ـ لا تنطبق إلاّ على علي ، فيظهر أنّ القرابة القريبة هي جزء من مقوّمات الخلافة والولاية بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وقد ذكر الفخر الرازي بتفسير الاية المذكورة استدلال محمّد ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن المجتبى ( عليه السلام ) بالاية المباركة هذه ، في كتاب له إلى المنصور العباسي ، استدلّ بهذه الاية على ثبوت الاولوية لعلي ، وأجابه المنصور بأنّ العباس أولى بالنبي من علي ، لانّه عمّه وعلي ابن عمّه ، ووافق الفخر الرازي الذي ليس من العباسيين ، وافق العباسيين في دعواهم هذه ، لا حبّاً للعباسيين ، وإنّما ؟ والفخر الرازي نفسه يعلم بأنّ العباس عمّ النبي ، ولكن العباس ليس من المهاجرين ، إذ لا هجرة بعد الفتح ، فكان علي هو المؤمن المهاجر ذا الرحم ، ولو فرضنا أنّ في الصحابة غير علي من هو مؤمن ومهاجر ، والانصاف وجود كثيرين منهم كذلك ، إلاّ أنّهم لم يكونوا بذي رحم ، ويبقى العباس وقد عرفتم أنّه ليس من المهاجرين ، فلا تنطبق الاية إلاّ على علي .
---------------------------
(1) السيرة الحلبيّة 1 / 461 .
(2) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 120 ـ 121 رقم 147 ، الدر المنثور 5 / 566 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1403 هـ ، الرياض النضرة 3 / 118 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .
(3) سورة الاحزاب : 6 .
حديث المنزلة
_ 18 _
وهذا وجه استدلال محمّد بن عبد الله بن الحسن في كتابه إلى المنصور ، وقد كان الرجل عالماً فاضلاً عارفاً بالقرآن الكريم ، والفخر الرازي في هذا الموضع يوافق العباسيين و المنصور العباسي ، ويخالف الهاشميين والعلويين حتّى لا يمكن ـ بزعمه ـ الاستدلال بالاية على إمامة علي أمير المؤمنين ، فقوله تعالى : ( وَأُولُوا الاَْرْحَامِ ) دليل آخر على إمامة علي ، ومن هنا يظهر : أنّ استدلال علي ( عليه السلام ) وذكره القرابة القريبة كانت إشارة إلى ما في هذه الناحية من الدخل في مسألة الامامة والولاية ، مضافاً إلى أنّ العباس قد بايع عليّاً ( عليه السلام ) في الغدير وبقي على بيعته تلك ، ولم يبايع غير أمير المؤمنين ، بل في قضايا السقيفة جاء إلى علي ، وطلب منه تجديد البيعة ، فيسقط العباس عن الاستحقاق للامامة والخلافة بعد رسول الله ، ولو تتذكرون ، ذكرت لكم في الليلة الاُولى أنّ هناك قولاً بإمامة العباس ، لكنّه قول لا يستحق الذكر والبحث عنه عديم الجدوى .
ومن منازل هارون
أعلميّته بعد موسى من جميع بني إسرائيل ومن كلّ تلك الاُمّة ، وقد ثبتت المنزلة هذه بمقتضى تنزيل علي منه بمنزلة هارون من موسى لامير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وإلى الاعلميّة هذه يشير علي ( عليه السلام ) في الاوصاف التي ذكرها لنفسه في هذه الخطبة وفي غير هذه الخطبة ، في هذه الخطبة يقول : « كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به » .
ويقول ( عليه السلام ) في خطبة أُخرى بعد أنْ يذكر العلم بالغيب يقول : « فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله ، وما سوى ذلك ( أي ما سوى ما اختصّ به سبحانه وتعالى لنفسه ) فعلم علّمه الله نبيّه ، فعلّمنيه ودعا لي بأنْ يعيه صدري وتضْطَمّ عليه جوانحي » ، وأيضاً : تظهر أعلميّته ( عليه السلام ) من قوله في نفس هذه الخطبة عن رسول الله حيث خاطبه بقوله : « إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى » ، وأيضاً : رسول الله يقول في علي : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » .
حديث المنزلة
_ 19 _
هذا الحديث هو الاخر من الاحاديث الدالة على إمامة أمير المؤمنين ( سلام الله عليه ) ، وكان ينبغي أن نخصّص ليلة للبحث عن هذا الحديث الشريف ، لنتعرّض هناك عن أسانيده ودلالاته ، ولنتعرّض أيضاً لمحاولات القوم في ردّه وإبطاله ، وما ارتكبوه من الكذب والدسّ والتزوير والتحريف .
أمّا ثبوت الاعلميّة لهارون بعد موسى ، فلو أردتم، فراجعوا التفاسير في قوله تعالى : ( قَالَ إِنَّمَا أُوْتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي )
(1) عن لسان قارون ، في ذيل هذه الاية ، تجدون التصريح بأعلميّة هارون من جميع بني إسرائيل إلاّ موسى ، فراجعوا تفسير البغوي
(2) ، وراجعوا تفسير الجلالين
(3) ، وغير هذين من التفاسير .
من دلالات حديث المنزلة العصمة :
وهل من شك في ثبوت العصمة لهارون ؟ وقد نزّل رسول الله أمير المؤمنين منزلة هارون ، ولم يدّع أحد من الصحابة العصمة ، كما لم يدّعها أحد لواحد من الصحابة ، سوى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وحينئذ هل يجوّز عاقل أن يكون الامام بعد رسول الله غير معصوم مع وجود المعصوم ؟ وهل يجوّز العقل أنْ يجعل غير المعصوم واسطة بين الخلق والخالق مع وجودالمعصوم ؟ وهل يجوز عقلاً وعقلاءاً الاقتداء بغير المعصوم مع وجود المعصوم ؟ وإلى مقام العصمة يشير علي ( عليه السلام ) عندما يقول ويصرّح بأنّه كان يرى نور الوحي والرسالة ويشمّ ريح النبوة .
وهل يعقل أن يترك مثل هذا الشخص ويقتدى بمن ليس له أقلّ قليل من هذه المنزلة ؟ ولا يخفى عليكم أنّ الذي كان يسمعه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأنّ الذي كان يراه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، هو أسمى وأجلّ وأرقى وأرفع ممّا كان يراه ويسمعه غيره من الانبياء السابقين عليه ، فكان علي يسمع ويرى ما يسمع ويرى النبي ، وعليكم بالتأمّل التام في هذا الكلام .
---------------------------
(1) سورة القصص : 78 .
(2) تفسير البغوي 4 / 357 ـ دارالفكر ـ بيروت ـ 1405 هـ .
(3) تفسير الجلالين 2 / 201 ـ نشر مصطفى البابي الحلبي بمصر ـ 1388 هـ .
حديث المنزلة
_ 20 _
من خصائص هارون ومنازله :
أنّ الله سبحانه وتعالى أحلّ له ما لم يكن حلالاً لغيره في المسجد الاقصى ، وبحكم حديث المنزلة يتمّ هذا الامر لعلي وأهل بيته بالخصوص، ويكون هذا من جملة ما يختصّ بأمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين ويميّزهم عن الاخرين ، فيكونون أفضل من هذه الناحية أيضاً من غيرهم .
والشواهد لهذا الحديث ولهذا التنزيل في الاحاديث كثيرة ، ومن ذلك : حديث سدّ الابواب ، وهذه ألفاظ تتعلّق بهذا الموضوع في السنّة النبويّة الشريفة المتفق عليها بين الفريقين ، وأنا أنقل لكم من بعض المصادر المعتبرة عند أهل السنّة : أخرج ابن عساكر في تاريخه، وعنه السيوطي في الدرّ المنثور
(1) : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) خطب فقال : « إنّ الله أمر موسى وهارون أن يتبوّءا لقومهما بيوتاً ، وأمرهما أنْ لا يبيت في مسجدهما جنب ، ولا يقربوا فيه النساء ، إلاّ هارون وذريّته ، ولا يحلّ لاحد أن يقرب النساء في مسجدي هذا ولا يبيت فيه جنب إلاّ علي وذريّته » ، وفي مجمع الزوائد عن علي ( عليه السلام ) قال : أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بيدي فقال : « إنّ موسى سأل ربّه أنْ يطهّر مسجده بهارون ، وإنّي سألت ربّي أنْ يطهّر مسجدي بك وبذريّتك » ، ثمّ أرسل إلى أبي بكر أنْ سدّ بابك ، فاسترجع ( أي قال : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) ثمّ قال : سمعٌ وطاعة ، فسدّ بابه ، ثمّ أرسل إلى عمر ، ثمّ أرسل إلى العباس بمثل ذلك ، ثمّ قال رسول الله: « ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي ، ولكن الله فتح باب علي وسدّ أبوابكم »
(2) .
---------------------------
(1) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 296 ، الدر المنثور 4 / 383 .
(2) مجمع الزوائد 9 / 114 .
حديث المنزلة
_ 21 _
وفي مجمع الزوائد وكنز العمال وغيرهما ـ واللفظ للاوّل ـ : لمّا أخرج أهل المسجد وترك عليّاً قال الناس في ذلك ( أي تكلّموا في ذلك واعترضوا ) فبلغ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : « ما أنا أخرجتكم من قبل نفسي ، ولا أنا تركته ، ولكنّ الله أخرجكم وتركه ، إنّما أنا عبد مأمور ، ما أُمرت به فعلت ، إنّ أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ »
(1) ، وفي كتاب المناقب لاحمد بن حنبل ، وكذا في المسند ، وفي المستدرك للحاكم ، وفي مجمع الزوائد ، وتاريخ دمشق ، ( و غيرها )
(2) عن زيد بن أرقم قال : كانت لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد ، فقال يوماً : « سدّوا هذه الابواب إلاّ باب علي » ، قال : فتكلّم في ذلك ناسٌ ، فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : « أمّا بعد ، فإنّي أمرت بسدّ هذه الابواب غير باب علي ، فقال فيه قائلكم ، والله ما سددت شيئاً ولا فتحته، ولكن أُمرت بشيء فاتّبعته » .
وهذا الحديث موجود في صحيح الترمذي ، وفي الخصائص للنسائي
(3) ، وغيرهما من المصادر أيضاً ، ولذا كانت قضية سدّ الابواب من جملة موارد قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « علي منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وإلى الان ظهرت دلالة حديث المنزلة على إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : من جهة ثبوت العصمة له ، ومن جهة ثبوت الافضلية له ، ومن جهة ثبوت بعض الخصائص الاُخرى الثابثة لهارون .
---------------------------
(1) مجمع الزوائد 9 / 115 ، كنز العمال 11 / 600 رقم 32887 ـ دار إحياء التراث .
(2) فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لاحمد بن حنبل : 72 رقم 109 ، مسند أحمد 5 / 496 رقم 18841 ، مستدرك الحاكم 3 / 125 ، مجمع الزوائد 9 / 114 ، ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 279 ـ 284 رقم 324 ، الرياض النضرة 3 / 158 .
(3) خصائص النسائي : 59 رقم 38 .
حديث المنزلة
_ 22 _
دلالة حديث المنزلة على خلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
ننتقل الان إلى دلالة هذا الحديث على خصوص الخلافة والولاية ، فيكون نصّاً في المدّعى ، ولا ريب في أنّ من منازل هارون : خلافته عن موسى ( عليه السلام ) ، قال تعالى عن لسان موسى يخاطب هارون : ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )
(1) ، فكان هارون خليفة لموسى ، وعلي بحكم حديث المنزلة خليفة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فيكون هذا الحديث نصّاً في الخلافة والامامة والولاية بعد رسول الله.
ومن جملة آثار هذه الخلافة : وجوب الطاعة المطلقة ، ووجوب الانقياد المطلق ، والطاعة المطلقة والانقياد المطلق يستلزمان الامامة والولاية العامة ، ولا يتوهمنّ أحدٌ بأنّ وجوب إطاعة هارون ووجوب الانقياد المطلق له كان من آثار وأحكام نبوّته ، لا من آثار وأحكام خلافته عن موسى ، حتّى لا تجب الاطاعة المطلقة لعلي ، لانّه لم يكن نبيّاً ، هذا التوهم باطل ومردود ، وإنْ وقع في بعض الكتب من بعض علمائهم ، وذلك لانّ وجوب الاطاعة المطلقة إنْ كان من آثار النبوّة لا من آثار الخلافة ، إذن لم يثبت وجوب الاطاعة للمشايخ الثلاثة ، لانّهم لم يكونوا أنبياء ، وأيضاً : لم يثبت وجوب الاطاعة المطلقة لعلي في المرتبة الرابعة التي يقولون بها له ( عليه السلام ) ، إذ ليس حينئذ نبيّاً ، بل هو خليفة .
فإذن ، وجوب الاطاعة لهارون كان بحكم خلافته عن موسى لا بحكم نبوّته ، وحينئذ تجب الاطاعة المطلقة لعلي ( عليه السلام ) بحكم خلافته عن رسول الله ، وبحكم تنزيله من رسول الله منزلة هارون من موسى ، فالمناقشة من هذه الناحية مردودة ، وإذا ما رجعنا إلى الكتب المعنيّة بمثل هذه البحوث ، لرأينا تصريح علمائهم بدلالة حديث المنزلة على خلافة علي ( عليه السلام ) ، فراجعوا مثلاً كتاب التحفة الاثنا عشرية الذي ألّفه مؤلّفه ردّا على الشيعة الامامية الاثنا عشرية ، فإنّه يعترف هناك بدلالة حديث المنزلة على الخلافة ، بل يضيف أنّ إنكار هذه الدلالة لا يكون إلاّ من ناصبي ولا يرتضي ذلك أهل السنة .
---------------------------
(1) سورة الاعراف : 142 .
حديث المنزلة
_ 23 _
إنّما الكلام في ثبوت هذه الخلافة بعد رسول الله بلا فصل ، أمّا أصل ثبوت الخلافة لامير المؤمنين بعد رسول الله بحكم هذا الحديث فلا يقبل الانكار، إلاّ إذا كان من النواصب المعاندين لامير المؤمنين ( عليه السلام ) ، كما نصّ على ذلك صاحب التحفة الاثنا عشرية ، يقول صاحب التحفة هذا الكلام ويعترف بهذا المقدار من الدلالة ، إلاّ أنّك لو راجعت كتب الحديث وشروح الحديث لرأيتهم يناقشون حتّى في أصل دلالة حديث المنزلة على الخلافة والولاية بعد رسول الله ، أي ترى في كتبهم ما ينسبه صاحب التحفة إلى النواصب ، ويقولون بما يقوله النواصب .
فراجعوا مثلاً شرح حديث المنزلة في كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني الحافظ ، وشرح صحيح مسلم للحافظ النووي ، والمرقاة في شرح المشكاة ، تجدوهم في شرح حديث المنزلة يناقشون في دلالة هذا الحديث على أصل الامامة والولاية ، وهذا ما كان صاحب التحفة ينفيه عن أهل السنّة وينسبه إلى النواصب ، أقرأ لكم عبارة النووي في شرح صحيح مسلم ، ونفس العبارة أو قريب منها موجود في الكتب التي أشرت إليها وغيرها أيضاً من الكتب ، يقول النووي
(1) : وليس فيه ( أي في هذا الحديث ) دلالة لاستخلافه ( أي استخلاف علي ) بعده ( أي بعد الرسول ) ، لانّ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إنّما قال لعلي حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ( أي إنّ هذا الحديث وارد في مورد خاص ) ، يقول : ويؤيّد هذا أنّ هارون المشبّه به لم يكن خليفة بعد موسى ، بل توفي في حياة موسى قبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو المشهور عند أهل الاخبار والقصص ، قالوا : وإنّما استخلفه ـ أي استخلف موسى هارون ـ حين ذهب لميقات ربّه للمناجاة ، فكانت الخلافة هذه خلافة موقتة ، وكانت في قضية خاصة محدودة ، وليس فيها أي دلالة على الخلافة بالمعنى المتنازع فيه أصلاً .
وهل هذا إلاّ كلام النواصب الذي يأبى أن يلتزم به مثل صاحب التحفة ، فينسبه إلى النواصب ؟ وأمّا ما يقوله ابن تيميّة وغير ابن تيميّة من أصحاب الردود على الشيعة الاماميّة ، فسنذكر مقاطع من عباراتهم ، لتعرفوا من هو الناصبي ، وتعرفوا النواصب أكثر وأكثر ، وإلى هنا بيّنا وجه دلالة حديث المنزلة على الخلافة والامامة والولاية بعد رسول الله بالنص ، وأنّ صاحب التحفة لا ينكر هذه الدلالة ، وإنّما يقول بأنّ الدلالة على الامامة بلا فصل أوّل الكلام ، لان النزاع والكلام في دلالة الحديث على الامامة بعد رسول الله مباشرة .
---------------------------
(1) شرح النووي لصحيح مسلم المجلد الثامن الجزء 15 / 174 .
حديث المنزلة
_ 24 _
محاولات القوم في ردّ حديث المنزلة :
وحينئذ ندخل في الجهة الثالثة من جهات بحثنا عن حديث المنزلة ، أي في المناقشات العلمية ، وفي محاولات القوم في ردّ هذا الحديث وإبطاله .
أوّلاً : المناقشات العلمية
ونحن على استعداد تام لقبول أيّ مناقشة إنْ كانت مناقشة علمية ، وعلى أُسس علمية وقواعد مقرّرة في كيفيّة البحث والمناظرة ، ويتلخّص ما ذكروه في مقام المناقشة في دلالة هذا الحديث في المناقشات الثلاثة التالية :
المناقشة الاُولى: إنّ هذا الحديث لا يدلّ على عموم المنزلة ، وحينئذ تتمّ المشابهة بين علي وهارون بوجه شبه واحد ، ويكفي ذلك في صحّة الحديث ، أمّا أنْ يكون علي نازلاً من رسول الله منزلة هارون من موسى بجميع منازل هارون فلا نوافق على هذا .
المناقشة الثانية : إنّ هذه الخلافة كانت خلافة موقتةً في ظرف خاص ، وزمان محدود ، وفي حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما كانت خلافة هارون عن موسى في حياة موسى عندما ذهب لمناجاة ربّه ، وكانت تلك الخلافة أيضاً في حياة موسى ، ويؤيّد ذلك موت هارون في حياة موسى ، فأين الخلافة بالمعنى المتنازع فيه ؟
المناقشة الثالثة : إنّ حديث المنزلة إنّما ورد في خصوص غزوة تبوك ، وإنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال هذا الكلام عندما خرج في غزوة تبوك وترك عليّاً ليقوم بشؤون أهله وعياله ومن بقي في المدينة المنوّرة ، فالقضيّة خاصة وحديث المنزلة إنّما ورد في هذه القضية المعيّنة ، ولابدّ من الاجابة عن هذه المناقشات واحدة واحدة :
الجواب عن المناقشة الاُولى : والمناقشة الاُولى كانت تتلخّص في نفي عموم المنزلة ، فنقول في الجواب : بأنّ الحديث يشتمل على لفظ وهو اسم جنس مضاف إلى عَلَم قال : « أنت منّي بمنزلة هارون » ، فكلمة المنزلة اسم جنس مضاف إلى علم وهو هارون ، ثمّ يشتمل الحديث على استثناء « إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، فالكلام مشتمل على اسم جنس مضاف إلى علم ، ومشتمل على استثناء باللفظ الذي ذكرناه ، هذا متن الحديث .
حديث المنزلة
_ 25 _
ولو رجعنا إلى كتب علم أُصول الفقه ، ولو رجعنا إلى كتب علم البلاغة وكتب الادب، لوجدناهم ينصّون على أنّ الاستثناء معيار العموم ، وينصّون على أنّ من ألفاظ العموم اسم الجنس المضاف ، فأي مجال للمناقشة ؟ اسم الجنس المضاف « بمنزلة هارون » من صيغ العموم ، والاستثناء أيضاً معيار العموم ، فيكون الحديث نصّاً في العموم ، إذْ ليس في الحديث لفظ آخر ، فلفظه : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وحينئذ يسقط الاشكال وتبطل المناقشة ، وهذه عبارة ابن الحاجب الذي هو من أئمّة علم الاُصول ومن أئمّة علم النحو والصرف وعلوم الادب، يقول في كتاب مختصر الاُصول ـ وهو المتن الذي كتبوا عليه الشروح والتعاليق الكثيرة ، وكان المتن الذي يدرّس في الحوزات العلمية ـ : ثمّ إنّ الصيغة الموضوعة له ـ أي للعموم ـ عند المحققين هي هذه : أسماء الشرط والاستفهام ، الموصولات ، الجموع المعرفة تعريف جنس لا عهد ، واسم الجنس معرفاً تعريف جنس أو مضافاً
(1) .
وإن شئتم أكثر من هذا ، فراجعوا كتابه الكافية في علم النحو بشرح المحقق الجامي المسمّى بـ ( الفوائد الضيائيّة ) ، وهو أيضاً كان من الكتب الدراسيّة إلى هذه الاواخر ، وراجعوا من كتب الاُصول أيضاً كتاب المنهاج للقاضي البيضاوي وشروحه ، وأيضاً راجعوا فواتح الرحموت في شرح مسلّم الثبوت ، الذي هو من كتب علم أُصول الفقه المعتبرة المشهورة عند القوم ، وراجعوا من الكتب الادبية كتاب الاشباه والنظائر للسيوطي ، وراجعوا من كتب علم البلاغة المطوّل في شرح التلخيص ومختصر المعاني في شرح التلخيص للتفتازاني ، هذين الكتابين اللذين يدرّسان في الحوزات العلمية ، وهكذا غير هذه الكتب المعنية بعلم أُصول الفقه وعلم النحو والبلاغة .
وأمّا الاستثناء ، فقد نصّ أئمّة علم أُصول الفقه كذلك كما في كتاب منهاج الوصول إلى علم الاُصول للقاضي البيضاوي ، وفي شروحه أيضاً ، كشرح ابن إمام الكاملية وغير هذا من الشروح ، كلّهم ينصّون على هذه العبارة يقولون : معيار العموم الاستثناء .
---------------------------
(1) المختصر ( بيان المختصر 2 ) : 111 ـ مركز إحياء التراث الاسلامي ـ مكة المكرمة .
حديث المنزلة
_ 26 _
فكلّ ما صحّ الاستثناء منه ممّا لا حصر فيه فهو عام ، والحديث يشتمل على الاستثناء ، وقد يقال : لابدّ من رفع اليد عن العموم ، بقرينة اختصاص حديث المنزلة بغزوة تبوك ، وإذا قامت القرينة أو قام المخصص سقط اللفظ عن الدلالة على العموم ، فيكون الحديث دالاًّ على استخلافه ليكون متولّياً شؤون الصبيان والنساء والعجزة ـ بتعبير ابن تيميّة ـ الباقين في المدينة المنوّرة لا أكثر من هذا ، لكن يردّ هذا الاشكال وهذه الدعوى ، ورود حديث المنزلة في غير تبوك ، كما سنقرأ ، وقد يقال أيضاً : إنّ الاستثناء إنّما يدلّ على العموم إنْ كان استثناء متّصلاً ، وهذا الاستثناء منقطع ، لانّ الجملة المستثناة جملة خبرية ، ولا يمكن أنْ تكون الجملة الخبرية استثناؤها استثناءً متصلاً .
وهذه بحوث علمية لابدّ وأنّكم مطّلعون على هذه البحوث ، وهذا وجه للاشكال وجيه ، ذكره صاحب التحفة الاثنا عشرية
(1) ، فإنْ تمّ سقط الاستدلال بعموم الاستثناء ، ولكن عندما نراجع ألفاظ الحديث نجد فيها مجيء كلمة « النبوّة » مستثناة بعد « إلاّ » ، وليس هناك جملة خبرية ، وسند هذا الحديث أو هذه الاحاديث سند معتبر ، وممّن نصّ على صحّة سند الحديث بهذا اللفظ : ابن كثير الدمشقي في كتابه في التاريخ البداية والنهاية
(2) ، على أنّ من المقرّر عندهم في علم الاُصول وفي علم البلاغة أيضاً إنّ الاصل في الاستثناء هو الاتّصال ، ولا ترفع اليد عن هذا الاصل إلاّ بدليل ، إلاّ بقرينة ، وأراد صاحب التحفة أن يجعل الجملة الخبرية المستثناة قرينة ، وقد أجبنا عن ذلك بمجيء المستثنى إسماً لا جملة خبريّة ، ولو أردتم أن تطّلعوا على تعابيرهم وتصريحاتهم بأنّ الاصل في الاستثناء هو الاتّصال لا الانقطاع ، فراجعوا كتاب المطوّل ، هذا الكتاب الموجود بأيدينا ، الذي ندرسه وندرّسه في الحوزة العلميّة
(3) .
---------------------------
(1) التحفة الاثنا عشرية : 211 .
(2) البداية والنهاية ، المجلّد 4 الجزء 7 / 340 .
(3) المطوّل : 204 ـ 224 ـ انشارات داوري قم ـ 1416 هـ .
حديث المنزلة
_ 27 _
وأيضاً يمكنكم مراجعة كتاب كشف الاسرار في شرح أُصول البزدوي
(1) للشيخ عبد العزيز البخاري الذي هو من مصادرهم الاُصولية ، كما بإمكانكم مراجعة كتاب مختصر الاُصول لابن ( الحاجب )
(2) أيضاً ، وهو ينصّ على هذا ، بل لو راجعتم شروح الحديث ، لوجدتم الشرّاح من المحدّثين أيضاً ينصّون على كون الاستثناء هذا متّصلاً لا منقطعاً، فراجعوا عبارة القسطلاني في إرشاد الساري
(3) ، وراجعوا أيضاً فيض القدير في شرح الجامع الصغير ، إذن ، سقطت المناقشة الاُولى ، وتمّت دلالة الحديث على العموم أي عموم المنزلة ، وهذه البحوث بحوث تخصصيّة ، أرجو الالتفات إليها وتذكّر ما درستموه من القواعد العلمية المفيدة في مثل هذه المسائل .
الجواب عن المناقشة الثانية : والمناقشة الثانية كان ملخصها : إنّ الاستخلاف هذا كان في قضية معيّنة ، وفي حياة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما أنّ استخلاف هارون كان في حياة موسى ، وقد مات هارون قبل موسى ، إذن لا دلالة على الامامة والخلافة بالمعنى المتنازع فيه ، هذا الاشكال الذي طرحه كثيرون منهم ، من ابن حجر العسقلاني ، ومن القسطلاني ، ومن القاري ، ومن غيرهم من كبار المحدّثين ، وأيضاً من المتكلّمين ، لو راجعتم إلى كتبهم لوجدتم هذا الاشكال وهذه المناقشة .
مع ابن تيمية :
بل لو رجعتم إلى منهاج السنّة لوجدتم عبارات ابن تيميّة مشحونة بالبغض والعداء والتنقيص والطعن في علي ( عليه السلام ) ، لاقرأ لكم بعض عباراته يقول : كان النبي كلّما سافر في غزوة أو عمرة أو حجّ يستخلف على المدينة بعض الصحابة ، حتّى أنّهم ذكروا استخلاف رسول الله ابن أُم مكتوم في بعض الموارد ، ولا يدّعى لابن أُم مكتوم مقام لاستخلاف النبي إيّاه في تلك الفترة .
---------------------------
(1) كشف الاسرار 3 / 178 باب بيان التغير ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1418 .
(2) المختصر ( بيان المختصر 2 ) : 246 .
(3) ارشاد الساري 6 / 117 ـ 118 ـ دار احياء التراث العربي ـ بيروت .
حديث المنزلة
_ 28 _
يقول ابن تيميّة : فلمّا كان في غزوة تبوك ، لم يأذن في التخلّف عنها وهي آخر مغازيه ، ولم يجتمع معه الناس كما اجتمعوا معه فيها ، أي في المغازي الاُخرى ، فلم يتخلّف عنه إلاّ النساء والصّبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق ، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم ، كما كان يستخلف عليهم في كلّ مرّة ، الباقون عجزة وأطفال وصبيان ونسوان ، هؤلاء الباقون في المدينة لم يكن حاجة أنْ يستخلف عليهم رسول الله رجلاً مهمّاً وشخصيّةً من شخصيّاته الملتفّين حوله ، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه ( صلى الله عليه وسلم ) ، أي استخلاف علي في تبوك كان أضعف من استخلاف ابن أُم مكتوم في بعض الموارد التي خرج من المدينة المنوّرة فيها .
يقول : لانّه لم يبق في المدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم ، فكان كلّ استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممّن استخلف عليه عليّاً ، فلهذا خرج إليه علي يبكي ويقول : أتخلّفني مع النساء والصبيان ؟ فبيّن له النبي أنّي إنّما استخلفتك لامانتك عندي ، وأنّ الاستخلاف ليس بنقص ولا غضّ ، فإنّ موسى استخلف هارون على قومه ، والملوك وغيرهم إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعه به ومعاونته له ، ويحتاجون إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه ، فلم يكن رسول الله محتاجاً إلى علي في هذه الغزوة ، حتّى يشاوره أو أن يستفيد من يده ولسانه وسيفه ، فأخذ معه غيره ، لانّهم كانوا ينفعونه في هذه القضايا .
يقول : وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلّ عليه السياق ، ولا يقتضي المساواة في كلّ شيء ، ألا ترى إلى ما ثبت بالصحيحين من قول النبي في حديث الاُسارى لمّا استشار أبا بكر فأشار بالفداء ، واستشار عمر فأشار بالقتل ، قال : سأُخبركم عن صاحبيكم ، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ، ومثلك يا عمر مثل نوح ، فقوله ( صلى الله عليه وسلم ) لهذا مثلك مثل إبراهيم وعيسى ، وقوله لهذا مثلك مثل نوح وموسى أعظم من قوله : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، هذا كلام ابن تيميّة ، أي : قطعة من كلامه ، وإنّا لنسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يعامل هذا الرجل بعدله ، وأن يجازيه بكلّ كلمة ما يستحقّه .
حديث المنزلة
_ 29 _
وهنا ملاحظات مختصرة على هذا الكلام :
أوّلاً : إذا لم يكن لعلي في هذا الاستخلاف فضل ومقام ، وكان هذا الاستخلاف أضعف من استخلاف غيره من الاستخلافات السابقة ، فلماذا تمنّى عمر أنْ يكون هذا الاستخلاف له ؟ ولماذا تمنّى سعد بن أبي وقّاص أن يكون هذا الاستخلاف له ؟
ثانياً : قوله : إنّ عليّاً خرج يبكي ، هذا كذب ، علي خرج يبكي لعدم حضوره في تلك الغزوة ، ولما سمعه من المنافقين ، لا لانّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خلّفه في النساء والصبيان ، وبعبارة أُخرى : قول علي لرسول الله : أتخلّفني في النساء والصبيان ، كان هذا القول قبل خروج رسول الله في الغزوة ، قبل أنْ يخرج ، وبكاء علي وخروجه خلف رسول الله والتقاؤه به وهو يبكي ، كان بعد خروج رسول الله وإنّما خرج ـ وكان يبكي ـ لما سمعه من المنافقين ، لا لانّ هذا الاستخلاف كان ضعيفاً ، فالقول بأنّه لمّا استخلف مع النساء والصبيان جعل يبكي ويعترض على رسول الله هذا الاستخلاف ، افتراء عليه .
وثالثاً : ذكره الحديث الذي شبّه فيه رسول الله أبا بكر بإبراهيم ، وشبّه فيه عمر بنوح ، وقوله : هذا الحديث في الصحيحين ، هذا كذب ، فليس هذا الحديث في الصحيحين ، ودونكم كتاب البخاري ومسلم ، ويشهد بذلك كتاب منهاج السنّة ، هذه الطبعة الجديدة المحقّقة التي حقّقها الدكتور محمّد رشاد سالم ، المطبوعة في السعوديّة في تسعة أجزاء ، راجعوا عبارته هنا ، واستشهاد ابن تيميّة بهذا الحديث ونسبة الحديث إلى الصحيحين ، يقول محقّقه في الهامش : إنّ هذا الحديث إنّما هو في مسند أحمد ، ويقول محقّقه ـ أي محقّق المسند الشيخ أحمد شاكر في الطبعة الجديدة ـ : هذا الحديث ضعيف ، وهو أيضاً في مناقب الصحابة لاحمد بن حنبل ، المطبوع في جزئين في السعودية أخيراً ، فراجعوا لتروا المحقق يقول في الهامش : إنّ سنده ضعيف .
فالحديث ليس في الصحيحين ، ليعارض به حديث المنزلة الموجود في الصحيحين ، وإنّما هو في بعض الكتب ، وينصّ المحققون في تعاليقهم على تلك الكتب بضعف هذا الحديث ، وكأنّ ابن تيميّة ما كان يظنّ أن ناظراً ينظر في كتابه ، وأنّه سيراجع الصحيحين ، ليظهر كذبه ويتبيّن دجله ، وأمّا ما في كلامه من الطعن لامير المؤمنين ، فكما ذكرنا ، نحيل الامر إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو أحكم الحاكمين .
حديث المنزلة
_ 30 _
مع الاعور الواسطي
ومثل كلمات ابن تيميّة كلمات الاعور الواسطي ، هناك عندهم يوسف الاعور الواسطي ، له رسالة في الرد على الشيعة ، يقول هذا الرجل : لو سلّمنا دلالة حديث المنزلة على الخلافة ، فقد كان في خلافة هارون عن موسى فتنة وفساد وارتداد المؤمنين وعبادتهم العجل ، وكذلك خلافة علي ، لم يكن فيها إلاّ الفساد ، لم يكن فيها إلاّ الفتنة ، ولم يكن فيها إلاّ قتل للمسلمين في وقعة الجمل وصفين ، وهذا كلام هذا الناصبي الخبيث .
وبعدُ ، إذا لم يكن لاستخلاف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في تبوك قيمة ، ولم يكن له هذا الاستخلاف مقاماً ، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من استخلاف مثل ابن أُم مكتوم ، فلماذا هذا الاهتمام بهذا الحديث بنقل طرقه وأسانيده ، وبالتحقيق في رجاله ، وبالبحث في دلالاته ومداليله ؟ إذا كان شيئاً تافهاً لا يستحق البحث ، وكان أضعف من أضعف الاستخلافات ، فلماذا هذه الاهتمامات ؟ ولماذا قول عمر: لو كان لي واحدة منهنّ كان أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس ؟ وقول سعد : والله لانْ تكون لي إحدى خلاله الثلاث أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ؟ ولماذا استشهاد معاوية بهذا الحديث أمام ذلك الرجل الذي سأله مسألةً ، وكان معاوية بصدد بيان مقام علي وفضله ؟ ولماذا كلّ هذا السعي لابطال هذا الحديث وردّه ؟ ألم يقل الفضل ابن روزبهان ـ الذي هو الاخر من الرادّين على الاماميّة واستدلالاتهم بالاحاديث النبويّة ـ ما نصّه : يثبت به ـ أي بحديث المنزلة ـ لامير المؤمنين فضيلة الاُخوّة والمؤازرة لرسول الله في تبليغ الرسالة وغيرهما من الفضائل ، وهكذا تسقط المناقشة الثانية .
حديث المنزلة
_ 31 _
الجواب عن المناقشة الثالثة :
والمناقشة الثالثة كانت دعوى اختصاص حديث المنزلة بغزوة تبوك ، نعم لو كان الحديث مختصّاً بغزوة تبوك ، ولو سلّمنا بأنّ سبب الورود وشأن النزول مخصّص ، لكان لهذا الاشكال ولهذه المناقشة وجه ، ولكن حديث المنزلة ـ كحديث الثقلين وكحديث الغدير ـ كرّره رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مواطن كثيرة ، وهذه كتب القوم موجودة بين أيدينا ، والباحث الحرّ المنصف يمكنه العثور على تلك الروايات ، وتلك المواطن الكثيرة التي ذكر فيها رسول الله هذا الحديث .
مواطن ورود حديث المنزلة :
وأنا أذكر لكم بعض تلك المواطن ومصادر ورود حديث المنزلة فيها ، وأُحاول أن أختصر :
المورد الاول : قصة المؤاخاة
قال ابن أبي أوفى: لمّا آخى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بين أصحابه ، وآخى بين أبي بكر وعمر ، قال علي : يا رسول الله ذهب روحي ، وانقطع ظهري ، حين رأيتك فعلت ما فعلت بأصحابك غيري ، فإن كان هذا من سخط عَلَيّ فلك العتبى والكرامة ، فقال رسول الله: « والذي بعثني بالحقّ ، ما أخّرتك إلاّ لنفسي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي » ، قال : ما أرث منك يا رسول الله ؟ قال : « ما ورّث الانبياء من قبلي » ، قال : ما ورّث الانبياء من قبلك ؟ قال : « كتاب ربّهم وسنّة نبيّهم » ، وأنت معي في قصري في الجنّة ، مع فاطمة ابنتي ، وأنت أخي ورفيقي » ، ثمّ تلا رسول الله قوله تعالى : ( إخْوَاناً عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ ) .
ذكر هذا الحديث الحافظ جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : (اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ )
(1) ، ولاحظوا المناسبة بين هذا الحديث وبين الاية : ( اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) ، يروي السيوطي في الدر المنثور هذا الحديث : عن البغوي ، والباوردي ، وابن قانع ، والطبراني ، وابن عساكر
(2) ، وهو أيضاً : في مناقب علي لاحمد
(3) ، وفي الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشرة
(4) ، وفي كنز العمال أيضاً عن مناقب علي
(5) .
---------------------------
(1) سورة الحج : 75 .
(2) الدر المنثور 6 / 76 ـ 77 .
(3) فضائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : 142 رقم 207 .
(4) الرياض النضرة 3 / 182 ، قطعة منه .
(5) كنز العمال 9 / 167 رقم 25554 و 13 / 105 رقم 36345 .
حديث المنزلة
_ 32 _
المورد الثاني : في حديث الدار ويوم الانذار
ففي رواية أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير ذكر هذا اللفظ : « فأيّكم يقوم فيبايعني على أنّه أخي ووزيري ووصيّي ويكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ؟ »
(1) .
المورد الثالث : في خطبة غدير خم
وقد تقدم في بحث حديث الغدير .
المورد الرابع : في قضية سد الابواب
وقد أشرنا إليه ، وفي رواية هناك يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « وإنّ عليّاً منّي بمنزلة هارون من موسى » ، هذه الرواية رواها الفقيه ابن المغازلي في مناقب أمير المؤمنين
(2) .
المورد الخامس :
هو المورد الذي قرأناه عن عمر بن الخطّاب عن مصادر كثيرة قال عمر : كفّوا عن ذكر علي . . . إلى آخره .
المورد السادس : في قضية ابنة حمزة سيّد الشهداء
وذلك لمّا أتت من مكة، وقدمت المدينة المنورة ، تخاصم فيها علي وجعفر وزيد ، في هذه القضية تحاكموا إلى رسول الله ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي : « أمّا أنت يا علي ، فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة » .
---------------------------
(1) تفسير الثعلبي : مخطوط .
(2) مناقب الامام علي ( عليه السلام ) للمغازلي : 255 ـ 257 .
حديث المنزلة
_ 32 _
روى هذا الخبر ابن عساكر في تاريخ دمشق
(1) ، والخبر موجود : في مسند أحمد
(2) ، وفي سنن البيهقي
(3) ، وغيرهما من المصادر ، لكن بدل حديث المنزلة : « أنت منّي وأنا منك » .
المورد السابع : في حديث عن جابر
قال : جاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ونحن مضطجعون في المسجد قال رسول الله: « أترقدون بالمسجد ! إنّه لا يرقد فيه » ، فحينئذ خاطب عليّاً وكان علي فيهم قال : « تعال يا علي ، إنّه يحلّ لك في المسجد ما يحلّ لي ، أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة » ، وهذا أيضاً في تاريخ دمشق
(4) .
المورد الثامن :
« يا أُم سلمة ، إنّ عليّاً لحمه من لحمي ودمه من دمي ، وهو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » ، وهذا الحديث أيضاً في تاريخ دمشق
(5) ، وهناك موارد أكثر ، وأنا تتبعت تلك الموارد وسجّلتها ، ولكن أكتفي بهذا المقدار لغرض الاختصار ، فاندفعت المناقشات كلّها ، وتمّت دلالة حديث المنزلة على خلافة أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .
---------------------------
(1) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 368 رقم 409 .
(2) مسند أحمد 1 / 185 رقم 933 .
(3) سنن البيهقي 8 / 6 .
(4) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 290 رقم 329 .
(5) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 365 رقم 406 .
حديث المنزلة
_ 33 _
خلاصة دلالة حديث المنزلة على الخلافة :
وتتلخص وجوه الدلالة على الخلافة ، أي على كون الحديث نصّاً في الامامة ، تتلخص في :
أوّلاً : تمنّيات بعض أكابر الاصحاب .
ثانياً : تكرار النبي هذا الحديث .
ثالثاً : القرائن الداخلية في هذا الحديث وفي ألفاظه المختلفة ، وأقرأ لكم عدّةً من تلك القرائن : منها قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا الحديث في حديث المنزلة : « لابدّ أنْ أُقيم أو تقيم » ، ممّا يدلّ على أنّه لا يمكن أن ينوب أحد مناب رسول الله في أمر من الاُمور غير علي ، ولهذا نظائر كثيرة ، منها إبلاغ سورة براءة إلى أهل مكة ، ومن القرائن الداخلية أيضاً : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « خلّفتك أنْ تكون خليفتي » ، وهذا أيضاً قد تقدّم .
ومنها : قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ـ إلى آخره ـ فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك » ، أخرجه الحاكم في المستدرك قال : صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، ومن القرائن أيضاً : قوله لعلي : « لك من الاجر مثل مالي ومالك من المغنم مثلما لي » ، رواه صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة المبشّرة
(1) ، وفي حديث أيضاً من أحاديث المنزلة يقول رسول الله: « إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي » .
---------------------------
(1) الرياض النضرة 3 / 119 .
حديث المنزلة
_ 34 _
وهذا الحديث صحيح قطعاً ، وهو موجود : في مسند أحمد
(1) ، وفي مسند أبي يعلى ، وفي المستدرك
(2) ، وفي تاريخ دمشق
(3) ، وفي تاريخ ابن كثير
(4) ، وفي الاصابة لابن حجر
(5) ، وغيرها من المصادر ، ومن القرائن قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أنت خليفتي في كلّ مؤمن بعدي أنت منّي بمنزلة هارون من موسى وأنت خليفتي في كلّ مؤمن بعدي » ، وهو أيضاً بسند صحيح في خصائص علي للنسائي
(6) .
وأمّا القرائن الخارجية فما أكثرها ، وإلى الان انتهينا من البحث عن حديث المنزلة سنداً ودلالة ، وظهر : إنّ حديث المنزلة نصّ في خلافة رسول الله ، ومن يسعى وراء حمل الامامة والخلافة بعد رسول الله على أن يكون في المرتبة الرابعة ، عليه أنْ يثبت حقيّة خلافة المشايخ بالادلة القطعية ، حتّى يحمل الحديث على المرتبة الرابعة المتأخّرة عن عثمان ، وإلاّ فلا يتمّ هذا الحمل ، وإنّه يدلّ هذا الحديث أيضاً على عصمة أمير المؤمنين ، ويدلّ أيضاً على أفضليّة أمير المؤمنين من جهة الاعلميّة وغيرها .
---------------------------
(1) مسند أحمد 1 / 545 رقم 3052 .
(2) مستدرك الحاكم 3 / 133 ـ 134 .
(3) ترجمة الامام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق 1 / 209 رقم 251 .
(4) البداية والنهاية المجلد 4 الجزء 7 / 338 .
(5) الاصابة لابن حجر 4 / 270 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت .
(6) خصائص النسائي : 49 ـ 50 .
حديث المنزلة
_ 35 _
قصة أروى مع معاوية :
والان يعجبني أنْ أقرأ عليكم هذا الخبر ، وإن طال بنا المجلس : دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم على معاوية ، وهي عجوز كبيرة ، فقال لها معاوية : مرحباً بك يا خالة ، كيف أنت ؟ فقالت : بخير يابن أُختي ، لقد كفرت النعمة ، وأسأت لابن عمّك الصحبة ، وتسمّيت بغير اسمك ، وأخذت غير حقّك ، وكنّا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاءاً ، حتّى قبض الله نبيّه مشكوراً سعيه ، مرفوعاً منزلته ، فوثبت علينا بعده بنو تيم وعدي وأُميّة ، فابتزّونا حقّنا ، ولّيتم علينا تحتجّون بقرابتكم من رسول الله ، ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الامر ، وكنّا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى .
فقال لها عمرو بن العاص : كفّي أيّتها العجوز الضالّة ، وقصّري عن قولك مع ذهاب عقلك ، فقالت : وأنت يابن النابغة ، تتكلّم وأُمّك كانت أشهر بغيّة بمكّة ، وأرخصهنّ أُجرة ، وادّعاك خمسة من قريش ، فسألتْ أُمّك عنهم فقالت : كلّهم أتاني ، فانظروا أشبههم به فألحقوه به ، فغلب عليك شبه العاص بن وائل ، فألحقوك به ، فقال مروان : كفّي أيّتها العجوز ، واقصري لما جئتي له ، قالت : وأنت أيضاً يابن الزرقاء تتكلّم ، ثمّ التفتت إلى معاوية فقالت : والله ما جرّأهم عَلَيّ هؤلاء غيرك ، فإنّ أُمّك القائلة في قتل حمزة : نحن جزيناكُم بيومِ بدرِ والحربُ بعد الحربِ ذات سعرِ ما كان لي في عُتبة من صبرِ وشكرُ وحشي عَلَيّ دهري حتّى ترمّ أعظمي في قبري ، فأجابتها بنت عمّي وهي تقول : خزيتِ في بدر وبعدَ بدرِ يابنة جبّار عظيمِ الكفرِ ، فقال معاوية : عفى الله عمّا سلف يا خالة ، هات حاجتك ، فقالت : مالي إليك حاجة ، وخرجت عنه .
حديث المنزلة
_ 36 _
وفي رواية : قالت : أُريد ألفي دينار لاشتري بها عيناً فوّارة في أرض خرّارة ، تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطّلب ، وألفي دينار أُخرى أُزوّج بها فقراء بني الحارث ، وألفي دينار أُخرى أستعين بها على شدّة الزمان ، فأمر لها معاوية بذلك ، فأروى هذه ابنة عمّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، استشهدت بحديث المنزلة ، واستدلّت على إمامة أمير المؤمنين بهذا الحديث ، وشبّهت عليّاً بهارون ، وأيضاً : شبّهت أهل البيت ببني إسرائيل في آل فرعون .
وهذا الخبر تجدونه مع اختلاف في بعض الالفاظ : في العقد الفريد ، وفي تاريخ أبي الفداء ، وفي روضة المناظر لابن الشحنة الحنفي ، الذي هو أيضاً من التواريخ المعتبرة
(1) ، وهكذا ، فقد تمّت الدلالة وسقطت المناقشات كلّها ، والحمد لله .
ثانياً : المناقشات غير العلميّة
وتصل النوبة الان إلى الطرق الاُخرى والاساليب غير العلمية في ردّ حديث المنزلة ، أذكرها باختصار وإنْ طال بنا المجلس ، لئلاّ يبقى شيء من البحث إلى الليلة القادمة .
الطريق الاول: الطريق الذي مشوا عليه بعد المناقشات الفاشلة ، وهو : تحريف الحديث ، وبعد أنْ عرفوا أن لا جدوى في المكابرة في أسانيد الحديث ودلالاته رأى بعض النواصب أنْ لا مناص من تحريف الحديث ، ولكنْ ما أشنع تحريفه وما أقبح صنيعه ، إنّه حرّف الحديث تحريفاً لا يصدر من الكفّار .
---------------------------
(1) العقد الفريد 2 / 119 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1403 هـ ، تاريخ أبي الفداء 1 / 188 ـ مكتبة المتنبي ـ القاهرة ، روضة المناظر ـ هامش ابن كثير ـ حوادث سنة : 60 .
حديث المنزلة
_ 36 _
لاحظوا : في ترجمة حريز بن عثمان من تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، وأيضاً في كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ، يروون عن حريز قوله : هذا الذي يرويه الناس عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنّه قال لعلي : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » ، هذا حق ، ولكنْ أخطأ السامع ، يقول الراوي : قلت : ما هو ؟ قال : إنّما هو : أنت منّي بمنزلة قارون من موسى ، قلت : عمّن ترويه ؟ قال : سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر
(1) ، فماذا تقولون لهذا الرجل ولرواة هذا الخبر ، ولكنّ الاسف كلّ الاسف أن يكون حَريز هذا من رجال البخاري ، أن يكون من رجال الصحاح سوى مسلم ، كلّهم يعتمدون عليه وينقلون عنه ويصحّحون خبره ، وعن أحمد بن حنبل أنّه عندما سئل عن هذا الرجل قال : ثقة ثقة ثقة ، والحال أنّهم يذكرون بترجمة هذا الرجل : إنّه كان يشتم عليّاً ، ويتحامل عليه بشدّة ، نصّوا على أنّه كان ناصبيّاً ، وأنّه كان يقول : لا أُحبّ عليّاً قَتَل آبائي ، كان يقول : لنا إمامنا ـ يعني معاوية ـ ولكم إمامكم ـ يعني عليّاً ، وكان يلعن عليّاً بالغداة سبعين مرّة وبالعشيّ سبعين مرّة ، وقد نقلوا عنه أشياء أُخرى غير هذه الاشياء .
مع ذلك يصحّحون خبره ، وأحمد بن حنبل يكرّر توثيقه : ثقة ثقة ثقة ! ويروي عنه البخاري وأصحاب الصحاح عدا مسلم ، ومن هنا يمكن للباحث الحر أنْ يعرف موازين هؤلاء ومعاييرهم في تصحيح الحديث وتوثيق الراوي ، وأنّهم كيف يتعاملون مع علي وأهل البيت .
الطريق الثاني : إنّه عَمَدَ بعضهم إلى وضع حديث المنزلة للشيخين ، فروى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّه قال : أبو بكر وعمر منّي بمنزلة هارون من موسى ، هذا الحديث يرويه الخطيب البغدادي ، وعنه المنّاوي في كتاب كنوز الحقائق من حديث خير الخلائق ، وهو كتاب للمنّاوي مطبوع يروي فيه هذا الحديث عن الخطيب البغدادي ، والخطيب يرويه بسنده
(2) .
---------------------------
(1) تاريخ بغداد 8 / 268 رقم 4365 ـ دار الكتاب العربي ، تهذيب التهذيب 2 / 209 ـ دارالفكر ـ 1404 هـ .
(2) تاريخ بغداد 11 / 385 رقم 6257 ، كنوز الحقائق من حديث خير الخلائق ـ ط هامش الجامع الصغير ـ حرف الالف .
حديث المنزلة
_ 36 _
إلاّ أن من حسن الحظ أنّ ابن الجوزي يورد هذا الحديث الموضوع لكن لا في الموضوعات ، بل في العلل المتناهية في الاحاديث الواهية ويقول : حديث لا يصح
(1) ، وأيضاً : يقول الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال : هذا حديث منكر
(2) ، ويعيد ذكره أيضاً مرّتين ويقول : خبر كذب
(3) ، وابن حجر العسقلاني أيضاً يكذّب هذا الحديث في لسان الميزان
(4) ، وحينئذ لا يبقى مجال لاستناد أحد إلى هذا الحديث الموضوع الذي ينصّون على ضعفه أو وضعه وكذبه ، مع عدم وجوده في شيء من الصحاح والمسانيد والسنن .
الطريق الثالث : وتبقى الطريقة الاخيرة ، وهي ردّ حديث المنزلة وعدم قبول صحّة هذا الحديث ، مع كونه في الصحيحين وغيرهما كما عرفتم ، وهذا الطريق مشى عليه كثير من علمائهم ، ممّا يدلّ على فشلهم في الطرق الاُخرى بعد عدم تمكّنهم من إبطال هذا الحديث بمناقشات علمية ، يقول الامدي ـ وهو أبو الحسن سيف الدين الامدي ـ : إنّ هذا الحديث غير صحيح ، وابن حجر المكي ينقل كلامه في الصواعق المحرقة
(5) ، وتجدون الاعتماد أيضاً على رأي الامدي هذا في شرح المواقف
(6) للشريف الجرجاني ، ويقول القاضي الايجي في الجواب عن حديث المنزلة : إنّه لا يصحّ الاستدلال به من جهة السند
(7) ، وهكذا غير هؤلاء الذين ذكرتهم ، يردّون هذا الحديث بعدم صحّة سنده ، وغير واحد منهم يعتمد على كلام الامدي ، لكن الامدي يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ونصّ عبارته : قد نفي من دمشق لسوء اعتقاده ، وصحّ عنه أنّه كان يترك الصلاة
(8) .
وأقول : إنْ كان ترك الصلاة عيباً مسقطاً للعدالة ، وموجباً لسقوط الشخص وكلامه ورأيه في القضايا العلمية ، فلماذا يعتمدون عليه وينقلون كلامه ؟ ولكنْ عندي كثيرون من حفّاظ الحديث وكبار أئمّتهم المحدّثين الرواة للسنّة النبويّة ، الاُمناء على الدين ، يذكرون بتراجمهم أنّهم كانوا يتركون الصلاة ، ولو اتّسع الوقت لذكرت لكم بعضهم ، وذكرت بعض عباراتهم في الثناء عليهم وتبجيلهم وتوثيقهم وتعظيمهم ، ممّا يدلّ على أنّ ترك الصلاة التي هي عمود الدين عند المسلمين ليس بطعن في شخص من هؤلاء .
---------------------------
(1) العلل المتناهية 1 / 199 رقم 312 .
(2) ميزان الاعتدال 5 / 473 رقم 6900 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1416 هـ .
(3) ميزان الاعتدال 5 / 207 رقم 6015 .
(4) لسان الميزان 5 / 9 رقم 5828 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ 1416 هـ ، وفيه أبو بكر فقط .
(5) الصواعق المحرقة : 73 .
(6) شرح المواقف للجرجاني 8 / 362 ـ الشريف الرضي ـ قم ـ 1412 هـ .
(7) المصدر نفسه .
(8) ميزان الاعتدال 3 / 358 رقم 3652 .
حديث المنزلة
_ 37 _
خاتمة المطاف :
فهذه مناقشاتهم ، وهذه محاولاتهم ، وهؤلاء علماؤهم وحفّاظهم ، والذين يعتمدون عليهم في عقائدهم ، وفي أحكامهم وفروعهم الفقهيّة ، ولو أنّ الله سبحانه وتعالى لم يقدّر لهذه الاُمّة خيرة علمائها ـ من هذه الطائفة المظلومة التي أصبح حالها كما قالت أروى بنت الحارث حال بني إسرائيل في آل فرعون ـ لولا هؤلاء ، لاندرس الدين وضاعت آثار سيّد المرسلين ، ولكن الله سبحانه وتعالى أتمّ الحجة بهؤلاء على غيرهم ، وعلى الباحثين المنصفين الذين يريدون أنْ يعرفوا الحق فيتّبعونه أين ما كان ، أنْ يتوصّلوا إلى واقعيات القضايا والاحوال .
وإنّنا نسأل الله تعالى أن يثبّتنا على هذه العقيدة المستندة إلى الكتاب والسنّة المعتبرة المقبولة عند الكل ، وأنْ يوفّقنا لانْ نؤدّي واجباتنا وتكاليفنا في تبيين الحقائق وتوضيح الاُمور على ما هي عليه ، ونتمكّن من مساعدة أُولئك الذين يريدون الحق ، يريدون الوصول إلى الواقع ، يريدون الحصول على حقيقة الامر ، وما فيه رضى الله ورسوله ، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين .