وثمة كلام آخر يقوله بعض الناس عن قضية « الخوارج » مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ؛ وهو ما يلي : « . . . قد يقال: إن الخوارج هم الذين اضطروه إلى هذا العمل ، وأنهم ما لبثوا بعد ذلك أن طلبوا إليه الرجوع عنه ، وأنه لم يكن له من الرأي والحكم شيء ، ولكن هذا يتناقض مع المنطق الصحيح ، ذلك أن علياً حينما وقع مع معاوية أراد أن لا يفرق جماعته ، فترك الحق الإلهي بلا ثمن ، ذلك الحق الذي كان ضرورياً له في محاربته لخصومه ، ومن أجل التمسك بالاتفاق أبعد حقه ، وترك الأساس الذي يقوم عليه ، والذي تتحقق به الخلافة ، أما هؤلاء الذين تمسكوا به ، فقد تمسكوا بشخصه ، ولم يسيروا معه في أمره على أنه أمر الله ، بل على أنه أمر علي ، كما فعل أهل الشام في أمر معاوية ، ولم يكونوا على أساس قوي عندما ينتظرون التحكيم كأهل الشام ، وهكذا زهدوا في مبدأهم الديني السياسي ، الذي كان لابد منه لكل مسلم ، ومن هنا تفتحت عيون « الخوارج » على الإمام علي وأصحابه ، وعرفوا أن الحق الذي ينادون به ليس إلا حجة ، وأنهم إنما يريدون السلطان ، ورأى « الخوارج » أنه إن كان ذلك قد حصل أول الأمر ، فلا يمكن أن يصير كذلك إلى آخر الأمر. . . »
.
ونقول : إن هذا البعض قد بذل قصارى جهده ليسجل إدانة لأمير المؤمنين في تعاطيه مع قضية التحكيم ، فأدان نفسه من حيث قد أفهم الناس : انه لم يطلع على وقائع التاريخ بدقة ، أوأنه قد اطلع عليها ، ولم يتمكن من استخلاص الحقيقة بوعي ، ويقظة وتدبر ، أو أنه لا هذا ولا ذاك ، وإنما هو التعصب والحقد البغيض من ذي عاهة مريض ، لا يطيق كبت مشاعره الحقيقية ، فتظهر لمحات من ذلك التعصب وبوادره في موارد ومناسبات مختلفة ، ولسنا هنا بصدد الدفاع عن علي فإنه ( عليه السلام ) غني عن دفاعنا فانه مع الحق ، والحق معه ، يدور حيثما دار ـ بشهادة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، كما أننا لسنا بصدد الهجوم على سواه ، بل نريد فقط لفت نظر القارئ إلى بديهة تاريخية تقول : إن علياً ( عليه السلام ) حين قبل بالتحكيم ، فإنه لم يترك الحق بلا ثمن كما زعم هذا القائل ، بل هو قد ألزم عدوه بما ألزم به نفسه ، ولو أن « الخوارج » لم يفسدوا ذلك بتعنتهم وإصرارهم على جعل أبي موسى الأشعري ، عدو أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فإنه ـ أعني ما ألزم به معاوية ـ لابد أن يسقط معاوية ، ويؤكد حق علي ( عليه الصلاة والسلام ) . . . لأن القرآن سوف يحكم له ( عليه السلام ) على معاوية لعنه الله ، ولأجل ذلك طلب من الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، وقال لهما أيضاً : أحكما بما في القرآن ولو في حز عنقي ، وقد كان حق علي ( عليه السلام ) ثابتاً قبل التحكيم بالنص الصريح عليه ، فإنه كان هو الوصي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وثابتا بالتحكيم لأن القرآن يحكم بالإمامة لعلي دون معاوية ، فهو الذي قال الله عنه : ( إنما وليكم الله ورسوله ، والذين آمنوا ، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، وهم راكعون ) .
وهو الذي نزلت فيه آيات الغدير ، ونزل فيه قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) . . . و ( هو الذي عنده علم الكتاب ) . . . إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تُقدّر بالمئات ، وتدل على إمامته وخلافته ، وعلى أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ومعاوية وأحزابه من الظالمين المحرومين من الكرامة الربانية ، بمقتضى قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين .
تماماً كما حرمت هذه الآية الذين ظلموا الزهراء ( عليها السلام ) فور وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، من أن يكون لهم في هذا الأمر أي نصيب ، كما أن آية : ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) قد حرمتهم جميعاً ومعاوية منهم من الخلافة الربانية ، لأن جهلهم بدين الله كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار ، إلى غير ذلك من آيات بينات تتحدث عن حرمان من يحمل صفات معاوية ، ويفعل أفاعيله التي تتمثل بالخيانة ، والكذب ، والفسق ، والقتل ، والظلم ، والفتنة والمكر السيء وما إلى ذلك ، تحرمه من نيل مقام الخلافة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومن مقام الولاية على الناس .
كما أن حقه ( عليه السلام ) ثابت بعد التحكيم ، لأن احتيال عمرو بن العاص على أبي موسى ، لا يلغي حق ذي الحق ، ولا يجعل الحق باطلاً ، بل هو يدين من يمكر ، ويوجب العقوبة لمن يحتال . . . فما معنى قول هذا القائل إذن : إن علياً ( عليه السلام ) قد ترك الحق الإلهي بلا ثمن ؟ ! وهل يمكن ترك الحق الإلهي ، مقابل أثمان ؟ وما هو نوع تلك الأثمان التي تبرر ترك الحق الإلهي ؟ ! وما هو ذلك الأساس الذي تقوم عليه ، وتتحقق الخلافة به ، وقد تركه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ؟ ! إن ما ذكره هذا البعض هو صورة طبق الأصل لما يقوله « الخوارج » أنفسهم ، ولا غرو ، فإن هؤلاء في انحرافهم عن علي ( عليه السلام ) لا يختلفون عن أسلافهم من أهل النهروان ، غير أن أولئك قد شهروا السيوف الهندية في وجه علي ( عليه السلام ) وشيعته الأبرار ، وهؤلاء يشهرون أقلام الخيانة والتزوير ، التي يغذوها حقد دفين ، ومكر خفي ، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 135 _
« الخوارج » وحرية الرأي :
وغني عن البيان : أن « الخوارج » حين كانوا يقتلون من يخالفهم في الرأي ، بعد أن يكفروه ، إنما كانوا يسعون لفرض آرائهم على الناس بالقوة ، وكان هذا النهج هو السبب في انقساماتهم السريعة ، وتمزقهم المستمر ، وتفرق كلمتهم باطراد ، واللافت أيضاً : أننا نجد منهم إصراراً لا مبرر له على آرائهم ومعتقداتهم الباطلة حتى بعد ظهور زيفها ، ولا يثنيهم ظهور بطلانها عن محاولة فرضها على الناس بالقوة ، كما يظهر لمن قرأ تاريخهم ، وأصبح الناس معهم أمام خيارين لا ثالث لهما :
الأول : أن يؤمنوا بالباطل ويتخذوه ديناً .
الثاني : أن يواجهوا الموت والهلاك بأبشع صوره ، وأشدها ألماً وهولاً ، وهذا الأمر هو الذي جعل الناس سرعان ما يدركون خطرهم ، ونفر العقلاء منهم ، وجعلهم يندفعون إلى العمل على صيانة حرية الاعتقاد ، وإلى دفع شرهم عن الناس الأبرياء .
هذا بالإضافة ، إلى أن إفساح المجال أمام دعوة « الخوارج » ، إنما يعني القبول بسقوط النظام الاجتماعي العام ، وجعل كل شيء في خطر دائم ومستمر ، وهذا مما لا مجال لقبوله ، ولا طريق للسكوت عنه .
هذا حقد أم جهل ؟ !
قال بعضهم : « قد كانت الثورة ضد عثمان ثورة ضد الخليفة في سبيل الله ، ومن أجل الحق والعدل ضد الباطل والجور ، ولم يكن هذا المبدأ ليستعمل ضد عثمان بشخصه ، ولكنه كان ضد كل حاكم يحيد عن الطريق الصحيح ، وعلى هذا الأساس خرج « الخوارج » على الإمام ، فهذه الثورة ، التي جاءت به إلى الخلافة ، ما كانت لتغمض عينها عن علي نفسه عندما يحيد عن الصواب »
(1) .
ونقول : إن هذا الرجل قد أخذ كلامه من مستشرق حاقد لئيم ، وهو يوليوس فلهوزن ، حيث يقول : « . . . فالثورة التي أتت بعلي إلى الخلافة ، لم تتعاون معه حينما ضل الطريق »
(2) ، وهو كلام لا يمكن قبوله ، ولا السكوت عنه ، وذلك :
أولاً : لا ندري إن كان فلهوزن ومن تبعه ممن ينعق مع الناعقين ، يجهلون حقيقة : أن « الخوارج » لم يكن لهم أي دور في وصول علي ( عليه السلام ) إلى الخلافة ، فإن هؤلاء الناس كانوا أعراباً جفاةً ، يعيشون بذهنيتهم العشائرية في مناطق بعيدة عن مركز القرار ، وهم عراقيون ، وليسوا من أهل الحجاز ، ولم يكن لهم ذكر ولا شأن ، وإنما ظهر أمرهم ، وطرأ ذكرهم بعصيانهم وتمردهم على أمير المؤمنين في صفين وبعدها .
ثانياً : إن هذا الخبيث يجعل نفسه في موقع العارف بالخطأ ، والصواب ، و الضلال ، والهدى ؛ فهو يوزع الأوسمة ، ويعطي الشهادات بالهدى وبالضلال لمن أحب حتى تطاول ـ لعنه الله ـ على من هو مع الحق ، والحق معه ، وباب مدينة علم رسول الله ، وسيد الخلق من بعده وصفوة الله ، وخيرة الله ، وسفينة نجاة هذه الأمة .
ثالثاً : إن علياً لم تأت به ثورة ، وإنما هو وصي رسول رب العالمين ، وقد نص الله ورسوله على إمامته وخلافته ، وكانت عودة الناس إليه هي التصرف الطبيعي ، والانصياع إلى الحكم الشرعي ، والتكليف الإلهي ، فهم قد اغتصبوا مقامه وموقعه ؛ فلا غرو إذا أرغمتهم الوقائع على الاعتراف بخطأهم ، وعلى التراجع عن هذا الخطأ ، وإعادة الأمور إلى نصابها .
---------------------------
(1) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص 170 تأليف الدكتور على حسن عبد القادر .
(2) الخوارج والشيعة ص 39 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 136 _
« الخوارج » يسبون عائشة :
قد عرفنا ، أن هؤلاء ، الذين أجبروا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على التحكيم ، هم أنفسهم الذين عادوا وحكموا عليه بالكفر لقبوله بما أكرهوه عليه . . . وحكموا على عثمان أيضاً بالكفر من أجل مخالفات صدرت منه في السنين الأخيرة . . . وحكموا على عائشة كذلك بالكفر ، بسبب ما أحدثته من أمور بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد ورد : أنها سألت أبا قتادة الأنصاري ، ومن كان من الأنصار الستين أو السبعين رجلاً ، بعد رجوعهم من قتال « الخوارج » مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ سألتهم عما كان « الخوارج » يقولونه : فقال لها أبو قتادة الأنصاري : « يسبون أمير المؤمنين ، وعثمان ، وأنت ، ويكفرونكم ، فلم نزل نقاتلهم ، وعلي ( عليه السلام ) بين أيدينا ، وتحته بغلة النبي . . . الخ » .
ثم تذكر الرواية : أن علياً ( عليه السلام ) قال لهم : لا تتبعوا مولياً ، ثم تذكر أيضاً : حديث ذي الثدية . . . ثم رواية : عائشة لهم ما سمعته من النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذم « الخوارج » ، وأنه « يقتلهم أحب الخلق إلى الله ورسوله ، قال أبو قتادة : قلت : قد علمت هذا ، فلم كان منك ما كان ؟ ! فقالت : وكان أمر الله قدراً مقدورا » ، وفي نص آخر : أنها اعتذرت عن ذلك بأنها كانت قد وجدت عليه بسبب موقفه من قصة الإفك ، فكان منها تجاهه ما كان ، قالت : « وأنا الآن فاستغفر الله مما فعلته »
(1) .
---------------------------
(1) راجع فيما تقدم : تذكرة الخواص ص 104 و 105 وبهج الصباغة ج 7 ص 120 وتاريخ بغداد ج 1 ص 160 وعنه في الغدير للأميني ج 7 ص 154 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 137 _
وحسب نص الخطيب البغدادي :
لما فرغ علي بن أبي طالب من قتال أهل النهروان ، قفل أبو قتادة الأنصاري ، ومعه ستون أو سبعون من الأنصار ، قال : فبدأ بعائشة ، قال أبو قتادة : فلما دخلت عليها قالت : ما وراءك ، فأخبرتها أنه لما تفرقت المحكمة من عسكر أمير المؤمنين لحقناهم فقتلناهم ، فقالت : ما كان معك من الوفد غيرك ؟ ! قال : بلى ، ستون أو سبعون ، قالت : أفكلهم يقول مثل الذي تقول ؟ قلت : نعم قالت : قص علي القصة ، فقلت : يا أم المؤمنين ، تفرقت الفرقة ، وهم نحو من اثني عشر ألفاً ، ينادون لا حكم إلا لله ، فقال علي : كلمة حق يقال يراد بها باطل .
فقاتلناهم بعد أن ناشدناهم الله وكتابه ، فقالوا : كفر عثمان ، وعلي ، وعائشة ، ومعاوية ، فلم نزل نحاربهم ، وهم يتلون القرآن ، فقاتلناهم وقاتلونا ، وولى منهم من ولّى ، فقال علي : لا تتبعوا مولياً ، فأقمنا ندور على القتلى ، حتى وقفت بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي راكبها ، فقال : إقلبوا القتلى ، فأتيناه ، وهو على نهر فيه القتلى فقلبناهم ، حتى خرج في آخرهم رجل أسود على كتفه مثل حلمة الثدي ، فقال علي : الله أكبر ، والله ، ما كذبت ولا كذبت ، كنت مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد قسم فيئاً فجاء هذا ، فقال : يا محمد ، اعدل ، فوالله ما عدلت منذ اليوم .
فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ثكلتك أمك ، ومن يعدل عليك إذا لم أعدل ؟ ! فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله، ألا اقتله ؟ ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لا ، دعه فإن له من يقتله ، وقال صدق الله ورسوله ، قال : فقالت عائشة : ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق ، سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : تفترق أمتي على فريقين ، تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم ، محفون شواربهم ، أزرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن ، لا يتجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبهم إلي ، وأحبهم إلى الله تعالى ، قال : فقلت : يا أم المؤمنين ، فأنت تعلمين هذا ! فلم كان الذي منك ؟ قالت : يا أبا قتادة ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً ، وللقدر أسباب
(1) .
---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 1 ص 160 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 138 _
نظرة في اعتذار عائشة :
ونقول : إن من جملة ما يلفت النظر فيما يرتبط بالنصوص المتقدمة التالية :
(1) إن الظاهر هو أن الشيخ المفيد رحمه الله تعالى قد أخذ قوله بأن من أسباب حرب الجمل ، هو حقد عائشة على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، بسبب موقفه ( عليه السلام ) في قصة الإفك ـ أخذه ـ من هذه الرواية ، ومن عائشة نفسها ، لكننا قد أثبتنا في الجزء الثاني عشر من كتابنا ( الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ) ، وفي كتاب مستقل أسميناه ( حديث الإفك ) ، وهو مطبوع في بيروت : أن هذه القضية مزيفة ، ولا يمكن أن تصح ، وأن الإفك إنما كان على مارية لا على عائشة . . . وأن نسبة ذلك إلى عائشة قد كان بسعي من أم المؤمنين نفسها لتفوز بالبراءة الإلهية ، وربما لغير ذلك من أسباب . . . وقد أخذه الشيخ المفيد ، وهو غافل عن حقيقة الأمر ، ومن دون تحقيق علمي كاف .
وها هي عائشة هنا تحاول التأكيد على هذا الأمر بادعاء أنها كانت واجدة على علي ( عليه السلام ) بسبب موقفه من حديث الافك ، فإذ قد ثبت أن القصة مفتعلة ، فكل الآثار التي يراد ترتيبها عليها ، تصبح بلا قيمة ، وتدخل في دائرة الكيد الإعلامي والسياسي الذي لا يعود بعائدة ، ولا يفيد أية فائدة على صعيد تحقيق الحق ، وإثبات ما هو واقع ، ولعل أم المؤمنين قد حقدت على أمير المؤمنين ، من أجل تبرئته لمارية بالطريقة القاطعة لأي عذر والمزيلة لأي شبهة أو ريب ، وكان موقفه ( عليه السلام ) هو النكير على الافكين الحقيقيين ، وإظهار زيفهم ، وإسقاط الأقنعة عن وجوههم .
(2) قد وردت عدة نصوص عن عائشة ، تدين فيها « الخوارج » ، وتذكر ما سمعته عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذمّهم ، ومدح من يقتلهم . . . والذي نعهده من عائشة هو حرصها الأكيد على عدم ذكر أي شيء في فضل علي ( عليه السلام ) ، كما ظهر من حديثها الذي تذكر فيه خروج النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئاً على الفضل بن العباس ، ورجل آخر ( لم تذكر اسمه بغضاً ) منها له ، هو علي ( عليه السلام ) ، غير أنها هنا لم تملك نفسها فصرحت بفضيلة كبرى لعلي علي السلام . . . ولعل ذلك بسبب انفعالها وحماسها الذي أثاره ما سمعته عن « الخوارج » من أنهم يسبونها ، ويكفرونها ، والله هو العالم بحقيقة الدوافع والنوايا . . .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 139 _
(3) واللافت هنا : أننا نجد بعض النصوص تقول : إن علياً ( عليه السلام ) قال : « لقد علم أولو العلم من آل محمد ، وعائشة بنت أبي بكر ، فاسألوها : إن أصحاب ذي الثدية ملعونون على لسان النبي الأمي ( صلى الله عليه وآله ) » ، وفي رواية : « إن أصحاب النهروان»
(1) ، فهو ( عليه السلام ) يوجه الأنظار إلى موقف عائشة ، الذي سيأخذه محبوها وغيرهم على مأخذ الجد أكثر من مواقف غيرها من الصحابة ، وهي العدوة اللدود لعلي ( عليه السلام ) ، والتي لا تطيق أن تذكره بخير أبداً ، وهي زوجة النبي وبنت الخليفة الأول، ومدللة الخليفة الثاني ، ولها امتداد واسع ونفوذ قوي لدى جميع المخالفين لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، والذين ما فتئوا يعملون على تقويض حكمه وطمس فضائله ، وتعظيم أعدائه وإطرائهم .
(4) قد ظهر من النص المتقدم نقله عن علي ( عليه السلام ) ، فيما يرتبط بما ينقله الصحابة وعائشة عن رسول الله في ذم أصحاب ذي الثدية : أن علياً ( عليه السلام ) يريد أن يرسخ الاعتقاد بالإخبارت الغيبية التي تحكي قضيته مع أعدائه ، وتؤكد حقانية موقفه . . . وما ركوبه لبغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حربه للخوارج وإصراره على الاخبارات الغيبية المتنوعة في أكثر من مورد في حربه مع « الخوارج » وغيرهم إلا للتأكيد على صلته برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واختصاصه به ، ولتكذيب ما يحاول أعداؤه ومناوؤوه أن يكيدوه به .
(5) إن عائشة تعتذر عما فعلته مع علي ( عليه السلام ) ، حينما واجهته بالحرب ، التي حصدت الألوف من المسلمين ـ تعتذر عن ذلك بالجبر الإلهي ، وهي العقيدة التي أسسها عمر بن الخطاب ، ثاني الحكام بعد رسول الله ، وتبعه في ذلك ، معاوية ثم يزيد فيما يرتبط بقتله للإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وهكذا فعل غيرهم من الحكام والأمراء من الأمويين وغيرهم ، وأصبح ذلك جزءاً من عقائد فريق كبير من الناس في داخل المجتمع الإسلامي ، وهي عقيدة مأخوذة من اليهود ، وكانت مستقرة في عقول المشركين ، فراجع كتابنا « أهل البيت في آية التطهير » وغيره .
---------------------------
(1) مجمع الزوائد ج 6 ص 239 وقال : رواه الطبراني في الصغير والاوسط بأسنادين وقال : رجال أحدهما ثقات ، وتاريخ بغداد ج 13 ص 282 وليس فيه ذكر عائشة .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 140 _
موقف عائشة من « الخوارج » :
وقد ذكر عاصم بن كليب عن أبيه : أن رجلاً أراد أن يكلم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أمر ، فشغل ( عليه السلام ) عنه ، فسألوا ذلك الرجل عن ذلك ، فقال : إني كنت في العمرة ، فدخلت على أم المؤمنين عائشة ، فقالت : ما هؤلاء الذين خرجوا قبلكم ، يقال لهم : حروراء ، فقلت : قوم خرجوا إلى أرض قرية منا ، يقال لها حروراء ، قالت : فشهدت هلكتهم ؟ ! قال عاصم : فلا أدري ما قال الرجل : نعم ، أم لا ، فقالت عائشة : أما إن ابن أبي طالب لو شاء حدثكم حديثهم ، فجئت أسأله عن ذلك ، فلما فرغ علي مما كان فيه ، قال : أين الرجل المستأذن ؟ ، فقام فقص عليه ما قص علينا ، قال : فأهلّ علي وكبر ، وقال : دخلت ( على ) رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وليس عنده غير عائشة ، فقال : كيف أنت يا ابن أبي طالب ؟ وقوم كذا وكذا ؟ ! فقلت : الله ورسوله أعلم ، فأعادها ، فقلت : الله ورسوله أعلم ، قال : قوم يخرجون من قبل المشرق ، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم
(1) .
عائشة تطلب البينة على المخدج :
عن مسروق قال : قالت عائشة : يا مسروق ، انك من ولدي ، وإنك من أحبهم إلي ، فهل عندك علم من المخدج ؟ ، قال : قلت : نعم ، قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه : تامرّا ، ولأسفله النهراون بين حقايق وطرفاء ، قالت : إبغني على ذلك بينة ، فأتيتها بخمسين رجلاً من كل خمسين بعشرة ـ وكان الناس إذ ذاك أخماساً ـ يشهدون : أن علياً ( عليه السلام ) قتله على نهر يقال لأعلاه : تامرا ، ولأسفله النهروان بين حقايق وطرفاء ، فقلت : يا أمّه ، أسألك بالله ، وبحق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وبحقي ـ فإني من ولدك ـ أي شيء سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول فيه ؟ ! ، قالت : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : هم شر الخلق والخليقة ، يقتلهم خير الخلق والخليقة ، وأقربهم عند الله وسيلة
(2) ، وهذه الحادثة هي غير ما جرى لها مع عبد الله بن شداد ، وهي التالية :
---------------------------
(1) كشف الأستار ج 2 ص 362 و 363 ، ومجمع الزوائد ج 6 ص 238 عنه وعن أبي يعلى ورجاله ثقات .
(2) مناقب علي ابن أبي طالب لابن المغازلي ص 56 وفي هامشه عن مجمع الزوائد ج 6 ص 239 وقال : رواه الطبراني، وتراه في أرجح المطالب ص 599 ط لاهور وفيه ( فأتيتها من كل سبع برجل ) ، وشرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 267 ، والبحار ج 38 ص 15 و 16 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 141 _
ابن شداد يروي لعائشة :
وقد روى أحمد بسنده عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري ، قال : جاء عبد الله بن شداد ، فدخل على عائشة ونحن عندها جلوس ـ مرجعه من العراق ليالي قتل علي رضي الله عنه ـ فقالت له : يا عبد الله بن شداد ، هل أنت صادقي عما أسألك عنه ؟ تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي رضي الله عنه ، قال : ومالي لا أصدقك ؟ ! قالت : فحدثني عن قصتهم ، قال : فان علياً لما كاتب معاوية ، وحكم الحكمان ، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس ، فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة ، وإنهم عتبوا عليه ، فقالوا : انسلخت من قميص ألبسكه الله تعالى ، واسم سماك الله تعالى به ، ثم انطلقت فحكمت في دين الله، فلا حكم إلا لله تعالى .
فلما ان بلغ علياً رضي الله عنه ما عتبوا عليه ، وفارقوه عليه ، فأمر مؤذناً فأذن ان لا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن ، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس ، دعا بمصحف إمام عظيم ، فوضعه بين يديه ، فجعل يصكّه بيده ، ويقول : أيها المصحف ! حدّث الناس ! فناداه الناس ، فقالوا : يا أمير المؤمنين : ما تسأل عنه ؟ إنما هو مداد في ورق ، ونحن نتكلم بما روينا منه ، فماذا تريد ؟ ! قال : أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله.
يقول الله تعالى في كتابه ، في امرأة ورجل : وإن خفتم شقاق بينهما ، فابعثوا حكماً من أهله ، وحكماً من أهلها ، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ، فأمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل ، ونقموا عليّ : أن كاتبت معاوية : كتب علي بن أبي طالب ، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ، ونحن مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالحديبية حين صالح قومه قريشاً ، فكتب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بسم الله الرحمن الرحيم .
فقال سهيل بن عمرو : لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : كيف نكتب ؟ فقال : أكتب باسمك اللهم ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاكتب : محمد رسول الله ، فقال : لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك ، فكتب : هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً ، يقول الله تعالى في كتابه : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو لقاء الله واليوم الآخر ) ، فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، فخرجت معه ، حتى إذا توسطنا عسكرهم قام ابن الكواء يخطب الناس، فقال : يا حملة القرآن ، إن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه ، فأنا أعرّفه من كتاب الله ما يعرفه به ، هذا ممن نزل فيه وفي قومه : قوم خصمون ؛ فردوه إلى صاحبه ، ولا تواضعوه كتاب الله، فقام خطباؤهم ، فقالوا : والله ، لنواضعنه كتاب الله ؛ فإن جاء بحق نعرفه لنتبعه ، وإن جاء بباطل لنبكتنّه بباطله ، فواضعوا عبد الله بن عباس الكتاب ثلاثة أيام .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 142 _
وقد ذكرت رواية ابن عساكر أنهم ذكروا أنهم نقموا على أمير المؤمنين : انه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، فإن كان القوم كفاراً فقد أحل الله دماءهم ونساءهم ، وإن كانوا غير ذلك فقد استحل ما صنع بهم ، ثم إنه حكم الرجال في دين الله ، والله يقول : إن الحكم إلا لله ، وإنه محا اسمه من امرة المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين ، فأجابهم ابن عباس بنحو كلام أمير المؤمنين السابق ، وأنه قد حكم في الصيد وبين الزوجين ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد محا كلمة ( رسول الله ) يوم الحديبية ، وأنه لا يحل سبي عائشة ، فإن قلتم : إنما يستحل منها ما يستحل من المشركات بعد قول الله تعالى : وأزواجه امهاتهم فقد خرجتم من الإسلام انتهت زيادات ابن عساكر .
فرجع منهم أربعة الاف ، كلهم تائب، فيهم ابن الكواء ، حتى ادخلهم على عليّ الكوفة ، فبعث علي ( عليه السلام ) إلى بقيتهم ، فقال : قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم ؛ فقفوا حيث شئتم ، حتى تجتمع امة محمد ( صلى الله عليه وآله ) بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراماً ، أو تقطعوا سبيلاً ، أو تظلموا ذمّة ( الأمة ) ، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء ؛ ( إن الله لا يحب الخائنين ) ، فقالت له عائشة : يا ابن شداد ، فلم قتلهم ؟ فقال : والله، ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل ، وسفكوا الدم ، واستحلوا أهل الذمة .
فقالت: آلله ؟ قال : آلله الذي لا إله إلا هو لقد كان ، قالت : فما شيء بلغني عن أهل الذمة يتحدثونه ، يقولون : ذو الثدي ، وذو الثدي ؟ قال : قد رأيته ، وقمت مع علي رضي الله عنه عليه في القتلى ، فدعا الناس ؛ فقال : أتعرفون هذا ؟ فما أكثر من جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي ، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي . . . ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك . . . قالت : فما قول علي رضي الله عنه حين قام عليه كما يزعم أهل العراق ؟ قال : سمعته يقول : صدق الله ورسوله قال : هل سمعت منه : أنه قال غير ذلك ؟ ! ، قالت : اللهم لا ، قالت : أجل ، صدق الله ورسوله ، يرحم الله علياً رضي الله عنه : إنه كان من كلامه ، لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال : صدق الله ورسوله ، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ، ويزيدون عليه في الحديث
(1) .
---------------------------
(1) مسند أحمد ج 1 ص 86 ـ 87 وترجمة الامام علي من تاريخ دمشق ج 3 ص 153 ـ 157 وتهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 304 و 305 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 148 والبداية والنهاية ج 7 ص 280 و 281 وراجع كنز العمال ج 11 ص 278 ـ 280 عن أحمد والعدني وابن عساكر وغير ذلك ، وفي هامشه عن منتخب كنز العمال أيضاً ، ومجمع الزوائد ج 6 ص 235 ـ 37 عن أبي يعلى ورجاله ثقات ومستدرك الحاكم ج 2 ص 152 ـ 154 وتلخيصه للذهبي بهامشه .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 143 _
وفي نص آخر : عن يزيد بن أبي زياد قال : سألت سعيد بن جبير عن أصحاب النهر ، فقال : حدثني مسروق ، قال : سألتني عائشة رضي الله عنها ( و ) عنهم ، فقالت : هل أبصرت أنت الرجل الذي يذكرون ، ذو الثدية ؟ ! قال : فقلت : لم أره ، ولكن شهد عندي من قد رآه ، قالت : فإذا قدمت الأرض فاكتب إلي بشهادة نفر قد رأوه ، قال فجئت والناس أسباع ، قال : فكلمت من كل سبع عشرة ممن قد رآه ، قال ، فقلت : كل هؤلاء عدل رضى ؟ ! فقالت : قاتل الله فلاناً ، فإنه كتب إلي أنه أصابه بمصر
(1) ، وفي نص آخر : « لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني : أنه قتله بالإسكندرية ، إلا أنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله )، يقول : يقتله خير أمتي بعدي »
(2) .
ملاحظات على ما تقدم :
ونسجل هنا ما يلي :
(1) قد ظهر مما تقدم : أن هناك محاولة للتشكيك في أمر ذي الثدية وكون علي ( عليه السلام ) قد أصابه في النهروان، حتى أن البعض يكتب لأم المؤمنين : أنه قد أصابه بمصر ، في محاولة وقحة للتزوير ، والتجني على الحقيقة والتاريخ ، وعلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالخصوص .
(2) إن عمرو بن العاص يحاول أن يكذب وينسب إلى نفسه قتل ذي الثدية ، بهدف الفوز بالثناء النبوي العظيم على قاتله ، ويبعد ذلك عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، رغم أن أمر ذي الثدية ـ وانه قتل مع « الخوارج » كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار .
(3) إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يكن بحاجة إلى ذي الثدية ، فله ( عليه السلام ) من الفضائل والمناقب ، ما لا يمكن حصره وعده . . . ولكن الناس هم المحتاجون لذلك لكي يعرفوا الحق ، ويفوزوا برضى الله، وبنصرة وليه المظلوم ، أضف إلى ذلك : أن الناس لو كانوا واعين لحقائق الدين ، وأحكامه ، لظهر لهم : أن حرب « الخوارج » من أعظم القربات ، وأجلها، وأن التواني عن ذلك خسران عظيم ، ومخالفة لأحكام الله. . . وخروج عن جادة الحق والدين . . . إن الأمة هي التي كانت بحاجة إلى الهداية وإلى البيان ، وكان هذا البيان الغيبي الذي يقهر العقل ، ويتصل بالوجدان مباشرة ، هو الأسلوب الأمثل في مورد يحتاج إلى السرعة في اتخاذ القرار ، وإلى المبادرة ، وإلى الموقف الحازم والحاسم .
---------------------------
(1) الجوهرة ص 110 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 305 عن دلائل النبوة للبيهقي .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 268 والبحار ج 38 ص 15 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 144 _
(4) إن عائشة قد اعترفت بأن أهل العراق كانوا يكذبون على علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويزيدون عليه في الحديث .
(5) إن حديث ابن شداد يشير إلى أن من جملة الأمور التي دفعت بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى حرب « الخوارج » أنهم قد استحلوا أهل الذمة . . . مع أن من المعروف عنهم هو تحرّجهم من قتل أهل الذمة ، وذلك يعني : أنهم قد تجاوزوا في الفساد والافساد كل حد ، حتى تلك الحدود التي الزموا بها أنفسهم بصورة حازمة وصارمة ، مع وجود احتمال : أن يكونوا في بدايات ظهورهم ، لم يكونوا قد وضعوا تلك الحدود ، ولا قالوا بتلك المقولات التفصيلية ، وإنما كانت تصدر منهم قضايا جزئية وتصرفات فردية ، ثم أصبحت فيما بعد نهجاً وسمات عامة لهم بمرور الزمن .
مفارقات في مواقف عائشة :
ونسجل هنا ملاحظة على مواقف عائشة ، فإنها حين تسمع بأن « الخوارج » يكفرونها تندفع للافصاح عما سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من ذم للخوارج ، ومن ثناء على قاتلهم . . . ثم هي تبرؤه ( عليه السلام ) من أكاذيب أهل العراق ، وزياداتهم في الحديث عليه ، مع أننا نعرف :
أولاً : إنها في حديث منع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لأبيها عن إكمال الصلاة ، وخروجه ـ وكان ( صلى الله عليه وآله ) مريضاً ـ وهو يتوكأ على رجلين من أهل بيته أحدهما الفضل العباس ، تقول الرواية : فقال عبد الله بن عباس لعكرمة : فلم تسم لك الآخر ؟ ، قال : لا والله ما سمته ، قال : أتدري من هو ؟ قال : لا ، قال : ذلك علي ابن أبي طالب ، وما كانت أمنا تذكره بخير ، وهي تستطيع
(1) ، فعائشة إذن لا تطيب نفسها بذكر اسم علي ( عليه السلام ) ، حتى ولو بمثل أن يعتمد عليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في مشيته ، وهو في مرض موته ، لأنها لا تحب أن تذكره بخير أبداً . . . هي نفسها عائشة التي تذكر حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ومدحه العظيم لقاتل « الخوارج » .
وثانياً : إنها حين سمعت بقتل أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) على يد خارجي ـ وهي التي تروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أن « الخوارج » شر الخلق والخليقة ، وان علياً خير الخلق والخليقة ، وانه ( صلى الله عليه وآله ) قال عن قاتل ذي الثدية : يقتله خير أمتي بعدي ، وعلي ( عليه السلام ) هو الذي قتله . . .
---------------------------
(1) الجمل ط سنة 1413 هـ ، ص 158 ، وطبقات ابن سعد ج 2 ص 231 و 232 ط سنة 1405 هـ ، ومسند أحمد ج 6 ص 38 و 288 ، والمستدرك على الصحيحين ج 3 ص 56 ، والسنن الكبرى ج 1 ص 31 ، والإحسان ج 8 ص 198 ، وصحيح البخاري ج 1 ص 162 ط سنة 1401 هـ ، دار الفكر بيروت ، وصحيح مسلم ( بشرح النووي ) ج 4 ص 138 و 139 ، والصوارم المهرقة ، ص 105 والإرشاد ص 164 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 145 _
نعم إنها حين سمعت بقتل ابن ملجم الخارجي ، لعلي ( عليه السلام ) . . . لم تتمالك نفسها عن إبداء الفرح العظيم . . . فبادرت إلى عتق غلام لها أسود وسمته : عبد الرحمن ، حباً منها بعبد الرحمن بن ملجم ، حسب قولها
(1) ، وسجدت لله شكراً
(2) ، وفرقت أربعين ديناراً في ضعفة مبغضي أمير المؤمنين من تيم وعدي
(3) ، وقالت :
| فألقت عصاها واستقر بها iiالنوى كما قر عينا بالإياب المسافر (4) |
وحين سمعت بنعيه ( عليه السلام ) استبشرت أو تمثلت بقول الشاعر :
| فـإن تك ناعياً فلقد iiنعاه نعي ليس في فيه التراب |
ثم قالت : من قتله ؟ فقيل : رجل من مراد ، فقالت : رب قتيل الله بيدي رجل من مراد ، فقالت لها زينب بنت أبي سلمة : أتقولين مثل هذا لعلي ؟ في سابقته وفضله ؟ فتضاحكت أو فضحكت ، وقالت بسم الله ، إذا نسيت ذكريني
(5) ، وبعدما تقدم نقول : لا ندري كيف نوفق بين هذه المواقف ، وبين ما نقلته عن رسول الله من أن « الخوارج » هم شر الخلق والخليقة ، وأن من يقتلهم ـ وهو علي ( عليه السلام ) ـ خير الخلق والخليقة . . .
ثالثاً : لنفترض : أن عائشة قد انساقت هنا وراء انفعالاتها الشخصية وحالاتها العاطفية غير أننا نقول :
ألف : إن ذلك أيضاً لا يمكن أن يبرر ذلك منها . . . فان شماتتها بعلي لا تبرر حبها لعبد الرحمن بن ملجم ، وعتق العبيد ، وتسميتهم باسمه ، وهو شر الخلق والخليقة ! ! .
ب : لقد قتل خارجي آخر عزيزاً على قلبها ، وهو صهرها ، وقائد جيشها ، ومحارب عدوها . . . ألا وهو الزبير بن العوام ، فكيف أحبت « الخوارج » ، وسمّت العبيد بأسمائهم ، وهم يكفرونها، ويقتلون أعز الناس عليها ، خصوصاً من كان لقتله المزيد من الإذلال لها ، وإسقاط هيبتها ، وكسر شوكتها ؟ ! !
ج : إن علياً قد حكم بالنار لقاتل ذلك الحبيب ، حيث قال : بشر قاتل ابن صفية بالنار ـ حسبما روي
(6) ، وقد كنا ننتظر منها أن تحزن لقتل خير الخلق والخليقة ، حسبما ذكرته هي ، وأن تبغض الخارجي الذي قتله ، وهو ابن ملجم ، وتبغض الخارجي الآخر الذي قتل مع « الخوارج » في النهروان ، وكان من أركانهم وهو عمرو بن جرموز
(7) .
ولأجل ذلك بشره علي ( عليه السلام ) بالنار ، لا لأجل قتله للزبير ، وهو منهزم . . . وبشارته ( عليه السلام ) له بذلك تأتي في سياق إخباراته ( عليه السلام ) عن الغيب ، ولكن الأمور تأتي من قبل أم المؤمنين ليس فقط على خلاف الشرع ، وإنما على خلاف الطبيعة والسجية في أحيان كثيرة .
---------------------------
(1) راجع : تلخيص الشافي ج 4 ص 158 والجمل ـ ط النجف ـ ص 84 والبحار ج 22 ص 234 و ج 32 ص 341 و 342 وقاموس الرجال ج 10 ص 475 والشافي ج 4 ص 356 .
(2) مقاتل الطالبيين ص 47 والجمل ص 159 ط سنة 1413 هـ .
(3) الهداية الكبرى ص 197 .
(4) راجع : تاريخ الأمم والملوك ط دار المعارف بمصرج5 ص 150 ومقاتل الطالبيين ص 42 والكامل في التاريخ ص 394 وطبقات ابن سعد ج 3 ص 40 ط سنة 1405 هـ ، وتلخيص الشافي ج 4 ص 157 والجمل ص 159 والبحار ج 32 ص 340 و 341 والصراط المستقيم للبياضي ج 3 ص 164 عن ابن مسكويه وتاريخ الطبري ، والهداية الكبرى ص 196 و 197 والشافي ج 4 ص 355 .
(5) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق وأخبار الوفقيات ص 131 والاغاني .
(6) مصادر هذا الحديث كثيرة ، فراجع على سبيل المثال : مسند أحمد ج 1 ص 89 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 236 .
(7) تلخيص الشافي ج 4 ص 145 وشرح نهج البلاغة ج 1 ص 236 و ج 2 ص 168 والفصول المختارة للشيخ المفيد ص 108 و 109 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 146 _
الزبير قتل وهو منهزم :
قلنا إن الزبير قد قتل وهو منهزم وإن بشارته ( عليه السلام ) لابن جرموز بالنار ، إنما هو إخبار بالغيب عما سيؤول إليه أمره من المروق من الدين وصيرورته خارجياً ، وليس لاجل أن الزبير قد تاب وانصرف عن الحرب ، ولو كان لأجل ذلك لكان أقاده به ، ولما طلَّ دمه ، وإنما قلنا : إنه قتل وهو منهزم ، استناداً إلى نصوص كثيرة ، نذكر منها ما يلي :
(1) إنه حينما ذكّر علي ( عليه السلام ) الزبير بقول رسول ( صلى الله عليه وآله ) له : « أما انك ستحاربه ، وأنت ظالم له » ، رجع الزبير إلى صفوفه ، واتهمه ولده عبد الله بالجبن وقال له : ما أراك إلا جبنت عن سيوف بني عبد المطلب ، إنها لسيوف حداد ، تحملها فتية أنجاد ، فقال الزبير : ويلك ، أتهيجني على حربه ؟ ! أما إني قد حلفت ألا أحاربه ، قال : كفّر عن يمينك ، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت ، وما كنت جباناً ، فقال الزبير : غلامي مكحول حر كفارة عن يميني ، ثم أنصل سنان رمحه ، وحمل على عسكر علي ( عليه السلام ) برمح لا سنان له ، فقال علي ( عليه السلام ) : أفرجوا له ، فإنه محرج ، ثم عاد إلى أصحابه ، ثم حمل ثانية ، ثم ثالثة ، ثم قال لابنه : أجبناً ـ ويلك ـ ترى ؟ ! ، فقال : لقد أعذرت
(1) .
(2) وقد قال همام الثقفي :
أيـعتق مـكحولاً ويعصي iiنبيه لقد تاه عن قصد الهدى ثم iiعوق أينوي بهذا الصدق والبر iiوالتقى سيعلم يوماً من يبر ويصدق (2) |
(3) وقد قال النجاشي الشاعر ، في رثائه لعمرو بن محصن الأنصاري :
ونحن تركنا عند مختلف iiالقنا أخـاكم عـبيد الله لحماً iiملحّبا بصفين لما ارفض عنه رجالك ووجه ابن عتاب تركناه iiملغبا |
---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 234 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وراجع : تلخيص الشافي ج 4 ص 150 و 141 و 142 و 143 وراجع : الفصول المختارة ص 106 وتاريخ الطبري ج 4 ص 502 ط دار المعارف بمصر والكامل في التاريخ ج 3 ص 240 و 261 وتذكرة الخواص ص 71 وراجع البحار ج 32 ص 205 .
(2) البحار ج 32 ص 205 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 147 _
وطلحة من بعد الزبير ، ولم ندع لضبة في الهيجا عريفاً ومنكبا
(1) .
(4) وروى البلاذري : أن ابن الزبير لما جبَّن أباه وعيَّره ، قال له : حلفت ألا أقاتله ، قال : فكفر عن يمينك ، فاعتق غلاماً له يقال له : سرجس ، وقام في الصف بينهم
(2) .
(5) و قال عبد الرحمن بن سليمان : لم أر كاليوم أخا إخوان أعجب من مكفر الأيمان العتق في معصية الرحمن .
(6) وقال رجل من شعرائهم :
يـعتق مـكحولاً لصون iiدينه كـفـارة لـله عـن iiيـمينه
والنكث قد لاح على جبينه (3) |
(7) وكتب ( عليه السلام ) إلى أهل الكوفة يخبرهم بالفتح ، ويقول : « فقتل طلحة والزبير ، وقد تقدمت إليهما بالمعذرة ، وأبلغت إليهما بالنصيحة ، واستشهدت عليهما صلحاء الأمة ، فما أطاعا المرشدين ، ولا أجابا الناصحين . . . الخ »
(4) .
(8) وعن سليم في حديث قال : ونشب القتال ، فقتل طلحة ، وانهزم الزبير
(5) .
(9) وعن الحسن قال : إن علياً ( عليه السلام ) لما هزم طلحة والزبير أقبل الناس مهزومين فمروا بامرأة حامل . . . الخ
(6) .
(10) وذكر الحاكم : ان علياً ( عليه السلام ) نادى في الناس : أن لا ترموا أحداً بسهم ولا تطعنوا برمح ، ولا تضربوا بسيف ، ولا تطلبوا القوم . . . إلى أن قال : ثم الزبير قال لأساورة كانوا معه : ارموهم برشق ، وكأنه أراد أن ينشب القتال ، فلما نظر أصحابه إلى الانتشاب لم ينتظروا ، وحملوا ، فهزمهم الله، ورمى مروان طلحة . . . الخ
(7) ، وهذا يدل على أن الوقعة الفاصلة قد حصلت بفعل الزبير نفسه وحضوره ، وان الهزيمة وقعت عليه وعلى أصحابه .
---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 819 ط سنة 1964 م .
(2) تلخيص الشافي ج 4 ص 143 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 167 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 509 ط دار المعارف بمصر وأنساب الأشراف ، ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 254 .
(3) تلخيص الشافي ج 4 ص 142 وتاريخ الأمم والملوك ط دار المعارف بمصر ج 4 ص 502 وتذكرة الخواص ص 71 .
(4) تلخيص الشافي ج 4 ص 136 .
(5) البحار ج 32 ص 217 .
(6) البحار ج 32 ص 214 .
(7) مستدرك الحاكم ج 3 ص 371 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 148 _
(11) وذكر الطبري : أنه « لما انهزم الناس في صدر النهار نادى الزبير : أنا الزبير ، هلموا إلي أيها الناس ، ومعه مولى له ينادي : أعن حواري رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تنهزمون ؟ ! ، وانصرف الزبير نحو وادي السباع »
(1) .
(12) وذكروا أيضاً : أن كعب بن سور أقبل إلى عائشة ، فقال : أدركي ، فقد أبى القوم إلا القتال ، فركبت ، وألبسوا هودجها الأدراع ، ثم بعثوا جملها ، فلما برزت من البيوت وقفت واقتتل الناس ، وقاتل الزبير، فحمل عليه عمار بن ياسر ، فجعل يحوزه بالرمح والزبير كاف عنه ، ويقول : أتقتلني ، يا أبا اليقظان ؟ ، فيقول : لا ، يا أبا عبد الله ، وإنما كف عنه الزبير لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : تقتل عماراً الفئة الباغية ، ولولا ذلك لقتله ، وبينما عائشة واقفة إذ سمعت ضجة شديدة . . . فقالت : ما هذا ؟
قالوا : ضجة العسكر ، قالت : بخير او بشر ، قالوا : بشر ، فما فجأها إلا الهزيمة ، فمضى الزبير من سننه في وجهه ، فسلك وادي السباع ، وجاء طلحة سهم غرب . . . الخ
(2) ، أضاف ابن الأثير قوله عن الزبير : وإنما فارق المعركة ، لأنه قاتل تعذيراً لما ذكر علي ( عليه السلام )
(3) .
(13) ونص آخر يقول : « لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحة والزبير ، مضى الزبير حتى مر بمعسكر الأحنف . . . الخ »
(4) .
(14) وعن محمد بن ابراهيم قال : « هرب الزبير على فرس له ، يدعى بذي الخمار ، حتى وقع بسفوان ، فمر بعبد الله بن سعيد المجاشعي . . . الخ »
(5) .
(15) وفي نص آخر : « هرب الزبير إلى المدينة ، حتى أتى وادي السباع ، فرفع الاحنف صوته . . . الخ »
(6) .
(16) وعن أبي مخنف وغيره : مضى الزبير حين هزم الناس يريد المدينة ، حتى مر بالأحنف أو قريباً منه . . . الخ
(7) .
---------------------------
(1) تاريخ الامم والملوك ط دار المعارف بمصر ج 4 ص 512 .
(2) راجع : الكامل في التاريخ ج 3 ص 243 وراجع ص 262 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 507 .
(3) الكامل ج 3 ص 243 .
(4) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 534 .
(5) الجمل ص 387 .
(6) الجمل ص 390 .
(7) أنساب الاشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 254 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 149 _
(17) ولعل ما ذكره البلاذري إذا ضممناه إلى ما تقدم يصلح بياناً لحقيقة ما جرى .
فقد روى عن قتادة ، قال : لما اقتتلوا يوم الجمل كانت الدبرة على أصحاب الجمل ، فأفضى علي إلى الناحية التي فيها الزبير ، فلما واجهه قال له : يا أبا عبد الله ، أتقاتلني بعد بيعتي وبعد ما سمعت في رسول الله في قتالك لي ظالماً ؟ ! ، فاستحيا وانسل على فرسه منصرفاً إلى المدينة ، فلما صار بسفوان لقيه رجل من مجاشع يقال له : النَعر بن زمام ، فقال له : أجرني ، قال النعر : انت في جواري يا حواري رسول الله، فقال الأحنف : وا عجباً ! ! الزبير لفّ بين غارين ( أي جيشين ) من المسلمين ، ثم قد نجا بنفسه . . . الخ
(1) .
فالمراد بانصراف الزبير هو انصراف الهزيمة ، لا انصراف التوبة كما هو ظاهر هذا النص إذ لو كان قد انصرف عن القتال على سبيل التوبة ، لما احتاج إلى من يجيره ، وقد صرحت سائر النصوص التي ذكرناها آنفاً بهذه الهزيمة .
---------------------------
(1) المصدر السابق ج 2 ص 258 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 150 _
البداية :
قد قدمنا في الفصل السابق وفي غيره ، نبذاً من الاحتجاجات المختلفة فيما بين علي أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ، وأصحابه من جهة ، وبين « الخوارج » من جهة أخرى . . . ونلفت نظر القارئ إلى ما رواه ابن شداد لعائشة فيما ذكرناه في الفصل السابق ، على وجه الخصوص . . . ونذكر في هذا الفصل نبذة من هذه الاحتجاجات والمناظرات ، ولا نسعى إلى استقصاء نصوصها ، فإن الكتاب ليس معداً لذلك ، فنقول :
المناظرات والاحتجاجات :
لقد نفذ علي ( عليه السلام ) سياسات الإسلام في « الخوارج » بدقة ، حيث ترك الساكتين منهم ، فلم يهجهم ، وبالغ في الاحتجاج على الذين أعلنوا بالخصام ، وبادروا إلى الانفصال وإظهار التمرد . . . وقد بين لهم بما لا مدفع له خطأهم في تصوراتهم ، وبغيهم في مواقفهم ، ولم يقتصر الأمر على ما احتج به هو نفسه ( عليه السلام ) عليهم في أكثر من موقف ومناسبة ، بل احتج عليهم أيضاً أبو أيوب الأنصاري ، وابن عباس ، وصعصعة بن صوحان ، الذي أصبحت خطبه فيهم مضرب مثل ، فيقال : « أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج »
(1) .
---------------------------
(1) البيان والتبيين ج 1 ص 326 و 327 وذكر المعتزلي في شرح النهج ج 3 ص 398 نفس القصة مع بعض الاختلاف ، فراجع .