وقال الأشعري : « . . . والكور الغالب عليها الخارجية : الجزيرة ، والموصل ، وعمان ، وحضرموت ، ونواح من المغرب ، ونواح من خراسان ، وقد كان لرجل من الصفرية سلطان في موضع يقال له : سجلماسة ، على طريق غانة » (1) .
   وجاء في سياق كلام أحمد أمين المصري : « كانوا فرعين : فرعاً بالعراق وما حولها ، وكان أهم مركز لهم البطائح ، بالقرب من البصرة ، وقد استولوا على كرمان ، وبلاد فارس ، وهددوا البصرة . . . إلى أن قال : وفرعاً بجزيرة العرب ، استولوا على اليمامة وحضرموت ، واليمن والطائف » (2) .
لابد من الدقة : إننا نعتقد أن ما يذكرونه من تواجد « الخوارج » في المناطق المشار إليها تعوزه الدقة ، والموضوعية . . . ولعلنا نلمس بعض الميل إلى تضخيم أمر « الخوارج » ، واعتبارهم ثواراً حقيقيين تجسدت فيهم آمال الجماهير ، فانساقت وراءهم ، حيث استهوتها شعاراتهم ، وبهرتها مواقفهم وبطولاتهم ، لاسيما وأنها لمست فيهم الصلابة في الدفاع عن الدين والحق ، وعن المظلومين ، ولكننا إذا راجعنا وقائع التاريخ ، لاسيما تاريخ « الخوارج » .
   نجد : أنهم بسبب ما ظهر منهم ، قسوة وعنف قد أثاروا جواً من الرعب والخوف والإحباط لدى عامة الناس الأبرياء ، إلى حد لم يعد يمكن اعتبار استيلائهم على بعض البلاد يمثل استجابة لحالة شعبية ، أو يعكس رضى عامة الناس ، أو يدل على قبولهم للعقيدة الخارجية ، فإن الناس كانوا يحبون السلامة ، وكانت شراذم « الخوارج » لا ترحم أحداً ، ولا ترثي لحال أحد ، فهي تستحل دماء الناس حتى الطفل الصغير ، والشيخ الكبير لأتفه الأسباب ، بل وبدون سبب على الإطلاق .

---------------------------
(1) مقالات الإسلاميين ج1 ص191 .
(2) فجر الإسلام ص257/258 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 76 _

  ولم تقتصر حالة الخوف هذه على القرن الأول الهجري ، بل استمرت إلى ما بعد كسر شوكة « الخوارج » بعد عشرات بل مئات السنين من ذلك ، حتى لنجد أن الفضل بن شاذان المتوفي سنة 260 هـ ، ق « كان برستاق بيهق ، فورد خبر « الخوارج » ، فهرب منهم ، فأصابه التعب من خشونة السفر ؛ فاعتل ومات » (1) ، « الخوارج » في إفريقية : والظاهر أن إفريقية لم تعرفهم إلا في عهد العباسيين ، غير أنهم يقولون : إن عكرمة هو سبب نشر الصفرية في بلاد المغرب ، مما يعني : أنهم انتشروا في المغرب في وقت متقدم أي منذ عهد الدولة الأموية أيضاً ، وقد انتشر مذهب الإباضية منهم في شمال إفريقية ، ثم في الساحل الشرقي لإفريقية (2) ، وقال الذهبي : « . . . وخوارج المغرب إباضية ، منسوبون إلى عبد الله بن يحيى بن إباض ، الذي خرج في أيام مروان الحمار ، وانتشر أتباعه بالمغرب » (3).

---------------------------
(1) إختيار معرفة الرجال ص543 .
(2) راجع : دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص474 . .
(3) سير أعلام النبلاء ج15 ص153 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 77 _

   وكان مخلد بن كيداد رأس الإباضية ، قد ظهر على أغلب المغرب ، ولم يبق لبني عبيد سوى المهدية (1) ، وقد قال الذهبي عن مخلد هذا : « كاد أن يمتلك العالم » (2) ، ونص آخر يقول عن الإباضية : « هي فرقة خارجية ، لاتزال قائمة في بلاد طرابلس ، وفي زنجبار ، وعمان » (3) .
ويقول آخر : « وهناك إباضيون حتى اليوم في عمان ، والجزائر ، وزنجبار » (4) ، وقد تقدم قول الأشعري ، حول تواجد «الخوارج» في نواحٍ من المغرب ، وأنه : « كان لرجل من الصفرية سلطان في سجلماسة ، على طريق غانة » ، « الخوارج » في القبائل وبني تميم : إن مراجعة النصوص التاريخية تعطي : أن غالبية « الخوارج » كانوا من بني تميم (5) ، ويذكر المؤرخون هنا : أنه قد كان في الأزد ، وهمدان ، وبكر ، وغيرهم خوارج (6) أيضاً .

---------------------------
(1) سير أعلام النبلاء ج15 ص156 .
(2) سير أعلام النبلاء ج15 ص153 .
(3) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص174 .
(4) العقود الفضية ص66 عن الموسوعة العربية الميسرة .
(5) قضايا في التاريخ الإسلامي ص37و68 عن العبر ج3 ص145 وعن الطبري ج5 ص516 وعن فجر الإسلام ص256 .
(6) جمهرة أنساب العرب ص364 والاخبار الطوال ص197 وتاريخ الدولة العربية ص78 وقضايا في التاريخ الإسلامي ص38 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 78 _

  وذكرت بعض المصادر : أن أهل عمان إباضية ، وأئمتهم من الأزد ، ومن الإباضية باليمن طائفة من همدان في مغارب همدان ، وفي حضرموت طائفة من « الخوارج » ، من بشق ، بطن من همدان (1) .
ويستظهر الجاحظ : أن بني صريم ـ وهم من بني تميم ـ كانوا من « الخوارج » أيضاً (2) ، والظاهر هو أن أكثر « الخوارج » كانوا من بني تميم ، من ربيعة اليمن (3) ، ولعل ذلك يفسر لنا ما ورد من أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد وصف مسجداً لبني تميم بأنه بيعة (4) ، وكان « الخوارج » في البربر أيضاً ، فإن بني برزال وبني واشين إباضية (5) ، ويقول الذهبي عن البرير : « ثم كان الذين أسلموا خوارج وإباضية ، حاربوا مرات ، وراموا الملك ، إلى أن سار إليهم داعي المهدي ، فاستمالهم ، وأفسد عقائدهم » (6) .

---------------------------
(1) الحور العين ص202و203 .
(2) البيان والتبيين ج1 ص206 .
(3) راجع : تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص397 وقضايا في التاريخ الإسلامي ص68و71 وضحى الإسلام ج3 ص332 والخوارج والشيعة ص74 ودائرة المعارف الإسلامية ج8 ص470 وتعليقات الدكتور مشكور على كتاب : المقالات والفرق ص130 .
(4) المصنف للصنعاني ج3 ص153 .
(5) جمهرة أنساب العرب ص488 .
(6) سير أعلام النبلاء ج18 ص429 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 79 _

  د ور العرقية في مواقف ربيعة : ويقولون : إن ربيعة اليمن كانت تتحرك على أساس عرقي في هذا المجال ، وبذلك فسروا قول الأصمعي : « . . . والجزيرة خارجية ، لأنها مسكن ربيعة ، وهي رأس كل فتنة» (1) ، وتقدم : أن علي بن عبد الله بن العباس قد اعتبر الجزيرة خارجية مارقة ، ومسلمين أخلاقهم كأخلاق النصارى . . .
  وقال هارون الرشيد ليزيد بن مزيد : « ما أكثر الخلفاء من ربيعة ؛ قال : بلى ، ولكن منابرهم الجذوع » (2) ، فيرى البعض أن : « . . . من أعظم هذه الأمور التي حفزتهم على الخروج غير الحق الذي اعتقدوه : أنهم كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة ، واستبدادهم بها دون الناس ، والدليل على ذلك : أن أكثرهم من القبائل الربعية التي قامت بينها وبين القبائل المضرية الإحن الجاهلية ، التي خفف الإسلام من حدتها ، ولم يذهب بكل قوتها ، بل بقيت منها آثار غير قليلة مستمكنة في النفوس» . . . إلى أن قال : « وإذا كان كذلك ؛ فلابد وأن نتصور : أن الخوارج وأكثرهم ربعيون رأوا الخلفاء من مضر ، فنفروا من حكمهم ، واتجهوا في تفكيرهم نحو الخلافة تحت ظل هذا النفور ، من حيث لا يشعرون الخ . . . » (3) ، ويقول أيضاً : « . . . والحق أن مبادئهم مظهر واضح لتفكيرهم ، وسذاجة عقولهم ، ونظراتهم السطحية ، ونقمتهم على قريش ، وكل القبائل المضرية . . . » (4) .

---------------------------
(1) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص67 والعقد الفريد ج6 ص248 .
(2) العقد الفريد ج6 ص248 .
(3) راجع : تاريخ المذاهب الإسلامية ص69/70 .
(4) المصدر السابق ص71 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 80 _

   أما بروكلمان ، فيقول عن حركة الخوارج : « أطلعت رأسها الآن في الجزيرة الشمالية ، بين قبائل ربيعة ، التي كانت تنفس على قريش بالخلافة » (1) .
هذا . . . ولربما يمكن الاستشهاد لما أشار إليه هؤلاء بما كان من أبي حمزة الخارجي ، حينما غزا المدينة ، حيث كان يقتل القرشي ، ويدع الأنصاري .
كما ذكره المؤرخون ، ربيعة مظلومة : ولكننا لا نستطيع أن نوافق هؤلاء على مبالغاتهم هذه في اتهام ربيعة ، وتأثير العرقية ، فيها وإن كنا لا ننكر وجود تأثير للعرقية بدرجة ما . . . ولعل ربيعة الذين كانوا من سكان الجزيرة هم الذين اتجهوا نحو نحلة « الخوارج » . . . دون سائر قبائل ربيعة ، فإن تعميم الكلام لربيعة كلها بعيد عن الإنصاف والموضوعية .
ولعل هذا التصميم على الإجحاف في حق ربيعة ، قد جاء على سبيل المضادة والإدانة لموقف علي ( عليه السلام ) ، وذلك لأن عماد عسكر علي ( عليه السلام ) كان ربيعة ومضر ، وإن كان جيشه ( صلوات الله وسلامه عليه ) لم يخل من بعض القبائل اليمانية ، مثل كندة ، ومذحج ، وهمدان ، وطي ، وغيرهم ، وقد استمر وفاء ربيعة لمبادئها بصورة أزعجت الحكم الأموي ، يقول المرزباني :

---------------------------
(1) تاريخ الشعوب الإسلامية ص164 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 81 _

   « قال أبو عبيدة : ولما قتل علي بن أبي طالب أراد معاوية الناس على بيعة يزيد ؛ فتثاقلت ربيعة ، ولحقت بعبد القيس في البحرين ، واجتمعت بكر بن وائل إلى خالد بن المعتمر » (1) .
فلما تثاقلت ربيعة تثاقلت العرب أيضاً ؛ فضاق معاوية بذلك ذرعاً ، فبعث إلى خالد ؛ فقدم عليه ؛ فلما دخل عليه رحب به وقال : « كيف ما نحن فيه ؟ قال : أرى ملكاً طريفاً ، وبغضاً تليداً ، فقال معاوية : قل ما بدالك ، فقد عفونا عنك ، ولكن ما بال ربيعة أول الناس في حربنا ، وآخرهم في سلمنا ؟ » (2) .
وقال المرزباني : « كان حميداً بليغاً ، اجتمعت عليه ربيعة بعد موت علي ، لما حلف معاوية أن يسبي ربيعة ، ويبيع ذراريهم لمسارعتهم إلى علي ، فقال خالد» (3) : أما في ابن حرب حلفة في نسائنا ودون الذي ينوي سيوف قواضب سيوف نطاق والقناة فتستقي سوى بعلها بعلاً وتبكي الغرائب فإن كنت لا تغضي على الحنث فاعترف بحرب شجى بين اللها والشوارب قال فيه أيضاً ، وقد ذكر له علياً : معاوي لا تجهل علينا فإننا نذلك (4) في اليوم العصيب معاوياً ودع عنك شيخاً قد مضى لسبيله على أي حاليه مصيباً وخاطبياً (5) .

---------------------------
(1) راجع الخوارج في العصر العباسي ص67 عن المعتزلي في شرح النهج ج1 ص502 ـ ط الحلبي ـ وكتاب صفين للمنقري ص205 والكامل للمبرد ج3 ص909 .
(2) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص92 .
(3) هو خالد بن ربيعة ، بن مر ، بن حارثة .
(4) في الإصابة : يد لك .
(5) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص37 والإصابة ج1 ص460 ، والقضية في كتاب صفين للمنقري ص294 ولكن باختلاف كثير ، فلتراجع . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 82 _

   وقال علي ( عليه السلام ) لربيعة في صفين : « أنتم درعي ورمحي » (1) ، وحينما طعن الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، من قبل المتمردين عليه في جيشه ، «دعا ربيعة وهمدان ، فأطافوا به ، ومنعوه ؛ فسار ، ومعه شوب من غيرهم» (2) ، وجاء في كتاب من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى ابن عباس: « . . . وانته إلى أمري ولا تعده ، وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة . . . » (3) ، وفي حرب صفين قال ( عليه السلام ) : « . . . أما بعد ، يا معشر ربيعة ، فأنتم أنصاري ، ومجيبو دعوتي ، ومن أوثق حي في العرب في نفسي » (4) ، وفي مقام آخر في صفين ، يسأل ( عليه السلام ) : « لمن هذه الرايات ؟ قلنا : رايات ربيعة ، قال : بل هي رايات الله ، عصم الله أهلها وصبرهم ، وثبت أقدامهم» (5) ، وقال عمرو بن العاص لمعاوية في صفين : « إن أصبحت ربيعة متعطفين حول علي تعطف الإبل حول فحلها ، لقيت منهم جلاداً صادقاً ، وبأساً شديداًً . . . » إلى أن قال النص التاريخي :

---------------------------
(1) مروج الذهب ج2 ص386 وكتاب صفين للمنقري ص402 والأخبار الطوال ص186 .
(2) كشف الغمة للأربلي ج2 ص166 وراجع : الأخبار الطوال ص217 والإرشاد للمفيد ص209 ، وشرح النهج للمعتزلي ج16 ص41 .
(3) كتاب صفين للمنقري ص105 .
(4) المصدر السابق ص287 .
(5) المصدر السابق ص288 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 83 _

   فلما نظر معاوية إليهم قد أقبلوا قال : إن قلت قد ولت ربيعة أقبلت كتائب منهم كالجبال تجالد وكانت النتيجة : » أن فر معاوية عن سرادقه إلى بعض مضارب العسكر ، خوفاً من ربيعة » (1) .
وفي نص آخر : « وذكروا : أن علياً كان لا يعدل بربيعة أحداً من الناس » (2) ، وقد أساءت له مضر (3) وخذلته بسبب ذلك ، ووقفوا على الحياد حتى قال : « أليس من العجب أن ينصرني الأزد وتخذلني مضر ؟ ! » (4) .
   وقال المسعودي : « . . . ولعلي في ربيعة كلام كثير ، يمدحهم فيه ، ويرثيهم ، شعراً ، ومنثوراً ، وقد كانوا أنصاره وأعوانه ، والركن المنيع من أركانه ، فمن ذلك بعض قوله يوم صفين » ثم يذكر الأبيات التي يذكر ويمدح فيها حضين بن المنذر : لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل : قدمها ، حضين تقدما ومن جملتها قوله : جزى الله قوماً قاتلوا في لقائه لدى الموت قدماً ، ما أعز وأكرما وأطيب أخباراً ، وأكرم شيمة إذا كان أصوات الرجال تغمغما ربيعة أعني ، إنهم أهل نجدةٍ وبأسٍ إذا لاقوا خميساً عرمرما (5) كما أننا نجده في حرب الجمل ، قد اشتد حزنه ( عليه الصلاة والسلام ) على من قتلهم طلحة والزبير من ربيعة ، قبل وروده ( عليه السلام ) البصرة ؛ وكان يكثر من قوله :

---------------------------
(1) المصدر السابق ص305 و306 .
(2) المصدر السابق ص308 .
(3) المصدر السابق .
(4) عن شرح النهج للمعتزلي ج4 ص46 .
(5) مروج الذهب ج3 ص48 ، والأبيات موجودة في تاريخ الطبري ج4 ص26 ، وكتاب صفين للمنقري ص289 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 84 _

   يا لهف نفسي على ربيعة ربيعة السامعة المطيعة (1) ولما أراد أهل الكوفة ، بعد موت يزيد بن معاوية لعنه الله تعالى أن يؤمروا عليهم عمر بن سعد لعنه الله ، حتى ينظروا في أمرهم ، جاءت نساء همدان ، وربيعة ، وكهلان ، والأنصار ، والنخع إلى الجامع الأعظم صارخات ، باكيات ، معولات ، يندبن الحسين ، ويقلن : أما رضي عمر بن سعد بقتل الحسين ، حتى أراد أن يكون أميراً علينا ، على الكوفة ؟ ! . . . فبكى الناس ، وأعرضوا عنه » (2) ، وحينما أراد ابن عامر انتخاب ثلاثة آلاف من الشيعة لحرب « الخوارج » ، نجد أن قائده شريك بن الأعور قد ألحّ على فرسان ربيعة [ أي أخرج الأكثر منهم ] الذين كان رأيهم في الشيعة ، وكانت تجيبه العظماء منهم» (3) ، ومهما يكن من أمر ؛ فإن النصوص المتقدمة ، تفيدنا أمرين :
أحدهما : أن ربيعة كانت في جانب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكان لمواقفها النضالية آثاراً عميقة على معاوية ، وعلى سائر خصوم علي ( عليه السلام ) ، وكانت درع علي ( عليه السلام ) ورمحه .
الثاني : أن الحكام الأمويين والعباسيين ، كانوا ـ على حد سواء ـ يكنون الحقد والبغض لربيعة ، بما لا مزيد عليه ، حتى إن هشام بن عبد الملك يرفض الاستعانة بربعي ، ويقول :

---------------------------
(1) مروج الذهب ج2 ص369 .
(2) مروج الذهب ج2 ص105 ومقتل الحسين للمقرم ص246 عنه .
(3) تاريخ الطبري ج4 ص148 وراجع : الكامل لابن الأثير ج4 ص431 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 85 _

   « لا حاجة لي فيه ؛ لأن ربيعة لا تسد بها الثغور » (1) ، وتقدم : أن تثاقل ربيعة عن البيعة ليزيد ، قد نشأ عنه تثاقل العرب عنها ، وهذا ما لا يمكن لمعاوية أن يغفره ، أو أن يتغاضى عنه على الإطلاق ، وتقدم أيضاً : أنهم كانوا أول الناس في بغض معاوية وحربه ، وآخر الناس في سلمهم ، وأن معاوية قد حلف أن يسبي ربيعة ، ويبيع ذراريهم لمسارعتهم إلى علي ( عليه السلام ) ، كما أن العباسيين وأنصارهم يشنون حملات شعواء على ربيعة ، حتى إن الأصمعي يعتبر ربيعة رأس كل فتنة وتقدم رأي علي بن عبد الله بن العباس فيها .
وتقدمت محاورة الرشيد مع يزيد بن مزيد . . . الأمر الذي يدل على أن ربيعة كانت مصدر متاعب كبيرة لأولئك الحكام ، الأمويين والعباسيين على حد سواء ، وأنهم كانوا يرونها مصدر كل بلاء وشر لهم ، وفي كلام الرشيد المتقدم : أن أكثر منابرهم الجذوع ما يفيد أن طلاب الحكم والسلطان في ربيعة كانوا كثيرين ، وإن كانت نهاياتهم هي القتل والصلب في أكثر ، أو في جميع الأحيان . . . وطبيعي أن طلبهم للحكم والسلطان ، وما يلازم ذلك من حركات مسلّحة ، وثورات لم يكن ليحظى بإعجاب السلطات الحاكمة ، ولا ليروق لها .

---------------------------
(1) الأخبار الطوال ، ص340 ، وراجع ص141 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 86 _

  وهكذا.. فإننا بعد كل ما تقدم لا يمكن أن نطمئن إلى صحة تعليلاتهم التي حاولوا بها توجيه كثرة « الخوارج » من ربيعة، مادام أن أصل القول بأن يكون غالب « الخوارج » منهم محل شك وريب كبيريب ، وإن كنا لا نستبعد أن يكون بعض الربعيين قد انضموا إلى صفوف «الخوارج» ، رغبة في حرب الأمويين لأسباب عديدة ، أهمها ما يرونه من انحراف الأمويين عن الإسلام . . .
ثم اضطهادهم لهم بسبب نصرتهم لعلي . . . وكذلك بسبب يمانيتهم ، فقد قال هشام بن عبد الملك : « لا حاجة لي في اليمانية ـ وكان هشام يبغض اليمانية ، وكذلك سائر بني أمية » (1) ، فلأجل قحطانيتهم ، ولأجل أن « الخوارج » اليمانية قد قويت شوكتهم ، ولأن الأنصار محبي علي ( عليه السلام ) كان اكثرهم من اليمانية أيضاً ، نعم من أجل ذلك كله ـ ازاداد كره الأمويين وغيرهم من أعداء علي (عليه السلام) لهم ، فصاروا يصفونهم بالخارجية ربما ليجدوا السبيل لملاحقتهم ، والقضاء عليهم .

---------------------------
(1) الأخبار الطوال ص340 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 87 _

الفصل الثاني
تركيبة الخوارج

ما لابد للباحث من معرفته :
   إن من الأمور الواضحة والمعروفة : أنه إذا كانت فئة من الفئات ذات كيان متكامل ، ولها شخصيتها وأصالتها ، ويعرف كل واحدٍ من أفرادها موقعه ، وحجمه ، وواجباته ، ثم هي تملك القيادة الحكيمة والمجربة ، والموثوق بها . . وفوق ذلك كله . . لها أطروحة تَعْرِفُ أوّلها وآخرها ، وقد اجتمعت عليها قلوبها ، ومشاعرها ، وارتبطت بها ارتباطاً وجدانياً وعاطفياً .
بالإضافة إلى توفر القناعة الكافية بها ، من خلال ما رضيته لنفسها من أدلة وشواهد . . . ويكون كل آحاد تلك الفئة على استعداد لتقديم التضحيات الجلى بالمال وبالنفس في سبيلها ، حيث يملكون قدراً كافياً من الوعي لتلك المبادئ ، والمعرفة بآفاقها والانصهار فيها ، نعم . . .
إن فئة لها هذه المواصفات ، يمكن الاعتماد عليها ، والتعامل معها على أساس ثابت ، ولا توجد مشكلات خطيرة في ذلك . . . وأما حين يكون لكل واحد من أفراد تلك الفئة له أهداف ، وطموحات ، تختلف عن أهداف وطموحات الباقين ، ولا يرتبط بالآخرين إلا من خلال ، ما يجد فيهم من وسيلة ناجحة يمكن استخدامها في سبيل تحقيق ذلك ، وكذلك حين لا يكون ثمة أطروحة جامعة واضحة المعالم ، أو كانت ولكن لا يوجد قدر كاف من الاستيعاب لها ، والتفاعل معها ، والانصهار بتعاليمها ، ولا يريد أحد منهم أن يقدم في سبيلها شيئاً ، بل يريدها هي أن تكون من أجله وفي خدمته ، وأداة لتحقيق مآربه الشخصية ، واذا لزم الأمر فلا مانع من التضحية بها في سبيل تلك المآرب ، وحين يكون كل واحد من الناس لا يعرف موقعه ولا حجمه ، بل هو الذي يعطي الحجم لنفسه ، ويستولى ـ إذا قدر ـ على جميع المواقع ، أو على أي موقع تسنح له الفرصة ويواتيه الظرف للاستيلاء عليه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 88 _

   وكذلك حين يكون مستوى الوعي متدنياً إلى حد لا يمكن لهم تمييز الخطأ من الصواب ، والحق من الباطل ، بل يصبح المعيار في ذلك هو الأهواء ، والمصالح الخاصة ، والانفعالات والعواطف ، والطموحات والأماني . . .
وكذلك حين يكون التباين بين أفراد هذه الفئة هو الحاكم والمهيمن ، فلا يجد أحدهم ولا يحس بشيء يربطه بأخيه ، أو يدفعه لأن يتكامل معه . . . وحين لا يكون من هو في الموقع القيادي قد جمع المواصفات المطلوبة ، ولا حصل على درجة كافية من الإعداد .
ولا بلغ ذلك المقام بصورة طبيعية ، من دون طفرة ، أو استئثار ظالم . . . وحين يكون الجهل والتخلف ، والنزق ، والأهواء ، والانفعالات هو المهيمن على كل المواقف والحركات . . نعم . . إنه حين يكون الأمر كذلك ، فلابد أن نتوقع لهذه الفئة كل شر وبلاء ، وتعب وعناء ، وأن تكون عرضة للزلازل الخطيرة ، وللفجائع العظيمة . . . مادام أنها لابد وأن تجد نفسها إما ألعوبة في أيدي أصحاب المهارات والخبرات ، والذين يملكون الثروة ومصادرها ، والإعلام وأدواته ، والسلطة وقدراتها ، ولا يحجزهم حاجز عن الظلم في سبيل الحصول على الأطماع ، ولهم باع طويل في المكر والخيانة والخداع .
أو تجد نفسها قد أقدمت على أمور مهلكة ، وتتخذ مواقف لا تنسجم مع منطق الحكمة والتعقل ، وتندفع في متاهات ومنحدرات خطيرة ، لا تستطيع الخلاص منها ،وذلك بسبب فقدان الوعي الكافي ، وعدم التروي ، وقلة التدبر ، وعدم التفكير بالعواقب . . . هذا كله بالإضافة إلى أنه :
حين تتضارب مصالح الأفراد ، وأهواؤهم ، فإنهم لابد أن تحدث الانقسامات ، والتباين فيما بينهم ، إن لم ينته ذلك إلى التدابر والتناحر ، وإلى التهاتر ، والجدال والقتال . . ومن ذلك كله . . نعرف : أنه يفترض في أي باحث يريد دراسة حياة الأمم والمجتمعات والشعوب والفئات ، ولكي يحصل على نتائج أقرب إلى الواقع أن يبحث في تركيبة ذلك المجتمع أو تلك الفئة ، ويرصد كل تلك الحالات فيه وفيها ، بدقة وأناة .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 89 _

  وذلك هو ما حدانا إلى الإشارة هنا إلى نبذة توضح لنا التركيبة الاجتماعية ، والفئوية للخوارج ، ولسوف يتضح : أن تأثير هذه التركيبة لم يزل يظهر بوضوح في مجمل مواقفهم ، وحركاتهم ، وحالاتهم ، حتى بالنسبة إلى تعاملهم مع بعضهم ، فضلاً عن تأثير ذلك في عقائدهم ، ومفاهيمهم ، وفكرهم ، وفقههم ، وأدبهم ، وغير ذلك . . فإلى ما يلي من مطالب .

العمريون و « الخوارج » :
   قد تقدم في بعض الفصول : أن « الخوارج » كانوا معجبين جداً بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، وكانوا يعظمونه أشد التعظيم ، وقد أعلنوا في النهروان لعلي وأصحابه بالقول : لسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر بن الخطاب . . .
ولعل هذا القول قد صدر من عرب « الخوارج » ، الذين نالوا في عهد عمر ما لم يكن يخطر لهم على بال في مجال التفضيل على سائر القوميات ، والانتماءات . . .
وقد وجدوا في تاريخهم معه : أنه يأمر عامله على الكوفة بأن يقرب دار ابن ملجم من المسجد ، ليعلم الناس القرآن . . . وابن ملجم هذا هو قاتل علي أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) . . .
فهو إذن يتعاطف مع هذا المبغض والحاقد على علي ( عليه السلام ) كما أن هذا الخليفة بالذات هو الذي هاجم علياً وزوجته ، فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ، بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأسقط جنينها ، وأهانها ، وضربها الأمر الذي انتهى باستشهادها ( صلوات الله وسلامه عليها ) .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 90 _

   فلا عجب بعد هذا إذا رأيناهم يتعاطفون مع ذرية عمر، وتتعاطف ذرية عمر معهم، حتى أن ولده عبد الله بن عمر كان يصلي خلف نجدة الحروري ، والحجاج . . . وقد بايع أحد أحفاد عمر ، الضحاك بن قيس الخارجي ، وبقي والياً على واسط من قبل الضحاك هذا (1) ، وقد مال عبد الله بن محمد [ حفيد عبد الله بن عمر ] ، وابن حفيد عمر بن الخطاب إلى « الخوارج » أيضاً (2).
فيا سبحان الله ـ ذرية بعضها من بعض ! ! تعقيب على سياسات عمر العنصرية : ومن المعلوم : أن عمر بن الخطاب قد انتهج سياسات خاصة تجاه غير العرب . . . تتمثل في تفضيل العرب عليهم في مختلف الجهات . . . ومنها العطاء ، والإرث ، والزواج ، والمناصب ، وحتى في الصلاة ، والعبادة ثم في تشييع جنائزهم بعد موتهم . . . وما إلى ذلك .
وقد لاقت هذه السياسات رضى لدى العرب ، الذين أحبوا عمر لأجلها ، وانقادوا له واتخذوه مثلاً أعلى ، وأصبح قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع ، بل ويؤوّل الشرع والدين ليتوافق مع ما يريده عمر ، أو يميل إليه . . . وقد أوضحنا هذه السياسات بصورة معقولة ومقبولة في كتابنا : « سلمان الفارسي في مواجهة التحدي » ، فليرجع إليه من أحب التفصيل .

---------------------------
(1) الخوارج والشيعة ص102 .
(2) الخوارج والشيعة ص109 عن تاريخ الأمم والملوك ـ ط ليدن ج2 ص1012 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 91 _

   ولأجل هذه السياسات وما نشأ عنها رجحنا أن يكون « الخوارج » الذين أحبوا عمر ، وعظموه ، هم خصوص العرب منهم . . . أكثر من الموالي ، الذين لم يكن لهم أي شأن في حكومة الذين سبقوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
وكانوا محرومين من أبسط حقوقهم .

« الخوارج » عرب وموالي :
   ومهما يكن من أمر . . فإن ملاحظة تركيبة «الخوارج» تعطينا : أنهم كانوا في وقت ما خليطاً من الأعراب والموالي : «والموالي أشجع الخوارج ، وأشدهم جسارة» (1) ولعل ذلك يرجع إلى حالة نفسية نشأت عن معاملة الفاتحين والمتسلطين للموالي قبله ( عليه الصلاة والسلام ) ، حيث كانوا يحتقرونهم ، ويحرمونهم من أبسط الحقوق . . . وعلى كل حال : فقد خرج أبو مريم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) « في أربع مئة من الموالي والعجم ، ليس فيهم من العرب إلا خمسة من بني سعد ، وأبو مريم سادسهم ، فقضى عليهم أمير المؤمنين ، ولم يسلم منهم سوى خمسين قد استأمنوا إليه ، وأربعين من جرحاهم ، داواهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وأطلق سراحهم » (2) ، بل لقد زعم اليزيدية ـ وهم شعبة من الإباضية ، كما يقال ـ :

---------------------------
(1) تاريخ اليعقوبي ج2 ص262 وراجع : الكامل لابن الأثير ج3 ص373 .
(2) أنساب الأشراف ـ بتحقيق المحمودي ج2 ص486 وراجع : البحار ـ ط قديم ج8 ص570 والكامل لابن الأثير ج3 ص373 ونسب قريش لمصعب الزبيري ص486 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 92 _

   « أن الله تعالى سيبعث رسولاً من العجم ، وينزل عليه كتاباً قد كتب في السماء ، وينزل عليه جملة واحدة ، ويترك شريعة المصطفى ، وهم يتولون المحكمة الأولى ، والإباضية ، ويبرؤون من غيرهم من الخوارج» (1) .

عصبية العرب « الخوارج » ضد إخوانهم :
   ومراجعة التاريخ تعطينا : أنه قد كان بين هذين الفريقين من « الخوارج » ـ العرب والموالي ـ منافسة قوية ، وعصبية عرقية طاغية ، إلى درجة أنها تسببت بمشاكل كبيرة فيما بينهم ، يكفي أن نذكر : أن الحرب التي دارت بين قطري بن الفجاءة ومن معه من العرب من جهة ، وبين عبد ربه الصغير ، ومن معه من القراء ، وجلّهم من الموالي والعجم ، وكان منهم هناك ـ أي في مدينة « جيرفت » ثمانية آلاف ـ من جهة آخرى . . . إن هذه الحرب قد أسفرت عن ألفي قتيل ، وانتهت بإخراج العجم للعرب من مدينة « جيرفت » ، وأقام عبد ربه بها ، كما سيأتي في ما يلي من فصول (2) ، وقد يستفاد من بعض النصوص : أن عصبية العرب لجنسهم ، كانت أشد وأعمق ، وكانوا يحتقرون الموالي إلى درجة كبيرة (3) .

---------------------------
(1) الملل والنحل ج1 ص136 ومقالات الإسلاميين ج1 ص171 والفرق بين الفرق ص279 والحور العين ص175 وستأتي إنشاء الله مصادر أخرى .
(2) ستأتي مصادر عديدة لذلك ، وراجع : الكامل في الأدب ج3 ص393 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص204 .
(3) راجع : فجر الإسلام ص262 أيضاً .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 93 _

  والظاهر أن سبب ذلك هو شدة تأثير سياسات الخليفة الثاني فيهم ، حيث كانوا يحترمونه ، ويقدرونه كثيراً كما قلنا ، ومن شواهد ذلك ما روي من أن رجلاً من الموالي خطب امرأة خارجية ، فقالوا لها : « فضحتنا » (1).
   وقد أنكر قطري بن الفجاءة أن يكون قد أفسد ابنه بشيء من هذه الأعاجم ، ومن هذه السبايا ، وقال مخاطباً جرموز المازني : « معاذ الله ، أمه الوجناء بنت الجبناء . . . ثم قال : يا جرموز ، إن به العلامة التي بنا أهل البيت » يعني الوضح (2) ، وربما تكون عبارته الأخيرة تشير إلى وجود شك في انتساب ولده إليه كما لا يخفى ، الهمج والرعاع في « الخوارج » : ومن جهة ثانية : فقد كان « الخوارج » حشوة ، ومن رعاع الناس ، ومن العبيد . . . فقد قال جارية بن قدامة لأبي مريم : « ويحك ، أرضيت لنفسك أن تقتل مع هؤلاء العبيد ؟ ! والله ، لئن وجدوا ألم الحديد ليُسْلِمُنَّك » (3) ، وحينما أخرج عبد ربه الصغير قطرياً من جيرفت ، وصار بإزائهم ، قال عبيدة بن هلال لقطري : « إن أقمت لم آمن ، هذه العبيد عليك » (4) ، كما أن المهلب بن أبي صفرة ، الذي حارب « الخوارج » في عهد الزبيريين والأمويين على حد سواء ، قد « دسّ الجواسيس إلى عسكر « الخوارج » ؛ فاتوه بأخبارهم ، ومن في قصّاب ، وصباغ ، وداعر ، وحداد ؛ فخطب المهلب الناس ؛ فذكر لهم من هناك ، وقال للناس : عسكرهم ؛ فإذا حشوة (5) ما بين قصّاب ، وصباغ ، وداعر ، وحداد ؛ فخطب المهلب الناس ؛ فذكر لهم من هناك ، وقال للناس :

---------------------------
(1) راجع : فجر الإسلام ص262 والخوارج عقيدة وفكراً وفلسفة ص69 عن مقالات الإسلاميين ج1 ص161و162 وفيه : أن ذلك هو سبب الخلاف الذي أحدثه نافع بن الأزرق .
(2) البرصان والعرجان ص67و68 .
(3) أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص486 .
(4) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص204 والكامل في الأدب ج3 ص293 .
(5) الحشوة : رذال الناس .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 94 _

أمثل هؤلاء يغلبونكم على فيئكم ؟ » (1) ، وقال المهلب لعسكره في خطبة له أيضاً : «. . . فألقوهم بجدٍّ وحد ، فإنما هم مهنتكم وعبيدكم ، وعار عليكم الخ . . . » (2) .
ولما اختلف أمر الخوارج ، قال المهلب لأصحابه في جملة كلام له : « . . . وإنما بين أيديكم عبد ربه في خشارٍ من خشار الشيطان » (3) ، ومما يصدق قول المهلب : أن زعماءهم كانوا من هؤلاء ، فإن عبد ربه الصغير ، كان معلم كتاب ، وعبد ربه الكبير كان بائع رمان (4) ، كما أن عبيدة بن هلال اليشكري ، أحد زعمائهم ، قد اتهم بامرأة حدادٍ كان يدخل عليها بلا إذن ، فدبر هو وقطري بن الفجاءة الحيلة للخلاص من الورطة ، فكان لهما ما أرادا (5) ، فإذا كان الزعيم الكبير فيهم يتهم بامرأة حداد ، فلابد أن يكون المحيط الذي يعيش فيه لا يستغرب ولا يأبى دخوله على بيت الحداد فيهم ، فقد يدل ذلك على أن قيادييهم كانوا في مستويات لا تبتعد كثيراً عن مستوى الحداد ، وبائع الرمان .

---------------------------
(1) الكامل للمبرد ج3 ص314 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص147 .
(2) الكامل للمبرد ج3 ص316 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص148 .
(3) الكامل للمبرد ج3 ص395 والعقد الفريد ج1 ص223 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص206 .
(4) شرح النهج للمعتزلي ج4 ص204 .
(5) راجع : الكامل للمبرد ج3 ص391 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص203 وقد ذكرنا هذا الحديث في فصل زهد الخوارج .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 95 _

  وحينما أرسل أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) معقلاً لقتال الخريت الخارجي ، قال معقل لمن معه : « وأبشروا في قتالكم بالأجر ، إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين ، وعلوجاً كسروا الخراج ، ولصوصاً ، وأكراداً » (1) ، ويقول المؤرخون : « اجتمع على الخريت الناجي علوج من أهل الأهواز كثير ، أرادوا كسر الخراج ، ولصوص ، وطائفة أخرى من العرب ، ترى رأيه ، وطمع أهل الخراج في كسره ؛ فكسروه ، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس الخ . . . » (2) ، وقد تحدثنا في فصل : « زهد الخوارج حقيقة أم خيال » عن أطماع الخوارج ، وتأثيرها في اندفاعهم في الحروب ، واتخاذ المواقف القوية والصارمة . . كما أن في سائر فصول الكتاب شواهد أخرى تدل على واقع الخوارج ، وحقيقة تركيبتهم ، ومستوياتهم الفكرية ، وطموحاتهم . . لحقوا ب ـ « الخوارج » فراراً من الحجاج : وقد انضم إلى شبيب في بعض البلاد ناس كثيرون ، بعضهم كان الحجاج يطلبهم بمال ، أو تباعات [ ثارات ] (3) .

تركيبة « الخوارج » عند الجاحظ :
   قال الجاحظ : « العلة التي عمت الخوارج بالنجدة ، استواء حالاتهم في الديانة ، واعتقادهم أن القتال دين ؛ لأننا حين وجدنا السجستاني ، والخراساني ، والجزري ، واليمامي ، والمغربي ، والعماني ، والأزرقي ، منهم والنجدي ، والإباضي ، والصفري ، والمولى والعربي ، والعجمي والأعرابي ، والعبيد ، والنساء ، والحائك والفلاح . . . كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب ، وتباين البلدان ، علمنا :

---------------------------
(1) البداية والنهاية ج7 ص318 وراجع : تاريخ الأمم والملوك ج4 ص95 .
(2) الكامل في التاريخ ج3 ص367 وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص93 .
(3) الخوارج والشيعة ص94 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 96 _

  أن الديانة سوّت بينهم ، ووفقت بينهم في ذلك » (1) ، ونحن لا نوافق الجاحظ على زعمه : أن الديانة هي الباعث لهم على القتال ، فإن الوقائع قد أثبتت : أن المطامع والأهواء قد كان لها تأثيرها القوي في اندفاعهم في الحرب ، بالإضافة إلى التهور والحماس من قبل أحداث تغرهم الشعارات البراقة ، وتستهويهم المظاهر الخادعة ، ويهتمون باتخاذ المواقف الحادة ، وليس لديهم أحلام أي عقول تهيمن على سلوكهم ، وتحدّ من طغيان الهوى ، وتغلب دواعي الهياج .
ولا توجد حدود وضوابط تحكم تصرفاتهم ، وتضبط مواقفهم ، وترشد حركتهم ، وتقدم وسيأتي بعض الحديث عن شجاعتهم إن شاء الله تعالى ، لاصة لما سبق:
   وبعد . . فإننا إذا أردنا تلخيص ما تقدم في نقاط جامعة ، فإن النتيجة تكون هي أن « الخوارج » كانوا خليطاً من فئات شتى ، ويمكن أن نجملها على النحو التالي : وفقاً لما جاء في النصوص المتقدمة :
1 ـ عرب .
2 ـ عجم .
3 ـ موالي .
4 ـ عبيد ومهنة .
5 ـ حشوة من الناس ، ما بين قصاب .

---------------------------
(1) رسائل الجاحظ ج1 ص51 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 97 _

6 ـ وصباغ .
7 ـ وداعر .
8 ـ وحداد .
9 ـ خشار .
10 ـ معلم كتّاب .
11 ـ بائع رمان .
12 ـ علوج .
13 ـ لصوص .
14 ـ أكراد ، سجستاني ، خراساني ، جزري ، يماني ، مغربي ، عماني ، والخ . .
15 ـ شباب أحداث .
16 ـ أعراب جفاة .
17 ـ مطلوبون بمال .
18 ـ مطلوبون بثارات .
19 ـ حائك .
20 ـ فلاح .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 98 _

الفصل الثالث
ميزات وخصائص

الغباء والسطحية :
   وبعد فإن نظرة فاحصة على بعض ما كان للخوارج من مميزات وخصائص ؛ تجعلنا نخرج بحقيقة : أنهم كانوا ، حتى بعد مرور عشرات بل مئات السنين لايزالون أعراباً جفاةً ، يهيمن عليهم الجهل ، والأمية والقسوة ، ومن سماتهم الغلظة ، والجفاء ، ويتميزون بسذاجة وسطحية ، جعلتهم يفقدون المناعة الكافية في مقابل خصومهم ، الذين وُجِد فيهم من يعرف كيف يستغل هذه الجهالة وتلك السذاجة ، ويستفيد من تلكم السطحية ؛ كحربة ماضية ، وسيف قاطع ضدهم .
فترى المهلب كان يكثر من الأكاذيب ، التي تفرق كلمتهم ، وتشتت شملهم حتى عرف بذلك (1) وحتى ليقول الزمخشري : « راح يكذب ، لقب المهلب ، لأنه كان يضع الحديث أيام « الخوارج » ، فإذا رأوه قالوا : ؤراح يكذب. قال وائلة السدوسي : أعور مشنوء يخالف قوله كما وصفوه : إنه راح يكذب (2) نعم هذا هو حالهم ، مع ان من شأن المواجهة الطويلة مع الخصوم أن تصقل الفكر العقائدي لأية فرقة كانت ، وتؤثر على سلوكها ، وأخلاقياتها ، وتركز فيها ـ ولو شكلياً ـ حالة من النضج التنظيمي ، والسلوكي ، والفكري والسياسي ، وإدراك المناورات السياسية . . . ولكن « الخوارج » لم يدخلوا تحت هذه القاعدة ؛ حيث إنهم ، رغم تطاول الزمن عليهم ، ومرور عشرات بل مئات السنين على ظهورهم ، لم يسجلوا تقدماً يذكر في أي من هذه المجالات . . . لا جامعة فكرية أو عقائدية : ومن جهة أخرى . . فإن من المعلوم والواضح : أن « الخوارج » لم تكن تجمعهم أصالة فكرية عقائدية، لعدة أسباب وعوامل ، نذكر منها :

---------------------------
(1) راجع : ترجمة المهلب في : وفيات الأعيان ج2 ص146 وفي تهذيب التهذيب ج10 ص330 والكامل للمبرد ج3 ص319/318 والإصابة ج3 ـ ص36 وتقريب التهذيب ج2 ص280 .
(2) ربيع الأبرار ج2 ص369/370 وراجع : فجر الإسلام ص261 عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص386 ومصادر ذلك كثيرة ، ولذا فلا حاجة إلى إيرادها .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الحزء الثاني _ 99 _

1 ـ إنهم كانوا شكاكاً .
2 ـ إنهم كانوا أصحاب أطماع دنيوية ، وإن كانت ملونة بلون الإيمان وملبسة بلباس الدين .
3 ـ إن الشيطان قد غرهم ، وزين لهم المعاصي .
4 ـ إن الشيطان قد زين لهم أنهم ظاهرون ومنتصرون .
5 ـ إنهم محكومون لعصبياتهم القبلية ، ولمفاهيمهم الجاهلية .
6 ـ إنهم خيابون عيابون ، حسبما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) .
7 ـ إنهم كانوا أخلاطاً من الناس ، لا تجمعهم رابطة ، ولا يهيمن عليهم سلطان .
8 ـ إن مواقفهم كانت عفوية ، ومرتجلة ، لم يكن يسبقها تخطيط دقيق ، لأنها كانت في الأكثر استجابة لحالات من الحنق والحقد ، الذي أعمى بصائرهم قبل أبصارهم .
9 ـ ثم هناك حالة الجفاء والغلظة التي كانت تقلل من فرص التفاهم والانسجام فيما بينهم .
10 ـ يضاف إلى ذلك جهلهم الذريع ، وأميتهم القاتلة ، فلم يكونوا يستضيئون بنور العلم ، ولا يستندون إلى ركن وثيق ، وهذا ما جعل الشعارات البراقة تستهويهم ، وتدفع بهم إلى مزيد من التصلب والجرأة ، وإن كانوا لا يفقهون كثيراً مما ترمي إليه تلك الشعارات ، وليس لديهم القدرة على التعمق فيها ، ولا على مناقشتها ، ويكفي أن نذكر : أنه قد «ظل صوت التحكيم يتردد في سماء معارك «الخوارج» ، ويردده شعراؤهم ، بعد أن استحوذ على عقولهم ومشاعرهم طوال العصر الأموي ، فكانوا يشحذون به حماس عساكرهم ، ويلهبون عواطف أصحابهم في كل موقعة ، وعند كل لقاء» ، ولكن هل درسوا هذا الشعار ؟ ! وهل فهموا ما قاله علي (عليه السلام) وأصحابه لهم حوله ؟ ! وهل أعدوا أجوبة على تلك النقوض التي أوردوها عليهم . . هذا ما لم يكن أبداً .