وقال المسعودي عن صاحب الزنج : « . . . ظهر من فعله ، ما دل على تصديق ما رمي به، أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج ، لأن أفعاله في قتل النساء ، والأطفال ، وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه » (1) ، ويكفي أن نذكر : أن حرب النهروان إنما نشأت عن إفسادهم في الأرض ، وقتلهم عبد الله بن خباب ، وبقرهم بطن زوجته التي كانت حاملاً ، وقتلوا نسوةً ورجالاً آخرين كما تقدم ، وقد قال عمر بن عبد العزيز لشوذب الخارجي : « . . فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي ، حين خرج من البصرة ، هو وأصحابه ، يريدون أصحابكم في الكوفة ؛ فمروا بعبد الله بن خباب ، فقتلوه ، وبقروا بطن جاريته ، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة ، فقتلوا الرجال ، وأخذوا الأموال ، وغلوا الأطفال في المراجل ، وتأولوا قول الله : ( إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) (2) ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة الخ » (3) .
   ونستطيع أن نعرف : مدى قسوتهم ، وإمعانهم في ارتكاب الجرائم ، التي يندى لها جبين كل إنسان ألماً وخجلاً ، مما سجله التاريخ لنا من مذاهب وآراء اعتقادية لهم ، حيث إنها غريبة عن الفطرة ، وعن العقل ، وعن الإنسانية ، وهي تعبير صادق عن عميق حقدهم ، وبالغ همجيتهم ووحشيتهم ، وبعدهم كل البعد عن أي من المعايير الإنسانية ، والفضائل الأخلاقية . . .

---------------------------
(1) مروج الذهب ج4 ص108 ، وبهج الصباغة ج7 ص166 عنه .
(2) سورة نوح / 27 .
(3) جامع بيان العلم ج2 ص129 ومروج الذهب ج3 ص191 وبهج الصباغة ج7 ص113 عنه وعن العقد الفريد .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 26 _

  الحقد الدفين هو الدافع : ولم تكن مواقفهم وممارساتهم القاسية تلك بدافع ديني ، يوجبه الالتزام بتعاليم شرعية بنظرهم . . . وإلا لما كان ثمة مبرر لغلي الأطفال في المراجل ، ولا لفرارهم في الحروب ، والتماسهم الأمان من هذا ، وذاك ، ولا للتخلي عن كل شيء في قبال منصب يتاح لهم ، ولا لغير ذلك مما ذكرناه في هذا الكتاب ، فإن التدين ـ لو كان ـ فلابد أن يترك أثره في جميع تلك الحالات والظروف ، والمواقف . . . وإنما كانت هذه الممارسات القاسية واللاإنسانية ضد خصومهم بدافع التنفيس عن حقد دفين ، يعتلج في صدورهم ، وتشب ناره في أفئدتهم ، وقد عبر الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن هذا المعنى بوضوح تام في جوابه لمن رأى : أن كونهم شكاكاً لا يلائم دعوتهم خصومهم إلى البراز ، فأجابه ( صلوات الله وسلامه عليه ) بقوله : « ذلك مما يجدون في أنفسهم » (1) ، كما أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد وصفهم في ضمن كلام له بأنهم عصابة « طمح بها النزق» (2) ، وأما أسباب الحقد ، فلا تنحصر في أمر المال ، بل هو حقد الفاجر على التقي ، والجاهل اللئيم على العالم الكريم والحليم الجليل ، والخبيث على الطيب ، والمجرم على البريء وما إلى ذلك .

---------------------------
(1) تهذيب الأحكام للطوسي ج6 ص145 وبهج الصباغة ج7 ص168 عنه والوسائل ج11 ص60 .
(2) تاريخ الأمم والملوك ج4 ص62 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 27 _

  صعصعة يصف أحد زعمائهم : ويكفي أن نذكر : أن صعصعة بن صوحان يصف أحد زعمائهم وهو ـ المنذر بن الجارود ـ بقوله : « إنه نظار في عطفيه ، تفال في شراكيه ، تعجبه حمرة برديه » ، وقد قال صعصعة ذلك لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) (1) ، فمن تكون صفاته هي هذه كيف يمكن أن يعطى أوسمة التقوى والورع ، والعبادة ؟ هذا ، عمال ليزيد : وقد بلغ بهم حب الدنيا حداً جعل المنذر بن الجارود يتولى الهند من قبل عبيد الله بن زياد ، وذلك في إمرة يزيد ، فمات هناك سنة 61هـ ، تركهم لحدود الله : وقد قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حينما جاؤوه برأس عبد الله بن وهب الراسبي : « قد كان أخو راسب حافظاً لكتاب الله ، تاركاً لحدود الله » (2) .

---------------------------
(1) البيان والتبيين ج3 ص112 وج1 ص99 والحيوان ج5 ص588 .
(2) مروج الذهب ج3 ص47 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 28 _

  التطبيق الانتقائي للأحكام والتساهل فيها : وقد اخذ اتباع شبيب عليه أموراً: منها: أنه كان يستثني قومه من أن يطبق عليهم ما يأمرهم به دين الخوارج ، وأموراً أخرى (1) ، ولاموه كذلك على أنه كان يقبل الاعتراف تقيّةً ، وعلى أنه كان يطلق الأسرى بمجرد قولهم : لا حكم إلا لله ، أو يردد عليهم هذا القول ليخلصهم (2) ، لا يعاقب شارب الخمر لنكايته في العدو : كما أنه لم يعاقب رجلاً في جيشه كان يشرب الخمر ، بحجة أنه كان شديد النكاية على العدو (3) ، محاباة وتساهل والكيل بمكيالين : ومما يشير إلى تساهلهم مع بعضهم البعض : أن قطري بن الفجاءة ـ كما يقول البعض ـ كان : « لا يؤمن بالقعود عن الشراية والجهاد ، وإذا ما تخلف أحد أتباعه عن هذا الواجب المقدس ، سرعان ما يلاحقه ، ويدفعه إلى ذلك دفعاً ، فحينما قعد أبو خالد القناني بعث إليه بقصيدة يقرعه فيها ، ويحثه على النفير ، ويؤكد له : أن لا عذر لقاعد ، ولا هداية له .

---------------------------
(1) راجع : الخوارج والشيعة ص98 .
(2) الخوارج والشيعة ص98 وأشار إلى تاريخ الأمم والملوك ج2 ص967 .
(3) الخوارج والشيعة ص73 وراجع : العبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص147 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 29 _

  كما بعث قصيدة أخرى لسميرة بن الجعد ، يعاتبه فيها على ركونه لحياة الاستقرار ، وقبوله أن يصبح سميراً للحجاج ، في حين أن رسالة الخارجي هي أن يتمنطق بالسلاح ، ويجالد الفرسان ، ويصبر على شدائد الأمور ، بعد أن يذكره بالسلف الصالح ، ويلفت نظره إلى مصيره المحتوم ، وأنه سيبعث إلى حساب عسير . . . إلى أن قال : فحمل سلاحه ولحق بقطري ، دون أن ينذر الحجاج بذلك الخ» (1) ، وقال في موضع آخر : «. . . ونجد : أن قطري بن الفجاءة ، يعاتب سميرة بن الجعد ، الذي صار نديماً للحجاج ، وغرته مباهج القصر ـ يعاتبه ـ عتاباً لطيفاً ، لا قسوة فيه ، ولا يكفره ، كما يفعل بغيره ، بل يصرح بعدم كفره ، ولكنه يكون قاسياً جداً إذا هجا غير الخوارج ، ويكفرهم » (2) ، ومعنى ذلك هو أن القضية بالنسبة إليهم ليست قضية دين ، والتزام بأحكام الشرع بقدر ما هي هوى النفس ، وطموحات يريدون تحقيق ما أمكنهم منها . . . ومهما يكن من أمر : فإن كونهم متكلِّفين في دينهم ، يظهرون منه خلاف ما يبطنون ، وكون دينهم تبعاً لأهوائهم ، هو الظاهر من مجمل مواقفهم وممارساتهم ، ويبدو أن ذلك كان واضحاً ومعروفاً منذ أوائل ظهورهم ، كما صرح به أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) في أكثر من مورد ومناسبة ، حسبما اتضح ، كما أن الفزر بن مهزم العبدى يقول : وشدوا وثاقي ثم الجوا خصومتي إلى قطري ذي الجبين المغلق وحاججتهم في دينهم وحججتهم وما دينهم غير الهوى والتخلق(3).

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص261/262 .
(2) المصدر السابق ص279/280 وراجع : مروج الذهب ج3 ص136/137 .
(3) الكامل في الأدب ـ ج3 ص337 وراجع : شرح النهج للمعتزلي ج4 ص161 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 30 _

الباب السادس
الخوارج طلاب ملك ودنيا

الفصل الأول
الخوارج في العهد الأموي

في العهد الأموي :
   بعد وفاة وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبعد خروج الأمر من يد ولده الحسن المجتبى ( عليه السلام ) إلى معاوية بن أبي سفيان بصورة كاملة ، أخذ « الخوارج » على عاتقهم مهمة قتال الأمويين بكل عنف وقسوة . . وقد كانت أهم حركاتهم وأخطرها ، وأشدها ضراوة هي تلك التي كانت في عهد بني أمية بالذات . . أما بعد ذلك فقد خبا وهجهم ، وتقاصر مدهم ، وذبلت زهرتهم ، كما سنرى ، بين عهدين : ولا شك في أن « الخوارج » هم الفرقة المارقة ، التي أخبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن ظهورها . . ولا توجد أية فرصة لتأويل الأحاديث الواردة في حقهم ، إذ أن الأمر قد حسم منذ بداية ظهورهم ، بسبب الإخبارات الغيبية التي أعلنها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في الناس ، وظهر صدقها بصورة لا تقبل أي تأويل أو احتمال ، خصوصاً فيما يرتبط بحديث ذي الثدية ، وكونه منهم وفيما بينهم ، كما أكدته الأحداث بصورة قاطعة .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 31 _

  ولعله لولا هذا وذاك ، لما استطاع الكثيرون أن يكتشفوا حقيقتهم ، ولما أمكن أن ينقادوا حتى لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حربهم ، أو أن يتوفر لهم التصديق بضلالهم ، والتسليم بمروقهم من الدين ، لكن الأمر بعد عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد خرج عن هذا الإطار ، فإن أمر الأمويين كان كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار ، والشعارات الدينية التي كان « الخوارج » يطلقونها ، ووعودهم بإشاعة العدل ، وإعلانهم لرفض الظلم ، كان من شأنها أن تنعش الآمال لدى الكثيرين ، بالتخلص من الظلم المر ، ومن الإذلال والقهر ، الذي كان يمارس ضدهم في ظل الحكم الأموي ، ويشير إلى ذلك ما روي من أن عبد الله بن أبي أوفى حينما علم بقتل الأزارقة لوالد سعيد بن جهمان لعنهم ، وأخبر سعيداً بقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنهم كلاب النار ، قال سعيد : قلت : الأزارقة وحدهم ، أم « الخوارج » كلها ؟ قال : بل « الخوارج » كلها ، قال : قلت : فإن السلطان يظلم الناس ، ويفعل بهم ، قال : فتناول يدي إلخ (1) ، سَبي « الخوارج » : ورغم أن الأمويين كانوا ملتزمين بسنة عمر في ما يرتبط بالتأكيد على العرق العربي ، ومنع السبي للعرب ، فإنهم قد خالفوا سنة عمر في ذلك مع « الخوارج » ، فسبوا نساءهم وذراريهم ، واسترقوهم ، ووطأوا نساءهم بملك اليمين .

---------------------------
(1) مسند أحمد ج4 ص382 ومجمع الزوائد ج6 ص232 وج5 باب كيفية النصح للأئمة في الخلافة ، عن الطبراني ، وأحمد ، ورجال أحمد ثقات .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 32 _

  ولم يفعل ذلك بهم علي ( عليه السلام ) ، ولم يكن ذلك هو حكم الله سبحانه فيهم ، قالوا : « كانوا يسبون ذراري « الخوارج » من العرب وغيرهم ، لما قتل قريب وزحاف الخارجيان سبى زياد ذراريهما ، فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما ، وأعطى عباد بن حصين الأخرى ، وسبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري ، وبنت لقطري بن الفجاءة المازني ، فصارت هذه إلى العباس بن الوليد بن عبد الملك ، واسمها أم سلمة ، فوطأها بملك اليمين على رأيهم ، فولدت له المؤمل ، ومحمداً ، وإبراهيم ، وأحمد ، وحصيناً بن عباس بن الوليد بن عبد الملك ، وسبي واصل بن عمرو القنا ، واسترق ، وسبي سعيد الصغير الحروري واسترق الخ . . . » (1) ، جاء الآن ما لاشك فيه : أما بالنسبة للخوارج أنفسهم ، فإن الأمور كانت واضحة جداً لهم ، فإنه إذا كان لديهم شك في القتال ضد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث إن مواقفه الرائدة ، وجهاده الفذ في سبيل الله ، وفضائله الظاهرة ، وكراماته الباهرة ، وأقوال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيه ـ قد طبقت الآفاق ، فإنهم لا يمكن أن يشكوا في قتال بني أمية ، وهم القائلون حينما تولى معاوية الحكم : « قد جاء الآن ما لاشك فيه » كما تقدم ، وقد قال صخر بن عروة : « إني كرهت قتال علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) ، لسابقته ، وقرابته ، فأما الآن ، فلا يسعني إلا الخروج » .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص241و242 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 33 _

نقاط ضعف « الخوارج » :
   ولكن الملاحظة الجديرة بالتسجيل هنا هي : أن ما يظهر منهم من شدة وقسوة كثيراً ما يكون من أجل الحصول على شيء من حطام الدنيا ، فكانوا يقاتلون على القدح يؤخذ منهم ، أو على السوط ، الأمر الذي من شأنه أن يظهر حقيقة طموحاتهم ، وأنها طموحات إلى أمور دنيوية ، ثم هي طموحات إلى أمور تافهة وحقيرة .
أضف إلى ذلك : أن بعض الأساليب الشنيعة التي كانوا يمارسونها ضد خصومهم كانت تنفر الناس منهم ، وتجعلهم معزولين في محيطهم الخاص ، فلم يكن لهم هيمنة على عواطف الناس ، ولا على مشاعرهم ، وكان التأييد الذي ينالونه سرعان ما يتلاشى ، ويذهب أدراج الرياح ، وليتحول إلى تأييد التقية والخوف ، الأمر الذي كانت له آثار سلبية على مسار الحرب مع الأمويين ، وعلينا أن لا ننسى كثرة انقساماتهم ، وكون تعاليمهم فيها الكثير من القسوة والعنف ، ولاسيما فيما يرتبط بآرائهم وتعاملهم مع غيرهم ، أو مع مرتكب الذنب منهم ، أو من الآخرين . . مع شدة مراعاتهم لأهل الأديان الأخرى ، هذا إلى جانب تأثير الإغراءات التي كان الأمويون يلوحون بها لزعماء القبائل ولغيرهم من طلاب اللبانات ، مع وجود الكثير من القسوة والاضطهاد ، والحرمان من كثير من الملذات إلى جانب « الخوارج » ، فكل ما تقدم وسواه قد ضيع على « الخوارج » فرصاً كثيرة وكبيرة في مواجهتهم لخصومهم من بني أمية وبني العباس ، وإن كان الزخم القوي والعارم ، كان يغطي أحياناً الكثير من حالات النقص الناجم عما ألمحنا إليه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 34 _

« الخوارج » ينهكون الحكم الأموي:
   وإن الآثار السيئة التي تركتها حروب « الخوارج » على الحكم الأموي قد جعلت أبا مسلم الخراساني يتابع انتصاراته على عاملهم نصر بن سيار ، في حين لم يكن مروان الجعدي [الحمار ] قادراً على مدّ يد العون له ، بسبب انشغاله بحرب « الخوارج » (1).
وقد تمكن أبو مسلم بالتالي من القضاء على الحكم الأموي قضاءً مبرماً ونهائياً ، ومن الملامح لصورة ما جرى نذكر هنا : أن الأزارقة : « بايعوا نافع بن الأزرق ، وسموه : أمير المؤمنين ، وانضم إليهم خوارج عمان ، واليمامة ، فصاروا أكثر من عشرين ألفاً ، واستولوا على الأهواز ، وما وراءها من أرض فارس وكرمان ، وجبوا خراجها ، وعامل البصرة يومئذٍ عبد الله بن الحارث الخزاعي ، من قبل عبد الله بن الزبير » (2) ، والضحاك بن قيس أيضاً : « بايعه ماءة وعشرون ألف مقاتل على مذهب الصفرية ، وملك الكوفة وغيرها ، وبايعه بالخلافة وسلّم عليه بها جماعة من قريش » (3) وقتل سنة 128هـ .

---------------------------
(1) البداية والنهاية ج10 ص5 .
(2) الفرق بين الفرق ص85 ، والملل والنحل ج1 ص118/119، وفجر الإسلام ص257/258 .
(3) جمهرة أنساب العرب ص322 والخوارج والشيعة ص103 وتاريخ الطبري ج6 ص16 وراجع الكامل لابن الأثير ج5 ص335 ـ 337 وغيرها ، والعيون والحدائق ص159 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 35 _

  أما نجدة الحروري فقد : « أقام خمس سنين ، وعماله بالبحرين ، واليمامة ، وعمان ، وهجر ، وطوائف من أرض العرض » (1) .
ويقول البلاذري ، عن عبد الله بن الزبير : « أتته الخوارج ؛ فظللهم [ كذا ] (2) .
وعاب قولهم ، حتى فارقه نافع بن الأزرق الحنفي ، وبنو ماحوز ؛ فانصرفوا عنه ، وغلبوا على اليمامة ونواحيها إلى حضرموت، وعامة أرض اليمن » (3) .
وعند المعتزلي : « واستولى نجدة على اليمامة ، وعظم أمره حتى ملك اليمن ، والطائف ، وعمان ، والبحرين ، ووادي تميم ، وعامر » (4) .
وقال فلهوزن : « وتكاد جميع ثورات الخوارج التي نسمع بها في العصر الأموي المتأخر أن تكون قد خرجت من الموصل ، ومن آل بكر» (5) .
ولا ريب في أن سياسة الحكم الأموي تجاه الناس ، قد ساهمت في إقبالهم على الانخراط في صفوف الدعوات المناهضة له ، ومواجهته بالحرب (6) .
وكان « الخوارج » هم الفئة المبادرة في هذا الاتجاه ، فكان الناس يستجيبون لدعواتهم ، ويقاتلون تحت لوائهم ، حتى ليبلغ عدد جيوش « الخوارج » في بعض المعارك مئة وعشرين ألفاً ، كما هو معلوم . .

---------------------------
(1) تاريخ اليعقوبي ج2 ص272/273 .
(2) لعل الصحيح : ضللهم أي حكم عليهم بالضلال .
(3) أنساب الأشراف ج4 ص28 .
(4) شرح النهج للمعتزلي ج4 ص133 .
(5) الخوارج والشيعة ص101 .
(6) الخوارج والشيعة ص94 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 36 _

   ولا مجال هنا لتفصيل حروبهم وحركاتهم العسكرية ضد الأمويين ولاسيما حروبهم مع المهلب بن أبي صفرة ، فإن ذلك يحتاج إلى توفر تام ، وتأليف مستقل ، ولكنها كانت حروباً مرتجلة ، وغير قادرة على إسقاط الحكم الأموي ، وإرساء قواعد حكم جديد لأكثر من سبب وسبب ، كما ربما يتضح في فصول هذا الكتاب ، غير أن مما لاشك فيه هو ان هذه الحروب قد أنهكت الحكم الأموي وأثارت أمامه الكثير من المشكلات ، وواجهته بالعديد من العقبات الحقيقية التي ألحقت الأذى به ، وعجلت عليه . . أهل الكتاب يستعملون نفوذهم : وقد أدرك أحبار أهل الكتاب ممن أظهر الإسلام منهم خطورة ما يواجهه الحكم الأموي ، فبادروا منذ اللحظات الأولى إلى مدّ يد العون له ، وتأييده ، وإضعاف شوكة « الخوارج » باستخدام ما يزعمونه لأنفسهم من هيمنة علمية وثقافية ، فنجد كعب الأحبار يقول :
« للشهيد نور ، ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار ، وكان يقول : لجهنم سبعة أبواب ، ثلاثة منها للحرورية ، قال : ولقد خرجوا في زمن داود النبي » (1) ، ومن الواضح : أن كعب الأحبار لم يكن ليؤيد علياً ( عليه السلام ) في حربه لهم ، لأنه لم يكن من محبيه ولا من مؤيديه ، فهو إنما يتحدث بذلك تأييداً لمعاوية وتقوية له .

---------------------------
(1) المصنف للصنعاني ج10 ص155 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 37 _

الأمويون ، واسم علي ( عليه السلام ) :
   كما أن الملهب بن أبي صفرة ، الذي كان يقاتلهم في العهد الزبيري الأموي قد التجأ إلى رفع شعارات طالما جهد الأمويون والزبيريون معاً على طمسها، والقضاء عليها ، حيث نراه يحاول الاستفادة من اسم ، وعظمة ، وشخصية ، وموقف رجل يعتقد الحكم الأموي والزبيري أيضاً : أن أساس بقائه واستمراره يقوم على محو اسم تلك الشخصية ، وطمس كل فضائلها وكراماتها ، ومحاربة كل ما يرتبط بها . . . ألا وهي شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه الصلاة والسلام ) ، فها نحن نرى المهلب يخطب أصحابه محرضاً لهم على قتال « الخوارج » ، فيقول : « . . . يا أيها الناس ، قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج . . . إلى أن قال : فقاتلوهم على ما قاتل عليه أولهم علي بن ابي طالب ( صلوات الله عليه ) . . . » (1) ، كما أن المهلب هذا قد قال يوماً لأصحابه : «إن هؤلاء الخوارج قد يئسوا من ناحيتكم إلا من جهة البيات ؛ فإن يكن ذلك ، فاجعلوا شعاركم : حم ، لا ينصرون ؛ فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يامر بها . . . ويروى : أنه كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . . . » (2).

---------------------------
(1) الكامل للمبرد ج3 ص315 وشرح النهج ج4 ص148 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج4 ص153 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 38 _

  وروى ابن دريد : أن شعار أصحاب علي ( عليه السلام ) يوم الجمل ، كان : «حم ، لا ينصرون» (1) ، وقد روي : أنه قيل لعبيد الله بن زياد ، بعد موت يزيد، وأفول نجمه : ندمت على ما كان منك ، من قتلك الخوارج ، من أهل البصرة بالظنة والتوهم ؟ فقال : « . . وأما قتلي من قتلت من الخوارج ؛ فقد قتلهم قبلي من هو خير مني علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) » (2) ، فتراه يحتج لصواب فعله ، بفعل العدو الألد له ولكل أسياده ، ومن كانوا يجهدون لطمس كل فضيلة له ، وتشويه سمعته ، ومحو آثاره ، ألا وهو أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .
« الخوارج » . . . وقريش . . . وخزاعة . . . :
   وملاحظة هامة ، لابد منها هنا ، هي : أن عبد المطلب كان قد عقد مع خزاعة حلفاً ، بقي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعمل على الوفاء به ، كما أن خزاعة قد كانت عيبة نصح لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . وبسبب نقض قريش لصلح الحديبية ، بالاعتداء على خزاعة ، كان فتح مكة ، فبقيت قريش تحقد على خزاعة بسبب ذلك كله أشد الحقد . . وقد قال معاوية : « إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني ، فضلاً عن رجالها فعلت » (3) .

---------------------------
(1) الاشتقاق ص145 .
(2) الأخبار الطوال ص284و285 .
(3) صفين للمنقري ص247 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 39 _

  هجرية حين هاجم أبو حمزة الحروري بلاد الحجاز : « اتهمت قريش خزاعة أن يكونوا داهنوا عليهم الحرورية . . . » (1) ، وعلى حد تعبير أبي الفرج حول مهاجمة أبي حمزة لجمع الناس في قديد : « زعم بعض الناس : أن خزاعة دلت أبا حمزة على عورتهم ، وأدخلوهم عليهم ، فقلتوهم ، وكانت المقتلة على قريش ، وهم كانوا أكثر الناس ، وبهم كانت الشوكة الخ . . . » (2) ، وفي نص آخر : إن أبا حمزة حينما واقع أهل المدينة بقديد ، وقتل وأسر منهم الكثيرين : « كان إذا رأى رجلاً من قريش قتله ، وإذا رأى رجلاً من الأنصار أطلقه » (3) ، ويذكرون أيضاً أن عتبان بن وصيلة يخاطب عبد الملك ، فيقول : فإنك إلاّ ترض بكر بن وائل يكن لك يوم بالعراق عصيب فلا ضير إن كانت قريش عدىً لنا يصيبون منا مرة ، ونصيب كما أن شاعراً آخر منهم يفتخر بتحقيق النصر على قريش ، فيقول : ألم تر أن الله أنزل نصره وصلّت قريش خلف بكر بن وائل ولعل ذلك يرجع إلى : أن « الخوارج » اليمانية القحطانية قد قويت شوكتهم ، ولأن الأنصار محبّي علي ( عليه السلام ) ، وأنصاره كانوا يمانية قحطانية أيضاً مثلهم ، أما قريش فكانت عدنانية .

---------------------------
(1) تاريخ اليعقوبي ج2 ص339 وتاريخ الأمم والملوك ج6 ص58 والكامل لابن الأثير ج5 ص389 والأغاني [ط ساسي] ج20 ص100 .
(2) الأغاني ـ ط ساسي ج20 ص100 والعقود الفضية ص201 .
(3) شرح النهج للمعتزلي ج5 ص113 والأغاني ج20 ص102 والعيون والحدائق ص169 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 40 _

   وقد استمر هذا الحقد عشرات السنين ، ففي سنة 130 هذا بالإضافة إلى أنهم : كانوا ينفسون على قريش نفوذها وشوكتها ، وما لها من اعتبار ، ثم ما استأثرت به لنفسها من امتيازات سياسية ، واجتماعية ، واقتصادية بصورة عامة ، ولأن الأمويين كانوا من قريش ـ نعم ولأجل ذلك كله ـ صب أبو حمزة جام غضبه على قريش حينما خرجت لحربه . . . ومن جهة ثانية نلاحظ : أن اليمانية في مصر كانوا على خلاف يمانية المدينة ، حيث يقال : «إن يمانية مصر كانوا يمالئون معاوية ، وعمرو بن العاص ، فبلغ ذلك علياً ( عليه السلام ) الخ . . . » (1) ، وربما يكون سبب ذلك هو : أن أنصار الرسول قد سمعوا من الرسول ما قاله في علي ( عليه السلام ) ، كما أنهم قد عاشوا مع علي وعرفوه ، ورأوا كراماته وفضائله عن كثب . . فأحبوه ، وأيدوه ، وكانوا معه في سلمه وحربه ، بخلاف يمانية مصر ، وهكذا كان الحال بالنسبة لربيعة اليمن فإنها هي وقبائل بني تميم كانت تنفس على قريش الخلافة والسلطان ـ كما سنرى ـ مع أن قبائل ربيعة كانت إلى جانب علي ( عليه السلام ) في حرب صفين ، وقد أثنى عليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهذا يدل على أن الذين كانوا موضع الثناء من أجل الولاء هم من عدا سكان الجزيرة ، وبعض اليمن ومن ربيعة ، في العهد العباسي : ولم يكن نصيب العباسيين من « الخوارج » بأقل من نصيب أسلافهم الأمويين ، حيث حاربهم « الخوارج » في عدد من المناطق .

---------------------------
(1) تاريخ اليعقوبي ج2 ص194 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 41 _

  فقد حاربوهم في عمان سنة 134هـ وقتل منهم العباسيون عشرة آلاف ، ثم حاربوهم في الجزيرة سنة 137هـ ، وفي نواحي الموصل سنة 148هـ ، وفي خراسان سنة 160هـ ، وفي الموصل والجزيرة سنة 168هـ حيث خرج فيها يسر التميمي ، واستولى على أكثر ديار ربيعة ، وعلى الجزيرة ، ثم خرج بالجزيرة سنة 169هـ حمزة بن مالك الخزاعي ، وخرج الصحصح بالجزيرة ، واستولى على أكثر ديار ربيعة ، فوجه إليه الرشيد من قتله سنة 171هـ ، وفي سنة 178هـ خرج الوليد بن طريف بالجزيرة ، فقتله يزيد بن مزيد (1) ، وقد كانت ثورته قوية ، ومخيفة للحكم العباسي ، حتى قال مسلم بن الوليد الأنصاري ، يمدح يزيد بن مزيد الذي كان يكنى في الحرب بأبي الزبير ـ يمدحه على انتصاره على الوليد : لولا سيوف أبي الزبير وخيله نشر الوليد بسيفه الضحاكا وفيه يقول : لولا يزيد وأيام له سلفت عاش الوليد مع الغاوين أعواما الأبيات (2) .

---------------------------
(1) راجع ضحى الإسلام ، ج3 ص337ـ339 وتاريخ ابن خلدون ج3 ص167ـ169 .
(2) البيان والتبيين ، ج1 ص342 وراجع : وفيات الأعيان ج6 ص328 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 42 _

  ويذكر من ثورات « الخوارج » هنا أيضاً : « أتباع حمزة بن أكرك ، الذي عاش في سجستان ، وخراسان ، ومكران ، وقهستان ، وهزم الجيوش الكثيرة . . إلى أن قال : وكان ظهوره في أيام هارون الرشيد ، سنة تسع وسبعين وماءة ، وبقي الناس في فتنته إلى أن مضى صدر من أيام خلافة المأمون » (1) ، نعم . . وقد حكم « الخوارج » ـ ولاسيما الإباضيون منهم ـ بعض البلاد مدداً طويلةً نسبياً ، أو قصيرة ، ومن ذلك سيطرتهم على عسكر مكرم ، في كرمان ، وحضرموت ، وعمان ، واليمن ، وغير ذلك مما تقدم ، ومن أراد الاطلاع على المزيد فعليه بمراجعة كتب التاريخ وغيرها ، قال ابن خلدون : « وانقرضت كلمة هؤلاء بالعراق والشام ، فلم يخرج بعد ذلك إلا شذاذ متفرقون ، يستلحمهم الولاة بالنواحي ، إلا ما كان من خوارج البربر بأفريقية الخ . . . » (2) ، وقال المسعودي : « خرج منهم بديار ربيعة على بني حمدان ، وذلك في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ، وهو المعروف بعرون ، وخرج ببلاد كفرتوتي ، وورد إلى نصيبين ، فكانت له مع أهلها حرب أسر فيها وقتل منهم خلق عظيم . . . والمعروف بأبي شعيب ، خرج في بني مالك وغيرهم من ربيعة ، وقد كان أدخل على المقتدر بالله .

---------------------------
(1) الفرق بين الفرق ص98ـ99 .
(2) تاريخ ابن خلدون ج3 ص169 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 43 _

  وقد كان بعد العشرين والثلاثمئة للإباضية ببلاد عمان مما يلي بلاد بروى وغيرها حروب ، وتحكيم ، وخروج ، وإمام نصبوه ؛ فقتل ، وقتل من كان معه . . . » (1) ، هذا . . . ويعدون في جملة ثورات «الخوارج» في العهد العباسي ثورة صاحب الزنج التي استمرت حوالي أربعة عشر عاماً ، وقالوا : إن قائد الثورة ، وهو علي بن محمد كان خارجياً أزرقياً (2) ، ولكن الظاهر هو : أن ذلك غير دقيق ؛ فإن هؤلاء إنما ثاروا بسبب الظلم الذي حاق بهم ، لا من جهة قولهم بمقالة « الخوارج » . . . وقد اختلف في رئيسهم ، وقد وصل نسبه بعلي ( عليه السلام ) ، وربما يقال بأنهم إسماعيلية ، وقد تكون نسبتهم إلى الأزارقة تهدف إلى تهجين أمرهم ، وحمل الناس على تصديق ما ينسبونه إليهم من أنهم قد ارتكبوا جرائم بشعة لا يرتكبها إلا الأزارقة من « الخوارج » ، فنسبوهم إلى هذه النحلة من أجل ذلك ، « الخوارج » في الشمال الأفريقي : قال ابن خلدون بالنسبة لـ : « خوارج البربر بإفريقية ؛ فإن دعوة الخارجية فشت فيهم ، من لدن مسيرة الظفري سنة ثلاث وعشرين وماءة ، ثم فشت دعوة الإباضية والصفرية منهم في هوارة ، ولماية ، ونغزة ، وفعيلة ، وفي مغراوة ، وبني يفرن من زناته ، حسبما يذكر في أخبار البربر لبني رستم من « الخوارج » بالمغرب دولة في تاهرت من الغرب الأوسط نذكرها في أخبار البربر أيضاً .

---------------------------
(1) مروج الذهب للمسعودي ج3 ص139 .
(2) راجع : إسلام درايران ص67 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 44 _

   ثم سار بإفريقية منهم على دولة العبيديين خلفاء القيروان أبو يزيد بن مخلد المغربي ، وكانت له معهم حروب وأخبار نذكرها في موضعها ، ثم لم يزل أمرهم في تناقص إلى أن اضمحلت ديانتهم ، وافترقت جماعتهم ، وبقيت آثار نحلتهم في أعقاب البربر الذين دانوا بها أوّل الأمر ، ففي بلاد زناتة بالصحراء منها أثر باق لهذا العهد في قصور ربع وواديه وفي مغراوة من شعوب زناته ويسمعون الراهبية » (1) ، نسبة إلى عبد الله بن وهب الراهبي أول من بويع منهم أيام علي بن أبي طالب ، وهم في قصور هنالك مظهرين لبدعتهم لبعدهم عن مقال أهل السنة والجماعة ، وكذلك في جبال طرابلس وزناته أثر باق من تلك النحلة ، يدين بها أولئك البربر في مجاورة لهم مثل ذلك (2) ، وقالوا أيضاً : « وقد دخل مذهب الخوارج إلى المغرب في النصف الأول ، من القرن الثاني الهجري في صورة الإباضية والصفرية ، وانتشر بسرعة بين البربر ، حتى أصبح المذهب القومي لهم » (3) ، ويقول هنري ماسيه : « . . . وفي أيام آخر الخلفاء الأمويين كان الصفرية منتشرين في جميع بلاد الإسلام ، بما في ذلك المغرب ؛ حيث آزروا الإباضية في ثورة البربر العامة» (4) ، وقد ثار « الخوارج » في المغرب [تونس وما حولها] ، من صفرية وإباضية ، وانضم كثير من البربر إلى « الخوارج » ، واستولى « الخوارج » على القيروان . . . حتى أخرجها [ أخرجهم منها ] منهم يزيد بن حاتم بن قبيصة ، الذي أرسله المنصور العباسي ، وقتلهم ، بعد معارك دامت نحو خمسة عشر سنة .

---------------------------
(1) لعل الصحيح : الواهبية او الوهبية نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي ، كما هو الصحيح والراهبي تصحيف .
(2) تاريخ ابن خلدون ج3 ص169 .
(3) دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص13 .
(4) الإسلام ص187 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 45 _

  وقد قيل : إن مجموع المعارك التي دارت بين « الخوارج » من لدن ظهورهم إلى أن قضي عليهم قد بلغت نحواً من [ 375 ] معركة (1) ، ويقولون أيضاً : «. . . وقد تنازع الصفرية والإباضية على القيروان ، التي كان يحكمها رجل إباضي ، اسمه ابن رستم ، وبعد ذلك بقليل استولى الخوارج على أفريقيا الشمالية كلها ، ولم يتوصل العباسيون إلى إقرار النظام إلا في عام 772 ميلادية » (2) ، كما أن بعض أسر « الخوارج » : « قد حكمت تاهرت لأكثر من [130] عاماً ، حتى أزالهم الفاطميون ، فتفرقوا في صحراء تونس ، والجزائر ، وجربا ، ولا يزالون يعيشون في هذه المناطق حتى الآن » (3) ، ويقول ألفرد بل : « . . . ومن ناحية أخرى ، عاشت دويلات صغيرة بربرية خارجية ، بعد هزيمة سنة 124هـ ، وأمكن قيامها في النواحي الأقل تعرضاً لضربات الولاة العرب ، مثال ذلك المملكة الصفرية ، التي لم تعش إلا قليلاً جداً ، والتي أنشأها أحد البربر ، وهو أبو قرة في منطقة تلمسان وملوية ، أو دولة بني مدرار في تافيلالت التي عاشت أطول منها » (4) .

---------------------------
(1) ضحى الإسلام ج3 ص338/339 .
(2) الإسلام ص188 .
(3) راجع : دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص13 والإسلام تأليف هنري ماسيه ص188 ومعجم البلدان ج2 ص8 والفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي ص149 .
(4) الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي ص149 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 46 _

  هذا ويلاحظ : أن مسلمي الجزائر : « لا يختلطون بالمسلمين من أهل السنة إلا لضرورات تجارتهم النافعة ، وقلّما يصاهرون أهل السنة ؛ لأن هذا الزواج مما تبرأ منه الجماعة » (1) ، البربر . . . و « الخوارج » : ولعل تمكن « الخوارج » من النفوذ إلى بلاد المغرب ، أو بالأحرى إلى الشمال الأفريقي بصورة عامة ، هو لأنهم تمكنوا من النفوذ إلى البربر ، الذين أعانوهم على السيطرة على القيروان . . . ولعل ذلك يرجع إلى أسباب عديدة ، أهمها : وجه الشبه الكبير الذي كان قائماً في ذلك الحين بين البربر و « الخوارج » في عقليتهم ، وظروف ونمط حياتهم ، ووضعهم الثقافي العام . . . يقول ياقوت ـ وإن كان في كلامه تحامل شديد ، يصل إلى حد الشتم والسباب ـ: « . . . البربر أجفى خلق الله ، وأكثرهم طيشاً ، وأسرعهم إلى الفتنة ، وأطوعهم لداعية الضلالة ، وأصغاهم لنمق الجهالة ، ولم تخل جبالهم من الفتن وسفك الدماء قط .
ولهم أحوال عجيبة ، واصطلاحات غريبة ، وقد حسّن لهم الشيطان الغوايات ، وزين لهم الضلالات ، حتى صارت طبائعهم إلى الباطل مائلة ، وغرائزهم في ضد الحق جائلة ؛ فكم من ادّعى فيهم النبوة ، فقبلوا ، وكم زاعم فيهم أنه المهدي الموعود به ؛ فأجابوا داعيه ، ولمذهبه انتحلوا ، وكم ادّعى فيهم من مذاهب « الخوارج » ؛ فإلى مذهبهم بعد الإسلام انتقلوا . . .

---------------------------
(1) المصدر السابق ص150 ودائرة المعارف الإسلامية ج8 ص470 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 47 _

  ثم سفكوا الدماء المحرمة ، واستباحوا الفروج بغير حق ، ونهبوا الأموال ، واستباحوا الرجال . . . » (1) ، وهذه الصفات ـ عموماً ـ هي بعينها من مميزات « الخوارج » ، وخصائصهم ، كما سنرى . . إلا أننا نعتقد أن السبب الأهم في فشوّ مذهب « الخوارج » بين البربر ، هو سذاجة البربر ، وسطحيتهم ، ثم الشعارات البراقة ، التي كان « الخوارج » يرفعونها ، باسم الدين والإسلام ، كما أن لظروف البربر أثراً في ذلك أيضاً . . . ولأجل ذلك رأينا : أنه بعد ظهور الفاطميين كان البربر وكتامة ، الذين تشيعوا ـ كانوا ـ دعامة حكم الفاطميين ، ولعل بعض الحملات التي وجهها إليهم ياقوت آنفاً ، وغيره سببها هذا الأمر فيهم ، كما أننا نرى البعض يشير هنا : إلى المعاملة السيئة ، التي كان البربر يعانون منها ، من قبل الحكم الأموي ، قد سهّل لدعوة « الخوارج » بشعاراتها البراقة ، أن تجد السبيل إلى نفوسهم ، بيسر وسهولة (2) ، خارجي يحكم مصر : ورغم أن « الخوارج » لم يكن لهم ذلك الانتشار الكبير في مصر ، إلا أن بعض من ينسب إليهم قد استطاع أن يصل لأعلى المراتب فيها ، يقول ابن حزم ؛ عن عنبسة بن إسحاق ، الذي ولي مصر في زمن المتوكل أربع سنين : « . . . وكان يتهم بمذهب الخوارج ، لشدة عدله ، وتحريه للحق ، وهو آخر من ولي مصر . . . » (3) .


---------------------------
(1) معجم البلدان ج1 ص369 وراجع : المهدية في الإسلام ص185 .
(2) تاريخ الشعوب الإسلامية ص158/159 .
(3) جمهرة أنساب العرب ص204

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 48 _

الفصل الثاني
القتال من أجل الملك

بداية :
   قد قرأنا في الفصل السابق : أن علياً ( عليه السلام ) قد وصفهم بأن الشيطان قد زين لهم أنهم ظاهرون . . . وأنهم كانوا ينطلقون في حروبهم له مما يجدونه في أنفسهم من حقد وضغينة . . . وأن الأماني قد غرتهم ، وأن أنفسهم الامارة وأمانيهم قد زينت لهم المعاصي . . . وأن الهوى قد صدهم عن الحق ، وأن النزق قد طمح بهم . . . إلى غير ذلك من كلماته ( عليه السلام ) ، التي بينت لنا دوافعهم لخوض تلك الحرب ضد أهل الإيمان والإسلام ، وضد الأخوة والآباء والأبناء . . . والأصدقاء . . .
إن إصرارهم على خوض تلك الحرب ، وقولهم المتقدم ذكره : يرى علي أنا نخافه ؟ ! رغم إقامة الحجة عليهم ، وانقطاع عذرهم ، ليدل دلالة واضحة على أن ما يسعون إليه كان بنظرهم أهم من الالتزام بحقائق الدين ، وأحكامه وشرائعه . . ولاشك أن الدنيا وحطامها ، والحصول على الأموال والغنائم كان أحد أهدافهم من حروبهم التي خاضوها . . ولكنه ليس هو الهدف الوحيد ، بل هناك هدف آخر مهم جداً أيضاً ، وهو الذي يجلب لهم المال ، والسبايا ذوات الجمال . . . ألا وهو الوصول إلى الحكم ، والإمساك بالسلطان ، وسنجد في هذا الفصل شواهد عديدة على ذلك ، فإلى ما يلي من مطالب .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 49 _

  الأهداف الباطلة : وفي عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فإنه بعد أن قتل بعض فرسان « الخوارج » ، نجد عبد الله بن وهب الراسبي يبرز للقتال ، ويعلن أنه إنما يفعل ذلك لأجل هدفين اثنين هما :
1 ـ أخذ ثار من قتل من أصحابه .
2 ـ إزالة دولة أمير المؤمنين ، وصيرورة الأمر إلى أصحابه « الخوارج » ، فإنه جعل يرتجز بين الصفين ، ويقول : أنا ابن وهب الراسبي الشاري أضرب في القوم لأخذ الثار حتى تزول دولة الأشرار ويرجع الحق إلى الأخيار (1) ألاعيبهم في سبيل الحكم : والخريت بن راشد أيضاً كان يسعى إلى الدنيا ، حيث إنه كان يحاول إرضاء كل الفرقاء ، ولا يلزم نفسه بشيء ، فقد قال لمن معه من « الخوارج » : « إنا على رأيكم ، وإن علياً لم ينبغ له أن يحكّم !! وقال للآخرين ، من أصحابه : حكّم ، ورضي ، فخلعه حكمه الذي ارتضاه ، وهذا كان الرأي الذي خرج عليه من الكوفة ، وإليه كان يذهب .

---------------------------
(1) الفتوح لابن أعثم ج4 ص132 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص190 ونقل أيضاً عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي .