بل يقول البعض : إن للإباضية العديد من المواقف ضد الخوارج » .(1)
ويعلل البعض سبب اختلاف الإباضية عن بقية « الخوارج » بكونهم لم يغلوا في الحكم على مخالفيهم ـ يعلله ـ بقوله : « لعل هذا يرجع إلى طبيعة ظروف نشأتهم ؛ فإن صاحبهم عبد الله بن إباض لم يخرج إلا بعد أن قضى الأمويون على « الخوارج » أو كادوا ، وبعد أن كاد اليأس يدب إلى الأحزاب ، وتحول نضالهم حول الحكم إلى آراء ومذاهب تكاد تكون علمية بحتة »(2) .
أما أبو زهرة فيقول عنهم : « هم أكثر الخوارج اعتدالاً ، وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيراً ، فهم أبعدهم عن الشطط والغلو » (3) .

الإباضية وحكام الجور :
   ومما يؤكد الحقيقة التي مرت : أن الإباضية اتجهوا نحو التعامل مع حكام الجور تعاملاً يخدم مصالح أولئك الحكام ، ويؤكد هيمنتهم وإمساكهم بالأمور بقوة ، الأمر الذي جعل الحكام لا يجدون ضرورة لمواجهتهم ، والتخلص منهم ، بل إن وجودهم أصبح مفيداً للحكام أحياناً ، فلا غرو أن يصبح أيضاً مطلباً لهم في هذه الحالات على الأقل .
   والأغرب من ذلك أن يصبح بقاء الحكام أيضاً ، واستمرار حكمهم بمزيدٍ من القوة والشوكة مطلباً للإباضية حتى على مستوى قياداتها ! !.

---------------------------
(1) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ـ ص81.
(2) الإباضية عقيدة ومذهباً ص45 عن تاريخ الإسلام السياسي ص393.
(3) الإباضية عقيدة ومذهباً ص45 عن تاريخ الإسلام السياسي ص85.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 216_

   ويتجسد لنا مصداق ذلك ، فيما يذكرونه عن ابن إباض نفسه ، من أنه « كان كثيراً ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان »(1) .
   وكان قد بلغ السيد : « أن عبد الله بن إباض ، رأس الإباضية يعيب على علي ( عليه السلام ) ، ويتهدد السيد بأن يذكره عند المنصور بما يوجب القتل .
   وكان ابن إباض يظهر التسنن ، ويكتم مذهب الإباضية ، فكتب إليه السيد قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أولها :
لمن طلل كالوشم لم يتكلم ونؤي ، وآثار كترقيش معجم فلما وصلت إلى ابن إباض امتعض منها جداً ، وأجلب في أصحابه ، وسعى به إلى الفقهاء والقراء ؛ فاجتمعوا ، وساروا إلى المنصور ، وهو بدجلة البصرة ؛ فرفعوا قصته .
فأحضرهم ، وأحضروا السيد ؛ فسألهم عن دعواهم ، فقالوا : إنه يشتم السلف ، ويقول بالرجعة ، ولا يرى لك ولأهلك إمامة .
فقال لهم : دعوني أنا، واقصدوا لما في أنفسكم .
ثم اقبل على السيد ، فقال : ما تقول فيما يقولون ؟ ! فقال : ما أشتم أحداً ، وإني لأترحم على أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . وهذا ابن إباض ، قل له : يترحم على علي ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير .
فقال له : ترحم على هؤلاء ! فتلوّى ساعة ، فحذفه المنصور بعود كان بين يديه ، وأمر بحبسه فمات بالحبس.

---------------------------
(1) شرح عقيدة التوحيد ص93 والعقود الفضية ص121.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 217_

   وأمر بمن كان معه ؛ فضربوا بالمقارع وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم »(1) .
   وما يهمنا من إيراد هذه القضية هو الإشارة إلى استنصار ابن اباض بالمنصور ، ووشايته بالسيد الحميري له ، وإن كان السيد الحميري قد استطاع أن يقلب السحر على الساحر كما رأينا .    هذا . . . وقد دخل هذا التناغم مع حكام الجور في مبادئهم ، وتوفرت له خلفية وحماية عقائدية .    قال الوارجلاني : « . . . ومن الرأي تأمير أمير المؤمنين ، وعزله ، إن ضيع أمور الدين ، وقتله إن امتنع من العزلة إلى الهوان .
   ومن الرأي الكون مع أئمة الجور تحت أحكامهم ما أقاموا حكم الله فيك ، ولم يحكمك على معصية ، وتأدية حقوق الله التي عليه إليهم ، وأخذ العطايا من بيوت أموالهم ، والجهاد والغزو معهم جميع ملك الشرك ، والخروج عليهم إذا جاروا وبغوا »(2) .
   وقال محمد بن يوسف أطيفش : « والمصنف مصرح بجواز الإقامة تحت الأئمة الجورة ، من أهل التوحيد مطلقاً ، من أهل مذهبنا ، أو من غيرهم وذلك ردّ على الصفرية ، والأزارقة ، والنجدية ، لأنهم أوجبوا الخروج على الجورة ، وبراءة كل من خرج عن الإسلام إلى الشرك إلخ . . . » (3) .

---------------------------
(1) راجع: ديوان السيد الحميري [هامش] ص397 و398 عن أعيان الشيعة ج12 ص174 والقصيدة موجودة في الغدير ج2 ص206 والمناقب ج2 ص133 و159 و163 و239 وج3 ص102 و227 والكنى والألقاب ج2 ص307.
(2) الدليل والبرهان المجلد الأول الجزء الثاني ص78.
(3) شرح عقيدة التوحيد ص165.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 218_

   وقال محمد بن يوسف أطيفش أيضاً : « ونحن بعد لا نقول بالخروج على سلاطين الجور الموحدين ، ومن نسب إلينا وجوب الخروج فقد جهل مذهبنا » (1) .
   وله كلام حول كون معسكر السلطان دار بغي ، أو لا ، وعن المراد من هذا فراجع(2) .
   وقال النكارية ، وهم فرقة من الإباضية : « بعدم جواز صلاة الجمعة وراء الأئمة الجورة . . . مع أن أئمة الإباضية كانوا جميعاً من أيام جابر بن عبد الله يقولون : إن صلاة الجمعة واجبة وراء الأئمة الجورة ما أقاموها ، ووجدت شروطها ، وكانوا هم أنفسهم يصلونها وراء الحجاج .
وكانوا يقولون : إنه يحل أخذ العطاء من الملوك ما لم يؤد إلى حرام ، وكان جابر يأخذ العطاء من عامل الحجاج » (3) .

الإباضية . . . وعلي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
وعلى كل حال : فإن « الخوارج » ـ والإباضية منهم (4) .
ـ الذين يعتقدون بكفر الخليفتين : عثمان ، وعلي ( عليه السلام ) ، وذلك هو العمدة ، والمحور .

---------------------------
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً ص139.
(2) الإباضية عقيدة ومذهباً ص139.
(3) الإباضية عقيدة ومذهباً ص67 عن الإباضية في الجزاء ص56.
(4) راجع: شرح المواقف للإيجي ج3 ص292 والخوارج في العصر الأموي العباسي ص240 و241.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 219_

والمبرر لوجودهم كخوارج . . .
   فقد رأوا بأم أعينهم : كيف أن مصيرهم هو التلاشي ، والفناء ، أمام واقع التحدي ، لكل مثل وقيم الأمة الإسلامية ، فاستمرت تلك الفرق على عتوها وعنادها ، حتى انقرضت .
   ولكن فرقة الإباضية منهم : حاولت التخفيف من حدة عقائدها ، ومواقفها منذ البداية . . . فاستطاعت أن تحتفظ لنفسها بخيط حياة ، وتجاوزت القرون الأولى ، وأصبحنا نلاحظ في تأليفات الإباضية : أن علماءهم انصرفوا عن الجهر بالإساءة إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
   ولعل مردّ ذلك إلى تأثرهم بأحد كبار علمائهم ، وهو عبد الكافي التناوتي التونسي ، المتوفي قبل عام 570 هجرية . فقد : « جنح التناوتي إلى الاعتدال في مسألة الحكم على الخليفة علي ، وهي دائماً من أمهات المسائل عند الإباضية » (1) .
ويحكى عن الحمزية : « أنهم يتوقفون في أمر علي ( عليه السلام ) ، ولا يصرحون بالبراءة منه ، كما يصرحون بالبراءة من غيره »(2) .
وهذا هو السر في أن الإباضية يستعملون ـ مؤخراً ـ أسلوب العتاب والشكوى من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، على موقفه من أسلافهم من أهل النهروان ، حيث قتلهم ( عليه السلام ) قتلاً ذريعاً ، ولم ينج منهم إلا الشريد ، وقد ذكر البعض أشعاراً ضمنها هذا العتاب له ( عليه السلام ) ذلك من دون أن يكون فيه تجريح ظاهر وصريح (3) .
ونلاحظ : أنهم في كتبهم يبذلون محاولات للاستدلال على صحة .

---------------------------
(1) دارة المعارف الإسلامية ج5 ص488.
(2) الأنوار النعمانية ج2 ص248.
(3) راجع: العقود الفضية ص60و61 و77 و80.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 220_

   إمامة الراسبي ، وبطلان إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . بل إنهم يدعون أنه ( عليه السلام ) قد تاب ، ثم عاد فنكث (1) .
   ويحاولون أيضاً : الاستدلال على خطئه ( عليه السلام ) في مواقفه ، وصحة ما ذهب إليه « الخوارج » الذين خاصموه (2) .
بل لقد وجدناهم يبذلون محاولات لتكفيره ( عليه السلام ) ، كما يظهر من مراجعة كلماتهم (3) .
ولكنها محاولات حوارية هادئة ، بحسب الظاهر . . . لا تبادر إلى السب والشتم والتكفير بصورة صريحة .
قالوا أيضاً : « . . . وعند فقهاء الإباضية : أن علياً مستحل في قتلهم ، وأنه تجزيه التوبة من غير عزم ، وهذا هو حكم المستحل ، إن أراد التوبة ، بخلاف الذي يأتي الشيء ، وهو يعلم أنه حرام ، فهذا لا توبة له ، إلا بردّ المظالم ، والتخلص إلى أربابها »(4) .
   بل لقد نقل لي البعض : أن علماءهم الموجودين فعلاً في الجزائر يظهرون الحب لأمير المؤمنين وآله ( عليهم السلام ) ويتبرؤون من ابن ملجم ، وينكرون أن يكون منهم ! !. فإن صح هذا ، فإنه يكون تطوراً جديداً وهاماً في هذا المجال .

---------------------------
(1) راجع: العقود الفضية ص50.
(2) راجع: المصدر السابق ص162 و64 والاستقامة ج1 ص57 و63 وراجع ص118 و120.
(3) الاستقامة ج1 ص119.
(4) العقود الفضية ص81.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 221_

   ولكن الذي يظهر هو : أن تبرؤهم من ابن ملجم يرجع إلى أمر آخر ، وليس هو الحب لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ولا لتخطئتهم ابن ملجم في قتله إياه ، وهذا الأمر هو الذي أشار إليه المسعودي بقوله : « وكثير من « الخوارج » لا يتولى ابن ملجم ؛ لقتله إياه غيلة»(1) .
   وأما ما نراه : من مهاجمة الإباضية للخوارج والمارقة في كتبهم ؛ فلا يدل على حبهم لعلي ، ولا على تغير في مواقفهم العدائية له ( عليه السلام ) . . . لأنهم إنما يقصدون بهم خصوص الأزارقة (2) .
   قال محمد بن يوسف بن أطيفش : « كان أصحابنا والأزارقة جنداً واحداً ، ولما ظهر منهم القول بإباحة الدم والمال بالذنب ، فارقهم أصحابنا ، كابن وهب ، عبد الله »(3) .
فهذا النص يدل على أمرين :
الأول : أن سبب مفارقة الإباضية للأزارقة هو مقالتهم تلك، التي لم يكن الإباضية يحبذونها؛ لميلهم إلى الاعتدال في هذا الأمر.
الثاني: أن الإباضية هم من «الخوارج» أيضاً. وهذا يعني: أن هجومهم على «الخوارج» إنما يقصد به تهجين مقالة الأزارقة لا غير . . . وتصريحهم آنفاً بأنهم أتباع عبد الله بن وهب الراسبي يدل على ذلك أيضاً ، فإن الراسبي كان رأساً في « الخوارج » .

---------------------------
(1) التنبيه والإشراف ص257.
(2) يتضح ذلك بمراجعة كتبهم، مثل كتاب: شرح عقيدة التوحيد، وكتاب: الدليل والبرهان.
(3) شرح عقيدة التوحيد ص84.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 222_

   قال محمد بن يوسف أطيفش : « إذا قلنا : الوهبية ، نسب إلى عبد الله بن وهب الراسبي ، فلا إشكال في تسمية أصحابنا العمانيين ، والخراسانيين ، وغيرهم : وهبية .
   وإذا قلنا : نسب إلى الإمام عبد الوهاب في المغرب ؛ فكيف يسمى اهل المشرق ، كأهل عمان وخراسان : وهبية ؟ الجواب : أنهم يسمون وهبية ؛ لأنهم مقرّون بأنه إمام عدل على الصواب ، وأنه وإياهم شملهم مذهب وديانة واحدة » (1) .
   ويذكرون أيضاً : أن ابن إباض قد ذكر في رسالته لعبد الملك بن مروان : أنه يتولى « الخوارج » الذين حاربهم علي ، ويبرأ من ابن الأزرق وأتباعه(2) .
وبذلك يكون قد أرضى عبد الملك من ناحيتين :
الأولى : ببراءته من الذين يحاربونه ، وهم خصوص الأزارقة .
والثانية : بإعلانه العداء لعلي ( عليه السلام ) ، من خلال توليه للذين حاربوه من المارقلة .

الميزان : هو علي ( عليه السلام )
   ويبقى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو الميزان والمعيار للحق وللصدق . . . ولا يفيد « الخوارج » ولا الإباضية أي تنازل لا يتضمن الاعتراف الصادق بأن الحق مع علي وأن علي مع الحق ، وقد ظهر أن الإباضية وغيرهم حين أظهروا المرونة بعض الشيء تجاه علي ( عليه السلام ) لم يكونوا صادقين فيما أظهروه ، كما ظهر من بعض مؤلفاتهم التي نشرت في هذا العصر .

---------------------------
(1) شرح عقيدة التوحيد ص77.
(2) العقود الفضية ص125.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 223_

   فهذا يوسف بن إبراهيم الوارجلاني المتوفي سنة 570 هـ .
   بعد أن ذكر : قبوله بخلافة الشيخين ، ورفضه لإمامة عثمان بسبب ما أحدثه ، تحدث عن علي ( عليه السلام ) فذكر أن ولايته كانت حقاً في أول أمره .
ثم قال : « . . . وأما علي فقد حكم بأن من حكم فهو كافر ، ثم رجع على عقبيه ، وقال : من لم يرض بالحكومة كافر ، فقاتل من رضي الحكومة ، وقتله ! ! وقاتل من أنكر الحكومة وقتله ! ! وقتل أربعة آلاف أواب من أصحابه ، واعتذر .
فقال : إخواننا بغوا علينا ؛ فقاتلناهم .
فقد قال الله عز وجل في من قتل مؤمناً واحداً : ( ووَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًاً . . . عَذَابًا عَظِيمًاً ) .
   فحرمه الله من سوء بخته الحرمين ، وعوضه دار الفتنة العراقين ، فسلم أهل الشرك من بأسه ، وتورّط في أهل الإسلام بنفسه » (1) .
   وواضح : أن كلام هذا الرجل ينطوي على مغالطات واضحة ، فإن الأوابين الذين قتلهم هم الذين أجبروه على قبول التحكيم ، وهدّدوه بأنه إن لم يقبل ناجزوه الحرب ، وسلموه إلى معاوية ، ثم كفروه لأنه استجاب لهم ، وقبل ما يريدون ورضخ لتهديداتهم .
   ثم هؤلاء الذين وصفهم بـ « الأوابين » : هم الذين وصفهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بانهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ويقرؤون القرآن ولا يجاوز تراقيهم .

---------------------------
(1) الدليل والبرهان المجلد الأول جزء1 ص29.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 224_

   وبالنسبة لسلامة أهل الشرك من بأسه ، وتورطه في أهل الإسلام بنفسه ؛ فإن هذا إنما ينطبق عليهم هم ، وليس عليه ، كما أوضحناه فيما سبق . . .
   وقال الوارجلاني أيضاً عن الزيدية والحسينية : « قد وافقوا جميع المسلمين فيما يقولونه ، إلا في التحكيم ، الذي صاغوه لعلي ، وقد قتل من قال به ومن أنكره ؛ فجمع في قتاله بين المحق والمخطئ .
   ولعلي تخليط دون شيعته في قوله : إن كل مجتهد مصيب ؛ فهدر دم عثمان ، وطلحة والزبير ، ومعاوية ، وعمرو ، وعذر نفسه ، وعذر أهل النهروان ، ولم يعذروه ، ففي فحش مذهب الشيعة ما يغني عن الرد عليهم »(1) .
   وقال الحارثي الإباضي : « على رأي بعض المسلمين ، ومنهم الإمام علي : أن كل مجتهد مصيب ، وهؤلاء اجتهدوا » (2) .
ولا ندري من أين جاؤوا بهذا الفرية على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أنه يقول : كل مجتهد مصيب ، فإن هذا القول هو قول مخالفيه ومناوئيه . . . وكلماته ( عليه السلام ) صريحة في خلاف هذا القول (3) .
   ولا ندري أيضاً كيف عذر ( عليه السلام ) أهل النهروان ، ومتى ؟ .
   وقال الوارجلاني أيضاً : « ثم إن علياً رجع على عقبيه ، ورضي بالحكومة التي كفر راضيها ، وضرب ساخطها ، فقتل الفريقين جميعاً ، الراضي والساخط ، والمحق والمبطل .
   وكنا على الأصل الأول ، الذي فارقنا عليه أبا ذر ، وابن مسعود ، وعمار بن ياسر ، الذي جعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علماً للفتنة ، حين قال : عمار تقتله الفئة الباغية ، فأثبته على الهدى عند الاختلاف . وحين قال : عليكم بهدى عمار ، وبهدى ابن أم عبد ، فقال : ما لهم ولعمار ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار ، فوقعنا بحمد الله في حزبه » (4) .
   والإباضية هم الذين نشروا كتب الوارجلاني ، فنشر الإباضية لهذه الكتب التي فيها أمور كهذه ، وتبنيهم لها دليل على أنهم يظهرون شيئاً ويبطنون خلافه .

---------------------------
(1) الدليل والبرهان المجلد الأول جزء1 ص32.
(2) العقود الفضية ص64.
(3) راجع: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) ج1 ـ ص217 فما بعدها ففيه ما يدل على أن غير علي (عليه السلام) وشيعته الأبرار هم الذين يذهبون إلى هذه المقالة.
(4) الدليل والبرهان المجلد الأول جزء 1 ص39.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 225_

الفصـــل الرابـــع
الوهابيون . . . والخوارج . . . صلات . . . وسمات

صلات وسمات :
   وأخيراً . . . فنحن نجد صلات وثيقة ، وتشابهاً كبيراً فيما بين كثير من آراء وشعارات « الخوارج » ، وشكل ونمط الحياة عندهم ، وآراء وشعارات ، ونمط الحياة لدى بعض الفرق المعدودة في فرق المسلمين ، وأعني بهم الوهابيين .
ونذكر على سبيل المثال ما يلي (1) .
1 ـ قال أحمد أمين المصري : « وظلت حياتهم الاجتماعية في معيشتهم ، ونظرتهم للحياة ، وحروبهم، ونحو ذلك ، حياة بسيطةً ، بدوية لم تتغير كثيراً بتغير الزمان ؛ فهم يذكروننا بالوهابيين الآن في بساطتهم ، وإن اختلفت تعاليمهم » (2) .

---------------------------
(1) وقد لوحظ وجود هذه الفوارق، بين الفريقين في وقت مبكر كما يظهر من ملاحظة كتاب: صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر، لمؤلفه عبد الله حسن فضل العلوي الحسيني. وكشف الارتياب للسيد محسن الأمين العاملي.
(2) ضحى الإسلام ج3 ص333.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 226_

2 ـ إن ثمة شبهاً آخر فيما بين الفرقتين وهو اعتبار « الخوارج » بلاد المسلمين دار حرب ، وبلادهم دار إيمان تجب الهجرة إليها .
والوهابيون أيضاً يقولون : « إن الحرمين الشريفين مكة واليمن تكونان بلاد كفر تعبد فيهما الأوثان ، وتجب الهجرة منهما . . . وإن بلاد نجد بلاد يظهر فيها الإيمان ، ويخفى في غيرها »(1) .
3 ـ وهناك فرق آخر : وهو شدتهم على المسلمين ، وقتلهم الذريع لهم ، بحجة تكفيرهم ، ورفقهم بالكافرين والمشركين، ومودتهم لهم، وإقامتهم العلاقات الحميمة معهم .
   فإن الفرقتين تشتركان في هذا الأمر بصورة واضحة وصريحة ، فلم ينقل عن الوهابيين أنهم حاربوا سوى المسلمين ، أو قتلوهم ، أو ساموهم الهوان والذل ، ولكنهم قتلوا أهل الطائف ، وأهل كربلاء ، وألفاً من حجاج اليمن ، وأربع مئة حاج من الإيرانيين في ما عرف بمجزرة مكة ، قبل سنوات يسيرة ، وغزوا بلاد المسلمين المجاورة لهم ، إلى غير ذلك مما تشتمل القائمة الطويلة لحروبهم مع المسلمين .
4 ـ ثم هناك التشابه الكبير بين الوهابيين و « الخوارج » ، فيما نشهده من الانسجام التام بين الحكومات الوهابية ، وبين قوى الاستكبار العالمي ، وحميمية العلاقات فيما بينهم ، وقبول هذا الأمر لدى عامة الناس عندهم ، تماماً كما هو الحال بالنسبة لتعامل حكام أولئك ورؤسائهم ، ونظرة عامتهم إلى قوى الاستكبار والاستعمار .

---------------------------
(1) صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر ص116.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 227_

5 ـ إن سطحية هؤلاء وتعاملهم مع حرفية النصوص ، وعدم تعمقهم في مدلولاتها ، وجمودهم على ظواهرها ، حتى وقعوا بما يخالف البديهيات الظاهرة ، ومقتضيات الفطرة ، والثابت المقطوع به من مسائل الدين وأحكامه أمر مشترك بين الفريقين ، حتى لقد أنكر علماء وهابيون المجاز في الكلام من الأساس ، واعتبروه طاغوتاً ، فقالوا : « طاغوت المجاز »(1) .
6 ـ أضف إلى ذلك ما في الفريقين من غلظة ، وبداوة ، وعجرفة وجفاء ، وبعد عن الأساليب الحضارية ، وعدم التحلي بالأخلاق الإسلامية .
7 ـ هذا إلى جانب شعارات براقة يرفعها هؤلاء وأولئك ، تخفي وراءها مطامع دنيوية ، وانحرافات أخلاقية وغيرها .
8 ـ وكما أن الوهابيين هم ضد تأويل القرآن ، كذلك « الخوارج » ، فإن أكثرهم ضد تأويل القرآن أيضاً (2) .
9 ـ وكما أن « الخوارج » كانوا ضد التبرك بآثار الأنبياء ، والاستشفاء بها ، كما تقدم عن الذهبي ، فإن الوهابية أيضاً كذلك .
10 ـ وكما أن « الخوارج » يعتبرون كل ما يمت إلى علي بصلة جريمة ، وكفراً وخروجاً ، ويحاربون كل من ينتسب إليه من أهل بيته وشيعته ، كذلك الوهابية بل ليس للوهابية شغل في هذا العالم الفسيح ، والمليء بأعداء الإسلام ، إلا محاربة الشيعة ، وهتكهم ، وتأليب الناس ضدهم ، وشحن النفوس بالحقد عليهم .

---------------------------
(1) البشارة والاتحاف ص32 عن مختصر الصواعق المرسلة ج2 ص2.
(2) صبح الأعشى ج3 ص222 والخوارج في العصر الأموي ص204 عنه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 228_

11 ـ وكما أن « الخوارج » يرفضون الاجتهاد ـ خصوصاً الأزارقة ـ كذلك الوهابية .
12 ـ إن « اليهود ترى أن النظر في الفلسفة كفر ، والكلام في الدين بدعة ، وأنه مجلبة لكل شبهة ، وأنه لا علم إلا ما كان في التوراة ، وكتب الأنبياء ، وأن الإيمان بالطب ، وتصديق المنجمين من أسباب الزندقة ، والخروج إلى الدهرية ، والخلاف على الإسلام ، وأهل القدوة ، حتى إنهم ليبهرجون المشهور بذلك ، ويحرمون سالك سبيل أولئك » (1) .
و « الخوارج » أيضاً لهم هذا المنحى ، ويسلكون هذا السبيل ، فلا يحلون النظر في كتب الفلسفة .
ثم جاء الوهابيون ، فمنعوا من ذلك أيضاً ، و « قد هاجم ابن تيمية الفلاسفة المسلمين ، وهاجم المأمون أيضاً في كثير من كتبه » (2) .
لأنه قرّب المعتزلة ، الذين يهتمون بالفلسفة ، ويعتمدون العقل في أحكامهم ، وقد حكم الوهابية بوجوب اتلاف كتب المنطق ، واستدلوا على وجوب إتلافها بأن كتب المنطق يحصل بسببها خلل في العقائد (3) .
   وأذكر قضية حصلت لي شخصياً معهم ، حيث بذلت محاولة للاجتماع ببعض علمائهم للمناقشة ، فاشترط علينا أن لا نتكلم في المنطق ، ولا في التاريخ فوافقنا .
   ولكنه رغم ذلك لم يحضر إلى الموعد المقرر ! ! .

---------------------------
(1) ثلاث رسائل للجاحظ ص16.
(2) راجع: العواصم من القواصم ص194 و195 و196 متناً وهامشاً.
(3) راجع: كشف الارتياب ص495 و496.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 229_

13 ـ إن « الخوارج » سيماهم التحليق أو التسبيد ، وعن النهاية في حديث « الخوارج » : التسبيد فيهم فاش ، وهو الحلق ، واستئصال الشعر .
   وكذلك الوهابيون ، فإن سيماهم التحليق ، ولعلهم هم الذين أخبر عنهم علي ( عليه السلام ) بقوله : في آخر الزمان قوم يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، سيماهم التحليق (1) .
   قال في خلاصة الكلام : « في قوله ( صلى الله عليه وآله ) : سيماهم التحليق تنصيص على هؤلاء الخارجين من المشرق ، التابعين لمحمد بن عبد الوهاب ؛ لأنهم كانوا يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه ، لا يتركونه يفارق مجلسهم إذا اتبعهم حتى يحلقوا رأسه » .
   قال : ولم يقع من أحدٍ قط من الفرق التي مضت أن يلتزموا مثل ذلك ، فالحديث صريح فيهم .
   قال : وكان السيد عبد الرحمن الأهدل ، مفتي زبيد يقول : لا يحتاج إلى التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب ، بل يكفي في الرد عليه قوله ( صلى الله عليه وآله ) : سيماهم التحليق ، فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة .
   قال : وكان ابن عبد الوهاب يأمر أيضاً بحلق رؤوس النساء اللاتي يتبعنه ، قد دخلت في دينه امرأة ، وجددت إسلامها بزعمه ، فأمر بحلق رأسها ، فقالت : شعر الرأس للمرأة بمنزلة اللحية للرجل ، فلو أمرت بحلق لحى الرجال ، لساغ أن تأمر بحلق رؤوس النساء ، فلم يحر جواباً »(2) .
14 ـ وعن ابن عباس : لا تكونوا ك « الخوارج » تأولوا آيات القرآن في أهل القبلة ، وإنما نزلت في أهل الكتاب والمشركين ، فجهلوا علمها ، فسفكوا الدماء ، وانتهبوا الأموال .

---------------------------
(1) كشف الارتياب ص125 عن الخصائص للنسائي.
(2) كشف الارتياب ص125 و126.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 230_

   وعن ابن عمر في وصف « الخوارج » : أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين ، كما رواه البخاري في صحيحه (1) .
   وكذلك فعل الوهابيون في الآيات النازلة في الكافرين والمشركين ، فإنهم طبقوها على المسلمين كقوله تعالى : ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ) ، وقوله : ( اجعل الآلهة إلهاً واحداً ) ، وغير ذلك من آيات (2) .
15 ـ إن « الخوارج » كانوا يتظاهرون بالعبادة والنسك والزهد ، وتلاوة القرآن ، واستحلوا قتل علي ( عليه السلام ) ، والوهابيون أيضاً يتظاهرون بفرط النسك والتعبد ، ولكنهم أيضاً يعتبرون رفع الصوت بتلاوة الأوراد والأذكار شركاً أكبر ، يقاتل عليه .
16 ـ ويلاحظ : أن محمد بن عبد الوهاب تميمي ، هو من عشيرة ومعدن ذي الخويصرة التميمي ، وقد كان أكثر « الخوارج » الأولين ، وكثير من زعمائهم الكبار من بني تميم .
إن جمود « الخوارج » وجفاءهم كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار ، فبينما نجدهم لا يتعرضون لغير المسلمين بأذى . نجدهم قد حكموا بكفر جميع المسلمين ، ودانوا باستعراضهم بالسيف ، وهم في حين يتورعون عن أكل تمرة سقطت على الأرض ، وعن قتل الخنزير الشارد ، فإنهم يقتلون عبد الله بن خباب والقرآن في عنقه .

---------------------------
(1) راجع المصدر السابق ص124 وراجع: صدق الخبر في خوارج القرن الثاني ص160.
(2) المصدران السابقان.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 231_

   ويبقرون بطن زوجته ، ويقتلون أطفال المسلمين ، ويسبون نساءهم ، وقد تزايدوا في بعض الوقائع في امرأة مسلمة جميلة ، وغالوا في ثمنها ، فقام بعضهم وقتلها ، على اعتبار أن هذه الكافرة كادت تقع بسببها فتنة بين المسلمين (1) .
   والوهابيون أيضاً كـ « الخوارج » في جمودهم ، وعدم تعمقهم في الأمور ، فهم بينما يتوقفون في التلغراف ، ويحرمون التدخين ، ويعاقبون عليه ، فإنهم استحلوا ضرب المسلمين بالمدافع ، وكفروهم ، وحكموا عليهم بالشرك ، ويستحلون دماءهم وأموالهم ، لأجل طلبهم الشفاعة من الأنبياء والأولياء .
وبعضهم استحل سبي الذرية ، وجعلوا دار المسلمين دار حرب، ودارهم دار إيمان تجب الهجرة إليها ، وهذا هو نفس ما فعله « الخوارج » أيضاً (2) .
18 ـ وكما أن « الخوارج » يرفعون شعارات براقة كقولهم : لا حكم إلا لله ، كذلك الوهابية فإنهم يرفعون شعار العودة إلى التوحيد ، والابتعاد عن الشرك ، ونبذ البدع .
19 ـ وكما أن شعار « الخوارج » هو كلمة حق يراد بها باطل ، وهو أنهم يريدون : أنه لا إمارة لأحد ، ولا يجوز التحكيم في الأمور الدينية ، وفرعوا عليه : أن التحكيم الذي كان بصفين كان معصية وكفراً .
   كذلك الوهابيون : فإنهم رفعوا شعار نبذ البدع ، والرجوع إلى التوحيد الخالص ؛ وهي كلمة حق يراد بها باطل ، حيث كفروا من .

---------------------------
(1) كشف الارتياب ص116 والكامل في الأدب ج3 ص 355 و 356.
(2) المصدر السابق ص117 و118.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 232_

   استشفع بالرسل والأولياء ، وتوسل بهم ، ومنعوا من تعظيم من عظمهم الله ، ومنعوا من الاستشفاع بمن جعله الله شافعاً مغيثاً ، وهو تضليل وتمويه إذ لا يوجد أحد يقول : إن محمداً ( صلى الله عليه وآله ) قادر بنفسه وبدون الله سبحانه ، وهذا معناه أنه لا يجوز طلب الدعاء من المؤمن .
   كما انهم منعوا من تقبيل ضريح النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنه خشب أو حديد ، مع العلم بأن القرآن لا يمسه إلا المطهرون ، مع انه حبر وورق أيضاً .
20 ـ إن « الخوارج » يظهرون الزهد في الدنيا ، ثم ظهر من خلال ممارساتهم وأقوالهم ، أنهم طلاب ملك ، ودنيا ، حتى إنهم ليقاتلون على الثوب يسلب منهم أشد قتال . . . إلى غير ذلك مما قدمناه حينما تحدثنا عن زهد « الخوارج » .
   وكذلك الوهابيون . . . فإنهم يظهرون ذلك . . . ويستحلون سلب مجوهرات الحجرة النبوية ، والاستئثار بثروات الأمة . . . وتلك هي مظاهر بذخهم الجنوني ، وتبذيرهم المرعب وانغماسهم في الشهوات والمآثم ، قد فحّت روائحها ، وزكمت الأنوف بريحها النتن .
21 ـ وقد تقدم عن عائشة : أن من سمات « الخوارج » : أن أزرهم إلى أنصاف سوقهم (1) .
وهذا تماماً هو حال الوهابيين، فاقرأ واعجب فما عشت أراك الدهر عجباً وأخيراً :
فهل سيصبح مصير الوهابيين هو نفس مصير « الخوارج » . . . فيكون آخرهم لصوصاً سلابين ؟! .
ومن يدري فإن غداً لناظره قريب.

---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج1 ص16.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 233_

الفصــــل الخامـــس
شقيق عاقر ناقة صالح


علي ( عليه السلام ) يعرف قاتله، وكيف يقتله
   عن عبيدة قال : إن علياً ( عليه السلام ) كان إذا رأى ابن ملجم قال : أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد (1) .
   وعن أبي الطفيل قال : كنت عند علي بن أبي طالب ، فأتاه عبد الرحمن بن ملجم ، فأمر له بعطائه .
   ثم قال : ما يحبس أشقاها أن يخضبها من أعلاها ، يخضب هذه من هذه ، وأومأ إلى لحيته ، ثم قال علي : أشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيكا ولا تجزع من القتل إذا حل بواديكا (2) .
وعن زيد بن وهب ، قال : قدم على علي قوم من « الخوارج » ، فيهم رجل يقال له : الجعد بن نعجة ، فقال له : اتق الله يا علي ، فإنك ميت .
   فقال علي ( عليه السلام ) : بل مقتول ، ضربة على هذه تخضب هذه ـ

---------------------------
(1) منتخب كنز العمال، مطبوع بهامش مسند أحمد ج5 ص61 عن ابن سعد، وعبد الرزاق، ووكيع في الغرر، وحياة الصحابة ج3 ص75 عن المنتخب.
(2) منتخب كنز العمال ج5 ص59 عن ابن سعد، وأبي نعيم، وحياة الصحابة ج3 ص75 عن المنتخب.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 234_

   وأشار إلى رأسه ولحيته بيده ـ قضاء مقضي ، وعهد معهود ، وقد خاب من افترى .
ثم عاتب علياً ( عليه السلام ) في لباسه ، فقال : لو لبست لباساً خيراً من هذه ؟ ! .
   فقال : مالك وللباسي ؟ ! إن لباسي [ هذا ] أبعد [ لي ] من الكبر ، وأجدر أن يقتدي بي المسلمون (1) .
   ويذكر المعتزلي : أن علياً ( عليه السلام ) التقى الزبير في حرب الجمل ، فذكّره قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فرجع الزبير إلى أصحابه نادماً واجماً ، ورجع علي ( عليه السلام ) إلى أصحابه جذلاً مسروراً ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، تبرز إلى الزبير حاسراً ، وهو شاكٍ في السلاح ، وأنت تعرف شجاعته ؟ ! .
   قال : إنه ليس بقاتلي ، إنما يقتلني رجل خامل الذكر ، ضئيل النسب ، غيلة في غير مأقط حرب ، ولا معركة رجال ، ويلُمه [ ويل أمة ] أشقى البشر! ليودّن أن أمه هبلت به ، أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن (2) .
   ويتعذر علينا إحصاء النصوص والمصادر التي تحدثت عن إخبار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأن قاتله هو ابن ملجم ، وأن ذلك يكون بضربة على رأسه يخضب منها لحيته .

---------------------------
(1) كنز العمال ج11 ص284 ورمز لذلك بـ [ط.وابن أبي عاصم في السنة.عم.حم في الزهد. والبغوي في الجعديات.ك.ق في الدلائل. ض] ومنتخب العمال ج5 ص435 وترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق [بتحقيق المحمودي] ص 278، وفي هامشه عن كتاب الفضائل رقم 32 والزهد والرقائق ص 361 و132 ومسند الطيالسي رقم 157 ج1/23 ومستدرك الحاكم ج3 ص143 ـ ومسند أحمد ج1 ص91 وكفاية الطالب ص460 ـ وتذكرة الخواص ص173.
(2) شرح النهج للمعتزلي ج1 ص235.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 235_

   وربما يكون ذلك منه ( عليه السلام ) يهدف إلى تحصين الناس من دعوات « الخوارج » وغيرهم ، والربط على قلوب المؤمنين ، من خلال تلمسهم صدق إخباراته الغيبية ، الأمر الذي يرسخ اعتقادهم بالإمامة ، على أساس أن الغيب هو أحد أركان هذا المقام العظيم .
   وعلى هذا يحمل ما جاء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنه بكى في آخر جمعة من شعبان ، فسأله علي ( عليه السلام ) عن سبب هذا البكاء ، فقال له : أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر ، فقال له علي ( عليه السلام ) : أفي سلامة من ديني . . . قال ( صلى الله عليه وآله ) : نعم . . . فإن سؤال أمير المؤمنين لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أفي سلامة من ديني ، لا يعني أنه ( عليه السلام ) كان غير مطمئن لمصيره ، لأن الإنسان قد يموت كافراً أو فاسقاً كما زعمه البعض (1) .
بل هو ( عليه السلام ) يريد أن يعرفنا على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأن قاتله هو الضال ، المارق من الدين كما مرق السهم من الرمية ، أما علي ( عليه السلام ) ، فإنه على بيّنة من ربه ، ولو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً . . .
   فسؤاله ( عليه السلام ) لأجل أن يسمعنا على لسان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ما يجعلنا في حصانة ومأمن من الشبهة ، لكي لا نغتر بما يظهره « الخوارج » من نسك وعبادة ، فنشك في إمامنا ونهلك بسبب ذلك .

---------------------------
(1) إن هذا البعض قد قال ذلك عبر إذاعة تابعة له تبث من بيروت وذلك ليلة 19 شهر رمضان المبارك سنة 1422 هـ.ق.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 236_

« الخوارج » يقتلون أوصياء الأنبياء :
   ثم إن قاتل علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هو عبد الرحمن بن ملجم ، وهذا مما أجمعت عليه الأمة ، فلا حاجة إلى ذكر النصوص والمصادر لذلك غير أننا نكتفي هنا بما قاله ابن اعثم الكوفي ، الذي ذكر أن علياً ( عليه السلام ) استشهد بعد وقعة النهروان بستة أيام (1) .
وقد كان له ( عليه السلام ) معهم في النهروان عدة وقائع .
يقول ابن أعثم ؛ بعد ذكره لأحداث النهروان : « وأقبل علي نحو الكوفة ، وسبقه عبد الرحمن بن ملجم ـ لعنه الله ـ حتى دخل الكوفة ؛ فجعل يبشر أهلها بهلاك الشراة (2) .
   قال : ومر بدار من دور الكوفة ، فسمع فيها صوت زمر ، وصوت طبل يضرب ؛ فأنكر ذلك ، فقيل له : هذه دار فيها وليمة ، قال : فنهى عن صوت الزمر ، والطبل قال : وخرجت النساء . . . » (3) .
   ثم يذكر قصة رؤية ابن ملجم قطاماً آنئذ ، وأنه عرض عليها الزواج ، فقبلت بشرط أن يكون مهرها ثلاثة آلاف درهم ، وعبداً ، وقينة ، وقتل علي ( عليه السلام ) ، ثم تنازلت له عما سوى قتل علي ( عليه السلام ) ، لأنه كان قد قتل أباها ، ثم رضيت منه بضربةٍ ، على أن يكون سيفه رهينة عندها ، فدفع إليها سيفه ، وانصرف إلى منزله .
   « . . . وقدم علي كرم الله وجهه من سفره ، واستقبله الناس ، يهنئونه بظفره بـ « الخوارج » ، ودخل إلى المسجد الأعظم ، فصلى فيه ركعتين ، ثم صعد المنبر ، فخطب خطبة حسنة .

---------------------------
(1) وهو كلام غير صحيح.
(2) الفتوح ج4 ص136 و137.
(3) الفتوح ج4 ص133 و134 وراجع كشف الغمة ج2 ص62 والبحار ج32 ص263.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 237_

   ثم التفت إلى ابنه الحسين ، فقال : يا أبا عبد الله ، كم بقي من شهرنا هذا ، يعني شهر رمضان الذي هم فيه .
فقال الحسين : سبع عشرة يا أمير المؤمنين .
   قال : فضرب بيده إلى لحيته ، وهي يومئذٍ بيضاء ، وقال : والله ليخضبنّها بالدم ، إذا انبعث أشقاها .
   قال : ثم جعل يقول : أريد حياته ويريد قتلي خليلي من عذيري من مراد فسمع ابن ملجم لعنه الله ؛ فكأنه وقع بقلبه شيء من ذلك ؛ فجاء حتى وقف بين يدي علي ( عليه السلام ) فقال : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ، فهذه يميني وشمالي بين يديك ، فاقطعهما ، أو اقتلني .
   فقال علي كرم الله وجهه : وكيف أقتلك ، ولا ذنب لك عندي ، إني لم أردك بذلك المثل ، ولكن خبرني النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أن قاتلي رجل من مراد ، ولو أعلم أنك قاتلي لقتلتك ، ولكن هل كان لك لقب في صغرك ؟ فقال : لا أعرف ذلك يا أمير المؤمنين .
   قال علي : فهل لك حاضنة يهودية ، فقالت لك يوماً من الأيام : يا شقيق عاقر ناقة صالح ؟! .
   قال : قد كان ذلك يا أمير المؤمنين .
   قال : فسكت علي ، وركب ، وصار إلى منزله » (1) .

---------------------------
(1) الفتوح ج4 ص136 و137 وكشف الغمة ج1 ص276.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 238_

   ثم يذكر ابن أعثم : « أن ضربة ابن ملجم لعلي ( عليه السلام ) قد كانت في يوم ثالث وعشرين » (1) .
وكان ابن ملجم قد بات في منزل قطام ، وكان قد تناول نبيذاً تلك الليلة (2) .
وقال : إنها سقته الخمر العكبري ، وأن رفيق ابن ملجم نام ، لكن ابن ملجم تمتع معها (3) .
وبعد أن تذكر الرواية : تفصيلات ضربة ابن ملجم لعنه الله لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
   تقول : « ثم احتمل علي إلى صحن المسجد ، وأحدق الناس به ، فقالوا : من فعل هذا بك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا تعجلوا ؛ فإن الذي فعل بي هذا سيدخل عليكم الساعة من هذا الباب . . . وأومأ بيده إلى بعض الأبواب .
   قال : فخرج رجل من عبد القيس في ذلك الباب ؛ فإذا هو بابن ملجم ، وقد سدت عليه المذاهب ، فليس يدري إلى أين يهرب ، فضرب العبدي بيده إليه ، ثم قال : ويحك ، لعلك ضارب أمير المؤمنين ؟ فأراد أن يقول : لا ، فقال : نعم .
   فكبه ، وأدخله المسجد ، فجعل الناس يلطمونه من كل ناحية ، حتى أقعدوه بين يدي علي .
   فقال له : أخا مراد ؟ بئس الأمير كنت لك ؟.

---------------------------
(1) الفتوح ج4 ص137.
(2) الفتوح ج4 ص139.
(3) البحار ج4 ص239 المناقب لابن شهر اشوب ج3 ص311 ـ المطبعة العلمية ـ قم.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 239_

قال : لا ، يا أمير المؤمنين »(1) .
   وفي رواية : أنه قال له : « ولقد كنت أعلم أنك قاتلي ، وإنما أحسنت إليك لاستظهر بالله عليك » (2) .
وتذكر النصوص : أن قطاماً دعت بحرير فعصبت به صدر ابن ملجم ورفيقه ، حينما تحركوا لتنفيذ جريمتهم بقتل سيد الوصيين ( عليه السلام )(3) .
   وذكرت بعض النصوص أيضاً : أن ابن ملجم تزوج قطاماً ، وبنى بها ثم طالبته بالوفاء بشرطها(4) .

فزت وربِّ الكعبة:
   وتقول الروايات : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أحسّ بضربة ابن ملجم له قال : « فزت ورب الكعبة »(5) .
وقد تحدثنا عن هذه الكلمة وما بمعناها في كتابنا : الصحيح من سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله )(6) .
وغيره .
   ولا نريد أن نعيد هنا ما كتبناه هناك. بل نكتفي بإحالة القارئ عليه ، ونؤكد عليه بالرجوع إليه .

---------------------------
(1) الفتوح ج4 ص140 و141.
(2) تذكرة الخواص ص177.
(3) روضة الواعظين ص133 وراجع ص134 والمناقب للخوارزمي ص276 ونظم درر السمطين ص144 وشرح النهج للمعتزلي ج6 ص116و118 ومقاتل الطالبيين ص33 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص313 ـ المطبعة العلمية.
(4) الثقات ج2 ص302 والبداية والنهاية ج7 ص329 و327 وتذكرة الخواص ص176 وأنساب الأشراف ج2 ص487 ـ 492.
(5) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج9 ص207 وترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق ج3 ص303. [تحقيق المحمودي] ومقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن أبي الدنيا [مطبوع في مجلة تراثنا سنة 3 عدد 3 ص96].
(6) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ج7 ص352 و361.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 240_

علي ( عليه السلام ) يخبر عن الغيب :
   وقد مرت الاشارة عن قريب إلى أن امير المؤمنين ( عليه السلام ) قد أخبرهم أن قاتله سيخرج عليهم من الباب الفلاني ، وقد تحقق ما أخبره ( عليه السلام ) مباشرة ، ويدخل ذلك في سياق سعيه ( صلوات الله عليه ) لتحصين الأمة من الوقوع في الشبهة فلا تغرهم ما يظهر « الخوارج » المارقون من عبادة وزهادة ونسك وخشوع وذلك عن طريق الإثبات الواضح بالإخبارات الغيبية القاهرة للعقل والملامسة للوجدان أنه ( عليه السلام ) يملك علم الإمامة الذي يفرض عليهم البخوع والانقياد له من دون أي شبهة أو ريب .

تاريخ الضربة :
   وإن ما ذكره : ابن أعثم أن ضربة ابن ملجم لعلي ( عليه السلام ) كانت في الثالث والعشرين من شهر رمضان بخلاف ما هو معروف ومشهور من أن ذلك كان في التاسع عشر من شهر رمضان ، ثم استشهد في الحادي والعشرين منه .

ولو أعلم إنك قاتلي :
   وذكر ابن أعثم أيضاً : بأنه ( عليه السلام ) قال لابن ملجم : لو أعلم انك قاتلي لقتلك . . . ولا يمكن قبول ذلك منه فإنه ( عليه السلام ) ما فتئ يخبر الناس تصريحاً وتلويحاً بأن ابن ملجم هو قاتله ، حتى إن بعض النصوص : أنهم قالوا له : لما لا تقتله ، فقال : لم يقتلني بعد .
   وإن ادنى مراجعة لكتب الحديث والتاريخ كفيلة بإظهار هذه الحقيقة .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 241_

ابن ملجم يشرب الخمر ، ويلبس الحرير :
   ولسنا بحاجة إلى التأكيد على حقيقة أن « الخوارج » كان يتظاهرون بالتدين ، دون أن يكون لهم دين في الواقع . . . بل كانوا يرتكبون أعظم المآثم ، حتى شرب الخمر والزنى إلى درجة الدعارة الظاهرة ، وليس ابن ملجم في شربه للخمر ولبسه للحرير المحرم للرجال إلا المثال الذي تكثر نظائره فيهم ، أخزاهم الله .

أصابع اليهود في قتل الوصي ( عليه السلام ) :
   وعلى كل حال ، فقد كانت مربية ابن ملجم يهودية (1) .
بل كما ذكره المجلسي ، وابن أعثم وغيرهما ، لقد روي عن جوين الحضرمي ، قال : عرض [ على ] علي الخيل ، فمر عليه ابن ملجم ، فسأله عن اسمه ، أو قال : [ عن ] نسبه ـ فانتهى إلى غير أبيه .
فقال له : كذبت .
   حتى انتسب إلى أبيه ، فقال : صدقت ، أما إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حدثني : أن قاتلي شبه اليهود ! ! ! هو يهودي ، فامضه (2) .

---------------------------
(1) البحار ج32 ص262.
(2) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق ج3 ص293 بتحقيق المحمودي وكنز العمال ج15 ص174 وحياة الصحابة ج3 ص75 ومنتخب كنز العمال [ بهامش مسند أحمد ] ج5 ص62.