وهذا الاتجاه هو الذي فرض نفسه على الوهابيين وعلى سلفهم من اهل الحديث > . . حتى إن بعضهم منع من المجاز ، وعبر عنه بالطاغوت (1) ، سهولة التكفير عند « الخوارج » : وإننا في حين نجد المرجئة يقولون : لا يضر مع الإيمان ذنب ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة (2) لكن الأزارقة قد « أخرجوا مرتكب الكبيرة عن دائرة الإسلام » (3) بل يرمونه بالشرك أيضاً (4) ، لكن فرقة أخرى من « الخوارج » لا تكفر مرتكب الكبيرة في ديار هجرتهم إلا إذا كان قاتلاً لأحدهم (5) ، أما النجدات ، فيقولون : « من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة ، ثم أصر عليها فهو مشرك ، وأن من زنى ، وسرق ، وشرب الخمر غير مصر عليه فهو مسلم ، إذا كان من موافقيهم » (6) ، وقد رأى الأزارقة أن سائر المسلمين مخلدون في النار (7) ، وسيأتي المزيد من النصوص الدالة على تكفيرهم المسلمين ، واستحلالهم قتلهم .

---------------------------
(1) راجع : بحوث مع أهل السنة والسلفية .
(2) الإبانة للأشعري ص2 .
(3) الملل والنحل ج1 ص121و122 والخوارج في العصر الأموي ص225 وراجع : الأنوار النعمانية ج1 ص247 .
(4) الفرق بين الفرق ص73 وراجع : الأنوار النعمانية ج2 ص247 عن اليزيدية .
(5) الكامل في الأدب ج3 ص153 والخوارج في العصر الأموي ص225 عنه وعن المصنف المجهول ص94 .
(6) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص76 و77 .
(7) الملل والنحل ج1 ص121و122 والخوارج في العصر الأموي ص225 عنه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 151_

بين القدرية و « الخوارج » :
   وقبل أن نستعرض بعض التفاصيل في عقائد «الخوارج» نشير إلى ما روي . . . عن رجل عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : لعن الله القدرية ، لعن الله « الخوارج » ، لعن الله المرجئة ، لعن الله المرجئة ، قال : قلت : لعنت هؤلاء مرة مرة ، ولعنت هؤلاء مرتين ؟ قال : إن هؤلاء يقولون : إن قتلتنا مؤمنون ، فدماؤنا متلطخة بثيابهم إلى يوم القيامة ، إن الله حكى عن قوم في كتابه : لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، قل : قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ، وبالذي قلتم ، فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ؟ قال : كان بين القاتلين والقائلين خمس مئه عام ، فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا (1) ، وذلك يدل على أن اعتقاد « الخوارج » في مخالفيهم الذين يكفرونهم يهون عليهم ارتكاب جريمة القتل في حقهم، حتى قتل أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأما من يعتقد بأن مخالفيه من المسلمين ، فإن إقدامه على قتل من يراه مسلماً يصبح أكثر قبحاً ويحتاج إلى المزيد من الجرأة على الله سبحانه ، وعلى أحكام دينه ، ولا يقدم على ذلك إلا بعد أن يبلغ الغاية في القسوة والجحود والطغيان والبغي .

المرجئة و « الخوارج » :
   لقد ادرك الناس خطر « الخوارج » بصورة عميقة ، وقد أصبحوا يجعلونهم مقياساً لدرجة الخطورة في الدعوات المنحرفة ، وقد كان إبراهيم النخعي يقول : لأنا على هذه الأمة من المرجئة أخوف عليهم من عدتهم من الأزارقة (2) .

قسوة التعاليم :
ولعل من أهم الآثار التي نشأت عن تسرعهم في التكفير ، ثم المبادرة لاتخاذهم الموقف القاسي والشرس ضد من يكفرونه ، أن هذه العقيدة قد استطاعت أن تفصلهم تماماً عن كل الآخرين ، وتجعلهم أكثر تصلباً في مواقفهم ، بعد أن لم يعد هناك أية فرصة للنقاش في أية مفردة من المفردات التي كانت تحكم تفكيرهم ، وتهيمن على مواقفهم ، وتدفعهم لممارسة أشد أنواع العنف في حق خصومهم ، حتى اصبح الشباب الذين ينساقون وراء شعاراتهم أسرى تلك الشعارات والأفكار ، فهم يعيشونها بانفعال وتشنج يمنعهم من ممارسة أي نوع من أنواع التفكير الهادئ ، والموضوعي والرصين ، وتمنعهم من سماع وجهات نظر الآخرين ، الذين يرون أنهم كفرة ، لابد من استئصال شأفتهم ، فهم ليسوا معنيين باي شيء يفكرون فيه ، ولا مهتمين بالتفكير بأي مبرر يمكن أن يرضوه لأنفسهم مهما كان نوعه .

---------------------------
(1) الكافي ج2 ص300/301 .
(2) سير أعلام النبلاء ج4 ص523 وفي هامشه عن ابن سعد ج6 ص274 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 152_

رغم القسوة:
  ورغم قسوة تعاليمهم ، وشراستهم في التعاطي مع خصومهم ، فإنهم هم أنفسهم قد تخلوا عن كثير من تعاليمهم ـ كما سنرى ـ كما أنهم في المجال العملي لم يصبروا على المكاره، بل التجأوا إلى أسلوب التقية ، فمارسوه بصورة تصل أحياناً إلى حد الإسفاف ، والاستهتار، الذي يرفضه الضمير ، ويأباه الوجدان ، كما سيتضح في الفقرة التالية .

جنون التقية:
   إنه رغم أن « الخوارج » الأولين كانوا يحرمون التقية ، ولا يجيزونها في قول أو عمل (1) .
فإن أتباع زياد بن الاصفر قد جوزوها في القول دون العمل (2) .
وقال النجدات بجوازها(3) .
وقد أمر أبو بلال امرأة من بني يربوع بالتقية، وقال لها: « إن التقية لا بأس بها، فتغيبي ، فإن هذا الجبار قد ذكرك »(4) .
وأجاز بعض زعماء الصفرية تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية، دون العلانية(5) .
وكذلك فإن الضحاكية ـ وهم فرقة من الإباضية ـ قد اجازوا ذلك الزواج، وأضافوا إلى ذلك قولهم: كما يسع الرجل منهم أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه في دار التقية(6) .

---------------------------
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً ص35.
(2) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص65 وعنه في الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص79.
(3) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص76.
(4) العقود الفضية ص110و112.
(5) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص122 والملل والنحل للشهرستاني ج1 ص143 والخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص79.
(6) مقلات الإسلاميين ج1 ص175/176 والخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص96 عنه.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 153_

   وفرقة الحسينية ـ من الإباضية ـ أباحوا الزنى ، وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك ، يتقي به، ويغرم بعد ذلك (1) .
   وقال النكارية ـ وهم من الإباضية ـ « يجوز شرب الخمر على التقية »(2) .
وستأتي قضية ابن إباض والسيد الحميري حين بلغه أن عبد الله بن إباض راس الإباضية ، يعيب على علي ( عليه السلام ) ، ويتهدد السيد بأن يذكره عند المنصور بما يوجب القتل ، وكان ابن إباض يظهر التسنن ، ويكتم مذهب الإباضية ، فكتب إليه السيد قصيدة طويلة يذكر فيها فضائل علي ( عليه السلام ) ، فامتعض ابن إباض منها جداً ، وأجلب في أصحابه، وسعى بها إلى الفقهاء والقراء ، فاجتمعوا وساروا إلى المنصور .
   ثم تذكر القصة : « ما اتهموه به ، ودفاع السيد عن نفسه ، وإحراج ابن إباض أمام المنصور حيث أمر بحبسه ، فمات في الحبس ، ثم أمر بمن كان معه فضربوا بالمقارع ، وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم »(3) .
   ومما ذكرناه يتضح : أن قول البعض : « وجدنا « الخوارج » في أواخر العصر الأموي يأخذون بمبدأ التقية ، ويعمدون إلى الدعوة السرية كأسلوب يناوؤن به الحكومة الأموية »(4) .
غير دقيق .. فإن التقية قد بدأت منهم منذ بدايات ظهورهم .

---------------------------
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً ص54 عن الإباضية بين الفرق الإسلامية ص363 .
(2) الإباضية ص62.
(3) أخبار السيد الحميري للمرزباني ص53/54.
(4) قضايا في التاريخ الإسلامي ص90.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 154_

تأثيرات الإباضية بالمعتزلة في عقائدهم :
  هذا . . . وربما يتصور أحياناً تاثر الإباضية في بعض أصولهم العقائدية بالمعتزلة (1) .
وذلك بملاحظة مخالفتهم لأهل السنة في أصول عقائدية هامة ، مثل مسائل التشبيه ، والتجسيم. وعدم رؤية الله تعالى في الآخرة الذي هو رأي جمهور « الخوارج » أيضاً والجبر والقدر (2) .
ومسألة خلق القرآن (3) .
حتى لقد قال نلينو : « إن الجزء الأكبر من مذهب الإباضية في شمال إفريقية إذن معتزلي »(4) .
هذا . . . ولكن الذي يبدو لنا : أن الأمر ليس كذلك، إذ أن « الخوارج » وميهم الإباضية لم يتح لهم الاختلاط بالمعتزلة ، ولا عايشوا التيارات .

---------------------------
(1) راجع: ضحى الإسلام ج3 ص337 وليراجع ص334 والإباضية عقيدة ومذهباً ص72 و61 و73 و80 و95 و101 و147 والعقود الفضية حول نفي التشبيه ص287 وحول كون صفات الله عين ذاته ص285 وحول رؤية الله وحول عدم رؤيته في الآخرة ص287 وحول نفي الجبر ص144 وحول تولية المفضول ص155.
(2) إلا أن «من مذهب شيبان أنه قال بالجبر إلخ» الملل والنحل ج1 ص133.
(3) فإن جميع الخوارج يقولون بخلق القرآن راجع: المقالات للأشعري ج1 ص203 والخوارج في العصر الأموي ص203 عنه والإباضية عقيدة ومذهباً ص100و103و104 وراجع: مقدمة الأستاذ محمد عمارة لكتاب: رسائل العدل والتوحيد ج1 ص53، حيث ذكر عن المستشرق نلينو بعض أوجه الشبه بين فكر المعتزلة وعقيدة الإباضية استناداً الى كتاب: العقيدة الإباضية لعمرو بن جميع الإباضي، الذي عاش في القرن التاسع الهجري، وراجع أيضاً دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص476 وضحى الإسلام ج3 ص334 والإباضية عقيدة ومذهباً والخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص92.
(4) مقدمة محمد عمارة لكتاب رسائل العدل والتوحيد ج1 ص53 وفي الهامش عن: بحوث في المعتزلة ص204 و205 و206 و208 وراجع دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص476.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 155_

الفكرية بصورة فعالة . . .
   كما أن تفرقهم في البلاد ، وبعدهم عن العواصم الإسلامية قد جعلهم أقل تعرضاً لذلك المد العارم للأحاديث الإسرائيليات ، المنسوبة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ولبعض صحابته ، وبقوا في تعاملهم مع النصوص القرآنية على طبعهم العربي الساذج .
   ولأجل ذلك نقول : إن الظاهر هو أن الخوارج قد توصلوا إلى آرائهم العقائدية تلك بانفسهم ، ومن دون اعتماد على الغير ، أو تاثر بأحد .
   بل نجد البعض : قد تنبه إلى هذا الأمر لذلك فهو يعكس القضية ، ويقول : « لاحظ الدارسون حديثاً . . . العلاقة الوثيقة بين عقائد الإباضية والمعتزلة ، ويمكن أن نقول أيضاً : إن المعتزلة استوحوا الخوارج في بعض المسائل . . . »(1) .
مع العلم: « أننا لا نعرف فقه « الخوارج » وعقائدهم في مجموعها إلا عند الإباضية » (2) .
لأنهم هم الذين استمرت نحلتهم ، ودونت عقائدهم وفقههم ، ونجد هذا التضارب في الآراء في هذا التأثر والتأثير قد سرى إلى زعيم الإباضية نفسه ، ففي حين نجد من يقول : إن عبد الله بن إباض قد رجع إلى الاعتزال ، حتى قال أبو القاسم البلخي : والذي يدل على ذلك : أن أصحابه لا يعظمون أمره (3) .
نجد بعضهم الآخر يقول : إنه رجع إلى قول الثعالبة من فرق .

---------------------------
(1) دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص476.
(2) دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص475.
(3) الحور العين ص173.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 156_

« الخوارج » « فبرئ منه أصحابه ، فهم لا يعرفونه اليوم ، وقد سألنا من هو مقدمهم في علمهم ومذهبهم عنهم (1) .
فما عرفه منهم أحد »(2) .
ثم أنكر ذلك المؤرخ الإباضي علي يحيى معمر حيث قال : « لم يزعم احد من الإباضية : أن عبد الله بن إباض رجع إلى قول الثعالبة ، ولا يوجد أحد من الإباضية يبرأ منه ، فهم مجمعون على ولايته ، ويعتبرونه من أئمة المسلمين ، ومن كبار التابعين »(3) .
بل يدعي الإباضية : أن ابن إباض قد فارق جميع الفرق الضالة ، وعد منهم الخوارج(4) .
   وهكذا يتضح : أن دعوى تأثر الإباضية بالمعتزلة تقابلها دعوى تأثر المعتزلة بالإباضية ، وإن كان ظاهر الحال يقتضي صحة الدعوى الأولى ، وذلك بملاحظة الخلاف حول تقلبات ابن إباض نفسه ، في الناحية العقائدية حسبما أشرنا إليه آنفاً .

فرقة الإباضية و « الخوارج » :
   قد عرفنا فيما سبق : أن إحدى فرق « الخوارج » ، وهي فرقة الإباضية تمتاز عن سائر فرق « الخوارج » بفقهها وعقائدها ، وتختلف عنهم ومعهم ، وقد ظهرت ملامح هذا الاختلاف في كثير من الموارد التي سجلناها فيما سبق ، حتى قال البعض في ما يرتبط بموقع الإباضية من سائر فرق « الخوارج » .

---------------------------
(1) لعل الصحيح: عنه. أي عن ابن إباض.
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل ج4 ص191.
(3) الإباضية ص46 عن الإباضية بين الفرق الإسلامية ص354.
(4) العقود الفضية ص121.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 157_

« . . . والخلاف الذي بين فرق الخوارج من جانب ، وفرقة الإباضية وحدها من جانب آخر ، هو أعلى خلاف فيما بين الخوارج ، وهذا الخلاف قد جعل بعض المؤرخين الإباضيين المحدثين لا يعد فرقة الإباضية بما انتهى إليه فقهها ، وجملة معتقدها من الخوارج »(1) .
بل لقد قيل : « إن معظم الكتاب والمؤرخين الإباضيين ، فضلاً عن الأئمة منهم ينكرون علاقة المذهب تاريخياً بـ « الخوارج » » (2) .
ويدعي الإباضية : أن إمامهم عبد الله بن إباض قد فارق جميع الفرق الضالة ، وعدّ منهم « الخوارج »(3) .

تنكر الإباضية حتى للاسم :
   وقال عامر النجار : « . . . الإباضية غاضبون ممن يعتبروهم فرقة من « الخوارج » ، ويقولون : إنما هي دعاية استغلتها الدولة الأموية لتنفير الناس من الذين ينادون بعدم شرعية الحكم الأموي ،كما أن للإباضية العديد من المواقف ضد « الخوارج » (4) وأصبح لفظ « الخوارج » مستقبحاً عندهم إلى درجة كبيرة ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية » (5) .

---------------------------
(1) الإباضية ص35.
(2) المصدر السابق ص145.
(3) العقود الفضية ص121.
(4) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص81.
(5) العقود الفضية ص70 وراجع ص167.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 158_

الفــصل الرابـــع
الـفقـه . . . وأصوله


للتوضيح فقط :
   إن ظهور « الخوارج » وإن كان قد يبرر على أنه بسبب شبهة أو خطأ في فهم أمر ديني . . . ولكن صبغتهم في بادىء الأمر كانت سياسية محضة ، ثم إنهم في عهد عبد الملك بن مروان مزجوا تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية ، كما يقوله البعض (1) .
ثم جاء الإباضية بعد ذلك ؛ فسنحت لهم الفرصة لتنظيم عقائدهم ، وفقههم أكثر من غيرهم من فرق « الخوارج » .
   وتوضيحاً لذلك نقول : إن من يلاحظ الأحداث التاريخية ، والاحتجاجات المتبادلة في الصدر الأول ، يجد : أمر « الخوارج » قد بدأ من خلال فهمهم الخاطىء ـ لو أحسنا الظن بهم ـ لمسألة بعينها ، هي قضية التحكيم ، وكان المفروض أن يقتصر خلافهم واختلافهم على هذه القضية بالذات ، ولكن رأينا أنهم فيما بعد ازدادوا بعداً عن المسار العام ، وصارت تظهر لهم أقاويل في العديد من المسائل .
والدارس لحال هذه الفئة يلاحظ أنهم كانوا يعتمدون على فهمهم الخاص للآيات القرآنية .

---------------------------
(1) فجر الإسلام ص259.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 159_

   وعلى استنباطاتهم العقلية المحدودة ، في مجال التحديدات العملية للتصرفات والمواقف التي كانت تفرض نفسها ـ آنياً ـ عليهم ، حيث كانوا يواجهونها باستفادات مرتجلة وسريعة ، وما أكثر ما تكون سطحية ، تزجيها الميول ، والعواطف ، والأحاسيس الشخصية ، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مبدأ ، وعقيدة ، تخاض من أجلها اللجج ، وتبذل في سبيلها المهج ، وتزهق النفوس والأرواح .
   ثم تصير سبباً في حدوث انشقاقات جديدة في صفوفهم ، وتنشأ ـ من ثم ـ فرقة ، أو فرق على الساحة ، يبرأ بعضها من بعض .
ويستحلّ هؤلاء دماء أولئك ، وبالعكس ، حتى لنجد زيد بن جندب يهنِّئ أعداء الشراة من المحلين ، بعد أن تفرق الأزارقة ، وأصابهم التجابن ، وتلهّوا باللعب دون الجد ؛ فيقول :    قل للمحلّين قد قرت عيونكم بفرقة القوم والبغضاء والهرب كنا أناساً على دين ، ففرّقنا قرع الكلام ، وخلط الجدّ باللعب ما كان أغنى رجالاً ضل سعيهم عن الجدال ، وأغناهم عن الخطب إني لأهونكم في الأرض مضطرباً ما لي سوى فرسي والرمح من نشب (1) .
   ثم إن تحريمهم العمل بالتقية الذي كان كثيراً ما يسقط تحت تأثير واقع الحروب القاسية التي كانوا يخوضونها ، كان هو الآخر من أسباب إحداث تمزقات فكرية وعقيدية تنتهي بتكفير بعضهم بعضاً ، ثم مواجهات حامية لبعضهم البعض .
   أضف إلى ذلك : أن إيجابهم الخروج ضد الحكام وضد الكافرين إذا انضم إلى حكمهم بتحريم العمل بالتقية ، فإنه كثيراً ما ينتج ثورات ارتجالية لم تبلغ درجة النضج ، ولا حظيت بالإعداد والاستعداد الكافي .

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص280.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 160_

« الخوارج » . . . والعلم :
   إن من يراجع قائمة مؤلفات علماء الإسلام في العالم الإسلامي ، يجدها لا تقع تحت عد ، ولا يحيط بها حصر ، وقد شاركت مختلف الفرق الإسلامية وغيرها في التأليف والتصنيف بالمستوى المقبول والمعقول .
   غير أن « الخوارج » لم يكن لهم حظ يذكر في هذا الاتجاه ، فلم يكن ليخطر لهم على بال أن يشاركوا في النشاط الفكري والثقافي ، وكأن بينهم وبين هذا الأمر حالة من المنافرة السافرة .
   وقد حاول البعض: تفسير ذلك فجاء بما لا ينفع ولا يجدي، ولا يصح ، فقال : « . . . وفيما نعتقد: أن السرّ وراء ندرة كتب الخوارج بينما توفر بين صفوفهم الشعراء والخطباء ، هو أنه بجانب عدم استواء المذهب في هذا الموضوع يوجد عامل التكتم الشديد ، والحذر من الناس ، خشية أن يقع في أيديهم شيء يجمع قواهم ضد الخوارج ، أو ينفر الناس منهم إلخ . . . »(1) .
وهذا الكلام : مرفوض جملة وتفصيلاً لأنهم كانوا يجاهرون بعقائدهم تلك ، فيقتلون الناس عليها .
   ولأن من مذهبهم تحريم التقية ، ورفض العمل بها، بل السر هو أعرابيتهم ، وجهلهم ، والإنسان عدو ما يجهل كما هو معلوم .
وليس ثمة أعظم محنة من شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) على مر التاريخ ، وهذه هي مؤلفاتهم تملأ الخافقين .

---------------------------
(1) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة، ص133.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 161_

مؤلفو « الخوارج » في الفقه :
   واللافت هنا : أن ابن النديم قد عقد فصلاً مستقلاً لفقهاء الشراة وذكر لهم مؤلفين وكتباً .
وذكر مثل ذلك في دائرة المعارف الإسلامية مادة : أعز ابن .
   ولكن ذلك لا يعني : أن ذلك يستحق التنويه به ، والاهتمام بشأنه ، لا من حيث الكيف ، ولا من حيث الكم . . . غير أن أصحاب الفهرستات يحبون أن لا تخلو كتبهم من ذكر شيء من ذلك ، ليتمكن من يحتاج إلى الوقوف على مقالات هذه الطائفة أو تلك أن يرجع إلى كتبها ، ليحصل على بغيته، ويبلغ مراده .

أسباب التخفيف من حدة التعاليم :
   ويلاحظ : وجود بعض التخفيف من حدة التعاليم لدى فرقة الإباضية من « الخوارج » ، ولعل ذلك من أجل أنهم شعروا أن ذلك هو ما يمكنهم من الاستمرار والبقاء ، ومما سهل لهم وعليهم ذلك انحسارهم عن مواقع الاحتكاك والهيجان والتحدي ، إلى مناطق نائية ، تذوقوا طعم الاستقرار ، وأنسوا تدريجياً بالحياة الرافهة ، وبتعبير أدق بحياة الراحة ، فأتاح لهم ذلك الفرصة للتأليف في العقائد وفي الفقه ، وتلطيف آرائهم ، وإخضاعها للتبويب والتنظيم ، وإن كانت قد بقيت مجرد تجارب بدائية ، وغير ناضجة ، ولا غزيرة .
   وعلى كل حال : فقد قال بعض المستشرقين هنا ، بعد أن ذكر أن جذوة « الخوارج » قد انطفأت منتصف القرن الثامن [ أي الميلادي ] أي في القرن الثاني الهجري ـ قال : « وبعد ذلك انحرفت فعالية « الخوارج » شيئاً فشيئاً نحو التجارة ، وتأليف الكتب الدينية الفقهية، والتاريخية » (1) .

---------------------------
(1) الإسلام ـ ص188/189.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 162_

   كما أن أبا زهرة يعتقد : أن الإباضية : « لهم فقه جيد ، وفيهم علماء ممتازون » (1) .
   ولكننا بملاحظة ما قدمناه لا نستطيع أن نوافق أبا زهرة في هذا المجال ، إلا في حدود بعض الجزئيات على النحو الذي أشرنا إليه آنفاً ، وما عداه يفتقر إلى الدليل البرهاني القوي .
   ولعل أبا زهرة وغيره قد أخذوا ذلك من ابن خلدون ، الذي يقول : « وتطير إلينا في هذا العهد من تلك البلاد [ أي التي يتواجد فيها الخوارج ] دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين ، وتمهيد عقائده ، وفروعه ، مباينة لمناحي السنة وطرقها بالكلية ، إلا أنها ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب ، وبناء الفروع على أصولهم الفاسدة »(2) .
وقد عرفنا من خلال الإطلالة على واقع تآليفهم : أن هذه أقوال مبالغ فيها،غير أن علينا أن لا ننسى أن جمودهم وسطحيتهم قد أديا في حالات كثيرة إلى ظهور كثير من السخافات المضحكة ، بالإضافة إلى أنه قد جعل آرائهم تتسم بالسطحية والبساطة (3) .
   قال أحمد أمين : « . . . من أجل هذا لم يرو لنا عن الخوارج مذهب مفلسف ، ولا فقه واسع منظم ، ولا نحو ذلك ، إلا ما كان من الإباضية أتباع عبد الله بن إباض الخارجي ، الذي مات في عهده عبد الملك بن مروان ، فإن هذه الفرقة عاشت ، وانتشرت في شمالي إفريقية ، وفي عمان ، وفي حضرموت ، وزنجبار ، واستمرت إلى يومنا هذا ؛ فكان من الطبيعي أن يكون لهم أصول اعتقادية ، وتعاليم فقهية ، وكذلك كان . . . فقد تعدّل مذهبهم مع الزمان إلخ . . . » (4) .

---------------------------
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية ص85.
(2) تاريخ ابن خلدون ج3 ص170.
(3) ضحى الإسلام ج3 ص334و335.
(4) ضحى الإسلام ج3 ص336 و337.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 163_

   وقال الغرابي : « ويلاحظ : أنه لما ضعفت قوتهم الحربية اتجهت نفوسهم نحو الإنتاج العلمي ، حتى أصبحت لهم مؤلفات فقهية ، وكلامية ، ولغوية ، وأدبية »(1) .
   و لسنا بحاجة إلى إعادة التذكير بأن ذلك لم يكن في المستوى اللائق ، والمقبول ، بل هو مجرد تجارب بدائية ، فيها الكثير من السطحية ، والضعف ، ولا يمكن أن تقاس من حيث الدقة والاتقان بغيرها من مؤلفات سائر الفرق .
   أضف إلى ذلك : أن عنفهم وحدّتهم في مواجهة المخالفات لتلك الآراء الفقهية والعقائدية كان من شأنه أن يضفي عليها لوناً غير مرغوب فيه ، وينفر الناس حتى من ذلك الرأي الفقهي الذي ربما صادف وجاء صحيحاً في بعض الأحيان .

هل للإباضية فضل على العلوم الإسلامية :
   وقد ادعى أحدهم أن : « . . . الحق : أنه لا أحد يستطيع أن ينكر دور الإباضية في خدمة العلم الإسلامي ، فقد اشتغلوا بالتدوين ، فكانوا من أوائل من دوّن الحديث ، فإمامهم جابر بن زيد ، من أوائل من دوّن الحديث ، وأقوال الصحابة في ديوانه الذي وصفوه بأنه وقر بعير، ثم تلاميذه من بعده ، وهم حملة العلم » (2) .

---------------------------
(1) تاريخ الفرق الإسلامية ص284.
(2) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص82.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 164_

ونقول :
أولاً : إن اعتبار جابر بن زيد من الإباضية بصورة قاطعة . . . غير دقيق ، وقد سئل جابر بن زيد نفسه ـ كما يقولون ـ عن انتحال الإباضية ، فقال : أبرأ إلى الله من ذلك (1) .
وكيف يكون اباضياً خارجياً ، وقد روى عن معاوية وابن الزبير .
ثانياً : إن مجرد أن يتصدى رجل أو بضع رجال لتدوين الحديث ، فذلك لا يعني أن ينسب إلى طائفته التي ينتمي إليها : أنها قد أسهمت إسهاماً كبيراً في خدمة العلم الإسلامي ، بل لابد أن ينظر إلى حقيقة دوره في ذلك ، وتقاس إسهاماته في هذا المجال مع ما أسهم به الآخرون ، فقد يكون إسهامه لا يكاد يذكر إلى جانب ما أسهم به الآخرون .
ثالثاً : إننا لا نجد أثراً ظاهراً ومحسوساً لما دونه جابر بن زيد في مجمل التراث الحديثي الإسلامي ، وكذلك ما دونه تلامذته من بعده .
رابعاً : إن من عدوهم من تلامذة جابر بن زيد ليسوا في عداد الإباضية ، ولا « الخوارج » ، فلماذا تعطى الأوسمة لهذه الفرقة جزافاً ، وبلا حساب .
خامساً : إنه قد ادعي : أن « الخوارج » هم حملة العلم . . . وهي دعوى لم نعرف لها وجهاً معقولاً وليس لها شاهد أو دليل . . . فإن حملة العلم هم علي والأئمة من ولده عليهم الصلاة والسلام ، وأعني بهم الحسنان ، والسجاد ، والباقر ، والصادق . . . وتلامذتهم ، ومن أخذ عنهم .
   بالإضافة إلى آخرين حملوا شيئاً من ذلك ، وهم ليسوا من « الخوارج » بالتأكيد .

---------------------------
(1) الجرح والتعديل لابن ابي حاتم ج1 ص494و495 وتهذيب التهذيب ج2 ص38.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 165_

تضييق « الخوارج » على أنفسهم :
   ثم إن علينا : أن نضيف إلى ما تقدم أن جمودهم ، وعدم مرونتهم في التعامل مع النصوص قد أوقعهم في ضيق فاحش ، كما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « الدين واسع ، ولكن « الخوارج » ضيقوا على أنفسهم من جهلهم » (1) .
ومن مظاهر جمودهم هذا ، وتضييقهم على أنفسهم بجهلهم أن أكثرهم كان ضد تأويل القرآن كا قدمنا .

الفتيا والعلم عند « الخوارج » :
   ولكن ضحالة علم « الخوارج » ، وقلة بل ندرة تآليفهم ، لا تعني أنهم استمروا على هذا الحال إلى ما لانهاية ، بل الأمر قد شهد شيئاً من التغيير وإن كان طفيفاً ، بالمقايسة بما كان عند غيرهم من الفرق والمذاهب ، إذ قد كان من الطبيعي أن يعلق في أذهانهم بعض من أحكام الدين وتعاليمه ، خصوصاً وأنهم يشنعون على بني أمية ، ويرمونهم بالجهل وبالفجور ، ومخالفة أحكام الله .

---------------------------
(1) الكافي ج2 ص298 والوسائل ج3ص332 ح1 وج2 ص1072 ح3.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 166_

   ثم إنهم يجتذبون بعض الشباب ، والسذج والبسطاء بشعاراتهم الدينية ، وبادعائهم أنهم حماة الشريعة ، ودعاة الإيمان . . . فكان لابد لهم من الإلمام بما يعرضهم جهلهم به إلى السخرية من الناس ، وتهجين أمرهم .
   ولعل هذا الذي ذكرناه يفسر لنا لجوء نجدة الحروري إلى ابن عباس لتعلم بعض ما أشكل عليه ، واللافت : أن ما سأله عنه هو من أبسط مسائل الفقه وأوضحها .
  ولا نبعد كثيراً إذا قلنا : إنه قد يكون لبعض ما عندهم من فتاوى ومعارف يسيرة نصيب من الصحة ، لأنه في معظمه مأخوذ من السيرة العملية للناس ، أو نابع من الطبيعة البدوية من حيث انسياقه مع الفهم الفطري والعفوي لبعض الآيات ، أو لبعض الأحاديث النبوية .
  وبذلك يكونون أفضل من العجلية ـ الذين هم فرقة من الزيدية ـ وأقرب منهم إلى فهم النصوص ، حسبما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) .
   فعن حمدويه ، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان ، عن داود بن فرقد ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ؛ قال : « ما أجد أحداً أجهل منهم ـ يعني العجلية ـ إن في المرجئة فتيا وعلماً ، وفي « الخوارج » فتيا وعلماً إلخ . . . » (1) .

---------------------------
(1) اختيار معرفة الرجال ص229 و346.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 167_

   ولكن من الواضح : أنه ( عليه السلام ) إنما قايسهم بالعجلية ، وفضلهم عليهم ، واعتبرهم كالمرجئة ، ولم يقايسهم بفقهاء وعلماء سائر الفرق الإسلامية ، فضلاً عن أن يقايسهم بالشيعة الأبرار رضوان الله تعالى عليهم .
فهم بالنسبة للعجلية من الزيدية لديهم فقه وعلم ، إذن فمقدار ما عندهم إنما يعرف إذا قيس إلى ما عند العجلية ، الذين يظهر من الإمام أنهم كانوا أجهل الخلق وأبعدهم عن العلم ، ولذلك قال : « ما رأيت أجهل منهم » ، حتى إن « الخوارج » والمرجئة يعدون من العلماء إذا ما قسناهم بالعجلية الذين بلغوا الغاية في الأمية والجهل .
ثم إنهم مالبثوا أن انكمشوا على أنفسهم من جديد ، وانحسروا عن مناطق الثقافة والعلم ، ليعيشوا في حواشي البلاد الإسلامية ، في مناطق نائية ، ولتعود إليهم أعرابيتهم ، وأصبحوا لصوصاً سلابين ، كما أخبر أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .

تقييم إجمالي :
   ولكن المهم في الأمر : هو أن تلك الفتاوى الصحيحة التي كانت عندهم مهما كانت قليلة ، فإنها إنما كانت مجرد حالات جزئية أدركوها بالنقل ، أو بالسليقة والفطرة الساذجة ، منفصلة تماماً عن كل ما سواها ، فلم يكونوا يملكون تصوراً عاماً ، ولا نظرة شمولية ، من شأنها أن تعطيهم القدرة على استيعاب المعارف المختلفة ، وتوجيهها وجهة صحيحة في مجال الاستفادة منها والاستنتاج ، وإدراك أبعاد الموضوع ، وما يرتبط به .
   وذلك هو بعض ما يرمي إليه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، حينما طلب من ابن عباس أن لا يخاصمهم بالقرآن ؛ فإن القرآن حمال ذو وجوه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 168_

بن حجية مخدوع ، أم ماكر ؟ ! :
   وعلى أساس ما قدمناه يظهر لنا جلياً : أن لا مجال لقبول المبالغات في إغداق الألقاب على « الخوارج » إلى درجة اعتبارهم من الفقهاء ، والقراء ، كما هو الحال بالنسبة ليزيد بن حجية الذي كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد ولاه الري ، ودستبى ؛ فسرق أموالهما ، ولحق بمعاوية .
   ثم كتب لأحد بني عمه رسالة جاء فيها : « . . . والثالثة : أن قراءكم ، وفقهاءكم، وفرسانكم خالفوكم ، فعدوتم عليهم فقتلتموهم » (1) .
فإن هذا الكلام غير مقبول ، وهو دليل جهل ابن حجية ، أو دليل سعيه لتضخيم الأمور ، مضادة منه لعلي ( عليه السلام ) ، ثم تبرير خيانته لدينه وامامه ، بهذه الطريقة التي تعتمد التزوير للحقائق ، والتضليل للناس .
وخلاصة القول :
1ـ إن هذا الكلام يدخل في سياق الكيد الإعلامي ضد علي ( عليه السلام ) وشيعته من قبل رجل خائن لأمانة الله ، ورسوله ، والمسلمين ، قد التحق بعدو ولي الله ، ويريد أن يتزلف إليه .
2ـ إن هذا الرجل ـ أعني يزيد بن حجية ـ لم يكن هو نفسه من أهل العلم والفقه ، ليؤخذ بقوله في معرفة درجات الآخرين في هذه المجالات ، فإن حاول شيئاً من ذلك ، فإنما يقيس الآخرين على نفسه ، ويقارن علمهم ـ أو ما توهم أنه علمهم ـ بجهله .
3ـ ولو أردنا أن نغض الطرف عن ذلك ، ونعتبره مخدوعاً بمظاهر هؤلاء القوم ، فنقول :
   إن من الواضح : أنهم لم يكونوا هم الفرسان المرموقون الأشداء في جيش علي ( عليه السلام ) ، وقد ظهر ضعفهم وخورهم في حرب النهروان إلى درجة مزرية ، وممعنة بالخزي والهوان .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ـ ج2 ـ ص263 عن الموفقيات.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 169_

4ـ كما أنهم لم يكونوا الفقهاء في دين الله ، بل كانوا على درجة من الغباء ، إذ كانوا يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم ، وهو عليهم كما قدمنا

من فقه « الخوارج » !!:
   وكنموذج نشير إلى درجة فقاهتهم ، وعلمهم بالشريعة نذكر ما يلي :
يقال : إن نجدة أسقط حد الخمر (1) .
وقالت النكارية : إن الله لم يأمر بالنوافل ، وأنه يجوز شرب الخمر على التقية (2) .
والنكارية هم فرقة من الإباضية كما هو معلوم .
« وقد شهر نافع بقوله في البراءة ، والاستعراض ، واستحلال الأمانة ، وقتل الأطفال » (3) .
كما أن الأزارقة : قد حرموا قتل النصارى واليهود ، وأباحوا قتل المسلمين(4) .
وذكر البعض : « أن الإباضية يجيزون شهادة غير الإباضي ، ومناكحته ، والتوارث منهم ، وتحريم دمائهم » (5) .

---------------------------
(1) الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص76 و77.
(2) الإباضية عقيدة ومذهباً ص54 عن الإباضية بين الفرق الإسلامية ص363.
(3) راجع: مقالات الإسلاميين ـ ج1 ـ ص169 والكامل في الأدب ـ ج3 ـ ص1040 والمصنف المجهول ـ ص78 والخوارج في العصر الأموي ـ ص224 عمن تقدم.
(4) الفصل لابن حزم ج4 ص189 والخوارج في العصر الأموي ص226 عنه.
(5) الإباضية ص78و83 عن الفرق بين الفرق ص103 وراجع: الملل والنحل ج1 ص134.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 170_

   وكان الأزارقة : يستحلون أمانة غيرهم من الناس لكونهم مشركين ؛ فأنكر عليهم ابن إباض ، وصاحب الصفرية ذلك .
وقالا : إن الأمانة مؤداة للبر والفاجر على السواء (1) .
وأنكرت النفائية خطبة الجمعة ، وقالوا : « إنها بدعة ، وأنكروا على الإمام استعمال العمال والسعاة لجباية الحقوق الشرعية ، ومطالب بيت مال المسلمين من الرعايا »(2) .
وفرقة الحسينية من الإباضية : « أباحوا الزنى ، وأخذ الأموال لمن أكره على ذلك ، يتقي بها ، ويغرم بعد ذلك .
كما أنهم فرقوا بين الأسماء والأحكام ، فسموا اليهود منافقين ، وسموا المتأولين مشركين ، وأجازوا السبي ، وأحلوا النكاح منهم ، وهم عندهم مشركون»(3) .
والسكاكية من الإباضية يقولون : صلاة الجماعة بدعة ، والأذان للصلاة عندهم بدعة ، فإذا سمعوه ، قالوا : نهق الحمار (4) .

---------------------------
(1) مقالات الإسلاميين ج1 ص174 والخوارج في العصر الأموي ص225و226 عنه وعن المصنف المجهول ص84.
(2) الإباضية ص58.
(3) الإباضية ص62.
(4) الإباضية عقيدة ومذهباً ص65 عن الإباضية بين الفرق الإسلامية ص275.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 171_

   وذكروا : أن الأزارقة يوجبون على الحائض الصلاة والصيام في حيضها ، وأنكره بعضهم (1) .
أما البدعية فإنهم يزعمون : « أن الصلاة صلاتان ؛ بالغداة ركعتان ، وبالعشي ركعتان لا غير » (2) .
وأبطلوا رجم المحصن ، وأوجبوا قطع يد السارق من الإبط (3) .
والميمونية يجيزون نكاح بناتهم (4) .
وكان الربيع بن حبيب يقول بحلية المتعة (5) .
وأما الميمونية ، فإنهم يجيزون نكاح بنات الابن ، وبنات البنات ، وبنات بني الأخوة ، وبنات بنات الأخوات .
قالوا : لأن الله عز وجل قال ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) (6) .
وقال بعض البيهشية : السكر من شراب حلال ، لا يؤاخذ صاحبه(7) .

---------------------------
(1) الفصل لابن حزم ج4 ص189 والخوارج في العصر الأموي ص226 عنه، والنص والاجتهاد ص99 والعتب الجميل ص53 عن كتاب: نقد عين الميزان لمحمد بهجت البيطار.
(2) البدء والتاريخ ج5 ص138 والعتب الجميل ص53 عن كتاب: نقد عين الميزان للبيطار.
(3) النص والاجتهاد ص99.
(4) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص57 والإباضية عقيدة ومذهباً ص39.
(5) العقود الفضية ص156.
(6) البدء والتاريخ ج5 ص138. وراجع: الخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص62و134، ومقالات الإسلاميين ج1 ص166 عن الكرابيسي والعتب الجميل ص53 عن نقد عين الميزان للبيطار، ودائرة المعارف الإسلامية ج8 ص475 والأنوار النعمانية ج2 ص248 واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص56 والإباضية ص36 عن الملل والنحل ج1 ص128 عن العجاردة وص129 عن الميمونية.
(7) الأنوار النعمانية ج2 ص246.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 172_

وعن الأخنسية تجويز نكاح المسلمات من مشركي قومهم (1) .

علم علي ( عليه السلام ) بنظر الإباضية :
وإذا كانت هذه هي بعض النماذج من فقه هؤلاء القوم . . . فإن ما يثير عجبنا هو أنهم كغيرهم يعترفون بتقدم علي ( عليه السلام ) في العلم والفقه ، مع أن « الخوارج » هم ألد أعدائه ( عليه السلام ) ، ونكتفي هنا بما قاله الحارثي الإباضي عنه ( عليه السلام ) : « كان علي آية في غزارة العلم ، واستنباطه للأحكام ، وحله للمشكلات .
وكان عمر بن الخطاب يرجع إليه في القضايا المشكلة » (2) .

السنة النبوية والإجماع:
كما أن فرقة السكاكية المتفرعة عن الإباضية قد أنكرت الإجماع كدليل على الحكم الشرعي ، بل لقد أنكروا السنة النبوية ، وزعموا : أن الدين كله مستخرج من القرآن (3) .
وقال البعض : « كان من بينهم من يقول : بأن القرآن وحده هو المصدر المعترف به » (4) .

---------------------------
(1) الأنوار النعمانية ج2 ص249 والخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص65..
(2) العقود الفضية ص42.
(3) الإباضية عقيدة ومذهباً ص65 عن الإباضية بين الفرق الإسلامية ص275..
(4) دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص476.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 173_

« الخوارج » والرواية :
   ولأجل ما تقدم ، فإن « الخوارج » لم يكن لهم حظ في نقل السنة النبوية الشريفة .
   قال الشيخ المفيد ( رحمه الله ) تعالى : « إن الخوارج ليسوا من أهل النقل والرواية ، ولا يعرفون حفظ الآثار ، ولا الاعتماد على الأخبار ؛ لإكفارهم الأمة جميعاً ، واتهام كل فريق منهم فيما يروونه ، واعتمادهم لذلك على ظاهر القرآن ، وإنكارهم ما خرج عنه القرآن ، من جميع الفرائض والأحكام إلخ . . . » (1) .
الاجتهاد:
   وبالنسبة للاجتهاد فقد: « شهر ابن الأزرق بملاحقاته لابن عباس ، وعرض مسائله الفقهية عليه »(2) .
   ومهما يكن من أمر: فإن « الأزارقة لا تعتبر الاجتهاد أصلاً في الأحكام، حتى إنه عند الأزارقة: أن ما لا ينص عليه من الأحكام ليس بواجب القيام به، كحدّ من يقذف الرجال. وأما النجدات: فاهتموا بالاجتهاد أعظم الاهتمام. حتى إنه عندهم من اجتهد في شيء، وأخطأ فيه فهو معذور ، بل جعلوا نصف الدين يعرف عن طريق الاجتهاد » (3) .

---------------------------
(1) الجمل ص38.
(2) الخوارج في العصر الأموي ص221 عن الاتقان ج1 ص149 و165.
(3) الخوارج عقيدة وفكراً، وفلسفة ص75.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 174_

هكذا صور لنا هذا المؤلف نظرة النجدات إلى موضوع الاجتهاد، لكن الأشعري لا يظهر هذا المستوى من الحماس. حيث إنه يكتفي بالقول : إن النجدات أجازوا الاجتهاد في بعض الأحكام الشرعية (1) .
   ونفهم من عبارته هذه: أن غيرهم من « الخوارج » ما كانوا يجيزون الاجتهاد، فلا غرابة في ندرة وجود فقهاء مشهورين يشار إليهم بالبنان فيهم، أو في وجود فقهاء تذكر لهم أقوال في سياق تعداد أقوال من يعتد بقوله .
   ولعل سبب نسبة القول بجواز الاجتهاد إلى النجدات هو أنهم ينقلون عن نجدة الحروري قوله: « من استحل محرماً من طريق الاجتهاد فهو معذور، حتى إن من تزوج أخته أو أمه مستحلاً لذلك بجهالة، فهو معذور ومؤمن » (2) .
عملهم بالقياس: وقد وصف الشهرستاني: المحكمة الأولى بأنهم كانوا أشد الناس قولاً في القياس (3) .
   وقد أنكر البعض ذلك على اعتبار: أنهم لم يقبلوا احتجاج علي (عليه السلام) عليهم بالقياس في مسألة التحكيم بأمر الله بالتحكيم في الخلاف بين الرجل وزوجته، وزعموا : أن الله لم يأمر بالتحكيم في الحرب (4) .

---------------------------
(1) مقالات الإسلاميين ج1 ص206 والخوارج في العصر الأموي ص204.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص134.
(3) الملل والنحل ج1 ص116 وحول قولهم بالقياس راجع: العقود الفضية ص166.
(4) الخوارج في العصر الاموي ص204 عن الكامل في التاريخ ج3 ص327.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 175_

   ونقول : إن قولهم هذا لا يدفع قول الشهرستاني ، فإنه يزعم أنهم كانوا يستعملون القياس في مسائلهم الفقهية الكثيرة ، وموقفهم من التحكيم في الحرب ، ورفضهم قياسه على التحكيم بين الرجل وزوجته ، يمكن أن يقال : إنه من أخطائهم الظاهرة لسببين :
أحدهما : إن ما احتج به علي ( عليه السلام ) عليهم ليس من قبيل القياسات الظنية التي يلتزم بها « الخوارج » ، بل هو من قبيل تطبيق الحكم الكلي على موضوعاته ، والاستدلال بالنص العام على موردٍ هو من مصاديقه .
الثاني : إنهم حتى إذا كانوا قد اعتبروا ذلك من قبيل القياس الظني ، كانوا يعملون به في سائر المسائل الفقهية ، فإن عدم قبولهم به يكون بسبب قلة تدبرهم وهو أحد التناقضات التي وقعوا فيها وما أكثرها .
الثالث : إننا نقول : إن « الخوارج » الأولين الذين خرجوا على علي ( عليه السلام ) لم يكونوا من الفقهاء الذين يستنبطون الأحكام ، ولا كانوا أصحاب اجتهاد ، فضلاً عن أن يكون لديهم منطلقات وأسس اجتهادية والتفات إلى أن هذا من القياس ، أو ليس منه، بل كانت مواقفهم منطلقة من نزوات ، وارتجالات لا تستند إلى دليل معقول ، ومقبول ، ومهما يكن من أمر ، : فإن التنصيص على أن السكاكية ، وهم فرقة من الإباضية ـ قد أنكروا القياس (1) .
   يشير إلى أنهم بقولهم هذا قد خالفوا أهل نحلتهم .
وبذلك يتأيد قول الشهرستاني ، وهو يتحدث عن اطلاع ، ومعاينة وهو أصح من اجتهاد غيره الظني .

---------------------------
(1) الإباضية عقيدة ومذهباً ص65 عن الإباضية بين الفرق الإسلامية ص275.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 176_


شعراء « الخوارج » :
   لقد عرف من « الخوارج » خطباء وشعراء ، ولا سيما في الصدر الأول ، حيث إن أكثر قوادهم كانوا من البدو ، من جند الكوفة والبصرة (1) .
وكان الإنسان البدوي يمتاز بالفصاحة في منطقه ، ويمتلك قدرات تعبيرية يمتاز بها عن غيره من سائر الناس .

الأرجاز في شعر « الخوارج » :
   وحيث إنهم قد اتخذوا طريق العنف ، والحرب وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية ، فإن الرجز في الحرب يصبح ضرورة لهم ، لأجل تشجيع الجبان ، ومكابدة الحرب والطعان ، ولأجل ذلك فإن غالب ما قالوه من الشعر قد جاء في وصف الحرب ، وفي التشجيع على خوض غمارها ، مادام أن حياتهم كانت تتخذ الطابع الحربي في غالب مقاطعها ، وتميز شعرهم بكثرة الأرجاز فيه (2) .
وهذا هو الطابع الذي يطبع أدب أهل البادية بشكل عام . . . ولاسيما حين يواجه فرسانهم الأقران في ساحات الحرب والنزال .

---------------------------
(1) دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص476 وراجع: الخوارج في العصر الأموي ص296.
(2) الخوارج في العصر الأموي ص292.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 177_

شعراؤهم من العرب والموالي :
   ورغم كثرة من نطق بالشعر فيهم ، وكونهم من القبائل والفرق المختلف ة فإننا نلاحظ : أنهم لا يهاجمون الفرق الخارجية الأخرى ، ولا كانوا يذكرون عقائد وخصائص فرقهم هم أنفسهم بل إن شعرهم يكاد يكون لوناً واحداً .
   وقد كان الذين قالوا شعراً من « الخوارج » ينتمون إلى قبائل عربية مختلفة باستثناء قريش (1) .
وذكروا: أن لهم شعراء من الموالي أيضاً، مثل حبيب بن خدرة، الذي كان من موالي بني هلال (2) .
وعمرو بن الحسن الإباضي، وهو من موالي الكوفة (3) .
وعمرو بن الحصين، أحد موالي بني تميم (4) .
وزياد بن الأعسم، الذي قيل: إنه من بني عبد القيس، أو من مواليهم (5) .
ولكننا بدورنا: لا نجد لدى هؤلاء ما يستحق أن يجعل أياً منهم جديراً بأن يصنف أو يكون في عداد الشعراء، فإن وجود بعض المقطوعات لهم هو أمر عادي جداً في المجتمع العربي، الذي يكثر فيه أمثال هؤلاء.

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص250.
(2) البيان والتبيين ج3 ص261.
(3) معجم الشعراء للمرزباني ص229.
(4) الأغاني ج20 ص102.
(5) عن أنساب الأشراف ج7 ص118.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 178_

   نعم يمكن أن يعد عمران بن حطان من شعرائهم ، رغم تجاهل الأدباء له ، ولعله لأنهم لم يروا في شعره ما يستحق أن يجعله يصنف في عداد الشعراء أيضاً .

كيف يرى المؤلفون أدب « الخوارج » :
   وقد أفاض الكتاب والمؤلفون في تسطير الآراء التي يقترب بعضها من الحقيقة ، بينما يهاجر بعضها عنها مغاضباً لها ، ليستقر في أعماق الخيال والأوهام ، غير آسف على شيء ؛ لأنه آثر أن يعتصم بصوامع المجهول ، وينعم بزيف الغي والجهالة إلى غير رجعة . . .
   ونحن نذكر هنا : بعضاً من ذلك ، مما ظهر فيه الخلط بين الحق والباطل ، والمزج بين الواقع والخيال ، فنقول :
1 ـ قد وصف البعض شعر « الخوارج » بقوله : « . . . إنه شعر ثورة جامحة ، محوره الأنا ، ونحن ، وإطاره المذهب الخارجي ، وغايته فراديس السماء » (1) .
   ونحن لا نوافقه على قوله : « شعر ثورة جامحة » ونقول : بل هو شعر البدوي ، الذي يعتمد على سيفه ورمحه لنيل ما يطمح إليه ، حقاً كان أو باطلا ، ولا يعتمد على المنطق ، والبرهان . . . ولا ينطلق من دواعي الضمير والوجدان ، ولا تقيده الروادع الدينية والإيمانية . . . فلا يمكن أن نعتبر هذا السلوك الطبعي المتأصل في الأعراب الغارقين في بحار الجهل والهوى . . . أنه ثورة ، أو أنه إحساس وجداني نبيل .

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص292.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 179_

   ونرفض أيضاً : أن تكون غاية ذلك الشعر هو فراديس السماء . . . فإن الله لم يطلع هذا القائل على غيبه ، ليقرأ في قلوب أولئك الشعراء غاياتهم ونواياهم ، وإذا كان الشعر مبنياً على التبجح، والادعاء ، والمبالغة . . .
   ثم إذا كان « الخوارج » ـ كما ظهر من فصول هذا الكتاب بالنصوص والأرقام ـ طلاب دنيا ، ورواد حكم ، يبحثون عن ذلك بكل خف ، ويسعون له بكل حافر وظلف ، وإذا كانوا أيضاً لا يتورعون عن ارتكاب أي شيء في سبيل ذلك، حتى الكذب على رسول الله ( صلوات الله وسلامه عليه ) وآله ، فكانوا إذا أحبوا شيئاً صيروه حديثاً . . .    فهل يمكن بعد هذا استكشاف نواياهم ، وغاياتهم من شعرهم الذي ينشدونه في مواقع المواجهة ؟ ! حيث يهيمن الغرور ، وتستيقظ العنجهيات .
   أضف إلى ذلك : أن أهم ما يجذب الناس إلى « الخوارج » هو إدعاؤهم أنهم ملتزمون لخط الشريعة ، ومتصلبون في الدين ، فلماذا لا يستخدمون هذا الأمر في إعلامهم من أجل ذلك أيضاً . . . بهدف إثارة الحماس لدى السذج والبسطاء من الذين لم يطلعوا على حقيقة نوايا قادتهم وزعمائهم ؟ !.
2ـ ثم إن ثمة نصاً آخراً ، يقول : « يمكن القول : إن الشعر عند شعراء الفرق الخارجية ـ بشكل عام ـ كان إما تسجيلاً لأعمال حربية ، أو رثاء لقتلاهم ـ ترغيباً أو ترهيباً » (1) .

---------------------------
(1) المصدر السابق ص252.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 180_

   « ولعل الظاهرة العامة الأخرى ، التي تطغى على شعر « الخوارج » : أنه جاء في أكثره يخاطب المشاعر ، والوجدان ، دون أن يعمد إلى مخاطبة العقل والمنطق ؛ لإعطاء الحجة المقبولة ، والبرهان العقلي لما ينادون به ، فكان عملهم أشبه ما يكون بعمل الصحافيين ، الذين يعمدون إلى إلهاب عواطف الناس ، واستثارة حماس جماهير العوام ، بالكلمات المؤثرة ، والشعارات المثيرة ،ولا ننسى مدى فعالية هذا الأسلوب على جماعة « الخوارج » الذين كانوا بأكثريتهم الساحقة ، من الأعراب ، والقراء المتدينين » (1) .
   وهذا الكلام : وإن كان في أكثره معقولاً ومقبولاً ، لكن لنا تعقيب على العبارة الأخيرة ، فإن تدينهم ، لم يكن قائماً على أسس فكرية ، وقناعات حقيقية ، وإنما هي ظواهر ومظاهر ألفوها ، ووجدوا فيها سبيلاً إلى الحصول على بعض ما عجزوا عن الحصول عليه بالأساليب الأخرى ؛ وقد أخبر النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) : أنهم يقرأون القرآن ، ولا يجاوز تراقيهم ، وأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وقد دلت ممارساتهم على ما نقول فلا حاجة إلى الإعادة .

مبالغات لا مبرر لها :
   ثم إن بعض الكتاب : قد زعم أن للخوارج أدباً له طابع مميز ، وخصائص معينة ، تنسجم مع واقع الحياة ، ومع المفاهيم التي كانوا يعيشونها ، فقد كانت لديهم نفوس بدوية ، تملك سرعة الخاطر ، والقدرة على البيان ، بأوجز عبارة وأقوى لفظ ، إلى جانب ذلك تحمس .

---------------------------
(1) المصدر السابق ص286.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 181_

   وصراحة ، وعاطفة ، وليس في أدبهم أثر للخمر والمجون ، وإنما فيه القوة والصلابة ، والجمال ، والقتال ، وهو أدب لساني ، لا أدب مكتوب ، بل هو خطب وشعر ، وبديهة واحتجاج (1) .
   وقالوا أيضاً : « هذه الصفات ، أعني الشدة في الدين والإخلاص للعقيدة ، والشجاعة النادرة ، يضاف إليها العربية الخالصة هي التي جعلت للخوارج أدباً خاصاً يمتاز بالقوة ، شعراً ونثراً ، تخيّر للفظ ، وقوة في السبك ، وفصاحة في الأسلوب » (2) .
   ونقول : إن هذا الوصف المتنوع لشعرهم مفرط في المبالغة ، ولا يعبر عن الحقيقة . . . وهو ظاهر الخلل ، بيِّن الزيف والخطل .
فلاحظ ما يلي :
1 ـ قوله : إن لأدب « الخوارج » طابعاً مميزاً ، وخصائص معينة . . . ليس بذي قيمة ، لأن « الخوارج » إذا كانوا أعراباً جفاةً ، يطغى عليهم الجهل ، والهوى ، والبداوة ، فإن شعرهم سوف يكون حتماً شعر الأعراب الجفاة ، الذي يفقد الطراوة ، ولا يملك صوراً خلابة ، ولا خيالاً رائعاً ومثيراً .
2 ـ إننا لم نجد في شعر « الخوارج » ذلك الجمال الذي ادعاه ، بل هو شعر تقريري يقتصر على ألفاظ عادية ومتداولة ، ولا يقدم أية صورة شاعرية ، تحمل شيئاً من الإبداع والجمال اللافت .
3 ـ لا نجد للخوارج احتجاجاً قوياً ولا مؤثراً ، ولاسيما في مقابل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأصحابه الأخيار والأبرار ، بل كانت احتجاجات غيرهم هي التي تؤثر فيهم ، فيتراجعون عن مواقفهم بالمئات والألوف .

---------------------------
(1) راجع: ضحى الإسلام ج3 ص344 و345.
(2) فجر الإسلام ص264.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 182_

   وأما حين يواجهون الأمويين فإنهم لا يحتاجون امتلاك قدرة احتجاجية خاصة ، بل يكفي ذكر وسرد مثالب بني أمية ، التي يمكن أن يقوم بها أضعف الناس فيستطيل بها على أبرع الناس في الاحتجاج .
4 ـ وأما الخطب . . . فإن سرد مخازي بني أمية يكفي أضعف الناس عن أي خطاب ، لكننا نجد في المقابل أن أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كانوا هم مضرب المثل في ذلك ، حيث يضرب المثل بصعصعة بن صوحان في ذلك ، فقيل : « أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج » .
   أما أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقد ردهم بكلامه الحلو في غير موطن حسبما اعترفوا به هم أنفسهم كما تقدم .
5 ـ أما بعض العبارات المتميزة التي تنسب لبعض زعمائهم . . . فيجدها الباحث المتتبع في ثنايا كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فهي إما مسروقة منه ( عليه السلام ) ، منحولة لغيره . . . وإما أن « الخوارج » أنفسهم كانوا يحفظونها عنه، وقد استفادوا منها في خطبهم ، فأعطتها قوةً ورونقاً . . .
   وما أكثر الغارات على كلمات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وخطبه ، وفضائله وكراماته كما لا يخفى على الباحث الأديب ، والمتتبع اللبيب .
6 ـ وأما بالنسبة للصراحة، فإن من بيده السيف قادر على أن يتكلم بما يشاء . . . ولكن حين يقع السيف من يده ، فإنك تجده يستعمل التقية في القول وفي الفعل بإغراق شديد ، وبإمعان بالغ ، كما كان الحال بالنسبة للخوارج .
7 ـ وأما الإخلاص للعقيدة ، فقد ذكرنا الكثير مما يدل على أن أمر الدنيا كان هو الأهم عندهم ، والأولى بنظرهم .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 183_

8 ـ وعن شجاعتهم النادرة ذكرنا أيضاً ، ما يكذب الشائعات التي أعطتهم صورة الشجعان الأتقياء ، والبررة الأوفياء .
9 ـ ويضحك الثكلى حديثه عن : « تخير للفظ ، وقوة في السبك » فإننا لم نجد في شعرهم إلا عفوية البدوي الجاهل ، الذي يبتدر الكلام بما تيسر له من ألفاظٍ يلتقطها مما يجده في طريقه ، وهو على عجلة من أمره .
   وحسبنا ما ذكرناه : فإننا لا نريد أن نفسح المجال للذين يحاولون أن يتبرعوا بأوسمة الاتهامات الجاهزة ، ليخلعوا علينا حللاً منها موشّاةً بالتعصب لتعصب المذهبي تارة ، أو الاتهام بالانطلاق من أفكار عنصرية أخرى ، أو ما إلى ذلك .

دعاوى أخرى حول أدب « الخوارج » !!
   يقول البعض : « إذا كان شعر الخوارج ونثرهم ، يمثلان أصدق تمثيل حياتهم الحربية ، وأحاسيسهم الوجدانية ، وعواطفهم الدينية ، وآمالهم العريضة ؛ فإن هذه الآثار الأدبية قد فشلت فشلاً تاماً في إعطاء صورة واضحة للفكر الخارجي ، أو للعقائد الخارجية السياسية منها والدينية ، هذا إذا استثنينا ما يستخلص من مزاعمهم : نحن الإسلام ، والإسلام نحن » .
   ولعل هذه الظاهرة تخالف ما عهدناه عند معاصريهم من الفرق الإسلامية الأخرى ؛ فإن الشعر الشيعي ، يسجل لنا بوضوح مبادئ الشيعة ، وعقائدهم ، على اختلاف نظرياتهم .
وكذلك الحال عند المرجئة : « فإن لثابت قطنة قصيدة أودعها مختلف آراء هذه الفرقة وعقائدها . . . » (1) انتهى.

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص253/254.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 184_

   ونقول : من أين للخوارج الفكر العقائدي والسياسي ، الذي يمكن التعبير عنه في الأدب والشعر ، وهم إنما كانوا في بادئ أمرهم أصحاب أطماع ، وسفاحين ، ثم انتهى أمرهم إلى أن أصبحوا لصوصاً سلابين.
   وإن كان لدى بعضهم حب للوصول إلى الحق ، فإن جهود هؤلاء لم تنته إلى نتيجة ظاهرة ، فإنهم بعد أن اتبعوا غير سبيل الصالحين، بتخليهم عن إمامهم ، ثم محاربتهم له ، واصرارهم على البراءة منه ، وتكفيره ، قد تاهوا في خضم الشبهات ، ثم وقعوا في فخ أصحاب الطموح والأطماع ، حركتهم ـ كما بدأت ـ حركة عدوانية طامعة في الحصول على شيء من حطام الدنيا . . .وقد بقوا غارقين في مشاكلهم مع الآخرين ، يهيمن عليهم الجهل ، والأعرابية ، ويسيرهم الهوى ؛ فلم يكن لديهم علماء يهذبون لهم أفكارهم ، ويحددون لهم مذاهبهم ، ويهتمون بإعطائها صفة معقولة ومنسجمة ، إلا بعد أن مضت المئات من السنين ، وقد كان ذلك في مستويات بدائية ضحلة ، وغير ناضجة . . .فمحاولة مقايستهم بالشيعة وحتى بالمرجئة تصبح محاولة فاشلة ، ليس لها ما يبررها .
   ويقول البعض : « . . . ولعل ما يلفت النظر بشأن شعراء الفرق الخارجية ، أن شعر كل جماعة منهم جاء متناسباً مع حجم الأعمال العسكرية ، التي قامت بها كل منها ؛ فالأزارقة كثر شعرهم الحربي ؛ تسجيلاً لبطولاتهم ، وانتصاراتهم الحربية ؛ لان وجودهم كان سلسلة متصلة من المعارك المتواصلة .
والصفرية قل شعرهم الحربي ، لأن اكثرهم مال إلى القعود .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 184_

   ولكن يبدو أن الرواة قد حالوا بيننا وبين ما قيل في تصوير انتصارات شبيب الحروري الأسطورية .
أما النجدية : فإن الخلافات المبكرة في صفوف زعمائهم حالت بينهم وبين الأعمال الحربية العظيمة المستمرة ، فقل شعرهم بذلك .
والإباضية : « لم نسمع لهم شعراً إلا بعد أن قاموا بمحاولاتهم الجدّية للاستيلاء على بلاد الحجاز ، واليمن ، وما دونهما » (1) .

خلاصة الرأي في أدب « الخوارج » :
  ونقول : إن ما يقال عن وجود حياة أدبية ذات قيمة لدى « الخوارج » لا يمكن قبوله على إطلاقه ، فإن غاية ما يمكن أن يقال هنا هو : إنه قد ظهرت منهم في حروبهم أو في غيرها بعض المقطوعات ، النثرية والشعرية ، التي جاء أكثرها حماسياً ، ولكن لم يكن فيها الكثير من الجمال والإبداع ، بحيث يهتم بتدوينها هواة الشعر والأدب ، وجامعوه في كتبهم ومصادرهم .
   ولأجل ذلك نلاحظ : أن أبا الفرج والمسعودي لم يوردا إلا النزر اليسير من أخبارهم الأدبية ، كما أن ابن قتيبة لم يأت على ذكرهم في كتابة الشعر والشعراء ، إلا بشأن سرقات الطرماح من الشعراء الآخرين ، بينما ابن سلام لا يرى احداً منهم يستحق التصنيف في طبقاته (2) .

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص252.
(2) الخوارج في العصر الأموي ص253/254.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 185_

   وإذا كانت الكتب التاريخية ، وهي تسجل لنا تاريخ « الخوارج » قد أوردت ما أنشأوه في مواقفهم المختلفة ، فإن ذلك قد جاء رعاية لأمانة النقل ، وحفاظاً على تناسق الأحداث . . . لا لأنها كانت تمتاز بجمال لافت ، استحقت لأجله التسجيل .
   وقد حاول البعض : إرجاع عدم وجود رواية لمقطوعات أدبية بكثرة لهم ، في ما بأيدينا من كتب الأدب وغيرها إلى تعمد الرواة ، والمؤرخين تجاهل ذلك ، وهو الأمر الذي نشأ عنه ضياع نتاجهم الأدبي ، فلم يصلنا إلا القليل من شعرهم (1) .
وقد رأوا : أن هذا التعمد يرجع ـ كلاً أو بعضاً ـ إلى الأسباب التالية :
1 ـ إن اللعنات التي انصبت على « الخوارج » ، عامة قد انعكست على آثارهم الأدبية ، فاضطهدهم الرواة والمؤرخون ، وأهملوا إنتاجهم وتركوه نهباً للضياع (2) .
2 ـ إن بعض المؤرخين قد يكون قد أهمل شعر « الخوارج » كرهاً لهم .
3 ـ أو تجنباً لإثارة خصوم « الخوارج » عليهم .
4 ـ إن « الخوارج » لم يتخذوا الشعر حرفة للتكسب ، فلم يحرصوا على روايته وإثباته .
5 ـ إن سيطرة القرآن ووجدانهم عليهم قد حال بينهم وبين الاهتمام الزائد بفنّ الشعر .

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص253/254.
(2) القاضي النعمان في كتابه: الفرق الإسلامية في الشعر الأموي ص406 نقلنا ذلك عنه بواسطة كتاب: الخوارج في العصر الأموي ص253/254.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 186_

6 ـ إن موت العديد من الشعراء في الحروب المتواصلة كان سبباً لضياع أكثر شعرهم ، لأن أبرز شعرائهم كانوا هم فرسانهم الذين قتلوا (1) .
   ونقول: إن نفس ذلك الشخص الذي ذكر ما تقدم قد أجاب على النقاط الثلاث الأولى. فلا حاجة إلى الحديث عتها.
   وأما بقية النقاط فنحن نشير فيما يرتبط بها إلى المناقشات التالية :
1 ـ « إن آخرين منهم [ أي من الرواة والمؤرخين ] أبدوا اهتماماً زائداً بشعرهم. وأخبارهم أيضاً؛ فلم يتحرجوا من نقل أخبار بطولاتهم الحربية، وشجاعتهم النادرة؛ فهذا ما نلحظه في كامل المبرد، وتاريخ الطبري، وأنساب البلاذري، وغيرها من المصادر القديمة .
2 ـ يضاف إلى ذلك: أن جمع الأدب وتسجيله، قد تم في فترة زمنية لم يكن فيها للخوارج شأن خطير، ولا شوكة ظاهرة. وفي وقتلم يجد فيه بعض المؤرخين حرجاً في إثبات روايات أبي عبيدة، معمر بن المثنى، الخارجي، اليهودي الأصل (2) .
   فلا يصح بعد هذا أن يعمم الحكم؛ فيقال : إن أخبار « الخوارج » قد طمست ، وإن أشعارهم قد دفنت .
3 ـ فالرواة الذين نقلوا إلينا أعنف افتراء على علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في مديح عمران بن حطان لابن ملجم، لا يتحرجون في نقل ما هو أخف حدّةً، وأقل عنفاً » (3) .

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص254 فما بعدها.
(2) أحال هذا القائل هنا على كتاب: وفيات الأعيان ج4 ص227.
(3) الخوارج في العصر الأموي ص254.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 187_

4 ـ وأما دعوى: أنهم لم يحرصوا على إثبات شعرهم، لكونهم لم يتخذوه للتكسب .
   فهي غير وجيهة؛ إذ قد رأينا أن المؤرخين قد أثبتوا جميع أنواع الشعر ، ورووه ، بل إن رواية الشعر الذي يقال : إنه لغير التكسب أدعى ، وأولى بالإثبات ، سواء بالنسبة لصاحب الشعر ، أو بالنسبة لغيره ممن تصدى من الناس للرواية وللكتابة .
5 ـ وحول سيطرة القرآن على وجدان « الخوارج » ، حتى صرفهم ذلك عن الاهتمام الزائد بفن الشعر ، نقول : إن هذا الكلام يستبطن إنكار أن يكون للخوارج أدب وشعر من الأساس . . .
   أضف إلى ذلك : أنها دعوى يكذبها ما ثبت عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في وصف « الخوارج » ، من أنهم يقرؤون القرآن ، ولا يجاوز تراقيهم (1) .
فإن معنى ذلك هو أنه لا سيطرة للقرآن على وجدانهم ، فلا تأثير له إذن على موقفهم من الأدب والشعر ، لا سلباً ولا إيجاباً . . .
6 ـ ثم إن ما ذكر أخيراً من أن شعراءهم إنما كانوا فرسانهم ، وقد قتلوا في الحروب؛ فذلك هو سبب عدم نقل شعرهم إلينا . . .
لا يصح أيضاً ، إذ أن الشعر إنما يرويه الآخرون عنهم، ممن سمعه منهم ، وقد عاش هؤلاء الفرسان : الشعراء ( حسب الفرض ) إلى حين قتلوا ـ عاشوا ـ بين المئات والألوف من الناس ، فلماذا يختفي شعرهم فقط ، ولا يختفي شعر الكثيرين من الفرسان ، الذين أكلتهم الحروب ، وقد خلدها عنهم الرواة والمؤرخون .
   إلا أن يكون المقصود بالشعر الذي لم ينقل هو تلك الأرجاز التي تأتي على البديهة في ساحة الحرب والنزال ، وهي جهد ضئيل ، لا يكاد يصل إلى درجة أن يصبح حياة أدبية لطائفة واسعة الانتشار في طول البلاد الإسلامية وعرضها .

---------------------------
(1) تقدمت مصادر هذه الرواية في أوائل الكتاب، فراجع.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 188_

صعصعة . . . و « الخوارج » ! !
   ولابد من التذكير هنا بحقيقة أن كل خطب « الخوارج » ، وكل أراجيزهم الحماسية ، لم تستطع أن تصمد أمام المنطق القوي ، والبليغ ، والحازم الذي كان يواجههم به اصحاب أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) ، ولاسيما صعصعة بن صوحان العبدي ، الرجل الفذ ، الذي جمع إلى بلاغة المنطق ، صواب القول ، وسطوع الحجة ، فبهرهم بذلك ، وأعجزهم عن مجاراته ، حتى أصبحت مواقفه معهم مثلاً سائراً في الناس .
   يقول الجاحظ : « إن أشيم بن شقيق ، بن ثور ، قال لعبد الله بن زياد ، بن ظبيان : ما كنت تقول لربك ـ وقد حملت رأس مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان ؟ ! قال : أسكت ، فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة بن صوحان ، إذا تكلمت الخوارج »
وقد بلغ من تأثير خطب صعصعة : أنه وعظهم مرةً ، فرجع منهم خمس مئة ، فدخلوا في جملة علي وجماعته . بل يذكر طه حسين : أن صعصعة وعظهم ؛ فرجع منهم ألفان (1) .
ولعل ذلك كان في مناسبة أخرى له معهم . وقال البلاذري : « . . . فبعث إليهم عليٌّ ، ابن عباس ، وصعصعة ، فوعظهم صعصعة وحاجهم ابن عباس ، فرجع منهم ألفان » (2) .

من خطب ومواقف صعصعة مع « الخوارج » :
وقد ذكر المفيد : (( رحمه الله )) أحد مواقف صعصعة مع « الخوارج » ، وهو يدل على ثبات قدم صعصعة في مجال الخطابة والوعظ ، وعلى قوة عارضته ، ثم على ثباته في عقيدته ، وثاقب فكره ، ووعيه .
   يقول النص المحكي عنه : لما بعث علي بن أبي طالب ( صلوات الله وسلامه عليه ) صعصعة إلى « الخوارج » قالوا له : أرأيت لو كان علي معنا في موضعنا ، أتكون معه ؟ ! قال : نعم .
قالوا : فأنت إذاً مقلد علياً دينك !! إرجع فلا دين لك .
   فقال لهم صعصعة : ألا أقلد من قلد الله فأحسن التقليد ؛ فاضطلع بأمر الله صديقاً لم يزل ؟ ! أو لم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا اشتدت الحرب قدمه في لهواتها ؛ فيطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بحدّه ، مكدوداً في ذات الله ، عنه يعبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمون ؛ فأنى تصرفون ؟ وأين تذهبون ؟ وإلى من ترغبون ؟ وعمّن .

---------------------------
(1) البيان والتبيين ج1 ص326/327 وذكر المعتزلي هذا النص في شرحه للنهج ج3 ص398، لكنه لم يذكر الخوارج، ونص عبارته هكذا: [إن تركت أحتج، كنت أخطب من صعصعة بن صوحان].
(2) أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص354.