وقال المسعودي عن صاحب الزنج : « . . . ظهر من فعله ، ما دل على تصديق ما رمي به، أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج ، لأن أفعاله في قتل النساء ، والأطفال ، وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه »
(1) ، ويكفي أن نذكر : أن حرب النهروان إنما نشأت عن إفسادهم في الأرض ، وقتلهم عبد الله بن خباب ، وبقرهم بطن زوجته التي كانت حاملاً ، وقتلوا نسوةً ورجالاً آخرين كما تقدم ، وقد قال عمر بن عبد العزيز لشوذب الخارجي : « . . فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي ، حين خرج من البصرة ، هو وأصحابه ، يريدون أصحابكم في الكوفة ؛ فمروا بعبد الله بن خباب ، فقتلوه ، وبقروا بطن جاريته ، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة ، فقتلوا الرجال ، وأخذوا الأموال ، وغلوا الأطفال في المراجل ، وتأولوا قول الله : ( إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا )
(2) ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة الخ »
(3) .
ونستطيع أن نعرف : مدى قسوتهم ، وإمعانهم في ارتكاب الجرائم ، التي يندى لها جبين كل إنسان ألماً وخجلاً ، مما سجله التاريخ لنا من مذاهب وآراء اعتقادية لهم ، حيث إنها غريبة عن الفطرة ، وعن العقل ، وعن الإنسانية ، وهي تعبير صادق عن عميق حقدهم ، وبالغ همجيتهم ووحشيتهم ، وبعدهم كل البعد عن أي من المعايير الإنسانية ، والفضائل الأخلاقية . . .
---------------------------
(1) مروج الذهب ج4 ص108 ، وبهج الصباغة ج7 ص166 عنه .
(2) سورة نوح / 27 .
(3) جامع بيان العلم ج2 ص129 ومروج الذهب ج3 ص191 وبهج الصباغة ج7 ص113 عنه وعن العقد الفريد .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني
_ 26 _
الحقد الدفين هو الدافع : ولم تكن مواقفهم وممارساتهم القاسية تلك بدافع ديني ، يوجبه الالتزام بتعاليم شرعية بنظرهم . . . وإلا لما كان ثمة مبرر لغلي الأطفال في المراجل ، ولا لفرارهم في الحروب ، والتماسهم الأمان من هذا ، وذاك ، ولا للتخلي عن كل شيء في قبال منصب يتاح لهم ، ولا لغير ذلك مما ذكرناه في هذا الكتاب ، فإن التدين ـ لو كان ـ فلابد أن يترك أثره في جميع تلك الحالات والظروف ، والمواقف . . . وإنما كانت هذه الممارسات القاسية واللاإنسانية ضد خصومهم بدافع التنفيس عن حقد دفين ، يعتلج في صدورهم ، وتشب ناره في أفئدتهم ، وقد عبر الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن هذا المعنى بوضوح تام في جوابه لمن رأى : أن كونهم شكاكاً لا يلائم دعوتهم خصومهم إلى البراز ، فأجابه ( صلوات الله وسلامه عليه ) بقوله : « ذلك مما يجدون في أنفسهم »