|
تصدفون ؟ عن القمر الباهر؟ والسراج الزاهر ، وصراط الله المستقيم، وحسان الأعد (1) المقيم ، قاتلكم الله أنى تؤفكون ؟ أفي الصديق الأكبر ، والغرض الأقصى ترمون؟ طاشت عقولكم ، وغارت حلومكم ، وشاهت وجوهكم ، لقد علوتم القلة من الجبل ، وباعدتم العلة من النهل .
أتستهدفون أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه ) ، ووصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ لقد سوّلت لكم أنفسكم خسراناً مبيناً ، فبعداً وسحقاً للكفرة الظالمين ، عدل بكم عن القصد الشيطان ، وعمى لكم عن واضح المحجة الحرمان .
فقال له عبد الله بن وهب الراسبي : نطقت يا بن صوحان بشقشقة بعير ، وهدرت فأطنبت في الهدير ، أبلغ صاحبك أنا مقاتلوه على حكم الله والتنزيل .
فقال عبد الله بن وهب أبياتاً ، قال العكلي الحرماوي : ولا أدري أهي له أم لغيره :
نـقاتلكم كـي تـلزموا الحق iiوحده ونـضربكم حـتى يكون لنا iiالحكم فـإن تـبتغوا حـكم الإله نكن iiلكم إذا ما اصطلحنا الحق والأمن والسلم وإلا . . . فـإن الـمشرفية iiمـحذم بـأيدي رجـال فـيهم الدين iiوالعلم |
فقال صعصعة :
كأني انظر إليك يا أخا راسب مترملاً بدمائك، يحجل الطير بأشلائك ، لا تجاب لكم داعية ، ولا تسمع لكم واعية ، يستحل ذلك منكم إمام هدى .
قال الراسبي : سيعلم الليث إذا التقينا دور الرحى عليه أو علينا .
---------------------------
(1) في بعض النسخ: وسبيل الله المقيم.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 190_
أبلغ صاحبك : أنا غير راجعين عنه ، أو يقر لله بكفره ، أو يخرج عن ذنبه ، فإن الله قابل التوب ، شديد العقاب ، وغافر الذنب ؛ فإذا فعل ذلك بذلنا المهج .
فقال صعصعة : عند الصباح يحمد القوم السُّرى .
ثم رجع إلى علي ( صلوات الله عليه ) ، فأخبره بما جرى بينه وبينهم إلخ (1).
فالراسبي لم يجب صعصعة إلا بالشتم والإهانة ، ولم يكن لديه حجة ، ولا دليل منطقي يبرر به ما يقدم عليه . . . بل هو حتى لم يقابل الموعظة ، بالموعظة ولا النصيحة بالنصيحة ، بل أعلن عن أطماعه الدنيوية بالوصول إلى الحكم ، وأن يكون لهم دون غيرهم .
ونجد صعصعة يقدم صوراً رائعة من البلاغة ، والوعي ، والعقلانية ، والغيرة على مصلحة الأمة ، والعمق العقيدي القائم على أساس قوي ، ومتين وعلى الرؤية الواضحة .
وفي نص آخر :
أنه لما فارقت « الخوارج » علياً ( عليه السلام ) ، ونزلوا حروراء مع ابن الكواء بعث علي ( عليه السلام ) إليهم ابن عباس ، وصعصعة .
فقال لهم صعصعة : إنما يكون القضية من قابل ؛ فكونوا على ما أنتم حتى تنظروا القضية كيف تكون .
قالوا : إنما نخاف أن يحدث أبا [ كذا ] موسى شيئاً يكون كفرا .
قال : فلا تكفروا العام مخافة عام قابل .
فلما قام صعصعة ، قال لهم ابن الكواء : « أي قوم ، ألستم تعلمون أني دعوتكم إلى هذا الأمر ؟ »
قالوا : بلى .
قال : فإن هذا ناصح فأطيعوه »(2)
هفوة ظاهرة :
ولا حاجة بنا إلى التعريف بصعصعة ، ووفائه الظاهر لامير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى أن مات ، ودفاعه عن قضيته ( عليه السلام ) في قبال « الخوارج » وغيرهم بكل ما أوتي من قوة وحول ، فإن ذلك من بديهيات التاريخ التي لا يرقى إليها أدنى شك أو شبهة .
ولكننا : ـ مع ذلك ـ نجد الجوزجاني يعد صعصعة بن صوحان بالذات في جملة « الخوارج » الذين نبذ الناس حديثهم اتهاماً لهم (3). فاقرأ ذلك واعجب ما بدا لك ، فإنك ما عشت أراك الدهر عجباً .
---------------------------
(1) الإختصاص ص121/122.
(2) لسان الميزان ج3 ص329 عن يعقوب بن شيبة.
(3) أحوال الرجال ص35.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 191_
بدايــــة :
قد أشرنا فيما سبق إلى أن « الخوارج » من بين سائر الفرق كانوا اسرع ما يكون إلى التشعب والتفرق إلى فرق ، ومذاهب شتى ، ولذا ، فقد ظهرت لهم فرق كثيرة ، ولكنها سرعان ما اختفت وبادت .
بل إن أكبر فرقهم وأهمها ، وهي : الأزارقة والنجدات ، والعجاردة ، قد بادت واختفت أيضاً كغيرها من الفرق الصغيرة ، ولم يبق منهم إلى عهد ابن حزم سوى فرقتي الإباضية والصفرية ، وكان الغالب على خوارج الأندلس في زمانه النكار من الإباضية (1).
وكان الخلاف ينشب بينهم لأتفه الأسباب ، فيصيرون لأجلها فرقاً دينية ، يقتل بعضهم بعضاً ، ويبرأ بعضهم من بعض ، على حد تعبير ابن شاذان (2).
ويكفي أن يراجع : ـ على سبيل المثال ـ ما فعلته فرقة الحمزية منهم بـ « الخوارج » من أتباع الفرق الأخرى من القتل والجرائم (3).
---------------------------
(1) الفصل لابن حزم ج4 ص190و191.
(2) الإيضاح ص48.
(3) الفرق بين الفرق ص98و100.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 192_
كما أنه ولأجل سبب بسيط تافه نجد أصحاب قطري بن الفجاءة يفترقون إلى فرقتين : إحداهما معه ، والأخرى مع عبد ربه الصغير ، ثم تنشب معركة فيما بينهم أجلت عن ألفي قتيل(1).
وقد أدرك المهلب بن أبي صفرة نقطة الضعف هذه فيهم ، فكان يهتم في خلق الأسباب ـ وكثير منها حقير وتافه ـ لإلقاء الخلاف فيما بينهم و تمزيقهم (2).
وليواجههم ـ من ثم ـ في ساحة الحرب ، وهم جماعات صغيرة ، لا تكاد تقوى على تسجيل نصر حاسم ، مهما كانت الظروف والأحوال .
ويكفي أن نذكر هنا : ـ كشاهد على ذلك ـ النص التاريخي الذي يقول : « وكتب المهلب جواب الحجاج : إني منتظر بهم إحدى ثلاث : موتاً ذريعاً ، أو جوعاً مضراً ، أو اختلافاً في أهوائهم » (3).
نعم . . . وهذا ما نبه إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، حينما قال لهم : « وأنتم معاشر أخفاء الهام ، سفهاء الأحلام » . . . وقد أشار الآخرون إلى هذه الناحية فيهم حسبما قدمنا، فلا حاجة إلى الإعادة .
« الخوارج » : فورة وخمود :
قال بروكلمان : « كان الخوارج الذين هزموا في كل مكان تقريباً قد ثبتوا فترة طويلة في سجستان جنوب شرقي إيران ، وهي المقاطعة التي تفصل اليوم بين إيران الحالية وأفغانستان ، ولكنهم كانوا قد انحطوا إلى درك .
---------------------------
(1) الكامل للمبرد ج3 ص393 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص204.
(2) راجع: الكامل للمبرد ج3 ص393 و382 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص196 و197 و405 وتاريخ ابن خلدون ج3 ص161.
(3) الكامل للمبرد ج3 ص374 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص190.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 193_
اللصوصية والنهب في ذلك الإقليم النائي ، الذي ترك أمره في أيام هارون الرشيد للحكام الوطنيين ، فلم يشدّ إلى الإدارة المركزية شداً محكماً ، ومن هنا اضطر اهل البلاد إلى مقاتلتهم دفاعاً عن النفس إلخ . . . » (1).
وقد تنبأ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بهذا المصير لهم أيضاً ، حينما قال عنهم : « كلما نجم منهم قرن قطع ، حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين »(2).
يقول المعتزلي في شرحه : « وهكذا وقع ، وصح إخباره ( عليه السلام ) أيضاً : سيكون آخرهم لصوصاً سلابين ، فإن دعوة الخوارج اضمحلت ، ورجالها فنيت ، حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق ، متظاهرين بالفسوق والفساد في الأرض »(3).
وقال أيضاً : « . . . وقد وقع ذلك ؛ فإن الله تعالى سلط على الخوارج بعده الذل الشامل ، والسيف القاطع ، والأثرة من السلطان ، ومازالت حالهم تضمحل ، حتى أفناهم الله تعالى ، وأفنى جمهورهم إلخ . . . »(4).
أما ابن ميثم البحراني ؛ فيقول : « . . . وأما كون آخرهم لصوصاً سلابين ؛ فإشارة إلى ما كانوا يفعلونه في أطراف البلاد ؛ بأصبهان ، والأهواز ، وسواد العراق ، يعيشون فيها بنهب أموال الخراج ، وقتل من لم يدن بدينهم جهراً ، وغيلةً .
وذلك بعد ضعفهم وتفرقهم ، بوقائع المهلب وغيرها ، كما هو مذكور في مظانه إلخ . . . »(5).
---------------------------
(1) تاريخ الشعوب الإسلامية ص216و217.
(2) نهج البلاغة [مطبوع مع شرح محمد عبده] الخطبة رقم 58 والبحار [ط حجرية] ج8 ص572.
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج5 ص73.
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص132.
(5) شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج2 ص155.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 194_
ويقول فلهوزن عن خوارج البصرة : « وهؤلاء الخوارج البصريون كانوا يسلكون مسالك اللصوص والسفاحين »(1).
ومما سهل عليهم ذلك : طبيعة تعاليمهم، وعقيدتهم بالنسبة إلى كل من سواهم ، حيث دعاهم ذلك إلى اتباع كل أسلوب حتى أسلوب اللصوصية والسلب بالنسبة إلى غيرهم ، ممن لا يتبع مذهبهم ، ولا يدين بدينهم .
أضف إلى ذلك : أن جفاءهم وقسوتهم ، ومعه جهلهم أيضاً قد سهّل عليهم ارتكاب أمور كهذه ، ولاسيما إذا كانت موافقة لأهوائهم ومطامعهم ، وملبسةً بلباس الدين ، ومبررة على اساس شرعي مزعوم .
ومما زاد الطين بلة والخرق اتساعاً ، وأطلق لهم العنان في هذا الاتجاه ، وجعله أمراً مألوفاً ، ذلك الرفض الاجتماعي لهم ، والتحاشي والحذر منهم ، الذي جعلهم معزولين عن الحياة الاجتماعية ، وعن النشاطات الحيوية فيها ، وحرمهم من لذة المشاركة الإنسانية في تيارها الزاخر بالعواطف النبيلة ، ومدها العارم الحنون .
وأخيراً . . . فإن هذه الحال التي أخبر عنها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم تزل قائمة إلى يومنا هذا فإن أتباع الفرقة الإباضية التي عاشت وانتشرت في شمالي إفريقية ، وفي عمان ، وفي حضرموت ، وزنجبار ، واستمرت إلى يومنا هذا (2).
« كانوا لا يختلفون إلا من حيث الاسم عن اللصوص الأدنياء ، وكانوا يستحقون أن يعاملوا كما يعامل اللصوص »(3).
---------------------------
(1) الخوارج والشيعة ص60/61.
(2) ضحى الإسلام ج3 ص336 وراجع تاريخ الفرق الإسلامية ص284 عن العقيدة والشريعة لجولد تسيهر 173 وفيه: أنهم يقيمون في إقليم جبل نفوسة بطرابلس الغرب، وزنجبار وراجع: الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي ص150 وأضاف فيه: جربة وسيوة.
(3) تاريخ الدولة العربية ص118.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 195_
من عوامل الانحسار :
ولا يخفى أنه قد كان لسرعة تفرق « الخوارج » آثار كبيرة على حياتهم ومصيرهم . . . وقد ساعد على حصول هذه الحالة وتفاقمها فيهم : أنهم كانوا في كثير من الأحيان ، بل في أكثرها أخلاطاً من الناس ، لا تربطهم إلا رابطة المصالح والأهواء ، مع ما يصحب ذلك من بداوة وجهل ، وغير ذلك .
ولعل طبيعة الشعارات التي كانوا يرفعونها كانت تجذب إليهم أولئك الشباب الأحداث المتحمسين ، الذين كانوا من مختلف الفئات ، والطبقات والثقافات ، ولكن من دون أن يكون لمضمون تلك الشعارات أي تأثير على سلوكهم الشخصي ، شأن المنافقين في هذه الأيام ، فإن الشعارات التي يرفعونها ، وما يترتب عليها من إثارات عاطفية على العناصر التي يستفيدون منها من شأنها أن تولد في نفوس تلك العناصر أحقاداً على الآخرين ، بلا سبب ظاهر، ثم يتصرفون تجاههم برعونه ظاهرة ، ويتخذون المواقف القوية والمتطرفة ، على أساسها .
وهذا ما يفسر لنا : ما جاء عن أئمتنا ( عليهم السلام ) : من أن الحقد الذي كان يعتمل في نفوس « الخوارج » كان وراء كل مواقفهم المتطرفة تلك .
هذا . . . ويلاحظ : أنهم حين يرتجلون المواقف ، لم يكونوا مهتمين بالبحث عن فرصة للأناة وللتروي في مواقفهم ، والتخطيط لها ، بل هم يمعنون في العفوية والارتجال ، ولا يروق لهم العمل السري المنظم ؛ إذ أنهم كانوا يتجنبون قدر الإمكان العمل بمبدأ التقية ، وكان الأزارقة لا يجيزون التقية ، وخالفهم في ذلك نجدة الحنفي (1).
---------------------------
(1) الكامل في الأدب ج3 ص285.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 196_
كما أن الحدة والقسوة التي امتازت بها عقائدهم ، ومواقفهم ، كانت هي النتيجة الطبيعية لما ذكرناه آنفاً ، بالإضافة إلى عدم وضوح كثير من الأمور الدينية لديهم ، حتى إنهم كانوا غير قادرين على التمييز بين الإيمان والكفر ، وموجباتهما، فاختلطت الأمور عليهم ، وعانوا من الشبه الكثيرة ، التي كانت تعرض لهم وتمزقهم ، إلى شيع وأحزاب .
وكان لطبيعة حياتهم وظروفهم ، وواقعهم الخاص ـ الذي كانوا يعانون منه ـ الأثر بشكل أو بآخر في جنوحهم إلى التسرع في إصدار الأحكام الفاصلة والحادة ، التي تبيح لهم ، حسب فهمهم استباحة الأنفس ، والأموال، والأعراض بسرعة .
بل نجد : أن زعماء الأزارقة يتخذ الخلاف بينهم طابعاً عنصرياً ، « فقد تكتلت الموالي والأعاجم ضد اميرهم قطري بن الفجاءة ، ومن معه من العرب ، وأخرجوهم من ديارهم بعد قتال أسفر عن قتل ألفي رجل » (1).
وقد كان لتشتتهم هذا : أثر كبير في القضاء على دعوتهم ، بالإضافة إلى ما قدمناه من نظرتهم ، وتعاملهم مع غيرهم من المسلمين ، بسبب قسوة كثير من تعاليمهم ، وتطرف آرائهم وعقائدهم بصورة عامة ، فلم يكن لغيرهم خيار سوى خيار الحرب لهم ، والسعي للقضاء عليهم وعلى دعوتهم بأي ثمن .
وهكذا . . . يتضح : أن تلك الآراء قد ساهمت بشكل فعال في انحسار دعوتهم عن مراكز النفوذ والحركة ، والقوة والازدهار الثقافي في الدولة الإسلامية ؛ ليعيشوا في مناطق نائية ، فيها الكثير من مظاهر الجهل ، والحرمان ، والبداوة ، وحرمتهم إلى حد كبير من السير بخطى واسعة نحو المشاركة في المد الثقافي ، والعلمي ، الذي كان يجتاح العالم الإسلامي ، ويزداد طغياناً وقوة باستمرار .
---------------------------
(1) الكامل للمبرد ج3 ص393.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 197_
وكذلك حرمتهم من التمتع بملذات الحياة ، وبالطيبات من الرزق ، حتى انتهى الأمر بهم إلى أن يكونوا لصوصاً سلابين ، حسبما أخبر به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
مواقفهم من غير المسلمين :
لقد كان لموقف « الخوارج » على اختلاف نحلهم من غير المسلمين تأثيرات هامة على مجريات الأمور بالنسبة إليهم ، ولا تزال هذه التأثيرات باقية بسبب بقائهم على مواقفهم تلك ،
فإن « الخوارج » الذين يقولون بوجوب قتل المسلمين ، وبعض كبريات فرقهم ، تجيز حتى قتل الأطفال والشيوخ منهم ـ قد وقفوا من غير المسلمين موقفاً إيجابياً ومتعاطفاً معهم للغاية . . .
ويكفي أن نذكر : أن واصل بن عطاء قد استطاع هو ومن معه التخلص من الموت المحتم على أيديهم ، حين ادّعى أنه هو وأصحابه مشركون ، يريدون أن يسمعوا كلام الله ، وأن عليهم أن يبلغوهم مأمنهم ، كما نص عليه القرآن . . . فكان له ما أراد وبعد أن أسمعوهم دعوتهم ، ساروا معهم بجمعهم حتى أبلغوهم مأمنهم ، والقضية معروفة ومشهورة (1).
---------------------------
(1) راجع على سبيل المثال: شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص80و81 وج2 ص281 والكامل في الأدب ج3 ص164/165 والأذكياء ص124/125 ونشوار المحاضرة ج2 ص250 وكشف الارتياب ص118 وراجع: الإباضية عقيدة ومذهباً ص34 عن تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص389 وفجر الإسلام ص263.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 198_
وقد جرى مثل ذلك بين بعض النصارى ، وبين شبيب الخارجي (1).
كما أن سهم بن غالب الخارجي ، كان يأخذ المسلمين؛ فيقتلهم ، بينما يخلي سبيل يهود صرحوا له بيهوديتهم (2).
وحين لقي ابن عرباض « الخوارج » وهم يجزون الناس بسيوفهم ، قال لهم : هل خرج إليكم في اليهود شيء ؟ [ يوهمهم أنه يهودي ]
قالوا : لا.
قال : فامضوا راشدين ، فمضوا وتركوه(3).
وهذه التورية كتورية مؤمن الطاق ؛ حينما لقيه خارجي وبيده سيف ، فقال له الخارجي : والله لأقتلنك أو تبرأ من علي ( عليه السلام ) .
فقال له : أنا من علي، ومن عثمان بريء ، يريد : أنه من علي ( عليه السلام ) وبريء من عثمان(4).
وقال الطبري : « وجاء أهل البت إلى شبيب ، وكان قد نزل ببيعتهم ، فقالوا له : أصلحك الله ، أنت ترحم الضعفاء ، وأهل الجزية ، ويكلمك من تلي عليه ، ويشكون إليك ما نزل بهم ؛ فتنظر لهم ، وتكف عنهم ، وإن هؤلاء القوم [ يعني العراقيين ، أتباع السلطة ] جبابرة ، لا يكلمون ، ولا يقبلون العذر ، والله ، لئن بلغهم أنك مقيم ببيعتنا ليقتُلُنّا ، إن قضي لك ان ترتحل عنا ؛ فإن رأيت فانزل جانب القرية ، ولا تجعل لهم علينا مقالاً ؟
قال : فإني أفعل ذلك .
---------------------------
(1) تاريخ الأمم والملوك ج5 ص58.
(2) الكامل في التاريخ ج3 ص418.
(3) العقد الفريد ج2 ص465.
(4) المصدر السابق.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 199_
ثم خرج، فنزل جانب القرية إلخ . . . » (1).
كما أن من طريف أخبارهم : « أنهم أصابوا في طريقهم مسلماً ، ونصرانيا ً؛ فقتلوا المسلم ، لأنه عندهم كافر؛ إذ كان على خلاف معتقدهم ، واستوصوا بالنصراني ، وقالوا : احفظوا ذمة نبيكم »(2).
كما أن رجلاً منهم عرض لخنزير ، فقتله ؛ فقالوا : هذا فساد في الأرض فمضى الرجل إلى صاحب الخنزير فأرضاه .
وحسب نص البلاذري ، قالوا له : بم استحللت قتل هذا الخنزير وهو لرجل معاهد ؟ ! (3).
وساوموا رجلاً نصرانياً بنخلة : فقال : هي لكم .
فقالوا : ما كنا لنأخذها إلا بثمن .
فقال : ما أعجب هذا ؟! أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ، ولا تقبلون منا جنى نخلة ؟ !(4). وقال عمر بن عبد العزيز لشوذب الخارجي ورفيقه :
---------------------------
(1) تاريخ الأمم والملوك ج5 ص76.
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ـ ج2 ـ ص280 والكامل للمبرد ج3 ص212 وبهج الصباغة ج7 ص112 عنه وأنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص412 و366 و368 وراجع تاريخ الأمم والملوك ج4 ص60 و61 وشذرات الذهب ج1 ص51 والعقد الفريد ج2 ص390.
(3) الإمامة والسياسة ج1 ص147 وكشف الارتياب ص118 والبداية والنهاية ج7 ص288 والكامل في التاريخ ج3 ص342 والفخري في الآداب السلطانية ص94 وراجع: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص281 وأنساب الأشراف ج2 ص366, وبهج الصباغة ج7 ص 112.
(4) الكامل في الأدب ج3 ص213 والعقد الفريد ج2 ص390 و391 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص282 والجوهرة في نسب علي (عليه السلام) وآله ص106 وبهج الصباغة ج7 ص112.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 200_
« أفلستم تلقون من خلع الأوثان ، ورفض الأديان ، وشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، تستحلون دمه وماله ، ويلعن عندكم ، ومن ترك ذلك وأباه : من اليهود والنصارى ، وأهل الأديان ، فتحرمون دمه ، وماله ، ويأمن عندكم ؟! » (1).
ويقول البعض : « . . . وهم يهرقون دم أعدائهم من المسلمين ، وجهادهم ليس موجهاً ضد المشركين ، ولكن ضد المسلمين ، لأنهم يرونهم أشنع من المشركين ، ومن النصارى ، واليهود ، والمجوس ، ومنهم الذين يجعلون أهل الكتاب من اليهود والنصارى على قدم المساواة مع المسلمين إذا اعترفوا بكلمة التوحيد ، وأن الرسول رسول العرب ، وليس رسولاً لهم » (2).
وقال فلهوزن : « ولم يعد جهادهم ضد الكفار ، بل ضد أهل السنة والجماعة من عامة المسلمين ، إذ كانوا يرون في هؤلاء كفاراً بل أشد كفراً من النصارى ، واليهود والمجوس ، ويحسبون قتال عدوهم هذا الداخلي أهم الفروض »(3).
نتائج وآثار :
وقد كان لهذا الموقف الغريب للخوارج في المتعاطف مع غير المسلمين، والحاد والقاسي مع المسلمين أنفسهم نتائج متفاوتة في ثلاثة اتجاهات :
---------------------------
(1) العقد الفريد ج2 ص403 وقريب منه في الكامل في التاريخ ج5 ص47.
(2) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص172.
(3) الخوارج والشيعة ص43.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 201_
الأول : بالنسبة لعلاقاتهم هم بالمسلمين ، فإنها وصلت في ترديها إلى نقطة اللاعودة ، حيث لم يعد بإمكان أي مسلم أن يقترب منهم ، أو أن يطمئن إليهم ، ودفع الناس إلى العمل بكل جدية وتصميم إلى التخلص منهم . . . يقابله تصميم من قبلهم على إبادة الناس وقتلهم ، واندفاع مجنون إلى ذلك دون أن يكون هناك أي حدود أو قيود . . .
فنتج من بين هذا وذاك حروب ضارية أهلكت الحرث والنسل ، من دون فائدة ظاهرة .
هذا عدا عن تكريس انفصالهم الأبدي عن جماعة أهل الإسلام ،
ودفع الناس إلى حروب تحمل في مضمونها الدفاع عن حكومة الجائرين من بني أمية وغيرهم .
الثاني : بالنسبة لعلاقاتهم بالنصارى واليهود ، فإنهم قد استفادوا من سياساتهم هذه تجاههم ، مزيداً من التأييد من أهل الكتاب لحركتهم .
وهو ما أشار إليه فلهوزن حيث قال عن شبيب الخارجي : « . . . ويهجم على العدو على غرة منه ، وكان في الغالب على اطلاع على عمليات العدو وتحركاته ، لأنه كان على تفاهم تام مع نصارى البلاد ، الذين رأوا فيه نصيراً ضد المستبدين بهم ، وإذا كان هؤلاء النصارى لم يقفوا إلى جانبه علناً ، فقد قدموا له خدمات جليلة ، كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً » (1).
وكان من نتائج ذلك أن سهّل على أعداء الله ، وعلى الدول الاستعمارية على مدى التاريخ إقامة علاقات طبيعية بل وحميمة جداً مع البلاد التي يسيطر عليها « الخوارج » ، أو من هم على مثل رأيهم ، وجعل ذلك مقبولا لدى عامة الناس منهم ؛ لأنه منسجم مع نظرتهم الدينية ، أو هكذا صُوِّر أو شُبِّه لهم !!.
ونقصد بمن هم على مثل رأيهم خصوص الوهابيين ، الذين لهم أوجه شبه كبيرةً مع « الخوارج » ، كما سيأتي إن شاء الله في مقايسة أجريناها بين مبادئ وعقائد وواقع « الخوارج » ، وبين الوهابيين .
---------------------------
(1) الخوارج والشيعة ص99.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 202_
مرونة أم تحلل :
قلنا : إن « الخوارج » كانوا يظهرون التزمت في التزامهم الديني ، وأن تعاليمهم الدينية قاسية ، وحادّة ، بحيث أن التخلف عن هاتيك التعاليم ، أو عن بعضها يكون مساوقاً للتخلف عن الإسلام نفسه ، والعدول عنه إلى الكفر والشرك .
وموقف « الخوارج » من كل من عداهم موقف شديد للغاية ، حيث يكفرون جميع من عداهم ، ولا يقبلون منهم إلا الإسلام أو السيف ، ويحل قتل أطفالهم ونسائهم ، والغدر بهم ، ويكفرون القعدة عن القتال ، ولا يجيز أكثرهم التقية ، إلى غير ذلك من أحكام تقدمت الإشارة إلى بعضها ،وعلى هذا فإن أي انسجام يكون بين أي منهم وبين غيرهم يدخل في دائرة المخالفة والخروج عن الدين ، بل والكفر الذي يستحق فاعله القتل .
وفي المقابل ، فإن الشيعة لا يرون بأساً بالتعامل مع غيرهم من أهل الملل الأخرى إذا لم يكن فيه تأييد للدولة ، الظالمة ، أو معونة على الظلم ، بل كان مجرد علاقة مع الناس العاديين منهم .
وكان قائماً على أساس الحق والعدل ، ومع الالتزام بالأحكام الشرعية . . .
فإذا رأينا الشيعة يقيمون علاقات ودية مع غيرهم من أهل المذاهب الإسلامية الأخرى ، فإنهم يكونون منسجمين مع تعاليم مذهبهم ، وأحكام دينهم . . . ويستحقون المزيد من الإجلال والإكبار لأجل ذلك ، لانسجامه مع فروض المعرفة ، وقضاء العقل ، وموجب الشرع .
ولكن إذا رأينا بعض « الخوارج » يفعلون ذلك ؛ فإنهم ولاشك يكونون في دائرة الطغيان والعصيان لأحكام مذهبهم ، ويكشف ذلك عن عدم التزامهم بما يرونه حكماً إلهياً شرعياً ، أو عقلياً فطرياً ، وهذا نقص ، وانحراف ، يستحق فاعله الذم ، والانتقاص ، بل وحتى الامتهان ، والاحتقار ، والعقوبة .
ونجد في التاريخ نماذج متميزة من هذا التعامل غير المبرر في دينهم ومذاهبهم ، فقد قال المسعودي :
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 203_
1 ـ ابن إباض وهشام بن الحكم :
يقول المؤرخون : « . . . وكان عبد الله بن يزيد الإباضي بالكوفة ، يختلف إليه أصحابه ، يأخذون منه ، وكان خزازاً ، شريكاً لهشام بن الحكم ، وكان هشام مقدماً في القول بالجسم ، والقول بالإمامة على مذهب القطعية ، يختلف إليه أصحابه من الرافضة ، يأخذون عنه .
وكلاهما في حانوت واحد ، على ما ذكرنا من التضاد في المذهب ، من التشري والرفض ، ولم يجر بينهما مسابّة ، ولا خروج عما يقتضيه العلم ، وقضية العقل ، وموجب الشرع ، وأحكام النظر والسير .
وذكر : أن عبد الله بن يزيد الإباضي قال لهشام بن الحكم في بعض الأيام : تعلم ما بيننا من المودة ، ودوام الشركة ، وقد أحببت أن تنكحني ابنتك فاطمة :
فقال له هشام : إنها مؤمنة .
فأمسك عبد الله ، ولم يعاوده في شيء من ذلك ، إلى أن فرق الموت بينهما » (1).
2 ـ الكميت والطرماح :
قال الزمخشري : « لم ير الناس أعجب حالاً من الكميت والطرماح ، كان الكميت عدنانياً عصبياً ، وشيعياً من الغالية ، ومتعصباً لأهل الكوفة ، وكان الطرماح قحطانياً عصبياً ، وخارجياً من الصفرية ، ومتعصباً لأهل الشام ، وبينهما من المخالصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط ، ولم يكن بينهما صرم ولا جفوة » .
وعلى حد تعبير ابن قتيبة : « وكان بينه وبين الطرماح من المودة ، والمخالطة ، ما لم يكن بين اثنين ، على تباعد ما بينهما في الدين والرأي ؛ لأن الكميت كان رافضياً ، وكان الطرماح خارجياً صفرياً ، وكان إلخ . . . » (2).
---------------------------
(1) مروج الذهب ج3 ص194 وراجع: المحاضرات للراغب ج2 ص13 وراجع: الإلمام ج1 ص37 والبيان والتبيين ج1 ص46 و47.
(2) ربيع الأبرار ج1 ص443 و444 والشعر والشعراء ص369 وراجع: المحاضرات للراغب ج2 ص13 والبيان والتبيين ج1 ص46 وراجع: «الأغاني ط ساسي ج15
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 203_
وقيل لهما : كيف اتفقتما مع الخلاف بينكما ؟ !
فقالا : اتفقنا على بغض العامة (1).
ووصفهما جعفر المصري ، فقال :
فنحن في ودٍّ ، وحبٍ كما كان كميت والطرماح
ولكن البعض قد حاول تبرئة الطرماح من نسبة الخارجية إليه ،
ولكنها محاولة فاشلة ، لأنها مجرد تشكيك ، لايعتمد على أساسٍ علمي ، وقد أظهر الطرماح أنه لا يتورع عن الوقيعة في سيد الوصيين ( عليه السلام ) ، كما حصل في مجلس معاوية ، وفي موارد أخرى (2). فليرجع إليها في مصادرها .
وقد حاول بعضهم أن يناقش في أن يكون الطرماح خارجياً ، قال : وإنما الخارجي هو جده(3).
ولكن نقل ابن قتيبة ، والزمخشري لهذا الأمر ، يبعّد ما ذكره هذا البعض .
بالإضافة إلى انه هو نفسه قد ذكر اتصال الطرماح بخالد بن عبد الله القسري ، ومدحه له ، وأن خالداً كان يكرمه ، ويستجيده شعره (4). الأمر الذي يؤيد : أن الطرماح هذا لم يكن معروفاً بحبه لأمير المؤمنين ( عليه السلام ).
---------------------------
(1) خلاصة عبقات الأنوار ج9 ص201 عن ابن قتيبة.
(2) راجع: فرائد السمطين ج1 ص374.
(3) هامش ربيع الأبرار ج1 ص445.
(4) وقد أعطاه مرة خمسين ألف درهم، ليعصي بها الله ويطيع. راجع: لباب الآداب ص114 و115 وفي هامشه عن الأغاني ج10 ص152.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 204_
كما يدعيه المعلق ، بل إن تقريب خالد له قرينة قوية على إنه كان من مبغضي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
كما أن نفس كون صداقته للكميت موجبة لتعجب الناس ، واعتبار ذلك أمراً ملفتاً للنظر، يؤيد خارجيته ، وبغضه لعلي ( عليه السلام ) كجده .
وقد كان الشريف الرضي صديقاً لأبي إسحاق الصابي ، وأمثلة هذا الأمر كثيرة ، لا مجال لاستقصائها،
وبالنسبة لصداقة العلوي مع العثماني وأنها غير معقولة نقول : هذا لا يصلح شاهداً على ما يدعيه ، لما يأتي في الفقرة التالية :
3 ـ زر بن حبيش وأبو وائل :
إذ أن زر بن حبيش كان أكبر من أبي وائل ، فكانا إذا اجتمعا جميعاً، لم يحدث أبو وائل عند زر ، وكان زر يحب علياً ، وكان أبو وائل يحب عثمان ، وكانا يتجالسان ، فما سمعتهما يتناثان شيئاً قط » (1). وقد كان أبو وائل خارجياً؛ فصداقته مع زر المحب لعلي لافتة للنظر أيضاً كما تقدم في فصل الجهل والعلم .
4 ـ تزوج الحميري بخارجية:
وفي مورد آخر: نجد الزمخشري يضيف إلى التعجب مما سبق تعجباً آخر فيقول: « ونحوه تزوج السيد الحميري ببنت الفجاءة، واتفاقهما عمرهما » (2). أي مع أنها كانت خارجية.
---------------------------
(1) طبقات ابن سعد ج6 ص71 وتهذيب تاريخ دمشق ج5 ص379.
(2) ربيع الأبرار ج1 ص455.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 205_
دعبل والشراة :
و « كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع ، وقد أفاد وأثرى ، وكانت الشراة والصعاليك يلقونه ، فلا يؤذونه ، ويؤاكلونه ويشاربونه ، ويبرونه ، وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ، ودعاهم إليه ، ودعا بغلاميه ثقيف وشعف ، وكانا مغنيين ، فأقعدهما يغنيان ، وسقاهم ، وشرب معهم ، وأنشدهم ؛ فكانوا قد عرفوه ، وألفوه لكثرة أسفاره ، وكانوا يواصلونه ؛ ويصلونه » (1).
ودعبل علوي الهوى ، والشراة أعداء لعلي ، فما هذا التناقض والاختلاف في مواقفهم ؟ ! .
تناقض في المواقف :
هذا . . . ولكنهم في المقابل ، يقولون : « كان اليمان بن رباب من علية علماء « الخوارج » ، وأخوه علي بن رباب من علية علماء الرافضة ، هذا مقدم في أصحابه ، وهذا مقدم في أصحابه ، يجتمعان في كل سنة ثلاثة أيام يتناظران فيها ، ثم يفترقان ، ولا يسلم أحدهما على الآخر ، ولا يخاطبه »(2).
التساهل عبر الزمن :
وقد ظهر من بعض فصول هذا الكتاب ، مثل فصل: نبذة عن عقائد « الخوارج » وأقاويلهم ، وفصل : الفقه وأصوله لدى « الخوارج » : ـ ظهر ـ أنه
---------------------------
(1) الأغاني: ط دار إحياء التراث العربي ج 2 ص 137.
(2) مروج الذهب ج3 ص194.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 206_
كلما طال العهد على « الخوارج » ، كلما ظهر لديهم ميل أكثر إلى التخفيف من حدّة تعاليمهم ، وحرارة عقائدهم ، وذلك تبعاً لازدياد معارفهم ، وإدراكاتهم لضرورات الحياة ، حتى أصبح البعض ينكر انتساب فرقة الإباضية التي لا تزال بقاياها حتى الآن إلى « الخوارج » من الأساس ، كما تقدم فالأزارقة والنجدات ، وهم أقدم فرقهم كانوا أكثر فرق « الخوارج » تشدداً ، وكانوا يرون استعراض الناس بالسيف ، وقتلهم دون تمييز ، وجعل نافع بن الأزرق يقتل الأطفال ، ويقول إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم (1). وفي نص آخر : وأخذ يبقر بطون النساء ، ويقتل الصبيان (2).
وعللوا ذلك بأن من خالفهم فهو مشرك ، وأن أطفال مخالفيهم في النار ، ولأجل ذلك فإن دماء الأطفال لهم حلال (3).
أما العجاردة : فكانوا أهون من سلفهم ، حيث لم يوجبوا الهجرة ، كما أوجبها سلفهم ، ولم يكفروا القعدة منهم ، بل تولّوهم إذا عرفوا بالتدين .
ثم جاء الثعالبة : ـ وهم فرقة من العجاردة ـ فخففوا الحكم بالنسبة إلى الأطفال ؛ فلم يحكموا عليهم بما حكم به عليهم العجاردة من وجوب البراءة من الطفل حتى يدعى إلى الإسلام ، ويجب دعاؤه إذا بلغ .
أما الصفرية : فقد تساهلوا جداً مع مخالفيهم ، وتفصيل ذلك يطول ، فليراجع في مظانه .
---------------------------
(1) راجع: الخوارج في العصر الأموي ص221 عن الأغاني ج6 ص134.
(2) المصنف المجهول ص93.
(3) الخوارج في العصر الأموي ص220 عن الكامل للمبرد ج3 ص1031 والمصنف المجهول ص80. علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 207_
ولعل لأجل ذلك انتشر مذهب الصفرية في جميع بلاد الإسلام ، بما في ذلك المغرب، في أيام آخر الخلفاء الأمويين (1).
الاتجاه في وقت مبكر نحو التخفيف :
هذا . . . وقد بدأ تساهل « الخوارج » ، يظهر في مواقف عدد من شخصياتهم المعروفة ، ثم تبلور على شكل منحى عقائدي ، وديني لعدد من فرقهم وطوائفهم .
ومما يشهد لهذه الحقيقة : أن التاريخ يحدثنا : أنه قد كان لجابر بن زيد موقف ودود ومرن جداً من الحجاج(2).
كما أن ابن الكواء الذي كان من زعماء « الخوارج » قد دخل على معاوية ، وأخذ جائزته ، وقرضه تقريضاً فائقاً .
حتى لقد قال له : « إنك ركن من أركان الإسلام ، سدّت بك فرجة خوفه » (3).
ولما ظفر الحجاج بعمران بن حطان الشاري قال : إضربوا عنق ابن الفاجرة .
فقال عمران : لبئسما أدبك أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به ؟ ! أبعد الموت منزلة أصانعك عليها ؟!
فأطرق الحجاج استحياءً ، وقال : خلوا عنه ، فخرج إلى أصحابه ، فقالوا : والله ، ما أطلقك إلا الله ، فارجع إلى حربه معنا .
---------------------------
(1) راجع: الإسلام، تأليف هنري ماسيه ص187 والخوارج في العصر الأموي ص239.
(2) شرح عقيدة التوحيد ص92.
(3) تهذيب تاريخ دمشق ج7 ص301 و302.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 208_
فقال : هيهات ، غلّ يداً مطلقها ، واسترق رقبة معتقها ، وأنشد :
أأقاتل الحجاج عن سلطانه بيد تقرّ بأنها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة والذي عفت على عرفانه جهلاته
إلى أن قال:
تالله ما كدت الأمير بآلةٍ وجوارحي وسلاحها آلاته (1).
وقد قلنا أيضاً : إن عبد الله بن إباض كان « كثيراً ما يبدي النصائح لعبد الملك بن مروان »(2).
وأنه حاول أن يسعى بالسيد الحميري إلى المنصور ، فانقلب السحر على الساحر ، ووقع هو في بئر احتفرها لغيره (3).
واللافت هنا : أننا نجد لهم تفننا ظاهراً في مدح معاوية ، فبعض مؤلفيهم يقول : « . . . قلت : وكانت لمعاوية في دولته آثار محمودة ، فقد تدارك الموقف ، وسد الثلمة ، وشرع في الجهاد ، وحماية البلاد ، وركب البحر ، وافتتح مناطق مشهورة ، وسدد وقارب حتى نسي المسلمون أو كادوا ينسون ما وقع بينهم ، وسمى ذلك العام عام الجماعة ، وذلك بعد قتل علي ، وتسليم الحسن » (4).
وربما يكون هذا الموقف لهم من معاوية قد انتهوا إليه بسبب شدة بغضهم لعلي ( صلوات الله عليه ) الذي قتل أسلافهم ، فأطروا عدوه ،
وعظموه ، ومالوا إليه .
---------------------------
(1) زهر الآداب ج4 ص924و925.
(2) شرح عقيدة التوحيد ص93 والعقود الفضية ص121.
(3) ديوان السيد الحميري هامش ص397و398 عن أعيان الشيعة ج12 ص174.
(4) العقود الفضية ص61.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 209_
من الانكفاء إلى الانطواء :
غير أن من الواضح : أن ذلك الاعتدال النسبي ، وإن أسهم في صرف أنظار الحكام عنهم ، وعدم التصدي لإبادتهم ، إلا أنه لم يكن يكفي لدمجهم بصورة فعالة في المجتمع الإسلامي ؛ ليستفيدوا من الآخرين بعض ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم .
وقد تحدث هنري ماسيه عن أن الصفرية قد وقفوا موقفاً وسطاً بين الأزارقة المتشددين جداً ، وبين الإباضية المتساهلين ، فقبل الصفرية بالامتناع الموقت عن الحرب ضد المسلمين الآخرين ، واعتنقوا التقية ، وعدم قتل أولاد الكفار ، ثم ذاب الصفرية بالإباضيين ،
« وهم يمثلون العنصر المعتدل في الخوارج » ثم قال إنه في منتصف القرن الثامن انحرفت فعالية « الخوارج » ، واتجهوا شيئاً فشيئاً نحو التجارة وتأليف الكتب الدينية والتاريخية إلخ (1).
كما أن هذا التساهل لم يكن كافياً لتمكين دعوتهم من الانتشار ، وذلك لأسباب عديدة :
أحدها : أنها كانت تعاني من الخواء العلمي ، ومن المضمون الفكري ، الذي يعتمد الدليل والبرهان المعقول والمقبول ، ويعطي رؤية متكاملة ، وواضحة ، وسليمة .
---------------------------
(1) الإسلام لهنري ماسيه ص186 و187.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 210_
الثاني : أنها بحاجة أيضاً إلى انفتاح حقيقي في العقول والقلوب والمشاعر على الناس ، وعلى قضاياهم من موقع الإقناع والاقتناع .
وهذا ما لم يستطع « الخوارج » حتى الإباضيون المتساهلون أن يفعلوه لما كانوا عليه من خشونة ، ومن عصبيات وجمود ، ولأن نفس تلك المفاهيم كانت خاطئة ، بالإضافة إلى طبيعة نظرتهم التي كانت تهيمن على عقلياتهم وعلى سلوكهم .
فلم يكن أمامهم سوى الانكفاء إلى أماكن نائية وبعيدة عن مراكز العلم والمعرفة ، والتحضر ، ثم الانطواء على أنفسهم ـ وذلك هو الحل الوحيد الذي بقي أمامهم ، فبقوا محصورين في مناطقهم البعيدة عن الحركة الفكرية والثقافية طيلة قرون طويلة من الزمن .
الثالث : ومما ساعد على هذا الانكفاء على الأعقاب والإنطواء : أن دعوتهم لم تكن منسجمة مع الفطرة الصافية ، ومع بديهيات هذا الدين وثوابته ، وقد تقدم بعض ما يشير إلى ذلك ، فلا نعيد .
الرابع : عدم ثقة المسلمين بهم ، وظهور التزييف والتحريف والتقلب غير المسؤول في مواقفهم وفي مبادئهم .
ويكفي أن نذكر : أن الناس قد رأوا : أن ما يظهرونه من تساهل ، وما يدعونه من اعتدال فيما يرتبط برأيهم في علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قد سلكوا فيه سبيل التمويه والخداع والتزييف لحقيقة ما تنطوي عليه نفوسهم وما يسرونه من مبادئ وتعاليم .
وهذا ما سيتضح في الفصل التالي :
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 211_
تساهل الإباضية هو سر بقائهم :
إن الاعتدال النسبي في تعاليم وعقائد الإباضية ، وكذلك اتساع نطاق معارفهم ، رغم أنها كانت ولا تزال متواضعة جداً ، ـ ثم وإدراكهم ـ جزئياً ـ لضرورات الحياة ، قد قلّل من حدتهم في تعاملهم ليس فقط مع غيرهم ، وإنما مع بعضهم البعض أيضاً ، وقلل من فرص تفرقهم إلى فرق ومذاهب ، كما كان الحال في السابق .
كما أن فرقة الإباضية : قد ثبتت وبقيت ، ولم تتصدع وحدتها حتى الآن ، ولم يجد الحكام ضرورة لممارسة ضغوط حادة عليها ، حيث ظهر لهم أن تعاليمها لا تعارض مصالحهم .
ومما يشير إلى تساهل الإباضية قولهم : إن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين ، وإن دارهم دار إسلام ، لا دار كفر ، وإن مناكحتهم جائزة ،
وإنما يجوز القتل إذا أقاموا على خصومهم الحجة ، وأعلنوا لهم بالقتال ، وحينئذٍ فلا يجوز من أموالهم إلا ما يغنم من الحرب .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 212_
مما يعين على الحرب ، كالسلاح ، وما عداه فهو حرام ، والمؤمن إذا ارتكب كبيرة فهو كافر كفر نعمة ، لا كفر شرك (1).
قال ابن خلدون : « وقول هؤلاء أقرب إلى السنة »(2).
ويقول فلهوزن : « الخوارج الإباضية ألين عريكة ، لم يكن هدفهم ـ مع طهارتهم ، وشدة تمسكهم بالدين ـ أن ينتصروا على جماعة المسلمين بالقوة ، بل أن يكسبوهم لمذهبهم »(3).
وقال عز الدين التنوخي عضو المجمع العلمي بدمشق بعد ذكره : أن الإباضية ينقلون أقوال المذاهب الأربعة ، ويستشهدون بأحاديث الشيخين ، وغيرهما : « مما يدل على أن الإباضية في المشرق والمغرب مذهب قريب من مذاهب السنة »(4).
ونقل الحارثي الإباضي عن المبرد قوله : « . . . قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة ، وابن حزم حسبما حكاه عنه ابن حجر في الفتح
---------------------------
(1) راجع فيما تقدم: تاريخ الفرق الإسلامية، للغرابي ص277و283 وتاريخ المذاهب الإسلامية ص83و85 والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص145 والعقد الفريد ج1 ص223/224 والأنوار النعمانية ج2 ص247 والخوارج في العصر الأموي ص239 عن المصادر التالية: تلبيس إبليس ص19 ومقالات الإسلاميين ج1 ص204 و185 و186 و189 والكامل للمبرد ج3 ص104 والملل والنحل ج1 ص135 و134 ونقل أيضاً عن شرح المواقف ج3 ص292. وراجع: الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص81 متناً وهامشاً وص90 و91.
(2) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص145 والخوارج في العصر الأموي عن الكامل المبرد ج3 ص104.
(3) الخوارج والشيعة ص111.
(4) العقود الفضية ص166 و167 عن المقدمة التي كتبها التنوخي لمسند الربيع وشرحه.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 213_
الباري قال : أسوء الخوارج حالاً الغلاة ، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية »(1).
وقال أيضاً عن فرقة الإباضية : « فرقة من معتدلي الخوارج . . . إلى أن قال : والإباضية لا تقول بكفر غير الخوارج ، ولا بشركهم ، وتبيح الزواج منهم ، وترى ضرورة الإمامة بناءً على اختيار الشيوخ وأهل الرأي ، وليس بلازم ظهورها دائماً ، فقد يبقى اختيار الإمام في طي الكتمان ، وتسلم بأصول الفقه التي قال بها أهل السنة فيما عدا الإجماع »(2).
الفرنساويون . . . والإباضية:
وقد أثنى على الإباضية أيضاً السندوبي في تعليقاته على كتاب البيان والتبيين(3).
ومن الغريب قول مصطفى إسماعيل المصري الذي اعتنق مذهب الإباضية بعد أن قرر أنها هي الفرقة الناجية : « . . . ولقد شهد بهذا الحق جميع الفلاسفة الفرنساويين الباحثين في الأديان ، الذين وقفوا بكياسة أديانهم ، وسلامة قياسهم على أن نقاوة الدين الإسلامي لا تنحصر إلا في مذهب اتباع ابن إباض »(4).
فهو يعتبر شهادة الفرنساويين للإباضية دليلاً على حقانية هذه الطائفة ، وصحة مذهبهم ، ويرى أن هؤلاء الفرنساويين لهم قياس سليم .
---------------------------
(1) العقود الفضية ص156.
(2) الموسوعة العربية الميسرة ج1 ص1 وراجع العقود الفضية ص166 عنه.
(3) العقود الفضية ص156 عن هوامش كتاب البيان والتبيين.
(4) العقود الفضية ص168 و167.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 214_
وكياسة في أديانهم ! ! .
ولا ندري لماذا اختص الفرنساويون بهذا الأمر دون الفلاسفة البريطانيين ، أو غيرهم من فلاسفة أقطار العالم ، ولماذا لم يقبل ما يقوله فلاسفة الإسلام ، الذين هم أعمق فكراً ، وأبعد نظراً ، وأشد إخلاصاً وخلوصاً من غيرهم من عملاء المخابرات ، وأدوات السياسة والسياسيين .
فجوة بين عقائد الإباضية وسائر « الخوارج » :
وكيف كان ، فإن الفجوة كانت قد اتسعت بين عقائد « الخوارج » ، وبين الإباضية بدرجة كبيرة حتى قال عامر النجار عنهم : « هناك فروق عديدة بين مبادئ الخوارج ، ومبادئ الإباضية ، ولا يجمع يكاد بينهما جامع سوى إنكار التحكيم ، وأن الإمامة لا تختص بقريش ، وجواز الخروج على الحاكم » (1).
وقال أيضاً عنهم : « . . . هم أقرب فرقهم [ أي الخوارج ] إلى الجماعة الإسلامية ، ومذهبهم أكثر تسامحاً من كل فرق « الخوارج » ، ولهذا كتب لهذه الفرقة البقاء دون سائر الفرق الخارجية ، فيوجد فيهم إلى الآن جماعات في المغرب العربي ، وعمان ؛ وذلك بسبب تسامحهم مع مخالفيهم وإنصافهم لهم .
لكن الإباضيين غاضبون ممن يعتبرهم فرقة من فرق « الخوارج » ، ويقولون : إنما هي دعاية استغلتها الدولة الأموية لتنفير الناس من الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي .
---------------------------
(1) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص82.
|