ويلاحظ هنا : إن أؤلئك الذين استأمنوا إليه ، وطلب منهم ( عليه السلام ) أن يعتزلوه ، ولا يشاركوا معه في قتال إخوانهم من أهل النهروان ، والذين جرحوا وداواهم ، هم أنفسهم الذين خرجوا عليه في النخيلة ، وعلى غيره بعد ذلك في عدة مناسبات مثل حيان بن ظبيان ، ومعاذ بن جوين ، وغيرهما (1) ، ويذكر المؤرخون : أن ابن عباس هو الذي خرج لقتال « الخوارج » بالنخيلة فاستأصلهم ، ولم يفلت من القتل إلا خمسة (2) ، وذلك يوضح : أن النكسات كانت تتوالى على « الخوارج » على وتيرة واحدة ، وهي تظهر مدى ضعفهم وجبنهم ، وضعف إيمانهم .

« الخوارج » بعد علي :
   ويلاحظ : أن « الخوارج » الذين كانوا مهزومين ـ باستمرار ـ مع علي ، قد حاربوا الأمويين بضراوة وعنف ، واستمرت حروبهم لهم عشرات السنين ، وقد أنهكت هذه الحروب الحكم الأموي ، حتى أن انشغال مروان بن محمد الجعدي بحروب « الخوارج » كان هو السبب في عدم تمكنه من نجدة عامله على شرق البلاد ، وهو نصر بن سيار ، وأرسل إليه : الشاهد يرى ما لا يرى الغائب . . . وتلاحقت حروبهم للعباسيين بعد ذلك ردحاً من الزمن ، ثم خارت قواهم ، وتلاشت حركاتهم ، ولا تزال لهم بقايا في بعض البلاد إلى يومنا هذا .

نبوءة صادقة لعلي ( عليه السلام ) :
   وان الحالة التي انتهى اليها « الخوارج » ، قد أخبر عنها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ؛ فقد قال الناس لعلي ( عليه السلام ) : عن « الخوارج » : هلا ملت يا أمير المؤمنين على هؤلاء فأفنيتهم ؟ ! ، فقال : إنهم لا يفنون ، إنهم لفي أصلاب الرجال ، وأرحام النساء إلى يوم القيامة (3) ، وقد ظهر صدق هذا الكلام عبر التاريخ ، . . . حتى لقد قال المهلب الذي اخذ على عاتقه حربهم دفاعاً عن بني أمية : «ما رأيت ـ تالله ـ كهؤلاء القوم ، كلما انتقص منهم يزيد فيهم » (4) .
   نعم . . . وهذه بقاياهم لا تزال موجودة في العديد من المناطق ، مثل عمان ، وليبيا وغيرها من بلاد شمال افريقية ، وان كان وجوداً ضعيفاً وهزيلاً . . . هو الآخر قد جاء تصديقاً لقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : الذي أخبر أن آخرهم سيكونون لصوصاً سلابين .

---------------------------
(1) راجع : الكامل للمبرد ج 3 ص 196 و 136 و 236 و 238 وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 143 وراجع : الخوارج والشيعة ص 51 .
(2) راجع : قضايا في التاريخ الإسلامي ص 81 عن الكامل في الأدب ج 3 ص 975 .
(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 211 .
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 199 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 127 _


البداية :
   إننا سنتحدث في فصل مستقل عن شجاعة « الخوارج » . . . ولكننا نشير هنا إلى خصوص ما يدعى لهم من شجاعة في حرب النهروان . . . ولكننا نشير أولاً : إلى أن هذا الكتاب قد تضمن في فصوله المختلفة حديثاً كثيراً عن أسباب انتشار دعوة « الخوارج » ، وقلنا : إنه قد كان لشعاراتهم التي رفعوها ، الدور الهام في ذلك . . . بالإضافة إلى ما كانوا يتظاهرون به من زهد وتقوى ، وكذلك ما كان يلاقيه الناس من بني أمية من ظلم وجور ، إلى غير ذلك مما لا مجال لنا هنا لإعادته ، أو للتذكير به . . . غير أننا سنذكر : هنا بعض ما يرتبط بإسقاط دعوى تجعل من أحداث واقعة النهروان بالذات سبباً لذلك الانتشار أيضاً. . . لندفع غائلة ما يمارسه الحاقدون من تزوير للحق وللتاريخ لأهداف بغيضة لا تخفى ، بالإضافة إلى أمور أخرى رأينا أنها بحاجة إلى بعض التوضيح أو التصحيح، فنقول .

جبن « الخوارج » شجاعة ! !
   إن من الغريب حقاً : أننا نجد بعض من يتصدى للبحث التاريخي تبلغ به الغفلة أو التعصب حداً يجعله يصور ضعف « الخوارج » وجبنهم ، وقلة تدبيرهم وهزيمتهم النكراء بطولة خارقة وصموداً ، وإقداماً . . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 128 _

   فهو يقول عنهم : « ويشهد المؤرخون بما أبدوه من شجاعة خارقة في معركة لم تكن متكافئة ، انتهت بقتل « الخوارج » ربضة واحدة » (1) ، وتستوقفنا هنا أمور عديدة :
فأولاً : لا ندري كيف عرف : أن المعركة لم تكن متكافئة ؟ ! فهل يستطيع أن يبرز لنا جدولاً تاريخياً موثقاً ، أو حتى غير موثق يؤكد عدم التكافؤ هذا ، من خلال حجم ما حشده علي ( عليه السلام ) من قوى وعتاد عسكري ، وما كانت تمتاز به مواقعه من الناحية العسكرية على مواقع « الخوارج » ، أو أي شيء آخر يدخل في دائرة التفوق العسكري لجيش علي ( عليه السلام ) على ما كان لدى « الخوارج » من حشود ، وعتاد وسلاح ؟ ! ، وقد تقدم : عن ابن حبان أنه نص على أن جيش علي ( عليه السلام ) كان قليلاً بالنسبة لجيش « الخوارج » ، أو هو يساويه على الأقل ، بل قد يكون عدد « الخوارج » أكثر من عدد جيش علي ( عليه السلام ) فإن جيش علي ( عليه السلام ) كان أربعة آلاف رجل ، أما « الخوارج » فقد ذكرت بعض النصوص أنهم كانوا أربعة ، أو خمسة ، بل قيل : كانوا ثمانية آلاف .
   ومهما يكن من أمر فإن ابن أعثم يقول : بعد أن ذكر أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد بذل محاولات جادة لجمع الناس لحرب « الخوارج » ، وخطبهم عدة مرات ، وبعد خطبته الثالثة : أجابه الناس سراعاً ، فاجتمع إليه أربعة آلاف رجل أو يزيدون ، قال : فخرج بهم من الكوفة ، وبين يديه عدي بن حاتم الطائي ، يرفع صوته ، وهو يقول :
نـسير إذا مـا كاع قوم iiوبلدوا      برايات صدق كالنسور الخوافق
إلـى شر قوم من شراة تحزبوا      وعادوا إله الناس رب iiالمشارق
طـغاةً عماةً مارقين عن iiالهدى      وكـل لـعين قوله غير iiصادق
وفـينا  علي ذو المعالي iiيقودنا      إليهم  جهاراً بالسيوف iiالبوارق
   قال : وسار علي رضي الله عنه ، حتى نزل على فرسخين من النهروان ، ثم دعا بغلامه ، فقال : اركب إلى هؤلاء القوم ، وقل لهم عني . . . الخ (2) ، فيتضح من هذا النص : أن التاريخ ليس فقط يرفض أن تكون كفة جيش علي ( عليه السلام ) هي الراجحة ، بل هو يثير احتمالات قوية وجادة في أن تكون كفة « الخوارج » هي الراجحة ، من حيث العدد على الأقل ، فضلاً عن وجود دوافع قوية لدى « الخوارج » للفتك بعلي ( عليه السلام ) وبجيشه ، مع فقد الحماس لدى جيش علي ( عليه السلام ) إلى درجة مخيفة .

---------------------------
(1) قضايا في التاريخ الإسلامي ص 80 وأشار في الهامش إلى الأخبار الطوال ص 210 والعبر وديوان المبتدأ و الخبرج 3 ص 142 .
(2) الفتوح لابن أعثم ج4 ص105 والبيت الثاني المتقدم ذكره المعتزلي في شرح النهج ج 2 ص 29 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 129 _

ثانياً : إننا مهما فرضنا من تفوق في العدد والعدة في جانب جيش علي ( عليه السلام ) ، فان النتائج التي أسفرت عنها الحرب تبقى مذهلة وصاعقة ، فإنه إذا كان « الخوارج » مستميتين في هذه الحرب . . . ولنفرض أن عددهم كان قليلاً جداً ولو مئة رجل مقاتل فقط ، وكان في مقابلهم عدد هائل جداً ولو بنسبة مئة ألف مقاتل . . . وكان الضعف في جانب تلك الفئة القليلة المستميتة وكان الفرسان الشجعان في جانب هذه الكثرة . . .
   نعم . . . إننا حتى لو فرضنا ذلك . . . فإن ما نتوقعه من هؤلاء المستميتين هو أن يقتلوا من ذلك الجيش الذي ليس لديه رغبة كبيرة بالموت ، بل جاء إلى الحرب بتثاقل و وهن وقد بُذل جهد كبير في استنفاره ودفعه إلى ساحة الجهاد ـ إننا نتوقع من هؤلاء المئة المستميتين ـ أن يقتلوا منه بعددهم على الأقل ، وذلك في أسوأ الاحتمالات وأكثرها تشاؤماً . . . فكيف إذا كان المستميتون ألوفاً مؤلفة ، ويحتمل أن يكون عددهم ضعف عدد الجيش الذي يواجههم ، والمتثاقل عن قتالهم ؟ ! ، وكيف إذا كانوا قد قتلوا بأجمعهم ، ولم ينج منهم عشرة ، ولم يقتلوا من جيش علي ( عليه السلام ) حتى عشرة ؟ ! ! فهل ثمة من جبن وذهول ، واستسلام ، وخور أكثر من هذا ؟ ! وكيف استطاع هذا الكاتب ان يعتبر ذلك شجاعة لهم ، فضلاً عن أن يعتبره شجاعة خارقة ؟ ! ، إن هذا الأمر لا يمكن اعتباره حتى تهوراً ومجازفة . . . فإن المجازف والمتهور يكون شرساً وجارحاً ، وفاتكاً في من يعاديه ، ويهاجمه .
ثالثاً : والأغرب من ذلك هو أن قتلهم قد كان في محل واحد وربضة واحدة ، فأين هي مراوغتهم في الحرب ، وأين هي جولات الفرسان ، ومخاتلة الأقران ، ومقارعة الشجعان ؟ ! وكيف يمكن لهذه الألوف المؤلفة أن تقتل بهذه الطريقة ، إلا إذا كانت قد استسلمت لقاتليها كما يستسلم قطيع من الغنم لذابحه بكل بلادة ويسر وهوان ؟ ! وكيف يمكن لجيش حتى لو بلغ مئات الألوف أن يذبح ألوفاً من الناس ربضة واحدة ، وأسلحتهم بأيديهم ، وساحة الحرب مفتوحة أمامهم .
رابعاً : إذا كان قد نجا منهم أقل من عشرة ، فلماذا لم يلحق بهؤلاء العشرة عشرات ومئات وألوف أمثالهم لينجوا بأنفسهم من قتل لا فائدة فيه ولا عائدة ؟ ! !

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 130 _

دعاوى حول أسباب تجذر مذهب « الخوارج » :
   ويدعي بعض الذين لا يمتلكون قدرة على التحليل الصحيح لأكثر من سبب : « أن الموت الدرامي للخوارج في النهروان أضحى في نظر اللاحقين من « الخوارج » استشهاداً بطولياً من أجل المبدأ والعقيدة ، لذلك أصبح المذهب الخارجي بعد النهروان يستند إلى أساس قوي من الفكر ، والعقيدة والنضج السياسي ، وانتشرت في العالم الإسلامي تعاليمه بما تنطوي عليه من ثورية وديمقراطية ، ودعوة للمساواة ، والعدالة الاجتماعية ، ولا غرو فقد لقي استحساناً عند الموالي ، وخرج من دائرة العروبة إلى نطاق الإسلام » (1) ، ونقول : إن هذا الكلام لا يمكن قبوله لأكثر من سبب :
   فأولاً : إن هذا القائل نفسه يقول بعد ذلك مباشرة وفي نفس الصفحة : « إن حركات الخوارج بعد النهروان برغم كثرتها لم تسفر عن نتائج ايجابية ، ويعزى ذلك بالدرجة الاولى لافتقارها إلى التنظيم ، واتسامها بالعفوية ، والثورية المفرطة » (2) ، فالذين يستندون إلى أساس قوي من الفكر ، والنضج السياسي، كيف يغفلون أمر التنظيم ؟ وكيف يتحركون بعفوية وثورية مفرطة ، تكون سبباً في إزهاق الأرواح والنفوس ، وفي إفساد حياة الناس ، دون أن يكون لها أية فائدة أو عائدة في إسقاط نظام الجبارين ، وتخليص الناس من المصائب والبلايا التي يعانون منها ؟ !
   ثانياً : لم نفهم ماذا يقصد بالموت الدرامي للخوارج ، فإن من الواضح: أنه ما كان إلا موت الجبناء ، الذين على كثرتهم لم يستطيعوا أن يرفعوا أيديهم بالسيوف أمام جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فإذا كانوا مستميتين ، ويعدون بالألوف ، وإذا كانوا شجعاناً فما بالهم لم يقتلوا من جيش علي عشرة أشخاص ، ولم ينج منهم هم عشرة ؟ ! ، علماً بأن جيش أمير المؤمنين لم يكن أكثر منهم عدداً ، بل ربما تشير بعض النصوص ـ كما تقدم ـ إلى أنهم كانوا هم الأكثر عدداً ، والأشد تصميماً على القتال ، من جيش علي الذي كان أكثره متردداً يدفعه علي ( عليه السلام ) دفعاً لقتالهم . . .
   ثالثاً : حبذا لو ذكر لنا هذا الرجل مفردات ولو يسيرة جداً ، بل ولو مفردة واحدة تدل على نضجهم السياسي ، بل إن النضج السياسي الذي يدعيه هذا الرجل لهم قد تجلى في انقساماتهم السريعة ، التي كانت تحصل لأتفه الأسباب وأبعدها عن التعقل والاتزان ، والتي لا تملك مبرراً يمكن تصنيفه في دائرة الوعي والنضج السياسي أبداً ، وعلي ( عليه السلام) كان أعرف بهم من كل احد ، وهو الذي يقول فيهم : بأن لهم حلوم الأطفال ، وأنهم أخفاء الهام ، سفهاء الأحلام ، ونظن أن الهدف من هذا الادعاء هو التشكيك بهذا القول وما يشبهه مما سيأتي شطر منه إن شاء الله.

---------------------------
(1) قضايا في التاريخ الإسلامي ص 82 و 83 تأليف الدكتور محمود إسماعيل .
(2) قضايا في التاريخ الإسلامي ص 83 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 131 _

   رابعاً : لا ندري كيف نفسر قوله ، إن المذهب الخارجي يستند إلى أساس قوي من الفكر ، فهل يستطيع أن يدلنا على مفكر واحد أنتجته الحركة الخارجية ؟ ! وما هي معالم هذا الفكر ، ومعاييره ، وأصوله ، ومناهجه ؟ ! ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في بعض فصول هذا الكتاب كيف أن « الخوارج » كانوا أعراباً جفاةً ، لا يستضيئون بنور العلم ، ولا يمسكون بأي سبب من أسباب المعرفة والحكمة .
   خامساً : فيما يرتبط بالأساس العقيدي القوي الذي ادعى أن مذهبهم يستند إليه نقول : لقد كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلي ( عليه السلام ) أعرف بهم منه ، حين قال ( صلى الله عليه وآله ) عنهم إنهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، وان الدين لا يجاوز تراقيهم .
   سادساً : إن غاية ما يمكن أن يتمسك به هؤلاء مما يمكن تصنيفه في دائرة النضج السياسي ، هو تلك الشعارات التي كانوا يرفعونها ، والتي كانت تستهوي الأحداث والجهلة ، والتي كانوا يذكرون معها ما يشير إلى ظلم بني أمية وجورهم ، ولكن ماذا تنفع تلك الشعارات ، إذا كانوا يستحلون هم معها قتل الأطفال، وبقر بطون النساء المسلمات ؟ ! ! ولا يجرؤون في المقابل على الإساءة إلى أحد من غير المسلمين ، في تناقضات بديعة ، وشنيعة ، لا يستسيغها عقل ، ولا يرضى بها ضمير ، ولا يقرها وجدان .
  سابعاً : ولا ندري ماذا يعني بانتشار تعاليم « الخوارج » في العالم الإسلامي ، فهل انتشر ذلك في أوساط أهل الفكر والعلم ؟ ! أم انتشر ذلك بين الجهال ؟ ! أهل الطيش وأصحاب الأطماع ، وطلاب اللبانات ، ولماذا لم تستقر هذه التعاليم في الناس ؟ ، بل سرعان ما انحسرت ، ولم يبق لها أي أثر إلا بعد أن مستها يد التقليم والتطعيم ، التي لم تنجح أيضاً في إبقاء شيء من تعاليمهم إلا في مناطق نائية ليس فيها أثر يعتد به للنشاط الثقافي ، والعلمي ، والفكري . . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 132 _

هل يدافع علي ( عليه السلام ) عن حكمه ؟ !
   وإذا أردنا أن نجيب على السؤال الذي يقول : لماذا كان علي ( عليه السلام ) شديداً في أمر « الخوارج » إلى هذا الحد ، حيث قتلهم في النهروان ، حتى لم يفلت منهم إلا أقل من عشرة . . . وهم الذين كانوا إلى الأمس القريب معه ، ومن جملة جيشه ، الذي حارب معه معاوية ، ومع أنه ( عليه السلام ) هو ذلك الرجل المعروف بأنه الرؤوف الرحيم ، وهو الذي لم يزل يسعى لدرء الفتنة ، وإخماد النائرة ، بأقل قدر ممكن من الخسائر في الأرواح ؟ ! فهل كان يريد الانتقام لشخصه ، من حيث إنه يرى في « الخوارج » خطراً متوجهاً إليه كشخص ؟ ! ، إننا نجله كل الإجلال عن مثل ذلك ، وهو الرجل الذي اثبت عملياً ، ومن يوم وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، أنه أسمى من أن يفكر بغير الإسلام ، وهو القائل : لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن جور إلا عليَّ خاصة (1) .
   أو أنه كان يرى في « الخوارج » خطراً يتهدد نظام حكمه ، الذي يريد له أن يبقى ويستمر ثابتاً وقوياً ، حتى لو كان ثمن ذلك هو قتل الألوف من الناس ؟ ! ، أم أن له ثارات عند هؤلاء القوم ، أراد أن يستوفيها بهذه الطريقة الحازمة والحاسمة ؟ ! إن سيرة علي ، وما بينه الله ورسوله في حقه ليكذب كل هذه الدعاوى . . . ويبطلها ولسنا بحاجة إلىسوق الشواهد على ذلك ، وأما الحديث عن ان له ثارات على « الخوارج » ، فهو اسخف من أن يرد عليه ، مادام أن حياة علي ( عليه السلام ) كلها كانت جهاداً وتضحيات في سبيل حفظ دين الناس وكراماتهم . . .
   ولا يمكن أن نجد في هذا التاريخ ما يشهد لوجود ثارات له عليهم أولهم عليه ، وليس علي بالذي يستحل أمراً من هذا القبيل . . . ولابد أن ننتظر الإجابة الصحيحة على السؤال من علي ( عليه السلام ) نفسه ، الذي اعلن بها بكل صراحة ووضوح ؛ حيث قال : « أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ » (2) .

---------------------------
(1) ولأجل ذلك استمر ( عليه السلام ) بالمعارضة لكل حاكم اغتصب الخلافة ، ولم يلتزم بحكم الله فيها ، لأن أمور المسلمين لا يمكن أن تسلم في ظل حكومة هذا النوع من الناس ، ولو كانت تسلم بذلك لم يصح فرض امامة وخلافة من الله ورسوله ، وقد نتج عن هذه المعارضة المستمرة إقصاؤه ( عليه السلام ) عن حقه طيلة خمس وعشرين سنة ، ثم كان من نتيجة ذلك ما ابتلي به من حروب في أيام خلافته ، تلك الحروب التي كان يمكنه تجنبها لو أنه قبل بالعمل بنهج غيره ، وداهن في دين الله ، وقد طلب منه ذلك أكثر من مرة ورفض ، ورضى بمواجهة الأذى في ذات الله حتى مات شهيداً مظلوماً على يد أشقاها .
(2) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 122 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 133 _

خوارج آخر الزمان :
   وثمة كلام آخر يقوله بعض الناس عن قضية « الخوارج » مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ؛ وهو ما يلي : « . . . قد يقال: إن الخوارج هم الذين اضطروه إلى هذا العمل ، وأنهم ما لبثوا بعد ذلك أن طلبوا إليه الرجوع عنه ، وأنه لم يكن له من الرأي والحكم شيء ، ولكن هذا يتناقض مع المنطق الصحيح ، ذلك أن علياً حينما وقع مع معاوية أراد أن لا يفرق جماعته ، فترك الحق الإلهي بلا ثمن ، ذلك الحق الذي كان ضرورياً له في محاربته لخصومه ، ومن أجل التمسك بالاتفاق أبعد حقه ، وترك الأساس الذي يقوم عليه ، والذي تتحقق به الخلافة ، أما هؤلاء الذين تمسكوا به ، فقد تمسكوا بشخصه ، ولم يسيروا معه في أمره على أنه أمر الله ، بل على أنه أمر علي ، كما فعل أهل الشام في أمر معاوية ، ولم يكونوا على أساس قوي عندما ينتظرون التحكيم كأهل الشام ، وهكذا زهدوا في مبدأهم الديني السياسي ، الذي كان لابد منه لكل مسلم ، ومن هنا تفتحت عيون « الخوارج » على الإمام علي وأصحابه ، وعرفوا أن الحق الذي ينادون به ليس إلا حجة ، وأنهم إنما يريدون السلطان ، ورأى « الخوارج » أنه إن كان ذلك قد حصل أول الأمر ، فلا يمكن أن يصير كذلك إلى آخر الأمر. . . » (1) .
   ونقول : إن هذا البعض قد بذل قصارى جهده ليسجل إدانة لأمير المؤمنين في تعاطيه مع قضية التحكيم ، فأدان نفسه من حيث قد أفهم الناس : انه لم يطلع على وقائع التاريخ بدقة ، أوأنه قد اطلع عليها ، ولم يتمكن من استخلاص الحقيقة بوعي ، ويقظة وتدبر ، أو أنه لا هذا ولا ذاك ، وإنما هو التعصب والحقد البغيض من ذي عاهة مريض ، لا يطيق كبت مشاعره الحقيقية ، فتظهر لمحات من ذلك التعصب وبوادره في موارد ومناسبات مختلفة ، ولسنا هنا بصدد الدفاع عن علي فإنه ( عليه السلام ) غني عن دفاعنا فانه مع الحق ، والحق معه ، يدور حيثما دار ـ بشهادة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، كما أننا لسنا بصدد الهجوم على سواه ، بل نريد فقط لفت نظر القارئ إلى بديهة تاريخية تقول : إن علياً ( عليه السلام ) حين قبل بالتحكيم ، فإنه لم يترك الحق بلا ثمن كما زعم هذا القائل ، بل هو قد ألزم عدوه بما ألزم به نفسه ، ولو أن « الخوارج » لم يفسدوا ذلك بتعنتهم وإصرارهم على جعل أبي موسى الأشعري ، عدو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فإنه ـ أعني ما ألزم به معاوية ـ لابد أن يسقط معاوية ، ويؤكد حق علي ( عليه الصلاة والسلام ) . . . لأن القرآن سوف يحكم له ( عليه السلام ) على معاوية لعنه الله ، ولأجل ذلك طلب من الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، وقال لهما أيضاً : أحكما بما في القرآن ولو في حز عنقي ، وقد كان حق علي ( عليه السلام ) ثابتاً قبل التحكيم بالنص الصريح عليه ، فإنه كان هو الوصي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وثابتا بالتحكيم لأن القرآن يحكم بالإمامة لعلي دون معاوية ، فهو الذي قال الله عنه : ( إنما وليكم الله ورسوله ، والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وهم راكعون ) .

---------------------------
(1) الدكتور علي حسن عبد القادر : نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 170 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 134 _

   وهو الذي نزلت فيه آيات الغدير ، ونزل فيه قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) . . . و ( هو الذي عنده علم الكتاب ) . . . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تُقدّر بالمئات ، وتدل على إمامته وخلافته ، وعلى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ومعاوية وأحزابه من الظالمين المحرومين من الكرامة الربانية ، بمقتضى قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين .
   تماماً كما حرمت هذه الآية الذين ظلموا الزهراء ( عليها السلام ) فور وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، من أن يكون لهم في هذا الأمر أي نصيب ، كما أن آية : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) قد حرمتهم جميعاً ومعاوية منهم من الخلافة الربانية ، لأن جهلهم بدين الله كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار ، إلى غير ذلك من آيات بينات تتحدث عن حرمان من يحمل صفات معاوية ، ويفعل أفاعيله التي تتمثل بالخيانة ، والكذب ، والفسق ، والقتل ، والظلم ، والفتنة والمكر السيء وما إلى ذلك ، تحرمه من نيل مقام الخلافة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن مقام الولاية على الناس .
   كما أن حقه ( عليه السلام ) ثابت بعد التحكيم ، لأن احتيال عمرو بن العاص على أبي موسى ، لا يلغي حق ذي الحق ، ولا يجعل الحق باطلاً ، بل هو يدين من يمكر ، ويوجب العقوبة لمن يحتال . . . فما معنى قول هذا القائل إذن : إن علياً ( عليه السلام ) قد ترك الحق الإلهي بلا ثمن ؟ ! وهل يمكن ترك الحق الإلهي ، مقابل أثمان ؟ وما هو نوع تلك الأثمان التي تبرر ترك الحق الإلهي ؟ ! وما هو ذلك الأساس الذي تقوم عليه ، وتتحقق الخلافة به ، وقد تركه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ؟ ! إن ما ذكره هذا البعض هو صورة طبق الأصل لما يقوله « الخوارج » أنفسهم ، ولا غرو ، فإن هؤلاء في انحرافهم عن علي ( عليه السلام ) لا يختلفون عن أسلافهم من أهل النهروان ، غير أن أولئك قد شهروا السيوف الهندية في وجه علي ( عليه السلام ) وشيعته الأبرار ، وهؤلاء يشهرون أقلام الخيانة والتزوير ، التي يغذوها حقد دفين ، ومكر خفي ، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 135 _

« الخوارج » وحرية الرأي :
   وغني عن البيان : أن « الخوارج » حين كانوا يقتلون من يخالفهم في الرأي ، بعد أن يكفروه ، إنما كانوا يسعون لفرض آرائهم على الناس بالقوة ، وكان هذا النهج هو السبب في انقساماتهم السريعة ، وتمزقهم المستمر ، وتفرق كلمتهم باطراد ، واللافت أيضاً : أننا نجد منهم إصراراً لا مبرر له على آرائهم ومعتقداتهم الباطلة حتى بعد ظهور زيفها ، ولا يثنيهم ظهور بطلانها عن محاولة فرضها على الناس بالقوة ، كما يظهر لمن قرأ تاريخهم ، وأصبح الناس معهم أمام خيارين لا ثالث لهما :
الأول : أن يؤمنوا بالباطل ويتخذوه ديناً .
الثاني : أن يواجهوا الموت والهلاك بأبشع صوره ، وأشدها ألماً وهولاً ، وهذا الأمر هو الذي جعل الناس سرعان ما يدركون خطرهم ، ونفر العقلاء منهم ، وجعلهم يندفعون إلى العمل على صيانة حرية الاعتقاد ، وإلى دفع شرهم عن الناس الأبرياء .
   هذا بالإضافة ، إلى أن إفساح المجال أمام دعوة « الخوارج » ، إنما يعني القبول بسقوط النظام الاجتماعي العام ، وجعل كل شيء في خطر دائم ومستمر ، وهذا مما لا مجال لقبوله ، ولا طريق للسكوت عنه .

هذا حقد أم جهل ؟ !
   قال بعضهم : « قد كانت الثورة ضد عثمان ثورة ضد الخليفة في سبيل الله ، ومن أجل الحق والعدل ضد الباطل والجور ، ولم يكن هذا المبدأ ليستعمل ضد عثمان بشخصه ، ولكنه كان ضد كل حاكم يحيد عن الطريق الصحيح ، وعلى هذا الأساس خرج « الخوارج » على الإمام ، فهذه الثورة ، التي جاءت به إلى الخلافة ، ما كانت لتغمض عينها عن علي نفسه عندما يحيد عن الصواب » (1) .
   ونقول : إن هذا الرجل قد أخذ كلامه من مستشرق حاقد لئيم ، وهو يوليوس فلهوزن ، حيث يقول : « . . . فالثورة التي أتت بعلي إلى الخلافة ، لم تتعاون معه حينما ضل الطريق » (2) ، وهو كلام لا يمكن قبوله ، ولا السكوت عنه ، وذلك :
   أولاً : لا ندري إن كان فلهوزن ومن تبعه ممن ينعق مع الناعقين ، يجهلون حقيقة : أن « الخوارج » لم يكن لهم أي دور في وصول علي ( عليه السلام ) إلى الخلافة ، فإن هؤلاء الناس كانوا أعراباً جفاةً ، يعيشون بذهنيتهم العشائرية في مناطق بعيدة عن مركز القرار ، وهم عراقيون ، وليسوا من أهل الحجاز ، ولم يكن لهم ذكر ولا شأن ، وإنما ظهر أمرهم ، وطرأ ذكرهم بعصيانهم وتمردهم على أمير المؤمنين في صفين وبعدها .
ثانياً : إن هذا الخبيث يجعل نفسه في موقع العارف بالخطأ ، والصواب ، و الضلال ، والهدى ؛ فهو يوزع الأوسمة ، ويعطي الشهادات بالهدى وبالضلال لمن أحب حتى تطاول ـ لعنه الله ـ على من هو مع الحق ، والحق معه ، وباب مدينة علم رسول الله ، وسيد الخلق من بعده وصفوة الله ، وخيرة الله ، وسفينة نجاة هذه الأمة .
ثالثاً : إن علياً لم تأت به ثورة ، وإنما هو وصي رسول رب العالمين ، وقد نص الله ورسوله على إمامته وخلافته ، وكانت عودة الناس إليه هي التصرف الطبيعي ، والانصياع إلى الحكم الشرعي ، والتكليف الإلهي ، فهم قد اغتصبوا مقامه وموقعه ؛ فلا غرو إذا أرغمتهم الوقائع على الاعتراف بخطأهم ، وعلى التراجع عن هذا الخطأ ، وإعادة الأمور إلى نصابها .

---------------------------
(1) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 170 تأليف الدكتور على حسن عبد القادر .
(2) الخوارج والشيعة ص 39 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 136 _



« الخوارج » يسبون عائشة :
   قد عرفنا ، أن هؤلاء ، الذين أجبروا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على التحكيم ، هم أنفسهم الذين عادوا وحكموا عليه بالكفر لقبوله بما أكرهوه عليه . . . وحكموا على عثمان أيضاً بالكفر من أجل مخالفات صدرت منه في السنين الأخيرة . . . وحكموا على عائشة كذلك بالكفر ، بسبب ما أحدثته من أمور بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد ورد : أنها سألت أبا قتادة الأنصاري ، ومن كان من الأنصار الستين أو السبعين رجلاً ، بعد رجوعهم من قتال « الخوارج » مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ سألتهم عما كان « الخوارج » يقولونه : فقال لها أبو قتادة الأنصاري : « يسبون أمير المؤمنين ، وعثمان ، وأنت ، ويكفرونكم ، فلم نزل نقاتلهم ، وعلي ( عليه السلام ) بين أيدينا ، وتحته بغلة النبي . . . الخ » .
   ثم تذكر الرواية : أن علياً ( عليه السلام ) قال لهم : لا تتبعوا مولياً ، ثم تذكر أيضاً : حديث ذي الثدية . . . ثم رواية : عائشة لهم ما سمعته من النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذم « الخوارج » ، وأنه « يقتلهم أحب الخلق إلى الله ورسوله ، قال أبو قتادة : قلت : قد علمت هذا ، فلم كان منك ما كان ؟ ! فقالت : وكان أمر الله قدراً مقدورا » ، وفي نص آخر : أنها اعتذرت عن ذلك بأنها كانت قد وجدت عليه بسبب موقفه من قصة الإفك ، فكان منها تجاهه ما كان ، قالت : « وأنا الآن فاستغفر الله مما فعلته » (1) .

---------------------------
(1) راجع فيما تقدم : تذكرة الخواص ص 104 و 105 وبهج الصباغة ج 7 ص 120 وتاريخ بغداد ج 1 ص 160 وعنه في الغدير للأميني ج 7 ص 154 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 137 _

وحسب نص الخطيب البغدادي :
لما فرغ علي بن أبي طالب من قتال أهل النهروان ، قفل أبو قتادة الأنصاري ، ومعه ستون أو سبعون من الأنصار ، قال : فبدأ بعائشة ، قال أبو قتادة : فلما دخلت عليها قالت : ما وراءك ، فأخبرتها أنه لما تفرقت المحكمة من عسكر أمير المؤمنين لحقناهم فقتلناهم ، فقالت : ما كان معك من الوفد غيرك ؟ ! قال : بلى ، ستون أو سبعون ، قالت : أفكلهم يقول مثل الذي تقول ؟ قلت : نعم قالت : قص علي القصة ، فقلت : يا أم المؤمنين ، تفرقت الفرقة ، وهم نحو من اثني عشر ألفاً ، ينادون لا حكم إلا لله ، فقال علي : كلمة حق يقال يراد بها باطل .
   فقاتلناهم بعد أن ناشدناهم الله وكتابه ، فقالوا : كفر عثمان ، وعلي ، وعائشة ، ومعاوية ، فلم نزل نحاربهم ، وهم يتلون القرآن ، فقاتلناهم وقاتلونا ، وولى منهم من ولّى ، فقال علي : لا تتبعوا مولياً ، فأقمنا ندور على القتلى ، حتى وقفت بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي راكبها ، فقال : إقلبوا القتلى ، فأتيناه ، وهو على نهر فيه القتلى فقلبناهم ، حتى خرج في آخرهم رجل أسود على كتفه مثل حلمة الثدي ، فقال علي : الله أكبر ، والله ، ما كذبت ولا كذبت ، كنت مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد قسم فيئاً فجاء هذا ، فقال : يا محمد ، اعدل ، فوالله ما عدلت منذ اليوم .
   فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ثكلتك أمك ، ومن يعدل عليك إذا لم أعدل ؟ ! فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله، ألا اقتله ؟ ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا ، دعه فإن له من يقتله ، وقال صدق الله ورسوله ، قال : فقالت عائشة : ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق ، سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : تفترق أمتي على فريقين ، تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم ، محفون شواربهم ، أزرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن ، لا يتجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبهم إلي ، وأحبهم إلى الله تعالى ، قال : فقلت : يا أم المؤمنين ، فأنت تعلمين هذا ! فلم كان الذي منك ؟ قالت : يا أبا قتادة ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً ، وللقدر أسباب (1) .

---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 1 ص 160 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 138 _

نظرة في اعتذار عائشة :
   ونقول : إن من جملة ما يلفت النظر فيما يرتبط بالنصوص المتقدمة التالية :
(1) إن الظاهر هو أن الشيخ المفيد رحمه الله تعالى قد أخذ قوله بأن من أسباب حرب الجمل ، هو حقد عائشة على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بسبب موقفه ( عليه السلام ) في قصة الإفك ـ أخذه ـ من هذه الرواية ، ومن عائشة نفسها ، لكننا قد أثبتنا في الجزء الثاني عشر من كتابنا ( الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وفي كتاب مستقل أسميناه ( حديث الإفك ) ، وهو مطبوع في بيروت : أن هذه القضية مزيفة ، ولا يمكن أن تصح ، وأن الإفك إنما كان على مارية لا على عائشة . . . وأن نسبة ذلك إلى عائشة قد كان بسعي من أم المؤمنين نفسها لتفوز بالبراءة الإلهية ، وربما لغير ذلك من أسباب . . . وقد أخذه الشيخ المفيد ، وهو غافل عن حقيقة الأمر ، ومن دون تحقيق علمي كاف .
   وها هي عائشة هنا تحاول التأكيد على هذا الأمر بادعاء أنها كانت واجدة على علي ( عليه السلام ) بسبب موقفه من حديث الافك ، فإذ قد ثبت أن القصة مفتعلة ، فكل الآثار التي يراد ترتيبها عليها ، تصبح بلا قيمة ، وتدخل في دائرة الكيد الإعلامي والسياسي الذي لا يعود بعائدة ، ولا يفيد أية فائدة على صعيد تحقيق الحق ، وإثبات ما هو واقع ، ولعل أم المؤمنين قد حقدت على أمير المؤمنين ، من أجل تبرئته لمارية بالطريقة القاطعة لأي عذر والمزيلة لأي شبهة أو ريب ، وكان موقفه ( عليه السلام ) هو النكير على الافكين الحقيقيين ، وإظهار زيفهم ، وإسقاط الأقنعة عن وجوههم .
(2) قد وردت عدة نصوص عن عائشة ، تدين فيها « الخوارج » ، وتذكر ما سمعته عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذمّهم ، ومدح من يقتلهم . . . والذي نعهده من عائشة هو حرصها الأكيد على عدم ذكر أي شيء في فضل علي ( عليه السلام ) ، كما ظهر من حديثها الذي تذكر فيه خروج النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئاً على الفضل بن العباس ، ورجل آخر ( لم تذكر اسمه بغضاً ) منها له ، هو علي ( عليه السلام ) ، غير أنها هنا لم تملك نفسها فصرحت بفضيلة كبرى لعلي علي السلام . . . ولعل ذلك بسبب انفعالها وحماسها الذي أثاره ما سمعته عن « الخوارج » من أنهم يسبونها ، ويكفرونها ، والله هو العالم بحقيقة الدوافع والنوايا . . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 139 _

(3) واللافت هنا : أننا نجد بعض النصوص تقول : إن علياً ( عليه السلام ) قال : « لقد علم أولو العلم من آل محمد ، وعائشة بنت أبي بكر ، فاسألوها : إن أصحاب ذي الثدية ملعونون على لسان النبي الأمي ( صلى الله عليه وآله ) » ، وفي رواية : « إن أصحاب النهروان» (1) ، فهو ( عليه السلام ) يوجه الأنظار إلى موقف عائشة ، الذي سيأخذه محبوها وغيرهم على مأخذ الجد أكثر من مواقف غيرها من الصحابة ، وهي العدوة اللدود لعلي ( عليه السلام ) ، والتي لا تطيق أن تذكره بخير أبداً ، وهي زوجة النبي وبنت الخليفة الأول، ومدللة الخليفة الثاني ، ولها امتداد واسع ونفوذ قوي لدى جميع المخالفين لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والذين ما فتئوا يعملون على تقويض حكمه وطمس فضائله ، وتعظيم أعدائه وإطرائهم .
(4) قد ظهر من النص المتقدم نقله عن علي ( عليه السلام ) ، فيما يرتبط بما ينقله الصحابة وعائشة عن رسول الله في ذم أصحاب ذي الثدية : أن علياً ( عليه السلام ) يريد أن يرسخ الاعتقاد بالإخبارت الغيبية التي تحكي قضيته مع أعدائه ، وتؤكد حقانية موقفه . . . وما ركوبه لبغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حربه للخوارج وإصراره على الاخبارات الغيبية المتنوعة في أكثر من مورد في حربه مع « الخوارج » وغيرهم إلا للتأكيد على صلته برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واختصاصه به ، ولتكذيب ما يحاول أعداؤه ومناوؤوه أن يكيدوه به .
(5) إن عائشة تعتذر عما فعلته مع علي ( عليه السلام ) ، حينما واجهته بالحرب ، التي حصدت الألوف من المسلمين ـ تعتذر عن ذلك بالجبر الإلهي ، وهي العقيدة التي أسسها عمر بن الخطاب ، ثاني الحكام بعد رسول الله ، وتبعه في ذلك ، معاوية ثم يزيد فيما يرتبط بقتله للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهكذا فعل غيرهم من الحكام والأمراء من الأمويين وغيرهم ، وأصبح ذلك جزءاً من عقائد فريق كبير من الناس في داخل المجتمع الإسلامي ، وهي عقيدة مأخوذة من اليهود ، وكانت مستقرة في عقول المشركين ، فراجع كتابنا « أهل البيت في آية التطهير » وغيره .

---------------------------
(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 239 وقال : رواه الطبراني في الصغير والاوسط بأسنادين وقال : رجال أحدهما ثقات ، وتاريخ بغداد ج 13 ص 282 وليس فيه ذكر عائشة .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 140 _

موقف عائشة من « الخوارج » :
   وقد ذكر عاصم بن كليب عن أبيه : أن رجلاً أراد أن يكلم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أمر ، فشغل ( عليه السلام ) عنه ، فسألوا ذلك الرجل عن ذلك ، فقال : إني كنت في العمرة ، فدخلت على أم المؤمنين عائشة ، فقالت : ما هؤلاء الذين خرجوا قبلكم ، يقال لهم : حروراء ، فقلت : قوم خرجوا إلى أرض قرية منا ، يقال لها حروراء ، قالت : فشهدت هلكتهم ؟ ! قال عاصم : فلا أدري ما قال الرجل : نعم ، أم لا ، فقالت عائشة : أما إن ابن أبي طالب لو شاء حدثكم حديثهم ، فجئت أسأله عن ذلك ، فلما فرغ علي مما كان فيه ، قال : أين الرجل المستأذن ؟ ، فقام فقص عليه ما قص علينا ، قال : فأهلّ علي وكبر ، وقال : دخلت ( على ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وليس عنده غير عائشة ، فقال : كيف أنت يا ابن أبي طالب ؟ وقوم كذا وكذا ؟ ! فقلت : الله ورسوله أعلم ، فأعادها ، فقلت : الله ورسوله أعلم ، قال : قوم يخرجون من قبل المشرق ، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (1) .

عائشة تطلب البينة على المخدج :
   عن مسروق قال : قالت عائشة : يا مسروق ، انك من ولدي ، وإنك من أحبهم إلي ، فهل عندك علم من المخدج ؟ ، قال : قلت : نعم ، قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه : تامرّا ، ولأسفله النهراون بين حقايق وطرفاء ، قالت : إبغني على ذلك بينة ، فأتيتها بخمسين رجلاً من كل خمسين بعشرة ـ وكان الناس إذ ذاك أخماساً ـ يشهدون : أن علياً ( عليه السلام ) قتله على نهر يقال لأعلاه : تامرا ، ولأسفله النهروان بين حقايق وطرفاء ، فقلت : يا أمّه ، أسألك بالله ، وبحق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبحقي ـ فإني من ولدك ـ أي شيء سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول فيه ؟ ! ، قالت : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : هم شر الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأقربهم عند الله وسيلة (2) ، وهذه الحادثة هي غير ما جرى لها مع عبد الله بن شداد ، وهي التالية :

---------------------------
(1) كشف الأستار ج 2 ص 362 و 363 ، ومجمع الزوائد ج 6 ص 238 عنه وعن أبي يعلى ورجاله ثقات .
(2) مناقب علي ابن أبي طالب لابن المغازلي ص 56 وفي هامشه عن مجمع الزوائد ج 6 ص 239 وقال : رواه الطبراني، وتراه في أرجح المطالب ص 599 ط لاهور وفيه ( فأتيتها من كل سبع برجل ) ، وشرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 267 ، والبحار ج 38 ص 15 و 16 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 141 _

ابن شداد يروي لعائشة :
   وقد روى أحمد بسنده عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري ، قال : جاء عبد الله بن شداد ، فدخل على عائشة ونحن عندها جلوس ـ مرجعه من العراق ليالي قتل علي رضي الله عنه ـ فقالت له : يا عبد الله بن شداد ، هل أنت صادقي عما أسألك عنه ؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي رضي الله عنه ، قال : ومالي لا أصدقك ؟ ! قالت : فحدثني عن قصتهم ، قال : فان علياً لما كاتب معاوية ، وحكم الحكمان ، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس ، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة ، وإنهم عتبوا عليه ، فقالوا : انسلخت من قميص ألبسكه الله تعالى ، واسم سماك الله تعالى به ، ثم انطلقت فحكمت في دين الله، فلا حكم إلا لله تعالى .
   فلما ان بلغ علياً رضي الله عنه ما عتبوا عليه ، وفارقوه عليه ، فأمر مؤذناً فأذن ان لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن ، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس ، دعا بمصحف إمام عظيم ، فوضعه بين يديه ، فجعل يصكّه بيده ، ويقول : أيها المصحف ! حدّث الناس ! فناداه الناس ، فقالوا : يا أمير المؤمنين : ما تسأل عنه ؟ إنما هو مداد في ورق ، ونحن نتكلم بما روينا منه ، فماذا تريد ؟ ! قال : أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله.
   يقول الله تعالى في كتابه ، في امرأة ورجل : وإن خفتم شقاق بينهما ، فابعثوا حكماً من أهله ، وحكماً من أهلها ، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ، فأمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل ، ونقموا عليّ : أن كاتبت معاوية : كتب علي بن أبي طالب ، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ، ونحن مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالحديبية حين صالح قومه قريشاً ، فكتب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بسم الله الرحمن الرحيم .
   فقال سهيل بن عمرو : لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : كيف نكتب ؟ فقال : أكتب باسمك اللهم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاكتب : محمد رسول الله ، فقال : لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك ، فكتب : هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً ، يقول الله تعالى في كتابه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو لقاء الله واليوم الآخر ) ، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، فخرجت معه ، حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكواء يخطب الناس، فقال : يا حملة القرآن ، إن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه ، فأنا أعرّفه من كتاب الله ما يعرفه به ، هذا ممن نزل فيه وفي قومه : قوم خصمون ؛ فردوه إلى صاحبه ، ولا تواضعوه كتاب الله، فقام خطباؤهم ، فقالوا : والله ، لنواضعنه كتاب الله ؛ فإن جاء بحق نعرفه لنتبعه ، وإن جاء بباطل لنبكتنّه بباطله ، فواضعوا عبد الله بن عباس الكتاب ثلاثة أيام .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 142 _

   وقد ذكرت رواية ابن عساكر أنهم ذكروا أنهم نقموا على أمير المؤمنين : انه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، فإن كان القوم كفاراً فقد أحل الله دماءهم ونساءهم ، وإن كانوا غير ذلك فقد استحل ما صنع بهم ، ثم إنه حكم الرجال في دين الله ، والله يقول : إن الحكم إلا لله ، وإنه محا اسمه من امرة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين ، فأجابهم ابن عباس بنحو كلام أمير المؤمنين السابق ، وأنه قد حكم في الصيد وبين الزوجين ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد محا كلمة ( رسول الله ) يوم الحديبية ، وأنه لا يحل سبي عائشة ، فإن قلتم : إنما يستحل منها ما يستحل من المشركات بعد قول الله تعالى : وأزواجه امهاتهم فقد خرجتم من الإسلام انتهت زيادات ابن عساكر .
   فرجع منهم أربعة الاف ، كلهم تائب، فيهم ابن الكواء ، حتى ادخلهم على عليّ الكوفة ، فبعث علي ( عليه السلام ) إلى بقيتهم ، فقال : قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم ؛ فقفوا حيث شئتم ، حتى تجتمع امة محمد ( صلى الله عليه وآله ) بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراماً ، أو تقطعوا سبيلاً ، أو تظلموا ذمّة ( الأمة ) ، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء ؛ ( إن الله لا يحب الخائنين ) ، فقالت له عائشة : يا ابن شداد ، فلم قتلهم ؟ فقال : والله، ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل ، وسفكوا الدم ، واستحلوا أهل الذمة .
   فقالت: آلله ؟ قال : آلله الذي لا إله إلا هو لقد كان ، قالت : فما شيء بلغني عن أهل الذمة يتحدثونه ، يقولون : ذو الثدي ، وذو الثدي ؟ قال : قد رأيته ، وقمت مع علي رضي الله عنه عليه في القتلى ، فدعا الناس ؛ فقال : أتعرفون هذا ؟ فما أكثر من جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي ، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي . . . ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك . . . قالت : فما قول علي رضي الله عنه حين قام عليه كما يزعم أهل العراق ؟ قال : سمعته يقول : صدق الله ورسوله قال : هل سمعت منه : أنه قال غير ذلك ؟ ! ، قالت : اللهم لا ، قالت : أجل ، صدق الله ورسوله ، يرحم الله علياً رضي الله عنه : إنه كان من كلامه ، لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال : صدق الله ورسوله ، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ، ويزيدون عليه في الحديث (1) .

---------------------------
(1) مسند أحمد ج 1 ص 86 ـ 87 وترجمة الامام علي من تاريخ دمشق ج 3 ص 153 ـ 157 وتهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 304 و 305 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 148 والبداية والنهاية ج 7 ص 280 و 281 وراجع كنز العمال ج 11 ص 278 ـ 280 عن أحمد والعدني وابن عساكر وغير ذلك ، وفي هامشه عن منتخب كنز العمال أيضاً ، ومجمع الزوائد ج 6 ص 235 ـ 37 عن أبي يعلى ورجاله ثقات ومستدرك الحاكم ج 2 ص 152 ـ 154 وتلخيصه للذهبي بهامشه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 143 _

   وفي نص آخر : عن يزيد بن أبي زياد قال : سألت سعيد بن جبير عن أصحاب النهر ، فقال : حدثني مسروق ، قال : سألتني عائشة رضي الله عنها ( و ) عنهم ، فقالت : هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ، ذو الثدية ؟ ! قال : فقلت : لم أره ، ولكن شهد عندي من قد رآه ، قالت : فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي بشهادة نفر قد رأوه ، قال فجئت والناس أسباع ، قال : فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه ، قال ، فقلت : كل هؤلاء عدل رضى ؟ ! فقالت : قاتل الله فلاناً ، فإنه كتب إلي أنه أصابه بمصر (1) ، وفي نص آخر : « لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني : أنه قتله بالإسكندرية ، إلا أنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، يقول : يقتله خير أمتي بعدي » (2) .

ملاحظات على ما تقدم :
   ونسجل هنا ما يلي :
(1) قد ظهر مما تقدم : أن هناك محاولة للتشكيك في أمر ذي الثدية وكون علي ( عليه السلام ) قد أصابه في النهروان، حتى أن البعض يكتب لأم المؤمنين : أنه قد أصابه بمصر ، في محاولة وقحة للتزوير ، والتجني على الحقيقة والتاريخ ، وعلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالخصوص .
(2) إن عمرو بن العاص يحاول أن يكذب وينسب إلى نفسه قتل ذي الثدية ، بهدف الفوز بالثناء النبوي العظيم على قاتله ، ويبعد ذلك عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، رغم أن أمر ذي الثدية ـ وانه قتل مع « الخوارج » كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار .
(3) إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يكن بحاجة إلى ذي الثدية ، فله ( عليه السلام ) من الفضائل والمناقب ، ما لا يمكن حصره وعده . . . ولكن الناس هم المحتاجون لذلك لكي يعرفوا الحق ، ويفوزوا برضى الله، وبنصرة وليه المظلوم ، أضف إلى ذلك : أن الناس لو كانوا واعين لحقائق الدين ، وأحكامه ، لظهر لهم : أن حرب « الخوارج » من أعظم القربات ، وأجلها، وأن التواني عن ذلك خسران عظيم ، ومخالفة لأحكام الله. . . وخروج عن جادة الحق والدين . . . إن الأمة هي التي كانت بحاجة إلى الهداية وإلى البيان ، وكان هذا البيان الغيبي الذي يقهر العقل ، ويتصل بالوجدان مباشرة ، هو الأسلوب الأمثل في مورد يحتاج إلى السرعة في اتخاذ القرار ، وإلى المبادرة ، وإلى الموقف الحازم والحاسم .

---------------------------
(1) الجوهرة ص 110 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 305 عن دلائل النبوة للبيهقي .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 268 والبحار ج 38 ص 15 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 144 _

(4) إن عائشة قد اعترفت بأن أهل العراق كانوا يكذبون على علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويزيدون عليه في الحديث .
(5) إن حديث ابن شداد يشير إلى أن من جملة الأمور التي دفعت بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى حرب « الخوارج » أنهم قد استحلوا أهل الذمة . . . مع أن من المعروف عنهم هو تحرّجهم من قتل أهل الذمة ، وذلك يعني : أنهم قد تجاوزوا في الفساد والافساد كل حد ، حتى تلك الحدود التي الزموا بها أنفسهم بصورة حازمة وصارمة ، مع وجود احتمال : أن يكونوا في بدايات ظهورهم ، لم يكونوا قد وضعوا تلك الحدود ، ولا قالوا بتلك المقولات التفصيلية ، وإنما كانت تصدر منهم قضايا جزئية وتصرفات فردية ، ثم أصبحت فيما بعد نهجاً وسمات عامة لهم بمرور الزمن .

مفارقات في مواقف عائشة :
   ونسجل هنا ملاحظة على مواقف عائشة ، فإنها حين تسمع بأن « الخوارج » يكفرونها تندفع للافصاح عما سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من ذم للخوارج ، ومن ثناء على قاتلهم . . . ثم هي تبرؤه ( عليه السلام ) من أكاذيب أهل العراق ، وزياداتهم في الحديث عليه ، مع أننا نعرف :
أولاً : إنها في حديث منع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لأبيها عن إكمال الصلاة ، وخروجه ـ وكان ( صلى الله عليه وآله ) مريضاً ـ وهو يتوكأ على رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل العباس ، تقول الرواية : فقال عبد الله بن عباس لعكرمة : فلم تسم لك الآخر ؟ ، قال : لا والله ما سمته ، قال : أتدري من هو ؟ قال : لا ، قال : ذلك علي ابن أبي طالب ، وما كانت أمنا تذكره بخير ، وهي تستطيع (1) ، فعائشة إذن لا تطيب نفسها بذكر اسم علي ( عليه السلام ) ، حتى ولو بمثل أن يعتمد عليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في مشيته ، وهو في مرض موته ، لأنها لا تحب أن تذكره بخير أبداً . . . هي نفسها عائشة التي تذكر حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ومدحه العظيم لقاتل « الخوارج » .
وثانياً : إنها حين سمعت بقتل أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) على يد خارجي ـ وهي التي تروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أن « الخوارج » شر الخلق والخليقة ، وان علياً خير الخلق والخليقة ، وانه ( صلى الله عليه وآله ) قال عن قاتل ذي الثدية : يقتله خير أمتي بعدي ، وعلي ( عليه السلام ) هو الذي قتله . . .

---------------------------
(1) الجمل ط سنة 1413 هـ ، ص 158 ، وطبقات ابن سعد ج 2 ص 231 و 232 ط سنة 1405 هـ ، ومسند أحمد ج 6 ص 38 و 288 ، والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 56 ، والسنن الكبرى ج 1 ص 31 ، والإحسان ج 8 ص 198 ، وصحيح البخاري ج 1 ص 162 ط سنة 1401 هـ ، دار الفكر بيروت ، وصحيح مسلم ( بشرح النووي ) ج 4 ص 138 و 139 ، والصوارم المهرقة ، ص 105 والإرشاد ص 164 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 145 _

   نعم إنها حين سمعت بقتل ابن ملجم الخارجي ، لعلي ( عليه السلام ) . . . لم تتمالك نفسها عن إبداء الفرح العظيم . . . فبادرت إلى عتق غلام لها أسود وسمته : عبد الرحمن ، حباً منها بعبد الرحمن بن ملجم ، حسب قولها (1) ، وسجدت لله شكراً (2) ، وفرقت أربعين ديناراً في ضعفة مبغضي أمير المؤمنين من تيم وعدي (3) ، وقالت :
فألقت عصاها واستقر بها iiالنوى      كما قر عينا بالإياب المسافر (4)
   وحين سمعت بنعيه ( عليه السلام ) استبشرت أو تمثلت بقول الشاعر :
فـإن تك ناعياً فلقد iiنعاه      نعي ليس في فيه التراب
   ثم قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد ، فقالت : رب قتيل الله بيدي رجل من مراد ، فقالت لها زينب بنت أبي سلمة : أتقولين مثل هذا لعلي ؟ في سابقته وفضله ؟ فتضاحكت أو فضحكت ، وقالت بسم الله ، إذا نسيت ذكريني (5) ، وبعدما تقدم نقول : لا ندري كيف نوفق بين هذه المواقف ، وبين ما نقلته عن رسول الله من أن « الخوارج » هم شر الخلق والخليقة ، وأن من يقتلهم ـ وهو علي ( عليه السلام ) ـ خير الخلق والخليقة . . .
ثالثاً : لنفترض : أن عائشة قد انساقت هنا وراء انفعالاتها الشخصية وحالاتها العاطفية غير أننا نقول :
ألف : إن ذلك أيضاً لا يمكن أن يبرر ذلك منها . . . فان شماتتها بعلي لا تبرر حبها لعبد الرحمن بن ملجم ، وعتق العبيد ، وتسميتهم باسمه ، وهو شر الخلق والخليقة ! ! .
ب : لقد قتل خارجي آخر عزيزاً على قلبها ، وهو صهرها ، وقائد جيشها ، ومحارب عدوها . . . ألا وهو الزبير بن العوام ، فكيف أحبت « الخوارج » ، وسمّت العبيد بأسمائهم ، وهم يكفرونها، ويقتلون أعز الناس عليها ، خصوصاً من كان لقتله المزيد من الإذلال لها ، وإسقاط هيبتها ، وكسر شوكتها ؟ ! !
ج : إن علياً قد حكم بالنار لقاتل ذلك الحبيب ، حيث قال : بشر قاتل ابن صفية بالنار ـ حسبما روي (6) ، وقد كنا ننتظر منها أن تحزن لقتل خير الخلق والخليقة ، حسبما ذكرته هي ، وأن تبغض الخارجي الذي قتله ، وهو ابن ملجم ، وتبغض الخارجي الآخر الذي قتل مع « الخوارج » في النهروان ، وكان من أركانهم وهو عمرو بن جرموز (7) .
   ولأجل ذلك بشره علي ( عليه السلام ) بالنار ، لا لأجل قتله للزبير ، وهو منهزم . . . وبشارته ( عليه السلام ) له بذلك تأتي في سياق إخباراته ( عليه السلام ) عن الغيب ، ولكن الأمور تأتي من قبل أم المؤمنين ليس فقط على خلاف الشرع ، وإنما على خلاف الطبيعة والسجية في أحيان كثيرة .

---------------------------
(1) راجع : تلخيص الشافي ج 4 ص 158 والجمل ـ ط النجف ـ ص 84 والبحار ج 22 ص 234 و ج 32 ص 341 و 342 وقاموس الرجال ج 10 ص 475 والشافي ج 4 ص 356 .
(2) مقاتل الطالبيين ص 47 والجمل ص 159 ط سنة 1413 هـ .
(3) الهداية الكبرى ص 197 .
(4) راجع : تاريخ الأمم والملوك ط دار المعارف بمصرج5 ص 150 ومقاتل الطالبيين ص 42 والكامل في التاريخ ص 394 وطبقات ابن سعد ج 3 ص 40 ط سنة 1405 هـ ، وتلخيص الشافي ج 4 ص 157 والجمل ص 159 والبحار ج 32 ص 340 و 341 والصراط المستقيم للبياضي ج 3 ص 164 عن ابن مسكويه وتاريخ الطبري ، والهداية الكبرى ص 196 و 197 والشافي ج 4 ص 355 .
(5) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق وأخبار الوفقيات ص 131 والاغاني .
(6) مصادر هذا الحديث كثيرة ، فراجع على سبيل المثال : مسند أحمد ج 1 ص 89 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 236 .
(7) تلخيص الشافي ج 4 ص 145 وشرح نهج البلاغة ج 1 ص 236 و ج 2 ص 168 والفصول المختارة للشيخ المفيد ص 108 و 109 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 146 _

الزبير قتل وهو منهزم :
   قلنا إن الزبير قد قتل وهو منهزم وإن بشارته ( عليه السلام ) لابن جرموز بالنار ، إنما هو إخبار بالغيب عما سيؤول إليه أمره من المروق من الدين وصيرورته خارجياً ، وليس لاجل أن الزبير قد تاب وانصرف عن الحرب ، ولو كان لأجل ذلك لكان أقاده به ، ولما طلَّ دمه ، وإنما قلنا : إنه قتل وهو منهزم ، استناداً إلى نصوص كثيرة ، نذكر منها ما يلي :
(1) إنه حينما ذكّر علي ( عليه السلام ) الزبير بقول رسول ( صلى الله عليه وآله ) له : « أما انك ستحاربه ، وأنت ظالم له » ، رجع الزبير إلى صفوفه ، واتهمه ولده عبد الله بالجبن وقال له : ما أراك إلا جبنت عن سيوف بني عبد المطلب ، إنها لسيوف حداد ، تحملها فتية أنجاد ، فقال الزبير : ويلك ، أتهيجني على حربه ؟ ! أما إني قد حلفت ألا أحاربه ، قال : كفّر عن يمينك ، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت ، وما كنت جباناً ، فقال الزبير : غلامي مكحول حر كفارة عن يميني ، ثم أنصل سنان رمحه ، وحمل على عسكر علي ( عليه السلام ) برمح لا سنان له ، فقال علي ( عليه السلام ) : أفرجوا له ، فإنه محرج ، ثم عاد إلى أصحابه ، ثم حمل ثانية ، ثم ثالثة ، ثم قال لابنه : أجبناً ـ ويلك ـ ترى ؟ ! ، فقال : لقد أعذرت (1) .
(2) وقد قال همام الثقفي :
أيـعتق مـكحولاً ويعصي iiنبيه      لقد تاه عن قصد الهدى ثم iiعوق
أينوي بهذا الصدق والبر iiوالتقى      سيعلم يوماً من يبر ويصدق (2)
(3) وقد قال النجاشي الشاعر ، في رثائه لعمرو بن محصن الأنصاري :
ونحن  تركنا عند مختلف iiالقنا      أخـاكم عـبيد الله لحماً iiملحّبا
بصفين لما ارفض عنه رجالك      ووجه  ابن عتاب تركناه iiملغبا


---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 234 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وراجع : تلخيص الشافي ج 4 ص 150 و 141 و 142 و 143 وراجع : الفصول المختارة ص 106 وتاريخ الطبري ج 4 ص 502 ط دار المعارف بمصر والكامل في التاريخ ج 3 ص 240 و 261 وتذكرة الخواص ص 71 وراجع البحار ج 32 ص 205 .
(2) البحار ج 32 ص 205 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 147 _

   وطلحة من بعد الزبير ، ولم ندع لضبة في الهيجا عريفاً ومنكبا (1) .
(4) وروى البلاذري : أن ابن الزبير لما جبَّن أباه وعيَّره ، قال له : حلفت ألا أقاتله ، قال : فكفر عن يمينك ، فاعتق غلاماً له يقال له : سرجس ، وقام في الصف بينهم (2) .
(5) و قال عبد الرحمن بن سليمان : لم أر كاليوم أخا إخوان أعجب من مكفر الأيمان العتق في معصية الرحمن .
(6) وقال رجل من شعرائهم :
يـعتق  مـكحولاً لصون iiدينه      كـفـارة لـله عـن iiيـمينه
والنكث قد لاح على جبينه (3)
(7) وكتب ( عليه السلام ) إلى أهل الكوفة يخبرهم بالفتح ، ويقول : « فقتل طلحة والزبير ، وقد تقدمت إليهما بالمعذرة ، وأبلغت إليهما بالنصيحة ، واستشهدت عليهما صلحاء الأمة ، فما أطاعا المرشدين ، ولا أجابا الناصحين . . . الخ » (4) .
(8) وعن سليم في حديث قال : ونشب القتال ، فقتل طلحة ، وانهزم الزبير (5) .
(9) وعن الحسن قال : إن علياً ( عليه السلام ) لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس مهزومين فمروا بامرأة حامل . . . الخ (6) .
(10) وذكر الحاكم : ان علياً ( عليه السلام ) نادى في الناس : أن لا ترموا أحداً بسهم ولا تطعنوا برمح ، ولا تضربوا بسيف ، ولا تطلبوا القوم . . . إلى أن قال : ثم الزبير قال لأساورة كانوا معه : ارموهم برشق ، وكأنه أراد أن ينشب القتال ، فلما نظر أصحابه إلى الانتشاب لم ينتظروا ، وحملوا ، فهزمهم الله، ورمى مروان طلحة . . . الخ (7) ، وهذا يدل على أن الوقعة الفاصلة قد حصلت بفعل الزبير نفسه وحضوره ، وان الهزيمة وقعت عليه وعلى أصحابه .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 819 ط سنة 1964 م .
(2) تلخيص الشافي ج 4 ص 143 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 167 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 509 ط دار المعارف بمصر وأنساب الأشراف ، ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 254 .
(3) تلخيص الشافي ج 4 ص 142 وتاريخ الأمم والملوك ط دار المعارف بمصر ج 4 ص 502 وتذكرة الخواص ص 71 .
(4) تلخيص الشافي ج 4 ص 136 .
(5) البحار ج 32 ص 217 .
(6) البحار ج 32 ص 214 .
(7) مستدرك الحاكم ج 3 ص 371 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 148 _

(11) وذكر الطبري : أنه « لما انهزم الناس في صدر النهار نادى الزبير : أنا الزبير ، هلموا إلي أيها الناس ، ومعه مولى له ينادي : أعن حواري رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تنهزمون ؟ ! ، وانصرف الزبير نحو وادي السباع » (1) .
(12) وذكروا أيضاً : أن كعب بن سور أقبل إلى عائشة ، فقال : أدركي ، فقد أبى القوم إلا القتال ، فركبت ، وألبسوا هودجها الأدراع ، ثم بعثوا جملها ، فلما برزت من البيوت وقفت واقتتل الناس ، وقاتل الزبير، فحمل عليه عمار بن ياسر ، فجعل يحوزه بالرمح والزبير كاف عنه ، ويقول : أتقتلني ، يا أبا اليقظان ؟ ، فيقول : لا ، يا أبا عبد الله ، وإنما كف عنه الزبير لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : تقتل عماراً الفئة الباغية ، ولولا ذلك لقتله ، وبينما عائشة واقفة إذ سمعت ضجة شديدة . . . فقالت : ما هذا ؟
   قالوا : ضجة العسكر ، قالت : بخير او بشر ، قالوا : بشر ، فما فجأها إلا الهزيمة ، فمضى الزبير من سننه في وجهه ، فسلك وادي السباع ، وجاء طلحة سهم غرب . . . الخ (2) ، أضاف ابن الأثير قوله عن الزبير : وإنما فارق المعركة ، لأنه قاتل تعذيراً لما ذكر علي ( عليه السلام ) (3) .
(13) ونص آخر يقول : « لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحة والزبير ، مضى الزبير حتى مر بمعسكر الأحنف . . . الخ » (4) .
(14) وعن محمد بن ابراهيم قال : « هرب الزبير على فرس له ، يدعى بذي الخمار ، حتى وقع بسفوان ، فمر بعبد الله بن سعيد المجاشعي . . . الخ » (5) .
(15) وفي نص آخر : « هرب الزبير إلى المدينة ، حتى أتى وادي السباع ، فرفع الاحنف صوته . . . الخ » (6) .
(16) وعن أبي مخنف وغيره : مضى الزبير حين هزم الناس يريد المدينة ، حتى مر بالأحنف أو قريباً منه . . . الخ (7) .

---------------------------
(1) تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف بمصر ج 4 ص 512 .
(2) راجع : الكامل في التاريخ ج 3 ص 243 وراجع ص 262 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 507 .
(3) الكامل ج 3 ص 243 .
(4) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 534 .
(5) الجمل ص 387 .
(6) الجمل ص 390 .
(7) أنساب الاشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 254 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 149 _

(17) ولعل ما ذكره البلاذري إذا ضممناه إلى ما تقدم يصلح بياناً لحقيقة ما جرى .
   فقد روى عن قتادة ، قال : لما اقتتلوا يوم الجمل كانت الدبرة على أصحاب الجمل ، فأفضى علي إلى الناحية التي فيها الزبير ، فلما واجهه قال له : يا أبا عبد الله ، أتقاتلني بعد بيعتي وبعد ما سمعت في رسول الله في قتالك لي ظالماً ؟ ! ، فاستحيا وانسل على فرسه منصرفاً إلى المدينة ، فلما صار بسفوان لقيه رجل من مجاشع يقال له : النَعر بن زمام ، فقال له : أجرني ، قال النعر : انت في جواري يا حواري رسول الله، فقال الأحنف : وا عجباً ! ! الزبير لفّ بين غارين ( أي جيشين ) من المسلمين ، ثم قد نجا بنفسه . . . الخ (1) .
   فالمراد بانصراف الزبير هو انصراف الهزيمة ، لا انصراف التوبة كما هو ظاهر هذا النص إذ لو كان قد انصرف عن القتال على سبيل التوبة ، لما احتاج إلى من يجيره ، وقد صرحت سائر النصوص التي ذكرناها آنفاً بهذه الهزيمة .

---------------------------
(1) المصدر السابق ج 2 ص 258 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 150 _


البداية :

   قد قدمنا في الفصل السابق وفي غيره ، نبذاً من الاحتجاجات المختلفة فيما بين علي أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ، وأصحابه من جهة ، وبين « الخوارج » من جهة أخرى . . . ونلفت نظر القارئ إلى ما رواه ابن شداد لعائشة فيما ذكرناه في الفصل السابق ، على وجه الخصوص . . . ونذكر في هذا الفصل نبذة من هذه الاحتجاجات والمناظرات ، ولا نسعى إلى استقصاء نصوصها ، فإن الكتاب ليس معداً لذلك ، فنقول :

المناظرات والاحتجاجات :
   لقد نفذ علي ( عليه السلام ) سياسات الإسلام في « الخوارج » بدقة ، حيث ترك الساكتين منهم ، فلم يهجهم ، وبالغ في الاحتجاج على الذين أعلنوا بالخصام ، وبادروا إلى الانفصال وإظهار التمرد . . . وقد بين لهم بما لا مدفع له خطأهم في تصوراتهم ، وبغيهم في مواقفهم ، ولم يقتصر الأمر على ما احتج به هو نفسه ( عليه السلام ) عليهم في أكثر من موقف ومناسبة ، بل احتج عليهم أيضاً أبو أيوب الأنصاري ، وابن عباس ، وصعصعة بن صوحان ، الذي أصبحت خطبه فيهم مضرب مثل ، فيقال : « أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج » (1) .

---------------------------
(1) البيان والتبيين ج 1 ص 326 و 327 وذكر المعتزلي في شرح النهج ج 3 ص 398 نفس القصة مع بعض الاختلاف ، فراجع .