وقال ابن اعثم ، وابن شهر آشوب ، والإربلي : « استأمن إليه منهم ثمانية آلاف، وبقي على حربه آربعة آلاف »
، وقال أبو وائل : « خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا علي ، فما زال يكلمنا حتى رجع منا ألفان »
، وذكر ابن عساكر : أنه قد نتج عن الاحتجاج عليهم أن « رجع ثلثهم ، وانصرف ثلثهم ، وقتل سائرهم على ضلالة »
، غير أن البعض يذكر : ان احتجاج ابن عباس عليهم في حروراء لم يؤثر شيئاً ، وطلبوا علياً ليكلمهم ، فلما كلمهم علي (عليه السلام) رجع ابن الكواء، وعشرة من أصحابه(6)، وأقام الباقون على غيهم ، وأمَّروا عليهم الراسبي ، وعسكروا بالنهروان ، فسار إليهم علي ( عليه السلام ) حتى بقي على فرسخين منهم ، وكاتبهم ، وراسلهم ، فلم يرتدعوا .
فأرسل إليهم ابن عباس ، فكلمهم وكان علي ( عليه السلام ) وراءه يسمع ما يقولون ، فتقدم علي ( عليه السلام ) إليهم ، فكلموه ، وذكروا ما نقموه عليه ، فأجابهم عنها ، فاستأمن ثمانية آلاف، فأمرهم بأن يعتزلوه في ذلك الوقت ، ثم حارب الباقين ، فقتلهم ، وكانوا أربعة آلاف
، ولعل بعض المؤرخين يتحدث عن مرحلة وواقعة ، ويتحدث غيره عن مرحلة وواقعة أخرى ، فإن الألفين إنما رجعوا حين كلمهم ابن عباس ، ويبدو أن ذلك كان بتوجيه وتلقين مباشر حيناً ، وبمشاركة حيناً آخر من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه ، ونسجل ملاحظة هنا : وهي أن من يراجع احتجاجات ابن عباس يجد أنها قوية وحاسمة ، وقد نص عدد من المؤرخين على ان ألفين على الأقل قد رجعوا نتيجة لتلك الاحتجاجات فلا يصح قولهم : إن احتجاجاته لم تؤثر شيئاً .
ويقال : إنه بعد أن احتج عليهم ابن عباس : « رجع عبد الله بن الكواء في ألفي رجل ، وبقي الباقون ، وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي ، ثم سمّوا الراسبية ، ثم أخذوا في الفساد ؛ فقال علي ( عليه السلام ) : دعوهم ، حتى إذا أخذوا الأموال وسفكوا الدماء ، ومروا بالمدائن ولقيهم عبد الله بن خباب . . . » ، إلى أن يقول النص : « فقتلوه ، وبقروا عن بطن امرأته ، وقتلوا نسوة ، وولداناً ؛ فخرج إليهم ، وقال : إدفعوا إلينا قتلة إخواننا ، ونحن تاركوكم .
فأبوا عليه ، وثاروا به ؛ فتهيأ علي ( عليه السلام ) لقتالهم ، ودعا المسلمين إليهم ؛ فقتلهم بالنهروان »
(1) .
بهذا وعظهم ( عليه السلام ) :
قد عرفنا أنه ( عليه السلام ) قد خطب « الخوارج » بخطب ذات عدد ، وأنه قد ردهم بكلامه الحلو في غير موطن . . . مما يعني أن تجمع النهروان لم يكن هو الأول، ولا كان هو الأخير في سلسلة بغيهم على إمامهم ، وجمعهم الجموع لحربه ( عليه السلام ) ، ونورد هنا فقرة واحدة مما خطبهم ( عليه السلام ) يوم النهروان ، فقد قال : « نحن أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وعنصر الرحمة ، ومعدن العلم والحكمة ، نحن أفق الحجاز ، بنا يلحق البطيء ، وإلينا يرجع التائب »
(2) .
ويلاحظ : أن هذه هي نفس كلمات الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، التي واجه بها الوليد بن عتبة ، حين طلب منه البيعة ليزيد لعنه الله، ثم يلاحظ : أن هذه الصفات تناقض تماماً صفات « الخوارج » ، حسبما سيأتي بعض التوضيح له في فصول هذا الكتاب .
آخر ما وعظهم به علي ( عليه السلام ) :
« لما استوى الصفان بالنهروان تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بين الصفين ، ثم قال : أما بعد . . . أيتها العصابة التي أخرجتها عادة المراء والضلالة ، وصدف بها عن الحق الهوى والزيغ ، إني نذير لكم أن تصبحوا غداً صرعى بأكناف هذا النهر ، أو بملطاط من الغائط ، بلا بينةٍ من ربكم ، ولا سلطان مبين ، ألم أنهكم عن هذه الحكومة ، وأحذركموها ، وأعلمكم أن طلب القوم لها دهن منهم ، ومكيدة ، فخالفتم أمري ، وجانبتم الحزم فعصيتموني ، حتى أقررت بأن حكمت ، وأخذت على الحكمين ، فاستوثقت ، وأمرتهما أن يحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، فخالفاً أمري ، وعملا بالهوى ، ونحن على الأمر الأول، فأين تذهبون ، وأين يتاه بكم » .
ثم تذكر الرواية : أن خطيبهم طلب من علي ( عليه السلام ) أن يتوب من الكفر كما تابوا فقال علي ( عليه السلام ) : أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر ، أبعد إيماني بالله ، وجهادي في سبيل الله، وهجرتي مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أقر بالكفر ؟ ! لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، ولكن منيت بمعشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام ، والله المستعان ، ثم حمل عليهم ، فهزمهم
(3) وسنتحدث عن بعض تفاصيل الحرب فيما يأتي .
---------------------------
(1) البدء والتاريخ ج 5 ص 136 و 137 .
(2) راجع : نهج البلاغة ج 2 ص 283 .
(3) الموفقيات ص 325 و 327 والخطبة موجودة في تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 62 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 458 والإمامة والسياسة ج 1 ص 109 والمستدرك على نهج البلاغة ص 68 راجع الأخبار الطوال ص 207 و 208 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 110 _
كيفية إقرارهم بقتل ابن خباب:
وقد بادر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى انتزاع اعتراف من القتلة بما صدر عنهم ، حيث يقول النص التاريخي : إنه ( عليه السلام ) قال : « الله أكبر ، نادوهم : اخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب ، قالوا : كلنا قتله ، فناداهم ثلاثاً كل ذلك يقولون هذا القول »
(1) ، وفي نص آخر : أنه ( عليه السلام ) قال : « . . . أيكم قتل عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته ، وابنته ، يظهر لي أقتله بهم ، وأنصرف عهداً إلى مدة ، حكم الله أنتظر فيكم ؟ فنادوا : كلنا قتل ابن خباب ، وزوجته ، وابنته ، وأشرك في دمائهم ، فناداهم أمير المؤمنين : إظهروا إلي كتائب ، وشافهوني بذلك ؛ فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء ، ولا يقر بعض ولا أعرف ذلك في الضوضاء ، ولا استحل قتل من لم يقر بقتل من أقر ، لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم .
ففعلوا ، وجعلوا كلما جاء كتيبة ، سألهم عن ذلك ؛ فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين ، حتى أتى على آخرهم ، ثم قال : إرجعوا إلى مراكزكم ، فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات : رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم ؟ فنادوا كلهم : نعم ، فالتفت إلى الناس ؛ فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، والله، لو أقر بقتلهم أهل الدنيا ، وأقدر على قتلهم لقتلتهم ، شدوا عليهم ، فأنا أول من شد عليهم ، وعزل بسيف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاث مرات ، كل ذلك يسويه على ركبتيه من اعوجاجه ، ثم شد الناس معه ؛ فقتلوهم ، فلم ينج منهم تمام عشرة » ، ثم تذكر الرواية : أنهم لما لم يجدوا ذا الثدية قال : ائتوني بالبغلة ؛ فإنها هادية مهدية ، فركبها ، ثم انطلق حتى وقف على قليب . . الخ
(2) .
علي (عليه السلام) يدعوهم إلى حكم المصحف :
وتذكر رواية جندب أنه ( عليه السلام ) بعد أن ردّ قول الذين أخبروه بأنهم قد عبروا النهروان ، بل في بعض الروايات : أنه ( عليه السلام ) كان يقسم أنهم لم يعبروه ، وأن مصارعهم دونه
(3) . . . قد أخبر جندباً بأنه سوف يرسل إليهم رجلاً يقرأ المصحف ؛ فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ، ولكنهم سوف يقتلونه ، وأنه لن يقتل من أصحابه ( عليه السلام ) عشرة ، ولا ينجو منهم عشرة ، قال جندب : « . . . فانتهينا إلى القوم ، وهم في معسكرهم الذي كانوا فيه ، لم يبرحوا ، فنادى علي في أصحابه ، فصفّهم ، ثم أتى الصف من رأسه ذا إلى رأسه ذا ، مرتين ، ثم قال : من يأخذ هذا المصحف ، فيمشي به إلى هؤلاء القوم ، فيدعوهم إلى كتاب الله ( ربهم ) ، وسنة نبيهم ، وهو مقتول ، وله الجنة ؟ !
---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 1 ص 206 .
(2) مناقب الإمام علي ( عليه السلام ) ، لابن المغازلي ص 413 و 414 ، وفي هوامشه عن مصادر كثيرة أخرى فلتراجع ، وقاموس الرجال ج 5 ص 436 / 437 عن أبي عبيدة وشرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 282 عن أبي عبيدة .
(3) راجع : مروج الذهب ج 2 ص 405 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 111 _
فلم يجبه إلا شاب من بني عامر بن صعصعة ، فقال له علي : خذ ، فأخذ المصحف ( فقال له ) : أما إنك مقتول ، ولست مقبلاً علينا بوجهك حتى يرشقوك بالنبل ، فخرج الشاب بالمصحف إلى القوم ، فلما دنا منهم حيث يسمعون قاموا ، ونشبوا الفتى قبل أن يرجع ( قال ) فرماه إنسان ؛ فأقبل علينا بوجهه ، فقعد ، فقال علي : دونكم القوم ، قال جندب : فقتلت بكفي هذه ( بعد ما دخلني ما كان دخلني ) ثمانية قبل أن أصلي الظهر، وما قتل منا عشرة ، وما نجا منهم عشرة ، كما قال »
(1) .
تأثير نهج علي ( عليه السلام ) في « الخوارج » :
إن أهل العراق لم يعرفوا علياً إلا لمدة وجيزة كانت مليئة بالحروب والمآسي ، مشحونة بالكوارث على مختلف المستويات ، والاتجاهات ، وكان العراقيون يعيشون أجواء الحرب والقتال منذ عهد عمر بن الخطاب ، الذي جعل العراق منطلقاً لحملاته العسكرية في فتوحات بلاد فارس ، وسائر المناطق الشرقية . . . وقد تحدثنا عن الحالات التي كان العراقيون يعيشونها قبل عهد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) .
وكان لوجود أمير المؤمنين فيما بين أظهر العراقيين تلك الفترة الوجيزة ، برغم كل ما واجهه من انشغالات وصوارف أثر في عقليتهم وثقافتهم ، ثم في حالاتهم الإيمانية ، وحتى في وعيهم السياسي والديني ، وفي مختلف شؤونهم . . . حتى إنه ( عليه السلام ) ليقول لأهل العراق : « ركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام »
(2) ، بل إن معاوية حينما واجه عكرشة بنت الأطرش ، لم يجد مناصاً من الاعتراف بتأثير أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) في أهل العراق حيث قال ـ كما تقدم ـ : « هيهات يا أهل العراق نبهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا »
(3) .
---------------------------
(1) راجع : كنز العمال ج 11 ص 276 عن الطيالسي ، مجمع الزوائد ج 6 ص 241 و 242 عن الطبراني في الأوسط ، وذكره أيضاً في منتخب كنز العمال ، مطبوع مع مسند أحمد .
(2) نهج البلاغة ج 1 ص 168 بشرح عبده ، المطبعة الرحمانية بمصر .
(3) العقد الفريد ج 2 ص 112 وبلاغات النساء ص 104 ـ ط سنة 1972 م وصبح الأعشى .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 112 _
علي ( عليه السلام ) لا يبدؤهم بالقتال :
وكما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لا يبدأ أحداً بقتال . . . كان علي كذلك ، ولم يكن موقفه من « الخوارج » ، إلا امتداداً لهذه السياسة . . . فقد قال علي ( عليه السلام ) لأصحابه : « كفوا عن الخوارج حتى يبدؤوكم »
(1) ، وقد كانت هذه السياسة معروفة عنه ( عليه السلام ) ، وقد أخذها عنه شيعته الأبرار أيضاً
(2) ، فكانت البدأة بالقتال تأتي من قبل محاربيه ( عليه السلام ) ومنهم « الخوارج » في مختلف المواطن .
ومن المضحك المبكي : أن نجد في أتباع الخط الأموي من يحاول ـ أحياناً ـ أن يقلد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في هذه الناحية ، فقد « كان المهلب يقول لبنيه : لا تبدأوا « الخوارج » بقتال حتى يبدؤوكم ، ويبغوا عليكم ، فإنهم إذا بغوا عليكم نصرتم عليهم »
(3) ، والأدهى والأمر أننا نجد حتى « الخوارج » الذين كان دينهم الإجرام والقسوة إلى درجة ذبح الأطفال ، وبقر بطون النساء ، والغارات التي لا ترحم . . . ـ نجد ـ : أنهم في بعض الأحيان تصدر منهم أفعال تأثروا فيها بما أشاعه ( عليه السلام ) في الناس . . . ومنها عدم البدء بالقتال ؛ فإن أبا حمزة الخارجي حين التقى بمحاربيه في قديد ، قال لأصحابه : « كفوا عنهم ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم بالقتال ، فواقفوهم ، ولم يقاتلوهم ، فرمى رجل . . . الخ »
(4) .
---------------------------
(1) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 371 ونور الأبصار ص 102 والبداية والنهاية ج 7 ص 289 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 271 و 272 وغير ذلك من مصادر ستأتي في فقرة تفاصيل منسقة .
(2) البرصان والعرجان ص 333 .
(3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 196 والكامل في الأدب ج 3 ص 381 .
(4) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 112 وراجع : العقود الفضية ص 203 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 113 _
لا تتبعوا مولياً :
وكان من سيرة علي ( عليه السلام ) أن يأمر أصحابه : أن لا يتبعوا مولياً ، ولا يجهزوا على جريح . . . وقد أمرهم في النهروان أيضاً بأن لا يتبعوا مولياً
(1) ، فقلده أبو حمزة الخارجي مع محاربيه في قديد أيضاً ، فإنه لم يسمح باتباع المدبر ، ولا بالإجهاز على جريح حين طلب منه ذلك ، وقال : « لا أخالف سيرة أسلافنا »
(2) ، مع أن سيرة أسلافه كانت ضد ذلك ، كما هو معلوم .
إقامة الحجة أولاً :
وكان علي ( عليه السلام ) لا يقاتل أحداً حتى « الخوارج » إلا بعد أن يقيم عليه الحجة ، وكذلك قال أبو حمزة الخارجي لأصحابه ، حين التقى بابن عطية : « لا تقاتلوهم حتى تختبروهم ، فصاحوا ، فقالوا : يا أهل الشام ، ما تقولون في القرآن والعمل ؟ . . . الخ »
(3) .
---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 1 ص 160 .
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 112 .
(3) المصدر السابق ج 5 ص 123 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 114 _
توضيحات للسياق التاريخي :
(1) التعبئة :
قال ابن قتيبة وغيره : « . . . فرجع علي ، فعبأ أصحابه ، فجعل على الميمنة حجر بن عدي ، وعلى الميسرة شبث بن ربعي ( أو معقل بن قيس ) ، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري ، وعلى الرجالة أبا قتادة ، وعلى أهل المدينة ـ وهم ثمان مئة رجل من الصحابة ـ قيس بن سعد بن عبادة ( وقال الشبلنجي ، وابن الصباغ : كان على المقدمة ) ، ووقف علي في القلب في مضر » .
(2) رواية الأمان :
قال الإربلي : « لم يزل يعظهم ، ويدعهم ، فلمّا لم ير عندهم انقياداً ركز لهم راية أمان » ، وعلى حد تعبير ابن قتيبة « قال : ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري ، فناداهم أبو أيوب : من جاء منكم إلى هذه الراية ، فهو آمن [زاد الشبلنجي وابن الصباغ : ممن لم يكن قتل ، ولا تعرض لأحد من المسلمين بسوء ) ، ومن دخل المصر فهو آمن ، ومن انصرف إلى العراق ، ومن خرج من هذه الجماعة فهو آمن ، فانه لا حاجة لنا في سفك دمائكم »
(1) .
(3) التفرق والتراجع :
زاد ابن الأثير ، والشبلنجي ، وابن الصباغ : « ومن انصرف إلى الكوفة ، فهو آمن ، ومن انصرف إلى المدائن فهو آمن ، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا في سفك دماءكم ، فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي في خمس مئة فارس ، وخرجت طائفة أخرى منصرفين إلى الكوفة ، وطائفة أخرى إلى المدائن ، وتفرق أكثرهم ، بعد أن كانوا اثني عشر ألفاً ، فلم يبق منهم غير أربعة آلاف»
(2) ، « وأمر الذين استأمنوا أن يعتزلوه ، ولا يشاركوا في الحرب المتوقعة »
(3) .
(4) قبل أن تبدأ الحرب :
« قال : وقدم الخيل دون الرجالة ، وصف الناس صفين وراء الخيل ، وصف الرماة صفاً أمام صف ، وقال لأصحابه كفوا عنهم حتى يبدؤوكم » .
---------------------------
(1) راجع المصادر الآتية في الهوامش الثلاثة التالية .
(2) النص الذي بين المعقوفتين نقلناه من : نور الأبصار ص 102 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 والكامل في التاريخ ج 3 ص 346 ، ونعود من جديد لذكر النص الذي هو لابن قتيبة ، وسائر المصادر الآتية في الهامش التالي .
(3) المصادر في الهامش التالي ما عدا كتاب الإمامة والسياسة ، والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 125 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 189 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 115 _
(5) « الخوارج » يبدأون الحرب :
« قال وأقبلت الخوارج ، حتى إذا دنوا من الناس نادوا : لا حكم إلا لله ، ثم نادوا الرواح الرواح إلى الجنة ، قال : وشدوا على أصحاب علي شدة رجل واحد : والخيل أمام الرجال ، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل ، فخمدوا ، قال الثعلبي : لقد رأيت « الخوارج » حين استقبلتهم الرماح والنبل كأنهم معز اتقت المطر بقرونها ، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة ، ونهض علي في القلب بالسيوف والرماح ، فلا والله ما لبثوا فواقاً حتى صرعهم الله ، كأنما قيل لهم موتوا فماتوا » .
(6) الغنائم :
قال : « وأخذ علي ما كان في عسكرهم من كل شيء ، فأما السلاح والدواب ، فقسمه علي بيننا ، وأما المتاع والعبيد والإماء ، فانه حين قدم الكوفة رده على أهله »
(1) .
تفاصيل في روايات أخرى :
وفي بعض الروايات : أنهم « رموا أصحابه ، فقيل له قد رمونا ، فقال : كفوا ، فكرروا القول عليه ثلاثاً ، وهو يأمرهم بالكف ، حتى أتي برجل قتيل متشحط بدمه ، فقال علي : الله اكبر ، الآن حل قتالهم ، احملوا على القوم . . . الخ »
(2) ، وقال ابن الطقطقا : « لما التقى « الخوارج » بالنهروان أجفلوا قدامه إلى ناحية الجسر ، فظن الناس أنهم قد عبروا الجسر فقالوا لعلي ( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين ، إنهم قد عبروا الجسر ؛ فالقهم قبل أن يبعدوا .
فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ماعبروا وان مصارعهم دون الجسر ، والله لا يقتل منكم عشرة ولا يبقى منهم عشرة ، فشك الناس في قوله ، فلما أشرفوا على الجسر رأوهم لم يعبروه ، فكبر أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقالوا له : هو كما قلت يا أمير المؤمنين ، قال : نعم والله، ما كذبت ولا كذبت ، فلما انفصلت الوقعة ، وسكنت الحرب اعتبر القتلى من أصحاب علي ( عليه السلام ) ، فكانوا سبعة »
(3) .
---------------------------
(1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 149 و تجد ما تقدم كلاً أو بعضاً في المصادر التالية أيضاً : نور الأبصار ص 102 والكامل في التاريخ ج 3 ص 345 و 346 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 189 و 193 وراجع الفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 وكشف الغمة ص 265 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 125 والفرق بين الفرق ص 80 والأخبار الطوال ص 207 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 289 وأنساب الأشراف ج 2 ص 371 و 372 وفيه تفاصيل وتوضيحات ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 414 والبحار ط قديم ج 8 ص 563 و 565 وسفينة البحار ج 1 ص 383 و 384 .
(2) راجع بعض المصادر في الهامش السابق .
(3) الفخري في الآداب السلطانية ص 95 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 116 _
ثلاث حملات للخوارج :
وتذكر بعض النصوص : أن « الخوارج » قاموا في بداية الأمر بحملات ثلاث ضد جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، الذي كان يقارب عدده عدد « الخوارج » ، ففشلوا في حملاتهم تلك ، فقد روى الخطيب البغدادي : « أن الخوارج حملت على الناس ، حتى بلغوا منهم شدة ، ثم حملوا عليهم الثانية ، فبلغوا من الناس أشد من الأولى ، ثم حملوا الثالثة حتى ظن الناس أنها الهزيمة ، فقال علي : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لا يقتلون منكم عشرة ، ولا يبقى منهم عشرة ، فلما سمع الناس ذلك حملوا عليهم ، فقتلوا »
(1) .
عدد القتلى والناجين :
وقد كانت هذه الحملات بعد أن رجع من « الخوارج » من رجع ، وانصرف منهم من انصرف ، ودارت رحى الحرب ، ثم انجلت عن الباقين ، وقد قتلوا جميعاً ، ولم يفلت منهم إلا أقل من عشرة ، وقد اختلفوا في عدد من قتل منهم ، فقيل خمسة آلاف تقريباً ، وقيل أربعة آلاف، وقيل أقل وأكثر من ذلك
(2) ، وجزم المنقري أن الذين قتلوا من المحكمة على قنطرة البردان كانوا خمسة آلاف
(3) ، وقيل : كانوا ستة آلاف رجع منهم ألفان ، وقتل الباقون
(4) ، وقال أبو وائل : كانوا أربعة آلاف ، رجع منهم ألفان ، وقتل الباقون
(5) ، وقال بعضهم : أصح الأقاويل : إن المقتولين كانوا ألفين وثمان مئة
(6) ، وقيل : ألف وخمس مئة . . . وألف وثمان مئة
(7) ، وعند بعضهم : لم يخطئ السيف منهم عشرة آلاف
(8) ، ويظهر من بعض النصوص أن هذه الأرقام إنما تتحدث عن الفرسان منهم دون الرجالة
(9) .
---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 14 ص 365 .
(2) راجع الثقات لابن حبان ج 2 ص 296 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 193 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 125 و 123 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 415 واثبات الوصية ص 147 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 371 والخرائج والجرائح ص 209 والبحار ط قديم ج 8 ص 562 و 562 والبداية والنهاية ج 7 ص 289 وتاريخ بغداد ج 1 ص 182 وكشف الغمة ج 1 ص 267 ومروج الذهب ج 2 ص 406 والفصول المهمة ، لابن الصباغ ص 93 والأخبار الطوال ص 210 .
(3) صفين ص 855 .
(4) راجع المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 150 ـ 52 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 147 وتلخيص مستدرك الحاكم ( مطبوع بهامش المستدرك ) ، وفي هامش الخصائص عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 267 والبداية والنهاية ج 7 ص 276 و 281 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 167 .
(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ح 4 ص 99 .
(6) شذرات الذهب ج 1 ص 51 والعقد الفريد ج 2 ص 490 والجوهرة في نسب علي ( عليه السلام وآله ) ص 108 وبهج الصباغة ج 7 ص 168 و 185 .
(7) معجم الأدباء ج 5 ص 264 .
(8) البدء والتاريخ ج 5 ص 136 و 137 .
(9) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 371 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 117 _
وقد يقال : إن من قال : إن عدد المقتولين كان عشرة الاف ، إنما قصد جميع « الخوارج » ، وفي جميع المعارك والحروب التي خاضوها من بدء ظهورهم ، إلى وفاة أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .
عدد الشهداء ، وعدد من افلت :
قد استفاض النقل : عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أنه أخبر أصحابه أنه لا يفلت من أهل النهروان إلا أقل من عشرة ، ولا يقتل من أصحابه حتى عشرة فكان كما قال
(1) ، وقيل : لم يقتل من أصحابه ( عليه السلام ) سوى رجلين
(2) ، وفي نص آخر : « اعتبر القتلى من أصحاب علي فكانوا سبعة »
(3) .
---------------------------
(1) راجع الفرق بين الفرق ص 80 والفتوح لابن أعثم ج4 ص 120 ومجمع الزوائد ج 6 ص 241 و 42 والمحاسن والمساوئ ج 2 ص 98 والمناقب للخوارزمي ص 185 والكامل في الأدب ج 3 ص 187 ومناقب الإمام علي ( عليه السلام ) لابن المغازلي ص 406 و 415 وبهج الصباغة ج 7 ص 187 عن تاريخ بغداد ترجمة أبي سليمان المرعشي والمناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 99 ط الحيدرية في النجف ج3 ص 190 و 311 عن يعقوب بن شيبة في كتاب : مسير علي ، وعن مسدد ، وعن خشيش في الاستقامة عن أبي مجلز وابن النجار عن يزيد بن رويم وكنز العمال ج 11 ص 272 و 276 وعن مسدد ، وخشيش والبيهقي وابن النجار والطيالسي ، ويعقوب بن شيبة ، والبحار ط حجرية ج 8 ص 563 و 565 و 554 و ج 4 ص 307 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 273 والخرايج والجرايح ط حجري ص 209 والفخري في الآداب السلطانية ص 95 وسفينة البحار ج 1 ص 384 والكامل في التاريخ ج 3 ص 345 و 348 ومروج الذهب ج 2 ص 405 و 406 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 و 94 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 373 وعن سنن الدارقطني ( كتاب الحدود ) ص 343 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 267 وتاريخ بغداد ج 14 ص 365 .
(2) راجع : البداية والنهاية ج 7 ص 291 والسنن الكبرى ج 8 ص 170 و 171 كلاهما عن مسلم ، وسنن أبي داود ج 4 ص 245 وخصائص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ص 145 والرياض النضرة ج 3 ص 225 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 184 وفرائد السمطين ج 1 ص 276 ونظم درر السمطين ص 117 وكفاية الطالب ص 177 وكنز العمال ج 11 ص 281 عن مسلم وعبد الرزاق وأبي عوانة . . . والبيهقي ، وخشيش ، وفي هامش الكنز عن مسلم ج 1 ص 343 .
(3) الفخري في الآداب السلطانية ص 95 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 118 _
أسماء الشهداء :
وقد سمى ابن أعثم الذين استشهدوا في النهروان من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهم :
(1) رويبة بن وبر البجلي ، وعند ابن شهر آشوب في موضع آخر : رؤبة .
(2) عبد الله بن حماد الحميري ـ وعند ابن شهر آشوب : الأرحبي .
(3) رفاعة بن وائل الأرحبي .
(4) كيسوم بن سلمة الجهني .
(5) حبيب بن عاصم الأزدي .
وفي موضع عند ابن شهر آشوب : خب بن عاصم الأسدي .
(6) عبد الله بن عبيد الخولاني إلى تمام التسعة وعند ابن شهر آشوب عبيد بن عبيد الخولاني .
ثم كان الاشتباك العام ، فلم يقتل من أصحاب علي ( عليه السلام ) سوى أولئك التسعة
(1) .
وذكر ابن شهر آشوب :
(1) رؤبة .
(2) رفاعة .
(3) كيسوم .
(4) حبيب .
(5) الفياض بن خليل الأزدي.
(6) سعد بن خالد السبيعي .
(7) جميع بن جشم الكندي .
إلى تمام تسعة
(2) .
---------------------------
(1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 127 أو 128 .
(2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 190 ط المطبعة العلمية بقم و ج 2 ص 99 ط الحيدرية في النجف سنة 1376 هـ ، والبحار ج 41 ص 307 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 119 _
الرقم المشبوه :
غير أن ثمة نصاً آخر يقول : إن الذين قتلوا من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كانوا اثني عشر رجلاً ، أو ثلاثة عشر رجلاً
(1) ، ونقول : إن هذا الكلام لا يمكن قبوله .
(1) لأنه مخالف لما اتفقت عليه كلمة عامة أهل الحديث والتاريخ ، حيث اتفقت كلمتهم على أن من استشهد كانوا اقل من عشرة .
(2) إنه مخالف لما أخبر به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وليس ذلك من قبيل الكهانة منه ( عليه السلام ) ، ولا هو من قبيل التوقعات المبنية على معطيات واقعية ، وأرقام وحسابات حسية ، فإن وقعة النهروان لا تختلف عن غيرها ، فلماذا يتكهن بهذه النتائج ، أو لماذا يتوقعها هنا ، ولا يتكهن أو يتوقع نتائج حرب الجمل ، أوصفين ، وما هي المعطيات التي تجعل للنهروان هذه النتائج المذهلة ، والتي يفترض أن تكون على عكس ذلك تماماً إذا لوحظت عدة وعدد الطرفين المتحاربين ـ وقد كانت مفقودة في حربي صفين والجمل .
(3) إن هذه الأخبار منه ( عليه السلام ) قد جاءت على سبيل الإخبار بالغيب الذي يخوله مقام الإمامة ، وهو علم توقيفي أخذه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الله سبحانه . . . ولعل هؤلاء المشككين يريدون إثارة الشبهة حول هذه النقطة بالذات ، لأنها هي التي تهدم بيوت العناكب التي بنوها ، وسجنوا أنفسهم في داخلها ، وتثبت إمامة علي وبغي كل من ناوأه وخالفه .
الذين أفلتوا إلى أين صاروا ! ؟
ويقال : إن هؤلاء الذين افلتوا من القتل كانوا تسعة وقد أصبحوا بذرات أخرى للخوارج في مناطق عديدة فيما بعد . . . فقد سار منهم رجلان إلى سجستان ، ورجلان إلى عمان ، ورجلان إلى اليمن ، ورجلان إلى ناحية الجزيرة ، ورجل إلى تل مورون في اليمن، فـ « الخوارج » في هذه البلاد من أتباع هؤلاء
(2) .
---------------------------
(1) خصائص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) للنسائي ص 143 .
(2) راجع : الملل والنحل ج 1 ص 117 والفرق بين الفرق ص 80 و 81 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 132 والبحار ط قديم ج 8 ص 565 عن كشف الغمة ص 572 وط جديد ج 41 ص 307 عن المناقب وسفينة البحار ج 1 ص 384 وكشف الغمة ج 1 ص 267 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 واثبات الوصية ص 148 ذكر أن الخارجة يوم القيامة من نسل أولئك الأربعة ومناقب آل أبي طالب ط الحيدرية في النجف الأشرف ج 2 ص 99 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 120 _
وعلى حد تعبير ابن أعثم : « فاختلط القوم ، فلم تكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم ، وكانوا أربعة آلاف فما فلت منهم إلا تسعة نفر ، فهرب منهم رجلان إلى خراسان ، إلى أرض سجستان، وفيها نسلهما إلى الساعة ، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة ، إلى موضع يقال له سوق التوريخ ، وإلى شاطئ الفرات ، فهناك نسلهما إلى الساعة ، وصار رجل إلى تلّ يقال له : تل موزن »
(1) .
عدد من أفلت :
لقد ظهر صدق ما أخبر به علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث لم ينج من خوارج النهروان إلا أقل من عشرة ، فقيل : أربعة
(2) ، وقيل: خمسة
(3) ، وقيل : تسعة كما سنرى . . . وقيل : إن الذين أفلتوا كانوا عشرة
(4) ، وقيل غير ذلك .
القول المشبوه :
ولنا وقفة هنا مع هذا القول الأخير الذي يدعي : أن الذين أفلتوا من النهروان كانوا عشرة . . . فإننا نعتبره قولاً مكذوباً لدواع مريبة ، وغير نبيلة ، فان الظاهر هو أن المقصود به التشكيك فيما أخبر به عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أنه سوف لا يفلت من « الخوارج » عشرة . . . والإيحاء بأن هذا من قبيل الكهانة منه ( عليه السلام ) ، ولا تستند إلى أساس ، أومن قبيل التوقعات المستندة إلى التحليلات الشخصية التي تعتمد تحليل الوقائع والأرقام المتوفرة .
والحقيقة : هي أنه غيب اختص به ( عليه السلام ) ليكون دليلاً على إمامته ، وليثبت به وبنظائره التي تفوق حد الحصر : أنه ( عليه السلام) هو الإمام الحق ، وأن من حاربه مبطل وباغ على إمامه المنصوب من قبل الله ورسوله .
---------------------------
(1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 132 ، وراجع : نور الأبصار ص 102 مع بعض الاختلاف ، وكذا الفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 .
(2) إثبات الوصية ص 147 .
(3) الكامل في الأدب ج 3 ص 237 .
(4) مروج الذهب ج 2 ص 406 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 121 _
تشكيك آخر في عدد من أفلت :
وقد يقول البعض : إنه قد ذكر فيما تقدم : أن الذين افلتوا من « الخوارج » في معركة النهروان كانوا أقل من عشرة ، وذلك غير مقبول ، لأن « الخوارج » كانوا كثيرين بعد النهروان ، وقد خرجوا على أمير المؤمنين خمس خرجات
(1) ، فكيف يقال : إن من أفلتوا كانوا أقل من عشرة ؟ ؟ ونقول :
أولاً: إن الكلام هو عمن حضر واقعة النهروان منهم . . . فالخارجون بعد النهروان إنما هم أناس آخرون ، ولعلهم من أولئك الذين أعلنوا الانصراف والرجوع عن الحرب بسبب احتجاج علي ( عليه السلام ) عليهم قبل نشوب الحرب في النهروان .
ثانياً : إن النص يصرح بأن هؤلاء التسعة الذي تفرقوا في البلاد ، قد كانوا بمثابة بذرات نشأ عنها مئات من « الخوارج » في تلك المناطق. . . ولا ينافي ذلك وجود خوارج آخرين كانوا في مناطق العراق قد خرجوا على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أكثر من مرة ، وخرجوا بعد ذلك على غير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أيضاً .
الاختلاف في عدد من أفلت :
يبقى أن نشير: إلى أن الاختلاف في عدد من افلت ، هل هو أربعة ، أو خمسة ، أو تسعة ؟ ! . . . الخ أمر طبيعي ، ما دام أن الذين أفلتوا قد هربوا في البلاد ، وقد لا تتوافر الأخبار عنهم بصورة تامة عند هذا أو ذاك ، فيخبر كل واحد عما توفر لديه بحسب ظروفه وواقعه . . . على أن من الممكن أن يكون المراد بقوله ( عليه السلام ) : لا يسلم أو لا يفلت منهم عشرة هو السلامة من القتل والجراح معاً ، فليكن السالم من القتل هو هذا العدد ، وهو تسعة ، ومن القتل والجراحة معاً هو ذلك العدد : خمسة، أو أربعة مثلاً .
---------------------------
(1) راجع مقالات الإسلاميين ج 1 ص 195 ـ 196 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 122 _
دفن قتلى « الخوارج » :
ويقول المؤرخون : طاف عدي بن حاتم في القتلى وطلب ابنه طرفة ، فوجده فدفنه ، ودفن رجال من المسلمين قتلاهم ، فقال علي حين بلغه : أتقتلونهم ، ثم تدفنونهم ؟ ! ارتحلوا ، فارتحل الناس
(1) ، ونقول : إن هذا الاجراء من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، حيث أمرهم ، بالرحيل ، ولم يرض بأن يتولوا هم دفن قتلى « الخوارج » ، قد يكون سببه هو أن لا يعرض أصحابه إلى حالة من الندم والحسرة ، وأن لا يثير عاطفتهم تجاه من كان من « الخوارج » . . . من أرحامهم وأقاربهم . . . فإن ذلك قد ينتهي بهم إلى الشعور بعقدة الذنب ، والإحساس بأن قتلهم قد يرقى إلى مستوى الجريمة . . . ولكن لابد من استثناء من هو مثل عدي بن حاتم ، فإنه من الذين لا يشك في صلابتهم في دينهم ، ووضوح الرؤية لديهم ، وبعد النظر ، وقوة الإرادة، إلى حد يأمن معه غائلة الانسياق وراء العواطف ، والوقوع تحت تأثير المصاب .
الأسرى والغنائم :
قال عبد الله بن قتادة : كنت في الخيل يوم النهروان مع علي ، فلما أن فرغ منهم وقتلهم لم يقطع رأساً ، ولم يكشف عورة
(2) ، وقد غنم أصحاب علي في ذلك اليوم غنائم كثيرة
(3) .
وعن عرفجة عن أبيه قال : جيء علي بما في عسكر أهل النهروان فقال : من عرف شيئاً فليأخذه ، فأخذوه
(4) ، وعن عرفجة عن أبيه قال : شهدت علياً حين ظهر على أهل النهروان ، فأمر بورثتهم فأخرجت إلى الرحبة ثم قال للناس : من عرف شيئاً فليأخذه ، فجعل الناس يأخذون ما عرفوا حتى كان آخر ذلك قدر من نحاس ، فمكثنا ثلاثة أيام لا يعرفها أحد ، ثم فقدتها ، فلا أدري من أخذها
(5) .
ويقولون أيضاً : « وجد علي ( عليه السلام ) ممن به رمق أربعمائة ، فدفعهم إلى عشائرهم ، ولم يجهز عليهم ، ورد الرقيق ( والمتاع ) على أهله حينما قدم الكوفة ، وقسم الكراع والسلاح وما قوتل به بين أصحابه »
(6) ، زاد الدينوري قوله : « وأمر بما سوى ذلك فدفع إلى وراثهم »
(7) .
---------------------------
(1) راجع كلاً من الكامل في التاريخ ج 3 ص 348 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 66 ط الاستقامة .
(2) كنز العمال ج 11 ص 312 .
(3) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 133 .
(4) كنز العمال ج 11 ص 309 .
(5) تاريخ بغداد ج 11 ص 3 .
(6) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 374 / 375 وتاريخ الطبري ج 4 ص 66 ، والأخبار الطوال ص 211 وتذكرة الخواص ص 105 عن الواقدي والبداية والنهاية ج 7 ص 289 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 348 ولم يذكر من بهم رمق وفي مروج الذهب ج 2 ص 207 قال : ( قسم السلاح والدواب بين المسلمين ورد المتاع والعبيد والإماء إلى أهلهم ) .
(7) الأخبار الطوال ص 211 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 123 _
وعن النزال بن سبرة : « أن علياً لم يخمس ما أصاب من « الخوارج » يوم النهروان ، ولكن رده إلى أهله كله ، حتى كان آخر ذلك رحل أتي به ، فرده »
(1) ، وكذلك فعل ( عليه الصلاة والسلام ) بجرحاهم الأربعين الذين سقطوا في سواد الكوفة ، فإنه أدخلهم الكوفة أيضاً ، وأمر بمداواتهم ، ثم قال لهم : إلحقوا بأي البلاد شئتم ، وعن شقيق بن سلمة ، قال : لم يسب علي يوم الجمل ، ولا يوم النهروان
(2) .
تاريخ وقعة النهروان بالتحديد :
قال الحموي : « بين خروجه إلى « الخوارج » ، وقتل ابن ملجم لعنه الله تعالى له سنة وخمسة اشهر وخمسة أيام »
(3) ، وثمة أقوال أخرى في ذلك ، ولا يعنينا تحقيق هذا الأمر كثيراً ، ولذا فنحن نكتفي هنا بهذا النقل .
ذو الثدية والراسبي :
قد يظهر من نصوص كثيرة : أن ذا الثدية قد استخرج من بين القتلى ، وأنه كان قد قتل أثناء المعركة قبل استخراجه . . . غير أن نصاً آخر يقول : إنه استخرج حياً ، ثم قتل ، وأن الراسبي لم يقتل في المعركة ، يقول النص : « وكان المخدج ذو الثدية قد دخل تحت القنطرة ، والتاط سقفها ، فقال علي : اطلبوه ، ما كذب رسول الله ، فحمحمت البغلة ، فنظروا فإذا هو تحت القنطرة ، فأخرج ، وقتل ، ورجع عبد الله بن وهب قبل القتال . . . »
(4) ، ويستوقفنا في هذا النص ما يلي :
(1) قوله : عن ذي الثدية! انـه قد استخرج حيا ، ثم قتل . . . ولا نستطيع أن نكذب هذا النقل ، فإنه محتمل ، ومعقول .
(2) إن قوله : إن عبد الله بن وهب قد رجع قبل القتال يخالف إجماع المؤرخين . . . والذي يبدو لنا : أنه قد اشتبه الأمر على الراوي بين عبد الله بن الكواء وعبد الله بن وهب ، فإن الذي رجع قبل القتال هو ابن الكواء ، لا ابن وهب .
(3) إنه ( عليه السلام ) قد بين لنا : أنه حين يخبر عن ذي الثدية ، فانه لا يخبر اجتهاداً ورأياً ، بل هو يخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . وقد أكد ( عليه السلام ) على هذا الأمر في أكثر من موضع . . . وقد ظهر من الاستعانة ببغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإرشادها إلى موضع وجود ذي الثدية : أن هذا الأمر هو من الغيب الذي يراد له أن يرسخ اليقين لدى الناس بصوابية موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
---------------------------
(1) البداية والنهاية ج 7 ص 290 .
(2) كنز العمال ج 7 ص 321 .
(3) معجم الادباء ج 5 ص 264 .
(4) البدء والتاريخ ج 5 ص 136 ـ 137 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 124 _
الشك في قطع يد المخدج :
ويذكر الطبري نصاً يقول : إنهم حين وجدوا المخدج ، وأخبروا علياً ( عليه السلام ) بذلك قال : « اقطعوا يده المخدجة ، وائتوني بها ، فلما أتي بها أخذها ثم رفعها وقال : والله، ما كذبت ، ولا كذبت »
(1) ، ونحن نشك في صحة هذا النص إذ أن ذلك من قبيل المثلة ، ولم يكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليقدم على أمر كهذا ، ويمكن الرد على ذلك . . . بأنه ( عليه السلام ) إنما قصد إثبات صحة ما كان أخبر به أصحابه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، من مروق « الخوارج » ، وآية ذلك وجود المخدج بينهم .
ولكنه رد غير صحيح ، فقد كان بإمكان أمير المؤمنين أن يري الناس المخدج نفسه على ما هو عليه وأن يرفع لهم يده ليروها ، من دون حاجة إلى قطع يده المخدجة . . . بل إن ذلك يكون أبلغ في الحجة ، وأبعد عن التشكيك بالنسبة لمن لم يره قبل قطعها . . . وقد ذكرت بعض النصوص : أنه ( عليه السلام ) قد رفع يده المخدجة ليراها الناس ، ولم يزد على ذلك . . . وسيأتي ذلك في فصل :
قتل المخدج طمأن القلوب :
قد تقدمت نصوص كثيرة دلت على اهتمام علي ( عليه السلام ) بأمر ذي الثدية ، وشكره لله ، وسجوده ، حين وجدوه ، ونورد هنا نصاً واضح الدلالة على أن قتل ذي الثدية كان له أثره الكبير على روح الناس وبث الطمأنينة في نفوسهم . . . فقد روي عن أبي كثير مولى الأنصار ، قال : كنت مع سيدي ، مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حيث قتل أهل النهروان ، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم فقال علي رضي الله عنه : يا أيها الناس ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه أبداً ، حتى يرجع السهم على فوقه ، وإن آية ذلك : أن فيهم رجلاً أسود ، مخدج اليد ، أحد ثدييه كثدي المرأة ، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه فإني أراه فيهم .
---------------------------
(1) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 69 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 125 _
فالتمسوه ، فوجدوه إلى شفير النهر ، تحت القتلى ، فأخرجوه ، فكبر علي رضي الله عنه ، فقال : الله أكبر ، صدق الله ورسوله ، وإنه لمتقلد قوساً له ، عربية ، فأخذها بيده ، فجعل يطعن بها في مخدجيه ، ويقول : صدق الله ورسوله ، وكبر الناس حين رأوه ، واستبشروا ، وذهب ما كانوا يجدون
(1) ، وفي نص آخر قال : سار علي ( عليه السلام ) إلى النهروان ، فقتل « الخوارج » ، ثم قال : اطلبوا ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : سيجيء قوم يتكلمون بكلمة الحق لا يجاوز حلوقهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، سيماهم ، ( أو قال ) : فيهم رجل أسود مخدج اليد في يده شعرات سود ، إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس ، وإن لم يكن فقد قتلتم خير الناس ، قال : ثم إنا وجدنا المخدج ، قال : فخررنا سجوداً ، وخر علي ساجداً معنا
(2) .
« الخوارج » بعد النهروان :
إن هناك أقواماً من الناس قد يكون أكثرهم من أولئك الذين استأمنوا في النهروان ، أو أنهم رجعوا بسبب احتجاجات علي ( عليه السلام ) وأصحابه عليهم ، أو ممن يشبهون « الخوارج » في عقلياتهم ، ونظرتهم إلى الأمور . . . إن هذه الجماعات والأقوام قد جنح بهم شذوذهم وجهلهم ، وحماسهم الأعمى إلى أن يغامروا بحياتهم وبمستقبلهم ، فيعلنون العصيان ، ويخرجون عن الطاعة ، فكانت لهم بعد النهروان خرجات على الإمام ( عليه السلام ) في شراذم قليلة ، في بضعة مئات ، أو أقل أو أكثر ، وخرج في بعضها عليه ألفان منهم . . . فكان يقضي على تلك الحركات الواحدة تلو الأخرى بيسر وسهولة . . . فخرجوا عليه بالإضافة في النخيلة ، في : الانبار ، وماسندان ، وجرجرايا ، والمدائن ، وسواد الكوفة
(3) ، وحين خرج أبو مريم وظفر بهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فآمن خمسين رجلاً منهم استأمنوا ، وقتل سائرهم
(4) .
---------------------------
(1) مسند أحمد ج 1 ص 88 .
(2) مسند أحمد ج 1 ص 108 و 147 .
(3) راجع الفرق بين الفرق ص 81 ، ومقالات الإسلاميين ج 1 ص 195 / 196 وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 142 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 372 / 373 وغير ذلك .
(4) راجع أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 486 .