تأليف
السيد جعفر مرتضى العاملي

سلسلة الكتب المؤلفة في أهل البيت عليهم السلام (114)
إعداد مركز الأبحاث العقائدية
الباب الخامس التظاهر بالتدين

الفصل الأول
الزهد والعبادة

زهد « الخوارج » وعبادتهم :
   لقد عرف عن « الخوارج » : أنهم عباد وزهاد ، همهم الدين ، والآخرة ، وليس لهم في الدنيا الزائلة مأرب ولا رغبة ، وهذا هو ما يروج له « الخوارج » أنفسهم ، وعرف عنهم أيضاً أنهم قد وقذتهم العبادة ، حتى أصبحت جباههم سوداء، وأصبحوا مضرب المثل في اجتهادهم في العبادة ، وفي عزوفهم عن الدنيا ، وتشددهم في الالتزام بالحكم الشرعي ، هذا إلى جانب قراءتهم للقرآن ، حتى عرفوا باسم القراء قبل ظهور الخلاف منهم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في صفين ، كما أن مما عرف عنهم هو الصعقة عند قراءة القرآن ، فقد سئل أنس عن قوم يصعقون عند القراءة فقال : « ذلك فعل الخوارج (1) » ، ومعنى ذلك هو أن ما يعرف بين الصوفية (2)من التظاهر بحالات الوجد والغشية ، والصعق عند قراءة القرآن . . . قد يكون موروثاً عن « الخوارج » .

---------------------------
(1) راجع : العقود الفضية للحارثي الإباضي ، ص 46 و 47 .
(2) ربيع الأبرار ، ج3 ص587 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 2 _

هذا هو رأي الأمويين أيضاً :
   واللافت للنظر هنا : أننا نجد : أن هذه هي نظرة الأمويين للخوارج ، فإن مروان بن الحكم قد اعتبر أن « الخوارج » هم العلماء والزهاد ، وذلك في كلام له مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) (1) ، وقال عمر بن عبد العزيز لبعض « الخوارج » : « . . . إني قد علمت أنكم لم تخرجوا مخرجكم هذا لطلب دنيا ، أو متاع ، ولكنكم أردتم الآخرة ، فأخطأتم سبيلها » (2) ، ماذا يقول المؤلفون : ومهما يكن من أمر : فإن الكتاب والمؤلفين حين قرأوا ما ذكره المؤرخون عن حالات « الخوارج » وعبادتهم ، وما إلى ذلك . . . أخذوه منهم بعجره وبجره ، ولم يخضعوه للبحث الدقيق والعميق ، ليعرفوا مدى صحته ، ولأجل ذلك نجد أنهم ما فتئوا يؤكدون على أن « الخوارج » هم الفئة المؤمنة الملتزمة ، التي بقيت وفية لمبادئها ، ولمثلها العليا (3) ، وقالوا عنهم أيضاً : « إن الخوارج كانوا حزباً ثائراً ، كما يدل عليه اسمهم ، وحزباً ثائراً تقياً على الحقيقة ، فهم لم يقوموا كعرب ، ولكن كمسلمين ، وسلكوا مسلك الأتقياء من المسلمين ، وهم القراء » .

---------------------------
(1) راجع : بهج الصباغة ، ج5 ص266 وج3 ص232 وتذكرة الخواص ص207 وراجع : شرح النهج للمعتزلي ج1 ص114و115 .
(2) فجر الإسلام ص263 والكامل في التاريخ ج5 ص46 .
(3) قضايا في التاريخ الإسلامي ، بحث الخوارج ، ص66و72 و73و89 وفجر الإسلام ص64 شرح نهج البلاغة للمعتزلي ، ج5 ص131و79و129و131 وتحليلي أز تاريخ إسلام ج1 ص332 وتاريخ الفرق الإسلامية ، ص283 والخوارج والشيعة ، ص 36 و 42 و 59 و 39 وتاريخ الدولة العربية ص 60 و 62 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 3 _

  « وقد وجهت التقوى في الدولة الإسلامية توجيهاً سياسياً ، وكانت في أعلى درجاتها عند الخوارج ؛ فإن الله تعالى طلب إلى المسلم عندما تعصى أوامره ألاّ يسكت على ذلك » (1) ، وقالوا أيضاً : « كانوا حزباً ثورياً ، يعتصم بالتقوى ، لم ينشأوا عن عصبية العروبة ، بل عن الإسلام » (2) ، هذا التصور ليس جديداً : وقد انخدع الناس بهذه المظاهر منذ بداية ظهورهم ، حتى اضطر علي ( عليه السلام ) وأصحابه إلى مواجهة هذا الفهم الساذج للأمور ، فقد ذكر « الخوارج » عند ابن عباس ، فقال : « ليسوا بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى ، وهم يصلون » (3) وفي نص آخر : يضلون (4) ، على أنه يكفي في بيان زيف هذه الظاهرة ، ما ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حقهم من تنصيص على أن اجتهادهم في العبادة ما هو إلا زيف ومظاهر ، لا حقيقة لها ، ولا تعني أن ثمة عمقاً إيمانياً مستقراً في القلوب ، بل هي مجرد حركات للخوارج ، ليس وراءها سوى الخواء التام عن أية حالة إيمانية صادقة ، فليس هناك إلا الجهل الذريع ، والحماقة القاتلة .

---------------------------
(1) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ، ص170 للدكتور علي حسن عبد القادر .
(2) الإباضية عقيدة ومذهباً ، ص31 عن الخوارج والشيعة ص41 .
(3) المصنف للصنعاني ج10 ص153 .
(4) راجع : الإباضية عقيدة ومذهباً ص38 والتنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص184 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 4 _

الإصرار على تكذيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
  ولا ندري ما هو السبب الحقيقي لهذا الإصرار على الزعم الذي ستأتي الشواهد الكثيرة على أنه لا واقع له . . . وهو صدق تقواهم ، وثبات قدمهم في الإيمان ، والعمل الصالح . . . مع أن الحديث المتواتر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يثبت أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، وقد أكد التاريخ بصورة قاطعة وقوع الإخبارات الغيبية عن وجود ذي الثدية فيهم ، وعن أنهم لا يعبرون النهر ، وعن أنه لا يقتل من أصحاب علي عشرة ولا يفلت من أهل النهروان عشرة ، وغير ذلك . . . إن الوقائع هذه قد أثبتت بصورة قاطعة وحسية فضلاً عن تواتر نقلها ، وفضلاً عن أن ناقلها هو المعصوم ـ نعم قد أثبتت أن حديث ـ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مروقهم من الدين ، وسائر اوصافهم . . . صحيح وثابت . . . فما هذه المراوغات من هؤلاء الكتاب ؟ ! . . . وما هي دوافعهم لتكذيب هذا النقل القطعي الصادق ؟ !

تبريرات لا تصح لتشدّد « الخوارج » في الدين :
   إننا في حين نرى هؤلاء الكتاب يحاولون التأكيد على تقوى « الخوارج » ، وعلى صلابتهم في أمر الدين . . . فإنهم يحاولون إيجاد المخارج لما كان عليه « الخوارج » من جهل وسطحية ، ويتلمسون المبررات للنهج الإجرامي الذي يصل بهم إلى حدود ليس ثمة أخطر منها على كل الواقع الديني والإيماني .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 5 _

  هذا النهج الذي تجلَّى في عقائدهم ، وظهر في مواقفهم وممارساتهم ، ليجسِّد أبشع صورة للتخلف والجهل ، والقسوة والغلظة ، والبعد عن أي معنى إنساني أو إيماني . . . كما سنوضحه فيما يأتي من فصول . . . وقد كان عمدة ما علل هؤلاء المؤلفون حال الخوارج ، وممارساتهم هو الجهل والسذاجة ، والسطحية (1) .
   ولعل النص التالي : قد استنفد جهود هؤلاء في التبرير ، يقول أبو زهرة : « إن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية ، وقليل منهم كان من عرب القرى ، وهؤلاء كانوا في فقر شديد قبيل الإسلام ، ولما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسناً ؛ لأنهم استمروا في باديتهم بلأوائها وشدتها ، وصعوبة الحياة فيها ، وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم ، مع سذاجة في التفكير ، وضيق في التصور ، وبعد عن العلوم ؛ فتكوّن من مجموع ذلك نفوس مؤمنة ، متعصبة ، لضيق نطاق العقول ، ومتهورة ؛ لأنها نابعة من الصحراء ، وزاهدة ؛ لأنها لم تجد ؟ » ، إلى أن قال : « ولقد كانت هذه المعيشة التي يعيشونها في بيدائهم دافعة لهم على الخشونة ، والقسوة ، والعنف ؛ إذ النفس صورة لما تألف ، ولو أنهم عاشوا عيشة رافهة ، فاكهة ، في نعيم ، أو في نوع منه ؛ لخفف من عنفهم ؛ وألان صلابتهم ، ورطب شدتهم » .

---------------------------
(1) راجع : تاريخ المذاهب الإسلامية ص70و71 وراجع : تحليلي أز تاريخ إسلام ج1 ص132 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 6 _

   وقد أضاف البعض هنا : أن فقرهم ، ورفاهية القبائل الأخرى قد زاد من حقدهم ، بالإضافة إلى أن تمسكهم الشديد بالتقاليد ، والطبائع البدوية ، كالتعصب للقبيلة ، والولاء لها ، قد جعلهم يبغضون الحكومة السياسية ، وتمردوا على نمط الحياة الاجتماعية ، فثورتهم تمثل ثورة البدو على سيادة الدولة (1) ، ثم عاد نفس هذا البعض ليقول في مورد آخر ، ما يردّ ويتنافى مع هذا الذي ذكرناه ، حين ادعى أنهم لم يرفضوا فكرة الخلافة ، بل أرادوا إقامة دولة على أساس ديمقراطي ، فهم جمهوريّو الإسلام ، انطلاقاً من فهمهم لعدالة الإسلام ، ويدعي أيضاً : أن طبائع البداوة قد انمحت منهم باعتناقهم الإسلام ، وهجرتهم من البادية ، وإقامتهم في الأمصار ، وانخراطهم في الجيش الإسلامي إلخ (2) ، ثم إن هذا البعض أيضاً يقول : «ومن المؤرخين من ذهب إلى أن ظهور الخوارج يعبر عن رغبة القبائل العربية ، من غير قريش في إقصائها عن التشبث بالخلافة ، والاستئثار بالحكم ، فالخوارج من هذه الناحية حزب سياسي ، وحركتهم تمثل ثورة ديمقراطية ، ضد الأرستقراطية الثيوقراطية الجديدة من كبار الصحابة ، فهم لذلك جمهوريّو الإسلام ، ودستوريو الإسلام» (3) ، ونحن . . لا نستطيع أن نوافق أبا زهرة ولا هؤلاء على كثير مما ذكره وذكروه .

---------------------------
(1) قضايا في التاريخ الإسلامي ص37و50و51 عن أبي زهرة ، وعن عمر أبي النصر في كتاب : الخوارج في الإسلام ص18 .
(2) المصدر نفسه ص73و74 .
(3) نفس المصدر ص36 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 7 _

فأولاً : إنه قد ادّعى : أن الإسلام لم يستطع أن يغير شيئاً من حالتهم المادية   ، فبقوا على ما هم عليه من فقر وحاجة ؛ فإن أكثر « الخوارج » كانوا عراقيين في بادئ الأمر ، وقسم منهم من الموالي ؛ وكانوا قد شاركوا في الحروب ، ونالوا من الغنائم التي كانت كثيراًَ ما تحصل ، كما نال غيرهم ، وكانت بلادهم من البلاد الخصبة ، التي يعتمد عليها في التموين للجيوش المحاربة ، وقد اختار علي ( عليه السلام ) الكوفة عاصمة له لأمور منها هذا الأمر بالذات (1) ، وقد اختلف حال الناس بعد ظهور الإسلام عن حالهم قبله حتى مع أمرائهم وحكامهم ، الذين كانوا يحرمونهم من أبسط الحقوق ، ويستأثرون بالامتيازات لأنفسهم ، بل تقدم أن بعض أمراء « الخوارج » كان يشتري السيف بعشرين ألف درهم ، فهل يصح القول بعد هذا : أنهم كانوا يعانون من الحاجة الملحة ؛ والفقر المدقع ؟ ! إذ أنهم لو كانوا كما يدعى لهم ويدعونه ، لأنفسهم أهل تقوى ودين ، فسوف ينيلون فقراءهم نصيباً من هذه الدنيا التي كانت بين أيديهم .
ثانياً : لقد كانت الفرصة متاحة لهم للاستفادة من العلوم الإسلامية ، وقد كان بين ظهرانيهم باب مدينة العلم مدة طويلة ، يفقههم في الدين ، ويوقفهم على حدود الحلال والحرام ، وقد ركز فيهم راية الإيمان ، كما عرفنا فيما تقدم . . إذن . . فإن أي تقصير في مجال الحصول على العلوم والمعارف ، إنما يقع على عاتقهم ، ويأتي من ناحيتهم ، وليس لهم أي عذر في ذلك ، ولكن الحقيقة هي أنهم قد عرفوا كل شيء ، لكن الشيطان قد زين لهم أعمالهم كما توضحه هذه الدراسة .

---------------------------
(1) راجع : مقالاً لنا بعنوان : استراتيجية الكوفة في خلافة الإمام علي (عليه السلام) في كتابنا : دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 8 _

   ثالثاً : أما قوله : إن الإسلام قد أصاب شغاف قلوبهم ، وكذا قول غيره : إنهم كانوا عباداً مؤمنين ، ملتزمين بحرفية الحكم الشرعي ، أوفياء لمبادئهم ، ولمثلهم العليا ، فهو أيضاً لا يصح ؛ فقد عرفنا : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ فيما روي عنه ـ قد وصفهم بأنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، وأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، وقد وصفهم أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) بكثير من الأوصاف الناطقة بإنحرافهم عن الصراط السوي ، وبأنهم يريدون الدنيا وقد غلب عليهم المراء ، واتبعوا أهواءهم ، وغير ذلك . . أضف إلى ذلك : أن تاريخهم حافل بالأحداث والتصريحات والمواقف ، والممارسات التي تدل على أن الكثيرين منهم ، إن لم نقل أكثرهم ـ إذا استثنينا بعض المخدوعين ، والسذج والبسطاء ـ حتى على مستوى القيادات فيهم لم يكونوا على هذه الصفة ، وإن تلك العبادة ، وهاتيكم الشعارات ما كانت إلا أمراً صورياً ظاهرياً ، لا يعبر عن واقعٍ حيٍ وأصيل في هذا المجال ، وستأتي طائفة من هذه النصوص في ضمن ما يأتي من مطالب . . . وأما ما ذكره ذلك البعض كإضافات على كلام أبي زهرة ، فهو أوضح فساداً ، وأبعد عن الصواب ، وعن الموضوعية ، لأمور عديدة نقتصر منها على ما يلي :
أولاً : إن الوقائع التاريخية تثبت : أن « الخوارج » لم يكونوا ديمقراطيين أبداً ، ولم يكونوا يحترمون رأي الأكثرية منهم ، بل كانوا يحكمون بالكفر ويتحكمون بجبرية قاسية حتى ببعضهم البعض ، فيسقطون أمراءهم لأتفه الكلمات أو التصرفات ، أو ينقسمون على أنفسهم ، فيكون لكل فرقة منهم أمير ، ولم نجد منهم أي احترام لآراء غيرهم ، بل كانوا يكفرون ويقتلون كل من خالفهم في الرأي والاعتقاد من المسلمين . . . ولكنهم لا يجرؤون على المساس بغير المسلمين . . . فأين هي الجمهورية الإسلامية والديمقراطية فيهم . . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 9 _

   ثانياً : إن دعوى أن طبائع البداوة قد انمحت باعتناقهم للإسلام ، وهجرتهم من البادية إلى الأمصار . . . أغرب وأعجب ، فإن من بديهيات التاريخ : أن أشد الناس إغراقاً في البداوة في طبائعهم ، هم « الخوارج » ، وقد بقي ذلك فيهم إلى عصور متأخرة بصورة ظاهرة ، ولافتة ، وإن بقاياهم لم يزل هذا حالهم إلى يومنا هذا . . . رغم أنهم قد غيروا وبدلوا ، أو تستروا على كثير من اعتقاداتهم ، ليمكنهم البقاء .
ثالثاً : إن الحديث عن رغبة القبائل العربية في إقصاء قريش عن الخلافة غير دقيق ، فإن «الخوارج» كانوا خليطاً غير متجانس ، وكان فيهم العربي ، وغير العربي . . ولم يكن تأمير أمرائهم نتيجة قرار اتخذته القبائل العربية بإقصاء قريش عن الخلافة ، وإلا . . . فإن العرب الذين حاربوا « الخوارج » مع علي ( عليه السلام ) ، والذين حاربوا « الخوارج » على مدى التاريخ كانوا أكثر عدداً وأعظم نفوذاً ، وهم الرؤساء وأهل الرأي . . . وإنما كان «الخوارج» مجرد شراذم ورعاع من الناس ، لا يجمعهم إلا الطمع والجهل ، كما سنرى .
رابعاً : لم نعرف ماذا يقصد بوصفه للخوارج بأنهم دستوريو الإسلام ، فأي دستور كانوا يسعون لتطبيقه والالتزام به ، فهل هو دستور الإسلام ؟ ! فإن هذا الدستور يقضي عليهم بلزوم التزامهم بقول إمامهم المنصوب من قبل الله ، وهو علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) . . . أم هو دستور العرف الإنساني ؟ وهذا الدستور أيضاً يقضي عليهم بلزوم الوفاء بالعهود والعقود ، واحترامها . . . واحترام كلمة العالم الرشيد . . . واحترام العهد الذي أعطوه ، فلا ينكثون البيعة ، ولا يطلبون نقض عهد أبرمه إمامهم وسيدهم وقائدهم .
خامساً : إن ظهور « الخوارج » ـ وإن كان طمعاً في الدنيا ، وقد لبَّسوا هذه الأطماع لباس الدين . . . ولكن التعليل الذي ذكره لا يمكن قبوله ، إذ أنه لو صح لوجب أن يوجد هؤلاء « الخوارج » في كل عصر ومصر ، مادام أن البداوة موجودة في جميع العصور وفي مختلف المناطق ، وفي مقابلها حياة الرفاهية والترف ، وغير ذلك من أمور وحالات ، بقيت مغمورة في ضمير هذا الكاتب ، ولم ير ضرورة للإفصاح عنها .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 10 _

  سادساً : أضف إلى ذلك : أن غيرهم من أهل قبائلهم ومن سائر القبائل لم يكونوا من حيث الترف والنعيم والبداوة ، وغير ذلك أفضل حالاً من « الخوارج » ، ولعل كثيرين من هؤلاء كانوا أفضل حالاً من أولئك ، كانوا أفضل حالاً من أولئك ، فلماذا لم يصيروا مثلهم ، ولم ينضموا إليهم ؟ ! .
سابعاً : وأخيراً ، إن ما ظهر من « الخوارج » من افاعيل ، ومن اعتقادات لا يقرها عقل ولا شرع ، ولا وجدان ، لا علاقة له بهذا الترف ، ولا بتلك البداوة ، ولا بذلك التمرد المزعوم ، ولا يصح تعليله به ، كما هو معلوم . . . وذلك لأننا لم نجدهم يصدرون أي حكم ضد المترفين بما هم مترفون ، بل كانت أحكامهم ، عامة لا استثناء فيها ، كما أنهم في ممارساتهم لم يرحموا فقيراً لفقره ، بل مارسوا كل قسوتهم ضد هؤلاء الفقراء والمسحوقين في الغالب ، ولم يشفع لهم فقرهم أو ضعفهم ، ولم يخفف من حدة تصرفاتهم تجاههم . . . وإن بقرهم لبطون الحبالى خير شاهد ودليل على ذلك ، العجب هو الداء الدوي : والذي يبدو هو أن عجب « الخوارج » بأنفسهم ، وبعبادتهم ، قد أسهم في اندفاعهم نحو اتخاذ مواقفهم الرعناء تلك ، ودفعهم إلى الإمعان في الانحراف . . . وإلى الإغراق فيه ، هذا بالإضافة : إلى أن إعجاب الناس بهم أيضاً قد يكون له تأثير في تشجيعهم على تجاوز حدود الشرع ، وخروجهم على أحكام الدين .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 11 _

  فعن أنس قال : ذكر لي : أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال ـ ولم أسمعه منه ـ: إن فيكم قوماً يعبدون ويدأبون ، حتى يعجب بهم الناس ، وتعجبهم نفوسهم ، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية (1) .
   وواضح : أنه إذا كانت عبادة الإنسان بعيدة عن الوعي ، وعن التأمل ، والفكر ، فإنها تكون مجرد طقوس يؤديها الإنسان ، ولا يحس بها ، ولا يتفاعل معها إلا من خلال ما يبذله من جهد جسدي ، من دون أن يشعر بعظمة الله سبحانه ، أو أن يستشعر لذيذ القربى منه ، أو يشرف بروحه على آفاق جلاله ، ويتلمس بمشاعره وأحاسيسه معاني كمالاته السامية . . .
ومن يكون كذلك فسوف يرى : أن هذا الجهد الجسدي له قيمته ، وخطره ، في ميزانه المادي ، فيرى نفسه أنه أعطى وقدم ما لم يقدمه وما لم يعطه غيره ، وتصير له بذلك المنة ليس فقط على الآخرين ويتعالى عليهم وإنما على رب العالمين ، ويبتلى بالعجب بالنفس ، وذلك هو الهلاك بعينه ، الوصف الدقيق : وواضح : أن « الخوارج » كانوا برهة من الزمن مع أمير المؤمنين ، وقد عانى منهم الكثير ، وصبر عليهم ، حتى اعلنوا بالخروج عليه ، فحاربهم وقتلهم في النهروان إلا الشريد ، وحاربهم بعد ذلك أيضاً ، فهو ( عليه السلام ) أعرف الناس بهم ، وإذا راجعنا أقواله فيهم ، فإننا نجده ( عليه السلام ) لا يعترف لهم بالعبادة ولا بالزهد ، بل هو يذكر لتحركاتهم دوافع دنيوية وشيطانية ، الأمر الذي يشير إلى أن مواقفهم لم تكن دينية إلهية ، وإنما كان لأهوائهم ومصالحهم الشخصية ، ومفاهيمهم الجاهلية ، وللنزعات الشيطانية ، والعصبيات القبلية ، دور كبير في إثارتهم ، وفي اتخاذهم الكثير من المواقف الرعناء .

---------------------------
(1) مسند أحمد ج3 ص183 وراجع : المصنف للصنعاني ج10 ص154 وكنز العمال ج11 ص177و310 عن أحمد ، وعبد الرزاق ومجمع الزوائد ج6 ص229 وراجع : مستدرك الحاكم ج2 ص147 وتلخصيه للذهبي بهامشه والبداية والنهاية ج7/297 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 12 _

  وكانوا يتخيلون كلهم أو كثير منهم : أن ذلك من الدين ، ومن الحق الذي يسعون إليه ، ويعملون في سبيل الوصول إليه ؛ فهم مصداق ظاهر للأخسرين أعمالاً ، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، كما قرره علي أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) ، في كلام له عنهم (1) ، ومهما يكن من أمر : فإن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، الذي كان أعرف بهم من كل أحد ، ركب ، ومر بهم وهم صرعى ، فقال : « لقد صرعكم من غركم ، قيل : ومن غرَّهم ؟ قال : الشيطان ، وأنفس السوء » (2) .

---------------------------
(1) الكامل في الأدب ج3 ص188 وشرح النهج للمعتزلي ج2 ص278 ، والفتوح لابن أعثم ج4 ص127 وكشف الغمة ج1 ص266 والثقات لابن حبان ج2 ص296 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص186/187 عن تفسير القشيري ، وعن الإبانة للعكبري ، والبحار ط قديم ج8 ص550و553و552و555و571 عن الغارات ، والعمدة ، وتفسير الثعلبي ، وتهذيب تاريخ دمشق ج7 ص307 وتفسير البرهان ج2 ص295 ، والدر المنثور ج4 ص253 عن عبد الرزاق ، والفريابي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وفرائد السمطين ج1 ص395 .
(2) مروج الذهب ج2 ص407 ـ وراجع : تذكرة الخواص ص105 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 13 _

   وفي نص آخر : « غرّهم الشيطان ، وأنفس بالسوء أمّارة ، غرتهم بالأماني ، وزينت لهم المعاصي ، ونبأتهم بأنهم ظاهرون » (1) ، وقال ( عليه السلام ) مخاطباً لهم بالنهروان : « أيتها العصابة ، التي أخرجتها اللجاجة ، وصدّها عن الحق الهوى ، فأصبحت في لبسٍ وخطأ » (2) ، وفي نص آخر ، أنه قال لهم : « يا قوم ، إنه قد غلب عليكم اللجاج والمراء ، واتبعتم أهواءكم ، فطمح بكم تزيين الشيطان لكم الخ » (3) ، وحسب نص آخر : « أيتها العصابة التي أخرجها المراء واللجاج عن الحق ، وطمح بها الهوى إلى الباطل » (4) ، وعند الطبري : « أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء ، واللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى ، وطمح بها النزق ، وأصبحت في اللبس ، والخطب العظيم» (5) ، وفي نص آخر لم يذكر قوله : «وطمح بها النزق الخ . . . » ، لكنه قال : «إن أنفسكم الأمارة سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها ، وسألتموها وأنا لها كاره ، وأنبأتكم أن القوم إنما فعلوها مكيدة ، فأبيتم علي إباء المخالفين ، وعندتم علي عناد العاصين الخ . . .» (6) ، ولعل في اختلاف هذه النصوص ، ولا سيما هذا النص الأخير مع ما سبقه ما يثير احتمال تعدد الواقعة ، فدعا ذلك إلى التركيز على خصوصيات مختلفة تتناسب مع الحالات المختلفة .

---------------------------
(1) البداية والنهاية ج7 ص289 ، وتاريخ الأمم والملوك ج4 ص66 والكامل في التاريخ ج3 ص348 والبحار ط قديم ج8 ص556 ونهج البلاغة قسم الحكم رقم 329 حسب ترقيم المعتزلي وبشرح عبده ج3 ص230 .
(2) الأخبار الطوال ص207/208 راجع الموفقيات ص325 .
(3) أنساب الأشراف ، بتحقيق المحمودي ج2 ص371 .
(4) تذكرة الخواص ص100 .
(5) تاريخ الأمم والملوك ج4 ص62 والكامل في التاريخ ج3 ص343 .
(6) نور الأبصار للشبلنجي ص102 والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص92 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 14 _

  ونلاحظ : أنه ( عليه السلام ) قد قرر في كلماته تلك :
أ: أن « الخوارج » كانوا يتوقعون الظفر في حربهم له ( عليه السلام ) .
ب : أنه كانت لديهم أماني قد غرتهم .
ج : إن أنفسهم الأمارة وأمانيهم قد زينت لهم المعاصي .
د : أن الشيطان زين لهم وغرهم ، فأوردهم موارد الهلكة .
هـ: أنهم قد التبست عليهم الأمور ، ووقعوا في الخطأ ، حينما لم يعرفوا الحق .
و : أن الهوى قد صدهم عن الحق .
ز : إنهم كانوا قد غلب عليهم اللجاج والمراء .
ح: إن النزق قد طمح بهم .
ط: ان النزق دعاهم إلى الخلاف والعناد .
ي : إنهم إنما يقاتلون من أجل الدنيا ، كما سيأتي في كلامه ( عليه السلام ) مع زرعة بن البرج ، وستأتي كلمات أخرى له ( عليه السلام ) ، فيها إشارات أخرى إلى دوافعهم ، وحالاتهم ، ثم إن مما يدل على ما ذكره أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أن الشيطان قد زين لهم المعاصي ، ما كانوا يرتكبونه في حق الأبرياء من جرائم ، وموبقات ، ومآثم ، وذلك في أول ظهورهم ، وحتى قبل معركة النهروان الشهيرة ، وقبل أن يضعوا لأنفسهم منهجاً عقائدياً يبيحون فيه لأنفسهم ارتكاب تلك الموبقات والمآثم .
   أضف إلى ذلك : أن حربهم لأمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) لم تكن مبررة عندهم بالقدر الكافي ، فلم يكن لديهم في ذلك برهان ، ولا كانوا واثقين من صواب موقفهم ، بل كانوا مجرد شكاك ؛ فمضوا على شكهم حتى قتل أكثرهم ، وقتل بسببهم أو على أيديهم كثيرون آخرون ، وقد تحدثنا عن شكهم هذا في موضع آخر من هذا الكتاب ، ونحن هنا بهدف توفير الوقت ، وادخار الجهد سوف نقتصر على نماذج قليلة من مخالفاتهم ، ومواقفهم اللاإنسانية ، وأفعالهم التي تخالف اعتقاداتهم وأقوالهم ، وهي التالية :

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 15 _

القتال على الأموال :
   إن من يراجع تاريخ الوقائع والأحداث لا يساوره شك في أن قتالهم لم يكن جهاداً في سبيل الله ، بل كان على الأموال ، ومن أجل الدنيا بصورة عامة ، فقد قال سيد الوصيين علي أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) ، لزرعة بن البرج ، في احتجاجه على أهل النهروان : « لو كنت محقاً كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا ، إن الشيطان قد استهواكم ، فاتقوا الله ( عز وجل ) ؛ إنه لا خير في دنيا تقاتلون عليها » (1) ، ويقول النص التاريخي أيضاً : « . . . وجعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها ، والسوط ، والعلف ، والحشيش أشد قتال » (2) ، وقد قلنا حين الحديث عن تركيبة « الخوارج » أن معقلاً الذي أرسله علي ( عليه السلام ) لقتال الخريت الخارجي قد قال لأصحابه عن الخوارج : إنهم علوج كسروا الخراج ، ولصوص الخ . . (3) ، ويؤيد ذلك أيضاً : نصوص تاريخية أخرى (4) ، ويقول المعتزلي : «وقد خرج بعد هذين جماعة من خوارج كرمان ، وجماعة أخرى من أهل عمان ، لا نباهة لهم ، وقد ذكرهم أبو إسحاق الصابي ، في كتاب « الناجي » وكلهم بمعزل عن طرائق سلفهم ، وإنما وكدهم ، وقصدهم إلى إخافة السبيل ، والفساد في الأرض ، واكتساب الأموال من غير حلها » 5) ، هذا ، وقد سأل الحسن البصري رجل من «الخوارج» ، فقال : ما تقول في «الخوارج » ؟ فقال : هم أصحاب دنيا ، قال : من أين قلت ، وأحدهم يمشي في الرمح حتى ينكسر فيه ، ويخرج من أهله وولده ؟ ! قال الحسن : حدثني عن السلطان ، أيمنعك من إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج والعمرة ؟ قال : لا ، قال : فأراه إنما منعك الدنيا فقاتلته عليها ، قال إسحاق :

---------------------------
(1) تاريخ الأمم والملوك ، ج4 ص53 وبهج الصباغة ، ج7 ص164 .
(2) الكامل في الأدب ، ج3 ص397 والعقد الفريد ، ج1 ص223 وفيه كانت الخوارج تقاتل إلخ . . وشرح النهج للمعتزلي ، ج4 ص208 راجع : فجر الإسلام ، ص264 .
(3) الغارات ، ج1 هامش ص353 .
(4) راجع : تاريخ الأمم والملوك ج4 ص93 والكامل في التاريخ ج3 ص367 .
(5) شرح النهج للمعتزلي ج5 ص76 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 16 _

  فحدثت بهذا الحديث الغاضري ـ ظريفاً كان بالمدينة ـ فقال : صدق الحسن ، ولو أن أحدهم صام حتى ينعقد ، وسجد حتى ينخر جبينه ، واتخذ عسقلان مراغةً ، ما منعه السلطان ؛ فإذا جاء يطلب ديناراً أو درهماً لُقيَ بالسيوف الحداد ، والأدراع الشداد (1) ، ولنا تحفظ على أسلوب الحسن البصري الظاهر في أنه يرضى بحكومة أي كان ـ حتى يزيد أو الوليد ، إذا كان لا يمنع الناس من الصلاة والصوم ونحو ذلك . . . فإن هذا المنطق مرفوض في الإسلام ، ولهذا البحث مجال آخر ، غير أن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن « الخوارج » كانوا طلاب دنيا، ويبحثون عن الدينار والدرهم ، وقد قال الأشتر للذين خدعتهم مكيدة رفع المصاحف ، من الذين كانوا يتظاهرون بالعبادة والصلاة ، ثم صاروا فيما بعد خوارج : « كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحاً يا أشباه النيب الجلالة » (2) ، وإذا قرأنا قصة المستورد أيضاً فإننا نجد فيها دلالة ظاهرة على أن زهد « الخوارج » لم يكن حقيقياً ، بل كان مصطنعاً ، فلتراجع تلك القصة في مصادرها (3) ، لم يعطه المال ، فأعلن الحرب : ومما يدل على مدى تأثير الأطماع فيهم : أننا نجد الفارس المشهور : شبيب بن يزيد الشيباني الخارجي كان : « في ابتداء أمره قصد الشام ، ونزل على روح بن زنباغ ، وقال له : سل أمير المؤمنين أن يفرض لي في أهل الشرف ، فإن لي في بني شيبان تبعاً كثيراً .

---------------------------
(1) البصائر والذخائر ج1 ص154 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج2 ص219 وراجع : صفين ص491 والمعيار والموازنة ص164 .
(3) وراجع : الخوارج والشيعة ص55 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 17 _

  فسأل روح بن زنباغ عبد الملك بن مروان في ذلك ، فقال : هذا رجل لا أعرفه ، وأخشى أن يكون حرورياً ، فذكر روح لشبيب : أن عبد الملك ذكر أنه لا يعرفه ، فقال : سيعرفني بعد هذا ، ورجع إلى بني شيبان ، وجمع من الخوارج الصالحية مقدار ألف رجل ، واستولى بهم على ما بين كسكر والمدائن» .
   ثم يذكر المؤرخون : كيف أنه هزم للحجاج عشرين جيشاً في مدة سنتين ، وغير ذلك من أمور (1) ، يريد المال ليعصي به الله : وقد كان الطرماح خارجياً هو الذي يقول : امخترمي ريب المنون ولم أنل من المال ما أعصي به وأطيع (2) خبرتهم بالخمر وبالعواهر : وحين سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال الخارجي عن الخمر ، وعن العواهر نجد عبيدة يجيبه بما يدل على أنه من أعرف الناس في ذلك ، فقد قال له : «أي الخمر أطيب ؟ خمر السهل ، أم خمر الجبل ؟ قال : ويحك ، أمثلي يسأل عن هذا ؟ قال : قد أوجبت على نفسك أن تجيب .

---------------------------
(1) راجع : الفرق بين الفرق ص111 والفتوح لابن أعثم ج7 ص84و85 .
(2) الأغاني ج10 ص160 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 18 _

  قال : أما إذا أبيت ، فإن خمر الجبل أقوى ، وأسكر ، وخمر السهل أحسن وأسلس ، قال : فأي الزواني أفره ؟ أزواني رامهرمز ، أم زواني أرّجان ؟ ! قال : ويحك ، إن مثلي لا يسأل عن هذا ، قال : لابد من الجواب ، أو تغدر ، قال : أما إذا أبيت ، فزواني رامهرمز أرق أبشاراً ، وزواني أرّجان أحسن أبداناً الخ . . . » (1) .

الفصل الثاني
معاصي ومآثم

بداية :
  وحين نرى أن « الخوارج » حتى على مستوى زعاماتهم ، وأمرائهم ، وقادتهم يقترفون كبائر الذنوب ويرتكبون المآثم ، ويسعون وراء الشهوات ، فإن ذلك يكون دليلاً ملموساً على ضعف حالة التقوى عندهم ، أو انعدامها من الأساس ، تماماً كما يكون سعيهم للحكم ، وممالأتهم للحكام ، وممارساتهم اللاإنسانية في هذا الاتجاه دليلاً على ذلك أيضاً . . . هذا عدا عن إصرارهم على الباطل بعد ظهور بطلانه لهم ، وإلزامهم الحجة الدامغة فيه ، فإنه هو الآخر يدل دلالة ظاهرة على أنه لا حقيقة لما يدعونه من عبادة وزهادة ، وصلة بالله سبحانه بل هي كما أكدته النصوص النبوية الشريفة مجرد أمور شكلية بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، حيث إنهم كانوا قد مرقوا من الدين مروق السهم من الرمية .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج14 ص170 عن الأغاني ط دار الكتب المصرية ج6 ص149 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 19 _

  وسنذكر فيما يلي أمثلة متنوعة تشير إلى طبيعة صلتهم بالله سبحانه ، فإلى ما يلي من مطالب ، دعارة « الخوارج » : قد تقدم : أن عبيدة بن هلال وهو أحد زعمائهم الكبار كان من أعرف الناس بعواهر البلاد ، وبميزاتهن ، وسيأتي حين الحديث عن تركيبة الخوارج : أنهم كانوا ما بين حداد ، وصباغ ، وداعر . . واللافت : أن أكابرهم وقادتهم كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أعظم الفواحش ، حتى الزنى بالمحصنات .
فقد ورد : أن عبيدة بن هلال اليشكري اتهم بامرأة حداد كان يدخل عليها بلا إذن ، فدبّر هو وقطري بن الفجاءة الحيلة للخلاص من الورطة ونجحا في ذلك (1) ، فما معنى ان يدخل زعيمهم على امرأة محصنة بلا إذن . . . حتى يتهم بالدعارة ، فأين ورعه وتقواه ؟ وأين هي عبادته وزهادته . . وزعيمهم الآخر لا يقيم الحد على مرتكب هذا الذنب العظيم . . . بل هو يشاركه في الجريمة حين يدبر له الحيلة لتخليصه من المأزق . . . والعامة الذين وقفوا على هذا الأمر ، لم يقطعوا علاقتهم به ، ولا أضر ما عرفوه عنه في ولائهم واستمرارهم في الانقياد له. ثم هم بعد هذا ، وذاك ، وذلك يدَّعون لأنفسهم التقوى ، والعبادة ، والصلاح ، فاعجب بعد هذا ما بدالك ! ! فما عشت أراك الدهر عجبا ، الدعارة بمرسوم ، والغيرة معدومة : يقول ابن بطوطة : « ونساؤهم يكثرون الفساد ، ولا غيرة عندهم ، ولا إنكار لذلك » (2).

---------------------------
(1) راجع : الكامل في الأدب ج3 ص391 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص203 .
(2) رحلة ابن بطوطة ج1 ص172 ، والنص والاجتهاد ص99 عنه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 20 _

  وقال : « كنت يوماً عند هذا السلطان أبي محمد بن نبهان ، فأتته امرأة صغيرة السن ، حسنة الصورة ، بادية الوجه ؛ فوقفت بين يديه وقالت له : يا ابا محمد ، طغى الشيطان في رأسي .
فقال لها : إذهبي واطردي الشيطان ، فقالت له : لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد ، فقال لها : إذهبي ، فافعلي ما شئت ، فذكر لي ـ لما انصرفت عنه ـ أن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان ، وتذهب للفساد ، ولا يقدر أبوها ، ولا ذو قرابتها أن يغيروا عليها ، وإن قتلوها قتلوا بها، لأنها في جوار السلطان » (1) ، ترك الصلاة : وقد أخبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عنهم ـ وهو الصادق المصدق ـ أنهم « يتركون الصلاة من وراء ظهورهم. وجعل يديه وراء ظهره» (2) ، « الخوارج » فساق مراق : وجاء في خطبة لأمير المؤمنين قبل خروجه إلى النهروان : « وبعد . . . فقد علمتم ما كان من هؤلاء القوم من الإقدام والجرأة على سفك الدماء وهم قوم فساق ، مراق ، عماة ، جفاة ، يريدون فراقي وشقاقي ، وفيهم من قد عضه بالأمس السلاح ، ووجد ألم الجراح الخ . . . » (3) .

---------------------------
(1) رحلة ابن بطوطة ص173 والنص والاجتهاد ص99 عنه .
(2) كنز العمال ج11 ص301 عن ابن جرير .
(3) الفتوح لابن أعثم ج4 ص100 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 21 _

  لا تقوى لمتعنت : ومن الواضح : أن التعنت والإصرار على الباطل يشهد على عدم التقوى ، وعدم مراقبة الله سبحانه ، وقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ وهو أعرف الناس بهم ـ أن أحد زعمائهم وهو ابن الكواء ـ قد أراد التعنت حين صار يسأله عن بعض المسائل (1) ، وهذا العناد واللجاج قد تجلى بصورة واضحة في إصرارهم على قتال أهل الإيمان ، حتى بعد أن أقيمت الحجة عليهم ، ولم يعد لهم أي عذر . . فكان مصيرهم القتل والبوار ، ولا تزال هذه الخصوصية البغيضة تتجلى فيهم على مر الأيام ، شرب الخمر : والغريب في الأمر : أنهم يذكرون : أن ابن ملجم لعنه الله تعالى قد شرب النبيذ ليلة قتله علياً ( عليه السلام ) (2) وابن ملجم هو من رموز « الخوارج » وهو الذي مدحه الشاعر الخارجي عمران بن حطان بقوله :
يـا  ضربة من تقي ما أراد iiبها      إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
وتقدم أن أحد كبار زعمائهم ، وهو عبيدة بن هلال كان من أعرف الناس بالخمر ، وحالاتها . . وظاهر الحديث انه يجيب سائله عن خبرة ، لبس الحرير :

---------------------------
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج7 ص302 وراجع : فرائد السمطين ج1 ص394 .
(2) الفتوح لابن أعثم ج4 ص139 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 22 _

  ثم إنهم يذكرون أيضاً أن قطاماً الخارجية قد شدت الحرير على صدر ابن ملجم ، وعلى صدور الذين شاركوه في قتل وصي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1) ، ولا ريب في حرمة لبس الحرير على الرجال في فقه الشريعة الإسلامية الغرّاء . . العمل بالتقية : والمعروف من مذهب « الخوارج » لزوم الجهر بالحق ، ورفض التقية ، لكننا نجد أحد نساكهم وهو خالد بن عباد يعمل بالتقية (2) ، وسيأتي أن عمران بن حطان الخارجي كان يعمل بالتقية أيضاً ، ونصح أبو بلال مرداس امرأة من « الخوارج » يقال لها البلجاء بأن تعمل بالتقية ، فقال : « إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية ، فاستتري » (3) ، الكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ):
ونلاحظ أيضاً : أنهم كانوا يستخدمون الوضع والتزوير من أجل تأييد مواقفهم ، واتجاهاتهم ، فقد رووا : أن شيخاً منهم ـ بعد أن تاب ورجع عن مقالتهم ـ يقول محذراً : « . . . إن هذه الأحاديث دين ؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم ؛ فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً . . . » (4) .

---------------------------
(1) الإرشاد للمفيد ص17 ومصادر أخرى ستأتي .
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص87 .
(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص82 .
(4) لسان الميزان ج1 ص10و11 والكفاية للخطيب ص123 وآفة أصحاب الحديث ص71و72 واللآلي المصنوعة ج2 ص468 وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص29 عن الأولين ، وعن : السنة ومكانتها في التشريع ، للسباعي ص97 وعن : الموضوعات لابن الجوزي ص38 راجع : العتب الجميل ص122 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 23 _

  وفي نص آخر : «انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه ؛ فإنا كنا إذا تراءينا رأياً جعلنا له حديثاً » (1) ، وقال الأعمش : « جالست إياس بن معاوية ؛ فحدثني بحديث ، فقلت : من يذكر هذا ؟ ! فضرب لي رجلاً من الحرورية ، فقلت : إلي تضرب هذا المثل ؟ تريد أن أكنس الطريق بثوبي ؛ فلا أدع بعرة ، ولا خنفساء إلا حملتها ؟ ! » (2) ، وقال الجوزجاني : عن « الخوارج » ، الذين تحركوا بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « نبذ الناس حديثهم اتهاماً لهم » (3) ، والغريب في الأمر هنا : أن البعض يحاول القيام بعملية تزوير أكثر شناعة وقباحة من هذا ، وذلك عندما ادعى : أن ذلك إنما هو في الأحاديث المراسيل ، والمقاطيع من الروايات ، فقد قال : « هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل ، إذ بدعة « الخوارج » كانت في صدر الإسلام ، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم ، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثاً ، وأشاعوه .

---------------------------
(1) اللآلي المصنوعة ج2 ص468 ، والغريب في الأمر : أن نفس هذا النص مروي عن حماد بن سلمة عن شيخ من الرافضة فراجع : لسان الميزان ج1 ص11 .
(2) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص29 عن كتاب : المحدث الفاصل ، للرامهرمزي ج1 ص12 .
(3) أحوال الرجال ص34 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الثاني _ 24 _

   فربما سمعه الرجل السني ؛ فحدث به ، ولم يذكر من حدث به ، تحسيناً للظن به ، فيحمله عنه غيره ، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به ، ويكون أصله ما ذكرت الخ . . . » (1) ، ولا ندري ما وجه حمله لذلك على المقاطيع والمراسيل ؟ ! إلا أنه يريد أن يصوب رواية أصحاب الصحاح عن « الخوارج » ، حتى ليروي البخاري ـ وهو أصح كتاب بعد القرآن عندهم ـ عن عمران بن حطان (2) ، مادح عبد الرحمن بن ملجم ، قاتل سيد الوصيين علي أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) حيث يقول : يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً . . ولكنه يهاجم الرواية عن الرافضة بصورة عجيبة ، حتى لو كان الراوي صدوقاً ، ثم يذكر أقاويل علمائه بالمنع من قبول رواية الرافضة مطلقاً ، فراجع كلامه (3) ، وبعدما تقدم فإننا نعرف عدم صحة قول أبي داود : « ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج » (4) ، ممارسات لا إنسانية : وقد أرسل قطري بن فجاءة « الخوارج » الذين جاؤوا من كرمان وفارس ، مع صالح بن مخراق وسعد الطلائع لحرب عبد العزيز ، أخي المهلب ، فهزموه ، « وسبوا النساء يومئذٍ ، وأخذوا أسرى لا تحصى ، فقذفوهم في غار ، بعد أن شدوهم وثاقاً ، ثم سدوا عليهم بابه ، حتى ماتوا فيه » (5).

---------------------------
(1) لسان الميزان ج1 ص11 .
(2) راجع : العتب الجميل .
(3) راجع : لسان الميزان ج1 ص10 وراجع : ميزان الاعتدال ج1 ص27/28 .
(4) ميزان الاعتدال ، ج2 ص236 والعتب الجميل ص121 عن مقدمة فتح الباري .
(5) الكامل في الأدب ج3 ص355 وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص174 الخوارج .