حتى إذا ظهر إصرارهم على التزام خط الفساد والافساد ، لم يبادر إلى الانتقام لنفسه ، بل عفا عنهم في كل ما آذوه به ، ولكنه بالنسبة لحفظ الواقع العام أوقع بهم العقوبة الإلهية التي يستحقونها ، وقد ساعد ما أظهره « الخوارج » من قوة وغلظة ، وإصرار على هتك الحرمات ، وعلى ارتكاب أعظم الموبقات ـ قد ساعد الكوفيين على تلمّس خطرهم العظيم ، وإدراك أن الناس إذا كانوا يحبون الراحة ، فإن عليهم أن يعرفوا أن الذهاب إلى حرب معاوية معناه أن يواجهوا خطرين .
أحدهما : أمامهم وهو معاوية ، والآخر : خلفهم وهو « الخوارج » ، وسيكون خطر « الخوارج » أشد لأنه يتهدد العيال والذرية والأموال ، فعليهم أن يختاروا درأ هذا الخطر أولاً . . . ويبقى خطر معاوية بانتظار عزمة صادقة من عزمات أهل الإيمان والنجدة ، ولن يفيدهم شيئاً إصرارهم على التثاقل عن مواجهته ، بل هو سيوقعهم ربما بأعظم الكوارث ، وأشد النكبات ، وقد حصل ذلك بالفعل ؛ وذلك بعد شهادة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وبعد ما جرى للإمام الحسن الزكي ( صلوات الله عليه ) ، ما جرى . . .
   ولكن رغم ذلك كله . . . فإن إدراك الكوفيين لهذه الحقيقة لم يفد في إيجاد الحماس لديهم لقتال « الخوارج » ، وذلك لأكثر من سبب ، والشاهد على ذلك أنه حين خطبهم علي ( عليه السلام ) قبل خروجه إلى النهروان لم يجبه إلا اليسير منهم (1) ، وقد رضي أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) بمن أجابه ، وسار بهم إلى حرب « الخوارج » في النهروان ، وكان الذين نفروا معه لا يتجاوزون الأربعة آلاف مقاتل ، كما ورد في بعض النصوص ، وقيل غير ذلك . . .
   وكان لابد له ( عليه السلام ) من أن يعمل على ترسيخ يقين أصحابه بحقانية هذه الحرب ، بما كان يملكه من حجج قاطعة لأي عذر ، ومزيلة لأي ريب وقد تمكن من ذلك بالفعل ، وأعانه « الخوارج » على أنفسهم . . . إلى حد أن أهل الكوفة رضوا باستئصال شأفة « الخوارج » أو كادوا ، دون أن يجدوا في أنفسهم أي حرج أو أسف . . . ودون أن يصدر منهم أي اعتراض ذي بال . . .

---------------------------
(1) الفتوح لابن اعثم ج 4 ص 100 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 102 _

   وقد حسم الأمر بصورة قاطعة ونهائية ما ظهر لهم بما لا مجال فيه للريب أو للشك من أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أخبر بقتلهم ، وهذا ما أكدته لهم العلامات المتصلة بالغيب التي عاينوها في أكثر من موقف في سير الأحداث مع هؤلاء القوم . . . ولم يكن إخباره ( عليه السلام) للناس بصورة قاطعة بعدم عبور «الخوارج» للنهر هو الأول، ولا كان كشف حقيقة ذي الثدية هو آخر هذه الإخبارات الغيبية التي ساعدت على حسم الأمر بصورة نهائية في عقل ووجدان الناس الذين قتلوا « الخوارج » أو قاتلوهم معه .
   وكان الذي أقنعهم بالمسير إلى « الخوارج » هو إخباره ( عليه السلام ) للناس بأمر ذي الثدية ، وأنه في « الخوارج » ، فقد روي عن زيد بن وهب الجهني : أنه كان في الجيش مع علي كرم الله وجهه ، الذين ساروا إلى « الخوارج » ، فقال علي كرم الله وجهه : أيها الناس ، إني سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم ، وهو عليهم ، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) لا اتكلوا على العمل .
   وآية ذلك : أن فيهم رجلاً له عضد ليس له ذراع ، على رأس عضده مثل حلمة الثدي ، عليه شعرات بيض ، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام ، تتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم ؟ ! والله، إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا في سرح الناس ، فسيروا على اسم الله .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 103 _

   قال زيد بن وهب : فلما التقينا وعلى « الخوارج » يومئذٍ عبد الله بن وهب الراسبي ، فقال لهم : ألقوا الرماح ، وسلوا سيوفكم من جفونها ، فإني أخاف أن يناشدكم يوم حروراء (1) ، فرجعوا ورموا برماحهم ، وسلوا السيوف ، وشجرهم الناس برماحهم ، قال : وقتل بعضهم إلى بعض ، وما أصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان ، فقال علي كرم الله وجهه : التمسوا فيهم المخدج ، فالتمسوه فلم يجدوه .
   فقام علي كرم الله وجهه بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض ، قال : أخرجوهم ، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر ، ثم قال : صدق الله ، وبلغ رسوله ، فقام إليه عبيدة السلماني ، فقال : يا أمير المؤمنين ، بالله الذي لا إله إلا هو ، لسمعت هذا الحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ! فقال : أي والله الذي لا إله إلا هو . . . حتى استحلفه ثلاثاً ، وهو يحلف له » (2) ، كما أنه ( عليه السلام ) قد قال لأصحابه : حين انتهى من قتال « الخوارج » ولم يجدوا في بادئ الأمر ذا الثدية : ائتوني بالبغلة فإنها هادية مهدية ، فأتوه بها فركبها . . . ثم تذكر الرواية عثورهم على المخدج . . . وسيأتي : أنها كانت بغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (3) .
   وعلى كل حال : فإن النص القائل بأن أهل الكوفة هم الذين طلبوا البدء بقتال « الخوارج » (4) فهو إن صح ، فإنما كان بعد أن رأوا ان امتناعهم عن ذلك سوف يؤدي بهم إلى مواجهة خطرين لا قبل لهما بهما ، هما معاوية من جهة ، و « الخوارج » من جهة ، وقد أوضح لهم ذلك ( عليه السلام ) بصورة جلية بعد أن ذكر لهم ( عليه السلام ) حديث ذي الثدية حيث قال : « افتذهبون إلى معاوية واهل الشام ، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في دياركم وأموالكم ؟ والله ، إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الحرام ، وأغاروا في سرح الناس » (5) ، وفي نص آخر : « لما خرجت « الخوارج » بالنهروان قام علي رضي الله عنه فيأصحابه فقال : إن هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا في سرح الناس ، وهم أقرب العدو إليكم ، وإن تسيروا إلى عدوكم أنا أخاف أن يخلفكم هؤلاء في أعقابكم الخ. . . » (6) ، فأدركوا : أن عليهم أن يطيعوا علياً فيما يأمرهم به ، فإنه الصواب بعينه ، وهكذا كان .

---------------------------
(1) في صحيح مسلم : أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء ، وهو الصحيح .
(2) نزل الأبرار ص 60 و 61 وفي هامشه عن صحيح مسلم ج 2 ص 748 و 749 .
(3) راجع : كنز العمال ج 11 ص 275 ومجمع الزوائد ج 6 ص 41 عن الطيالسي والمحاسن والمساوئ ج 2 ص 99 وخصائص الإمام علي ( عليه السلام ) للنسائي ص 144 وفي هامشه عن تاريخ بغداد ج 7 ص 237 و ج 1 ص 160 .
(4) راجع : الفخري في الآداب السلطانية ص 94 وراجع الكامل في التاريخ ج 3 ص 342 والبداية والنهاية ج 7 ص 288 وأنساب الأشراف ج 2 ص 368 .
(5) المصنف للصنعاني ج 10 ص 148 وفي هامشه عن السنن الكبرى ج 8 ص 170 وعن مسلم ج 1 ص 343 وراجع : كنز العمال ج 11 ص 271 و 280 عن خشيش ، وابي عوانة ، وعبد الرزاق ، ومسلم وابن أبي عاصم والبيهقي ، وعن ابن راهويه ، وابن أبي شيبة وغيرهما ومنتخب كنز العمال ( مطبوع بهامش مسند أحمد ) ج 5 ص 429 والرياض النضرة ج 3 ص 225 ونظم درر السمطين ص 116 ومجمع الزوائد ج 6 ص 238 وفرائد السمطين ج 1 ص 286 ونزل الأبرار ص 60 وكفاية الطالب ص 177 والبداية والنهاية ج 7 ص 291 وراجع مسند أحمد ج 1 ص 91 و 92 .
(6) مسند أحمد ج 1 ص 91 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 104 _



الجيشان :

   سيأتي أن عدد « الخوارج » الذين قتلوا في النهروان كان يتراوح ما بين الألف وخمس مئة قتيل ، وعشرة آلاف، ورقم الأربعة آلاف هو المرجح من بين تلك الأقوال لدى عدد من المؤرخين، وإذا كان الذين قتلوا هم جميع جيشهم ، ولم يفلت منهم إلا أقل من عشرة ، فانه يصبح واضحاً أن هذا الرقم بالذات هو عدد جيشهم في واقعة النهروان ، وأما بالنسبة لعدد جيش علي ( عليه السلام ) ، فإنه كان قليلاً فقد كان معه ( عليه السلام ) جمعية يسيرة ، لأنه إنما جاء ليردهم بالكلام حسبما قاله ابن حبان (1) . . .
   وأما قول بعضهم إن عدد جيشه ( عليه السلام ) كان اثني عشر ألفاً (2) ، فهو بعيد ، ويؤيد قول ابن حبان : أن ابن اعثم يذكر : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد بذل محاولات جادة لجمع الناس لحرب « الخوارج » ، وخطب الناس لأجل ذلك عدة مرات ، وبعد خطبته الثالثة : أجابه الناس سراعاً ، فاجتمع إليه أربعة آلاف رجل ، أو يزيدون ، قال : فخرج بهم من الكوفة وبين يديه عدي بن حاتم الطائي ، يرفع صوته ، وهو يقول :
نـسير  إذا مـا كـاع قـوم وبلدوا      برايات صدق كالنسور الخوافق (3)
---------------------------
(1) الثقات ج 2 ص 296 .
(2) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 271 .
(3) الفتوح لابن اعثم ج 4 ص 105 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 105 _

   ويشهد لذلك أيضاً ، ما عرفناه ، عن أهل العراق ، من أنهم بعد حرب صفين كانوا شديدي التخاذل عن الحرب ، وأن علياً ( عليه السلام ) قد لاقى الأمرين في استنفارهم لحرب معاوية ، ولم يتمكن من ذلك حتى استشهد صلوات الله وسلامه عليه ، والغصة في قلبه والشكوى منهم على لسانه .

علي ( عليه السلام ) والمنجم :
   وروى ابن ديزيل قال : عزم علي ( عليه السلام ) على الخروج من الكوفة إلى الحرورية ، وكان في أصحابه منجّم ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لا تسر في هذه الساعة ، وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار ، فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصحابك أذى ، وضر شديد ، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت ، وأصبت ما طلبت ، فقال ( عليه السلام ) : أتدري ما في بطن فرسي هذه ، أذكر هو أم أنثى ؟ قال : إن حسبت علمت ، فقال علي ( عليه السلام ) : من صدقك بهذا فقد كذب القرآن ، قال الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) ، الآية .
   ثم قال ( عليه السلام ) : إن محمداً صلى الله عليه ما كان يدعي علم ما ادّعيت علمه ، اتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها ؟ وتصرف عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها ؛ فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله جل ذكره في صرف المكروه عنه ، وينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله ؛ لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها ، وصرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها ، فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضداً ونداً ، اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا ضر إلا ضرك ، ولا إله غيرك ، ثم قال : نخالف ونسير في الساعة التي نهيتنا عنها ، ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس ، إياكم والتعلم للنجوم إلا ما يهتدى به في ظلمات البر والبحر ، إنما المنجم كالكاهن ، والكاهن كالكافر ، والكافر في النار .
   أما والله لئن بلغني أنك تعمل بالنجوم لأخلدنك السجن أبداً ما بقيت ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي من سلطان ، ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم ، فظفر بأهل النهر ، وظهر عليهم .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 106 _

   ثم قال : لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الناس : سار في الساعة التي أمر بها المنجم ، فظفر وظهر ، أما أنه ما كان لمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منجم ولا لنا من بعده ، حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر ، أيها الناس توكلوا على الله، وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه (1) ، وإن هذا البيان المسهب منه ( عليه السلام ) يغني عن أي بيان ، بل هو أغنى بيان وأوفاه فكل لسان سواه عييّ ، وكل من يدعي المعرفة عنده غبي ، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى الأئمة من ولده الطاهرين .

التحدي الفاشل لليقين بالغيب :
   قد ذكرت النصوص : أن الحرورية جاءوا فكانوا أولاً من وراء النهر ، فأخبروا علياً بذلك ، فقال : والله، لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر ، فقالوا له : قد نزلوا : فأعاد ( عليه السلام ) قوله هذا . . . ثم أعادوا قولهم ، فكرر ( عليه السلام ) مقالته ، وقالت الحرورية ، بعضهم لبعض: يرى علي أنا نخافه ؟ ! . . فأجازوا أي عبروا النهر ، فقال ( عليه السلام ) لأصحابه : « لا تحركوهم حتى يحدثوا » ، ثم تذكر الرواية: أنهم ذهبوا إلى منزل ابن خباب ، وكان على شط الفرات ، فأخرجوه . . . ثم قتلوه وشقوا عما في بطن أم ولده ، فطالبهم ( عليهم السلام ) بقاتله ، فقالوا : كلنا قتله . . . فأعادوا عليهم ذلك ثلاثاً ، فسمعوا نفس الإجابة ، فقتلوهم جميعاً ، ثم طلب منهم أن يطلبوا المخدج في القتلى ، فقالوا : ما وجدنا ، فقال : والله ما كذبت ولا كذبت . . . ثم تذكر الرواية أنه ( عليه السلام ) بحث بين القتلى حتى وجده في حفرة فيها قتلى كثير . . . الخ (2) .
   فترى انه ( عليه السلام ) لا يقبل ما أخبروه به من أنهم قد عبروا النهر ، ويقسم أنه لا يقتل رجل من وراء النهر ، بل إنه يحدد موقع قتلهم بصورة دقيقة وواضحة ، بعد أن أقسم له من أخبره ثلاث مرات : أنه رآهم قد عبروا النهر ، لما بلغهم وصوله ( عليه السلام ) خوفاً من قتاله ، فلا يقبل منه ، ويقسم على عدم صحة ما أخبره به ، وذلك في النص التالي :
   وذكر المدائني قال : لما خرج علي ( عليه السلام ) إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض ، حتى انتهى إلى علي ( عليه السلام ) ، فقال : البشرى يا أمير المؤمنين ، قال : ما بشراك ؟ قال : إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك ؛ فأبشر ؛ فقد منحك الله أكتافهم ، فقال له : الله! أنت رأيتهم عبروا ؟ ! قال : نعم ، فأحلفه ثلاث مرات ، في كلها يقول : نعم ، فقال علي ( عليه السلام ) : والله ، ما عبروه ، ولن يعبروه ، وإن مصارعهم لدون النطفة ، والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة لن يبلغوا الأثلاث ، ولا قصر بوازن حتى يقتلهم الله ، وقد خاب من افترى .

---------------------------
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 270 .
(2) راجع : تاريخ بغداد ج 1 ص 205 و 206 وراجع ج 2 ص 290 و 291 وأمثال هذا الحديث مذكور في عشرات المصادر التي تتحدث عن حرب النهروان .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 107 _

   قال : ثم أقبل فارس آخر يركض ، فقال كقول الأول، فلم يكترث علي ( عليه السلام ) فجال في متن فرسه ، قال : فيقول شاب من الناس : والله لأكونن قريباً منه ، فإن كانوا عبروا النهر لأجعلن سنان هذا الرمح في عينه ، أيدعي علم الغيب ؟ ! فلما انتهى ( عليه السلام ) إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم ، وعرقبوا خيولهم ، وجثوا على ركبهم ، وحكموا تحكيمة واحدة ، بصوت عظيم ، له زجل ، فنزل ذلك الشاب : فقال : يا أمير المؤمنين ، إني كنت شككت فيك آنفاً ، وإني تائب إلى الله وإليك ! فقال علي ( عليه السلام ) : إن الله هو الذي يغفر الذنوب ، فاستغفره (1) .

إذا عرف السبب بطل العجب :
   ويوضح بعضهم السبب في الاعتقاد بأنهم قد عبروا النهر على النحو التالي : « إن الخوارج قصدوا جسر النهر ، وكانوا غربه ، فقال لعلي أصحابه : إنهم قد عبروا النهر . . . فقال : لن يعبروا ، فأرسلوا طليعة ، فعاد وأخبرهم انهم عبروا النهر ، وكان بينهم وبينه عطفة من النهر ، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم ؛ فعاد فقال : إنهم قد عبروا النهر ، فقال علي : والله ما عبروه ، وإن مصارعهم لدون الجسر ، والله ، لا يقتل منكم عشرة ، ولا يسلم منهم عشرة ، فتقدم علي إلى « الخوارج » ، فرآهم عند الجسر لم يعبروه ، وكان الناس قد شكوا في قوله ، وارتاب به بعضهم ، فلما رأوا « الخوارج » لم يعبروا كبروا ، وأخبروا علياً بحالهم ، فقال : والله ، ما كذبت ولا كذبت . . . الخ » (2) .
   ومن كل هذا يتجلى لهم يقين علي ( عليه السلام ) بالغيب الذي يخبرهم به، حتى إنه لا يتزعزع حتى مع تعدد المخبرين بخلافه ، وحتى مع حلفهم ثلاث مرات على صحة ما يخبرون به ، وذلك لأنه ( عليه السلام ) يرى الأمور على حقيقتها ، إلى درجة أنه لو كشف له الغطاء ، ما ازداد يقيناً .

احتجاجات علي ( عليه السلام ) وتراجعات « الخوارج » :
   لقد كانت احتجاجات علي ( عليه السلام ) وأصحابه على « الخوارج » كثيرة ، وكانت لها آثارها الإيجابية الكبيرة . . . حيث رجع منهم الألوف التي قد تصل إلى العشرين ألفاً حسب بعض النصوص ، وقد ذكرنا شطراً من تلك الاحتجاجات في فصل مستقل غير اننا نشير هنا إلى بعض ما يكشف لنا حجم تأثير تلك الاحتجاجات ، وذلك من خلال تراجع الألوف من « الخوارج » بسبب تلك الاحتجاجات ، فنقول : إنهم يروون : أنه بسبب احتجاجات ابن عباس على الخوارج « رجع منهم عشرون ألفاً ، وبقي منهم اربعة آلاف فقتلوا » (3) .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 272 عن المدائني في كتاب الخوارج ، ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 406 و 407 وراجع الفتوح لابن اعثم ج 4 ص 120 .
(2) الكامل في التاريخ ج 3 ص 345 .
(3) مجمع الزوائد ج 6 ص 241 وقال : رواه الطبري ، وأحمد بعضه ، ورجالهما رجال للصحيح .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 108 _

   وقال ابن اعثم ، وابن شهر آشوب ، والإربلي : « استأمن إليه منهم ثمانية آلاف، وبقي على حربه آربعة آلاف » (1) ، وقيل : « بل استأمن إليه منهم ألفان » (2) ، وقال أبو وائل : « خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا علي ، فما زال يكلمنا حتى رجع منا ألفان » (3) ، وذكر ابن عساكر : أنه قد نتج عن الاحتجاج عليهم أن « رجع ثلثهم ، وانصرف ثلثهم ، وقتل سائرهم على ضلالة » (4) ، غير أن البعض يذكر : ان احتجاج ابن عباس عليهم في حروراء لم يؤثر شيئاً ، وطلبوا علياً ليكلمهم ، فلما كلمهم علي (عليه السلام) رجع ابن الكواء، وعشرة من أصحابه(6)، وأقام الباقون على غيهم ، وأمَّروا عليهم الراسبي ، وعسكروا بالنهروان ، فسار إليهم علي ( عليه السلام ) حتى بقي على فرسخين منهم ، وكاتبهم ، وراسلهم ، فلم يرتدعوا .
   فأرسل إليهم ابن عباس ، فكلمهم وكان علي ( عليه السلام ) وراءه يسمع ما يقولون ، فتقدم علي ( عليه السلام ) إليهم ، فكلموه ، وذكروا ما نقموه عليه ، فأجابهم عنها ، فاستأمن ثمانية آلاف، فأمرهم بأن يعتزلوه في ذلك الوقت ، ثم حارب الباقين ، فقتلهم ، وكانوا أربعة آلاف (5) ، ولعل بعض المؤرخين يتحدث عن مرحلة وواقعة ، ويتحدث غيره عن مرحلة وواقعة أخرى ، فإن الألفين إنما رجعوا حين كلمهم ابن عباس ، ويبدو أن ذلك كان بتوجيه وتلقين مباشر حيناً ، وبمشاركة حيناً آخر من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه ، ونسجل ملاحظة هنا : وهي أن من يراجع احتجاجات ابن عباس يجد أنها قوية وحاسمة ، وقد نص عدد من المؤرخين على ان ألفين على الأقل قد رجعوا نتيجة لتلك الاحتجاجات فلا يصح قولهم : إن احتجاجاته لم تؤثر شيئاً .    ويقال : إنه بعد أن احتج عليهم ابن عباس : « رجع عبد الله بن الكواء في ألفي رجل ، وبقي الباقون ، وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي ، ثم سمّوا الراسبية ، ثم أخذوا في الفساد ؛ فقال علي ( عليه السلام ) : دعوهم ، حتى إذا أخذوا الأموال وسفكوا الدماء ، ومروا بالمدائن ولقيهم عبد الله بن خباب . . . » ، إلى أن يقول النص : « فقتلوه ، وبقروا عن بطن امرأته ، وقتلوا نسوة ، وولداناً ؛ فخرج إليهم ، وقال : إدفعوا إلينا قتلة إخواننا ، ونحن تاركوكم .

---------------------------
(1) الفتوح ج 4 ص 125 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 189 ، وكشف الغمة ج 1 ص 365 و 367 .
(2) مصادر هذا النص كثيرة فراجع : الخصائص للنسائي ص 147 ، وشرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 99 وستأتي مصادر أخرى إن شاء الله تعالى .
(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 99 .
(4) ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ( بتحقيق المحمودي ) ج 3 ص 152 .
(5) راجع : كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 264 و 265 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 109 _

   فأبوا عليه ، وثاروا به ؛ فتهيأ علي ( عليه السلام ) لقتالهم ، ودعا المسلمين إليهم ؛ فقتلهم بالنهروان » (1) .

بهذا وعظهم ( عليه السلام ) :
   قد عرفنا أنه ( عليه السلام ) قد خطب « الخوارج » بخطب ذات عدد ، وأنه قد ردهم بكلامه الحلو في غير موطن . . . مما يعني أن تجمع النهروان لم يكن هو الأول، ولا كان هو الأخير في سلسلة بغيهم على إمامهم ، وجمعهم الجموع لحربه ( عليه السلام ) ، ونورد هنا فقرة واحدة مما خطبهم ( عليه السلام ) يوم النهروان ، فقد قال : « نحن أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وعنصر الرحمة ، ومعدن العلم والحكمة ، نحن أفق الحجاز ، بنا يلحق البطيء ، وإلينا يرجع التائب » (2) .
ويلاحظ : أن هذه هي نفس كلمات الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، التي واجه بها الوليد بن عتبة ، حين طلب منه البيعة ليزيد لعنه الله، ثم يلاحظ : أن هذه الصفات تناقض تماماً صفات « الخوارج » ، حسبما سيأتي بعض التوضيح له في فصول هذا الكتاب .

آخر ما وعظهم به علي ( عليه السلام ) :
   « لما استوى الصفان بالنهروان تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بين الصفين ، ثم قال : أما بعد . . . أيتها العصابة التي أخرجتها عادة المراء والضلالة ، وصدف بها عن الحق الهوى والزيغ ، إني نذير لكم أن تصبحوا غداً صرعى بأكناف هذا النهر ، أو بملطاط من الغائط ، بلا بينةٍ من ربكم ، ولا سلطان مبين ، ألم أنهكم عن هذه الحكومة ، وأحذركموها ، وأعلمكم أن طلب القوم لها دهن منهم ، ومكيدة ، فخالفتم أمري ، وجانبتم الحزم فعصيتموني ، حتى أقررت بأن حكمت ، وأخذت على الحكمين ، فاستوثقت ، وأمرتهما أن يحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، فخالفاً أمري ، وعملا بالهوى ، ونحن على الأمر الأول، فأين تذهبون ، وأين يتاه بكم » .
   ثم تذكر الرواية : أن خطيبهم طلب من علي ( عليه السلام ) أن يتوب من الكفر كما تابوا فقال علي ( عليه السلام ) : أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر ، أبعد إيماني بالله ، وجهادي في سبيل الله، وهجرتي مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أقر بالكفر ؟ ! لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، ولكن منيت بمعشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام ، والله المستعان ، ثم حمل عليهم ، فهزمهم (3) وسنتحدث عن بعض تفاصيل الحرب فيما يأتي .

---------------------------
(1) البدء والتاريخ ج 5 ص 136 و 137 .
(2) راجع : نهج البلاغة ج 2 ص 283 .
(3) الموفقيات ص 325 و 327 والخطبة موجودة في تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 62 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 458 والإمامة والسياسة ج 1 ص 109 والمستدرك على نهج البلاغة ص 68 راجع الأخبار الطوال ص 207 و 208 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 110 _

كيفية إقرارهم بقتل ابن خباب:    وقد بادر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى انتزاع اعتراف من القتلة بما صدر عنهم ، حيث يقول النص التاريخي : إنه ( عليه السلام ) قال : « الله أكبر ، نادوهم : اخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب ، قالوا : كلنا قتله ، فناداهم ثلاثاً كل ذلك يقولون هذا القول » (1) ، وفي نص آخر : أنه ( عليه السلام ) قال : « . . . أيكم قتل عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته ، وابنته ، يظهر لي أقتله بهم ، وأنصرف عهداً إلى مدة ، حكم الله أنتظر فيكم ؟ فنادوا : كلنا قتل ابن خباب ، وزوجته ، وابنته ، وأشرك في دمائهم ، فناداهم أمير المؤمنين : إظهروا إلي كتائب ، وشافهوني بذلك ؛ فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء ، ولا يقر بعض ولا أعرف ذلك في الضوضاء ، ولا استحل قتل من لم يقر بقتل من أقر ، لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم .
   ففعلوا ، وجعلوا كلما جاء كتيبة ، سألهم عن ذلك ؛ فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين ، حتى أتى على آخرهم ، ثم قال : إرجعوا إلى مراكزكم ، فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات : رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم ؟ فنادوا كلهم : نعم ، فالتفت إلى الناس ؛ فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، والله، لو أقر بقتلهم أهل الدنيا ، وأقدر على قتلهم لقتلتهم ، شدوا عليهم ، فأنا أول من شد عليهم ، وعزل بسيف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاث مرات ، كل ذلك يسويه على ركبتيه من اعوجاجه ، ثم شد الناس معه ؛ فقتلوهم ، فلم ينج منهم تمام عشرة » ، ثم تذكر الرواية : أنهم لما لم يجدوا ذا الثدية قال : ائتوني بالبغلة ؛ فإنها هادية مهدية ، فركبها ، ثم انطلق حتى وقف على قليب . . الخ (2) .

علي (عليه السلام) يدعوهم إلى حكم المصحف :
   وتذكر رواية جندب أنه ( عليه السلام ) بعد أن ردّ قول الذين أخبروه بأنهم قد عبروا النهروان ، بل في بعض الروايات : أنه ( عليه السلام ) كان يقسم أنهم لم يعبروه ، وأن مصارعهم دونه (3) . . . قد أخبر جندباً بأنه سوف يرسل إليهم رجلاً يقرأ المصحف ؛ فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه ، ولكنهم سوف يقتلونه ، وأنه لن يقتل من أصحابه ( عليه السلام ) عشرة ، ولا ينجو منهم عشرة ، قال جندب : « . . . فانتهينا إلى القوم ، وهم في معسكرهم الذي كانوا فيه ، لم يبرحوا ، فنادى علي في أصحابه ، فصفّهم ، ثم أتى الصف من رأسه ذا إلى رأسه ذا ، مرتين ، ثم قال : من يأخذ هذا المصحف ، فيمشي به إلى هؤلاء القوم ، فيدعوهم إلى كتاب الله ( ربهم ) ، وسنة نبيهم ، وهو مقتول ، وله الجنة ؟ !

---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 1 ص 206 .
(2) مناقب الإمام علي ( عليه السلام ) ، لابن المغازلي ص 413 و 414 ، وفي هوامشه عن مصادر كثيرة أخرى فلتراجع ، وقاموس الرجال ج 5 ص 436 / 437 عن أبي عبيدة وشرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 282 عن أبي عبيدة .
(3) راجع : مروج الذهب ج 2 ص 405 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 111 _

   فلم يجبه إلا شاب من بني عامر بن صعصعة ، فقال له علي : خذ ، فأخذ المصحف ( فقال له ) : أما إنك مقتول ، ولست مقبلاً علينا بوجهك حتى يرشقوك بالنبل ، فخرج الشاب بالمصحف إلى القوم ، فلما دنا منهم حيث يسمعون قاموا ، ونشبوا الفتى قبل أن يرجع ( قال ) فرماه إنسان ؛ فأقبل علينا بوجهه ، فقعد ، فقال علي : دونكم القوم ، قال جندب : فقتلت بكفي هذه ( بعد ما دخلني ما كان دخلني ) ثمانية قبل أن أصلي الظهر، وما قتل منا عشرة ، وما نجا منهم عشرة ، كما قال » (1) .

تأثير نهج علي ( عليه السلام ) في « الخوارج » :
   إن أهل العراق لم يعرفوا علياً إلا لمدة وجيزة كانت مليئة بالحروب والمآسي ، مشحونة بالكوارث على مختلف المستويات ، والاتجاهات ، وكان العراقيون يعيشون أجواء الحرب والقتال منذ عهد عمر بن الخطاب ، الذي جعل العراق منطلقاً لحملاته العسكرية في فتوحات بلاد فارس ، وسائر المناطق الشرقية . . . وقد تحدثنا عن الحالات التي كان العراقيون يعيشونها قبل عهد أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) .
   وكان لوجود أمير المؤمنين فيما بين أظهر العراقيين تلك الفترة الوجيزة ، برغم كل ما واجهه من انشغالات وصوارف أثر في عقليتهم وثقافتهم ، ثم في حالاتهم الإيمانية ، وحتى في وعيهم السياسي والديني ، وفي مختلف شؤونهم . . . حتى إنه ( عليه السلام ) ليقول لأهل العراق : « ركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام » (2) ، بل إن معاوية حينما واجه عكرشة بنت الأطرش ، لم يجد مناصاً من الاعتراف بتأثير أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) في أهل العراق حيث قال ـ كما تقدم ـ : « هيهات يا أهل العراق نبهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا » (3) .

---------------------------
(1) راجع : كنز العمال ج 11 ص 276 عن الطيالسي ، مجمع الزوائد ج 6 ص 241 و 242 عن الطبراني في الأوسط ، وذكره أيضاً في منتخب كنز العمال ، مطبوع مع مسند أحمد .
(2) نهج البلاغة ج 1 ص 168 بشرح عبده ، المطبعة الرحمانية بمصر .
(3) العقد الفريد ج 2 ص 112 وبلاغات النساء ص 104 ـ ط سنة 1972 م وصبح الأعشى .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 112 _

علي ( عليه السلام ) لا يبدؤهم بالقتال :
   وكما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لا يبدأ أحداً بقتال . . . كان علي كذلك ، ولم يكن موقفه من « الخوارج » ، إلا امتداداً لهذه السياسة . . . فقد قال علي ( عليه السلام ) لأصحابه : « كفوا عن الخوارج حتى يبدؤوكم » (1) ، وقد كانت هذه السياسة معروفة عنه ( عليه السلام ) ، وقد أخذها عنه شيعته الأبرار أيضاً (2) ، فكانت البدأة بالقتال تأتي من قبل محاربيه ( عليه السلام ) ومنهم « الخوارج » في مختلف المواطن .
   ومن المضحك المبكي : أن نجد في أتباع الخط الأموي من يحاول ـ أحياناً ـ أن يقلد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في هذه الناحية ، فقد « كان المهلب يقول لبنيه : لا تبدأوا « الخوارج » بقتال حتى يبدؤوكم ، ويبغوا عليكم ، فإنهم إذا بغوا عليكم نصرتم عليهم » (3) ، والأدهى والأمر أننا نجد حتى « الخوارج » الذين كان دينهم الإجرام والقسوة إلى درجة ذبح الأطفال ، وبقر بطون النساء ، والغارات التي لا ترحم . . . ـ نجد ـ : أنهم في بعض الأحيان تصدر منهم أفعال تأثروا فيها بما أشاعه ( عليه السلام ) في الناس . . . ومنها عدم البدء بالقتال ؛ فإن أبا حمزة الخارجي حين التقى بمحاربيه في قديد ، قال لأصحابه : « كفوا عنهم ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم بالقتال ، فواقفوهم ، ولم يقاتلوهم ، فرمى رجل . . . الخ » (4) .

---------------------------
(1) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 371 ونور الأبصار ص 102 والبداية والنهاية ج 7 ص 289 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 271 و 272 وغير ذلك من مصادر ستأتي في فقرة تفاصيل منسقة .
(2) البرصان والعرجان ص 333 .
(3) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 196 والكامل في الأدب ج 3 ص 381 .
(4) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 112 وراجع : العقود الفضية ص 203 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 113 _

لا تتبعوا مولياً :
   وكان من سيرة علي ( عليه السلام ) أن يأمر أصحابه : أن لا يتبعوا مولياً ، ولا يجهزوا على جريح . . . وقد أمرهم في النهروان أيضاً بأن لا يتبعوا مولياً (1) ، فقلده أبو حمزة الخارجي مع محاربيه في قديد أيضاً ، فإنه لم يسمح باتباع المدبر ، ولا بالإجهاز على جريح حين طلب منه ذلك ، وقال : « لا أخالف سيرة أسلافنا » (2) ، مع أن سيرة أسلافه كانت ضد ذلك ، كما هو معلوم .

إقامة الحجة أولاً :
   وكان علي ( عليه السلام ) لا يقاتل أحداً حتى « الخوارج » إلا بعد أن يقيم عليه الحجة ، وكذلك قال أبو حمزة الخارجي لأصحابه ، حين التقى بابن عطية : « لا تقاتلوهم حتى تختبروهم ، فصاحوا ، فقالوا : يا أهل الشام ، ما تقولون في القرآن والعمل ؟ . . . الخ » (3) .

---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 1 ص 160 .
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 5 ص 112 .
(3) المصدر السابق ج 5 ص 123 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 114 _



توضيحات للسياق التاريخي :

(1) التعبئة :
   قال ابن قتيبة وغيره : « . . . فرجع علي ، فعبأ أصحابه ، فجعل على الميمنة حجر بن عدي ، وعلى الميسرة شبث بن ربعي ( أو معقل بن قيس ) ، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري ، وعلى الرجالة أبا قتادة ، وعلى أهل المدينة ـ وهم ثمان مئة رجل من الصحابة ـ قيس بن سعد بن عبادة ( وقال الشبلنجي ، وابن الصباغ : كان على المقدمة ) ، ووقف علي في القلب في مضر » .

(2) رواية الأمان :
   قال الإربلي : « لم يزل يعظهم ، ويدعهم ، فلمّا لم ير عندهم انقياداً ركز لهم راية أمان » ، وعلى حد تعبير ابن قتيبة « قال : ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري ، فناداهم أبو أيوب : من جاء منكم إلى هذه الراية ، فهو آمن [زاد الشبلنجي وابن الصباغ : ممن لم يكن قتل ، ولا تعرض لأحد من المسلمين بسوء ) ، ومن دخل المصر فهو آمن ، ومن انصرف إلى العراق ، ومن خرج من هذه الجماعة فهو آمن ، فانه لا حاجة لنا في سفك دمائكم » (1) .

(3) التفرق والتراجع :
   زاد ابن الأثير ، والشبلنجي ، وابن الصباغ : « ومن انصرف إلى الكوفة ، فهو آمن ، ومن انصرف إلى المدائن فهو آمن ، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا في سفك دماءكم ، فانصرف فروة بن نوفل الأشجعي في خمس مئة فارس ، وخرجت طائفة أخرى منصرفين إلى الكوفة ، وطائفة أخرى إلى المدائن ، وتفرق أكثرهم ، بعد أن كانوا اثني عشر ألفاً ، فلم يبق منهم غير أربعة آلاف» (2) ، « وأمر الذين استأمنوا أن يعتزلوه ، ولا يشاركوا في الحرب المتوقعة » (3) .

(4) قبل أن تبدأ الحرب :
   « قال : وقدم الخيل دون الرجالة ، وصف الناس صفين وراء الخيل ، وصف الرماة صفاً أمام صف ، وقال لأصحابه كفوا عنهم حتى يبدؤوكم » .

---------------------------
(1) راجع المصادر الآتية في الهوامش الثلاثة التالية .
(2) النص الذي بين المعقوفتين نقلناه من : نور الأبصار ص 102 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 والكامل في التاريخ ج 3 ص 346 ، ونعود من جديد لذكر النص الذي هو لابن قتيبة ، وسائر المصادر الآتية في الهامش التالي .
(3) المصادر في الهامش التالي ما عدا كتاب الإمامة والسياسة ، والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 125 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 189 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 115 _

(5) « الخوارج » يبدأون الحرب :
   « قال وأقبلت الخوارج ، حتى إذا دنوا من الناس نادوا : لا حكم إلا لله ، ثم نادوا الرواح الرواح إلى الجنة ، قال : وشدوا على أصحاب علي شدة رجل واحد : والخيل أمام الرجال ، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل ، فخمدوا ، قال الثعلبي : لقد رأيت « الخوارج » حين استقبلتهم الرماح والنبل كأنهم معز اتقت المطر بقرونها ، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة ، ونهض علي في القلب بالسيوف والرماح ، فلا والله ما لبثوا فواقاً حتى صرعهم الله ، كأنما قيل لهم موتوا فماتوا » .

(6) الغنائم :
   قال : « وأخذ علي ما كان في عسكرهم من كل شيء ، فأما السلاح والدواب ، فقسمه علي بيننا ، وأما المتاع والعبيد والإماء ، فانه حين قدم الكوفة رده على أهله » (1) .

تفاصيل في روايات أخرى :
   وفي بعض الروايات : أنهم « رموا أصحابه ، فقيل له قد رمونا ، فقال : كفوا ، فكرروا القول عليه ثلاثاً ، وهو يأمرهم بالكف ، حتى أتي برجل قتيل متشحط بدمه ، فقال علي : الله اكبر ، الآن حل قتالهم ، احملوا على القوم . . . الخ » (2) ، وقال ابن الطقطقا : « لما التقى « الخوارج » بالنهروان أجفلوا قدامه إلى ناحية الجسر ، فظن الناس أنهم قد عبروا الجسر فقالوا لعلي ( عليه السلام ) : يا أمير المؤمنين ، إنهم قد عبروا الجسر ؛ فالقهم قبل أن يبعدوا .
   فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ماعبروا وان مصارعهم دون الجسر ، والله لا يقتل منكم عشرة ولا يبقى منهم عشرة ، فشك الناس في قوله ، فلما أشرفوا على الجسر رأوهم لم يعبروه ، فكبر أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقالوا له : هو كما قلت يا أمير المؤمنين ، قال : نعم والله، ما كذبت ولا كذبت ، فلما انفصلت الوقعة ، وسكنت الحرب اعتبر القتلى من أصحاب علي ( عليه السلام ) ، فكانوا سبعة » (3) .

---------------------------
(1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 149 و تجد ما تقدم كلاً أو بعضاً في المصادر التالية أيضاً : نور الأبصار ص 102 والكامل في التاريخ ج 3 ص 345 و 346 والمناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 189 و 193 وراجع الفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 وكشف الغمة ص 265 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 125 والفرق بين الفرق ص 80 والأخبار الطوال ص 207 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 289 وأنساب الأشراف ج 2 ص 371 و 372 وفيه تفاصيل وتوضيحات ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 414 والبحار ط قديم ج 8 ص 563 و 565 وسفينة البحار ج 1 ص 383 و 384 .
(2) راجع بعض المصادر في الهامش السابق .
(3) الفخري في الآداب السلطانية ص 95 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 116 _

ثلاث حملات للخوارج :
   وتذكر بعض النصوص : أن « الخوارج » قاموا في بداية الأمر بحملات ثلاث ضد جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، الذي كان يقارب عدده عدد « الخوارج » ، ففشلوا في حملاتهم تلك ، فقد روى الخطيب البغدادي : « أن الخوارج حملت على الناس ، حتى بلغوا منهم شدة ، ثم حملوا عليهم الثانية ، فبلغوا من الناس أشد من الأولى ، ثم حملوا الثالثة حتى ظن الناس أنها الهزيمة ، فقال علي : والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، لا يقتلون منكم عشرة ، ولا يبقى منهم عشرة ، فلما سمع الناس ذلك حملوا عليهم ، فقتلوا » (1) .

عدد القتلى والناجين :
   وقد كانت هذه الحملات بعد أن رجع من « الخوارج » من رجع ، وانصرف منهم من انصرف ، ودارت رحى الحرب ، ثم انجلت عن الباقين ، وقد قتلوا جميعاً ، ولم يفلت منهم إلا أقل من عشرة ، وقد اختلفوا في عدد من قتل منهم ، فقيل خمسة آلاف تقريباً ، وقيل أربعة آلاف، وقيل أقل وأكثر من ذلك (2) ، وجزم المنقري أن الذين قتلوا من المحكمة على قنطرة البردان كانوا خمسة آلاف (3) ، وقيل : كانوا ستة آلاف رجع منهم ألفان ، وقتل الباقون (4) ، وقال أبو وائل : كانوا أربعة آلاف ، رجع منهم ألفان ، وقتل الباقون (5) ، وقال بعضهم : أصح الأقاويل : إن المقتولين كانوا ألفين وثمان مئة (6) ، وقيل : ألف وخمس مئة . . . وألف وثمان مئة (7) ، وعند بعضهم : لم يخطئ السيف منهم عشرة آلاف (8) ، ويظهر من بعض النصوص أن هذه الأرقام إنما تتحدث عن الفرسان منهم دون الرجالة (9) .

---------------------------
(1) تاريخ بغداد ج 14 ص 365 .
(2) راجع الثقات لابن حبان ج 2 ص 296 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 193 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 125 و 123 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 415 واثبات الوصية ص 147 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 371 والخرائج والجرائح ص 209 والبحار ط قديم ج 8 ص 562 و 562 والبداية والنهاية ج 7 ص 289 وتاريخ بغداد ج 1 ص 182 وكشف الغمة ج 1 ص 267 ومروج الذهب ج 2 ص 406 والفصول المهمة ، لابن الصباغ ص 93 والأخبار الطوال ص 210 .
(3) صفين ص 855 .
(4) راجع المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 150 ـ 52 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 147 وتلخيص مستدرك الحاكم ( مطبوع بهامش المستدرك ) ، وفي هامش الخصائص عن المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 267 والبداية والنهاية ج 7 ص 276 و 281 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 167 .
(5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ح 4 ص 99 .
(6) شذرات الذهب ج 1 ص 51 والعقد الفريد ج 2 ص 490 والجوهرة في نسب علي ( عليه السلام وآله ) ص 108 وبهج الصباغة ج 7 ص 168 و 185 .
(7) معجم الأدباء ج 5 ص 264 .
(8) البدء والتاريخ ج 5 ص 136 و 137 .
(9) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 371 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 117 _

   وقد يقال : إن من قال : إن عدد المقتولين كان عشرة الاف ، إنما قصد جميع « الخوارج » ، وفي جميع المعارك والحروب التي خاضوها من بدء ظهورهم ، إلى وفاة أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .

عدد الشهداء ، وعدد من افلت :
   قد استفاض النقل : عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أنه أخبر أصحابه أنه لا يفلت من أهل النهروان إلا أقل من عشرة ، ولا يقتل من أصحابه حتى عشرة فكان كما قال (1) ، وقيل : لم يقتل من أصحابه ( عليه السلام ) سوى رجلين (2) ، وفي نص آخر : « اعتبر القتلى من أصحاب علي فكانوا سبعة » (3) .

---------------------------
(1) راجع الفرق بين الفرق ص 80 والفتوح لابن أعثم ج4 ص 120 ومجمع الزوائد ج 6 ص 241 و 42 والمحاسن والمساوئ ج 2 ص 98 والمناقب للخوارزمي ص 185 والكامل في الأدب ج 3 ص 187 ومناقب الإمام علي ( عليه السلام ) لابن المغازلي ص 406 و 415 وبهج الصباغة ج 7 ص 187 عن تاريخ بغداد ترجمة أبي سليمان المرعشي والمناقب لابن شهر آشوب ج 2 ص 99 ط الحيدرية في النجف ج3 ص 190 و 311 عن يعقوب بن شيبة في كتاب : مسير علي ، وعن مسدد ، وعن خشيش في الاستقامة عن أبي مجلز وابن النجار عن يزيد بن رويم وكنز العمال ج 11 ص 272 و 276 وعن مسدد ، وخشيش والبيهقي وابن النجار والطيالسي ، ويعقوب بن شيبة ، والبحار ط حجرية ج 8 ص 563 و 565 و 554 و ج 4 ص 307 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 273 والخرايج والجرايح ط حجري ص 209 والفخري في الآداب السلطانية ص 95 وسفينة البحار ج 1 ص 384 والكامل في التاريخ ج 3 ص 345 و 348 ومروج الذهب ج 2 ص 405 و 406 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 و 94 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 373 وعن سنن الدارقطني ( كتاب الحدود ) ص 343 وكشف الغمة للاربلي ج 1 ص 267 وتاريخ بغداد ج 14 ص 365 .
(2) راجع : البداية والنهاية ج 7 ص 291 والسنن الكبرى ج 8 ص 170 و 171 كلاهما عن مسلم ، وسنن أبي داود ج 4 ص 245 وخصائص أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ص 145 والرياض النضرة ج 3 ص 225 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 184 وفرائد السمطين ج 1 ص 276 ونظم درر السمطين ص 117 وكفاية الطالب ص 177 وكنز العمال ج 11 ص 281 عن مسلم وعبد الرزاق وأبي عوانة . . . والبيهقي ، وخشيش ، وفي هامش الكنز عن مسلم ج 1 ص 343 .
(3) الفخري في الآداب السلطانية ص 95 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 118 _

أسماء الشهداء :
   وقد سمى ابن أعثم الذين استشهدوا في النهروان من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وهم :
(1) رويبة بن وبر البجلي ، وعند ابن شهر آشوب في موضع آخر : رؤبة .
(2) عبد الله بن حماد الحميري ـ وعند ابن شهر آشوب : الأرحبي .
(3) رفاعة بن وائل الأرحبي .
(4) كيسوم بن سلمة الجهني .
(5) حبيب بن عاصم الأزدي .
   وفي موضع عند ابن شهر آشوب : خب بن عاصم الأسدي .
(6) عبد الله بن عبيد الخولاني إلى تمام التسعة وعند ابن شهر آشوب عبيد بن عبيد الخولاني .
   ثم كان الاشتباك العام ، فلم يقتل من أصحاب علي ( عليه السلام ) سوى أولئك التسعة (1) .

   وذكر ابن شهر آشوب :
(1) رؤبة .
(2) رفاعة .
(3) كيسوم .
(4) حبيب .
(5) الفياض بن خليل الأزدي.
(6) سعد بن خالد السبيعي .
(7) جميع بن جشم الكندي .
   إلى تمام تسعة (2) .

---------------------------
(1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 127 أو 128 .
(2) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 190 ط المطبعة العلمية بقم و ج 2 ص 99 ط الحيدرية في النجف سنة 1376 هـ ، والبحار ج 41 ص 307 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 119 _

الرقم المشبوه :
   غير أن ثمة نصاً آخر يقول : إن الذين قتلوا من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كانوا اثني عشر رجلاً ، أو ثلاثة عشر رجلاً (1) ، ونقول : إن هذا الكلام لا يمكن قبوله .
(1) لأنه مخالف لما اتفقت عليه كلمة عامة أهل الحديث والتاريخ ، حيث اتفقت كلمتهم على أن من استشهد كانوا اقل من عشرة .
(2) إنه مخالف لما أخبر به أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وليس ذلك من قبيل الكهانة منه ( عليه السلام ) ، ولا هو من قبيل التوقعات المبنية على معطيات واقعية ، وأرقام وحسابات حسية ، فإن وقعة النهروان لا تختلف عن غيرها ، فلماذا يتكهن بهذه النتائج ، أو لماذا يتوقعها هنا ، ولا يتكهن أو يتوقع نتائج حرب الجمل ، أوصفين ، وما هي المعطيات التي تجعل للنهروان هذه النتائج المذهلة ، والتي يفترض أن تكون على عكس ذلك تماماً إذا لوحظت عدة وعدد الطرفين المتحاربين ـ وقد كانت مفقودة في حربي صفين والجمل .
(3) إن هذه الأخبار منه ( عليه السلام ) قد جاءت على سبيل الإخبار بالغيب الذي يخوله مقام الإمامة ، وهو علم توقيفي أخذه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الله سبحانه . . . ولعل هؤلاء المشككين يريدون إثارة الشبهة حول هذه النقطة بالذات ، لأنها هي التي تهدم بيوت العناكب التي بنوها ، وسجنوا أنفسهم في داخلها ، وتثبت إمامة علي وبغي كل من ناوأه وخالفه .

الذين أفلتوا إلى أين صاروا ! ؟
   ويقال : إن هؤلاء الذين افلتوا من القتل كانوا تسعة وقد أصبحوا بذرات أخرى للخوارج في مناطق عديدة فيما بعد . . . فقد سار منهم رجلان إلى سجستان ، ورجلان إلى عمان ، ورجلان إلى اليمن ، ورجلان إلى ناحية الجزيرة ، ورجل إلى تل مورون في اليمن، فـ « الخوارج » في هذه البلاد من أتباع هؤلاء (2) .

---------------------------
(1) خصائص الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) للنسائي ص 143 .
(2) راجع : الملل والنحل ج 1 ص 117 والفرق بين الفرق ص 80 و 81 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 132 والبحار ط قديم ج 8 ص 565 عن كشف الغمة ص 572 وط جديد ج 41 ص 307 عن المناقب وسفينة البحار ج 1 ص 384 وكشف الغمة ج 1 ص 267 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 واثبات الوصية ص 148 ذكر أن الخارجة يوم القيامة من نسل أولئك الأربعة ومناقب آل أبي طالب ط الحيدرية في النجف الأشرف ج 2 ص 99 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 120 _

   وعلى حد تعبير ابن أعثم : « فاختلط القوم ، فلم تكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم ، وكانوا أربعة آلاف فما فلت منهم إلا تسعة نفر ، فهرب منهم رجلان إلى خراسان ، إلى أرض سجستان، وفيها نسلهما إلى الساعة ، ورجلان صارا إلى بلاد الجزيرة ، إلى موضع يقال له سوق التوريخ ، وإلى شاطئ الفرات ، فهناك نسلهما إلى الساعة ، وصار رجل إلى تلّ يقال له : تل موزن » (1) .

عدد من أفلت :
   لقد ظهر صدق ما أخبر به علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث لم ينج من خوارج النهروان إلا أقل من عشرة ، فقيل : أربعة (2) ، وقيل: خمسة (3) ، وقيل : تسعة كما سنرى . . . وقيل : إن الذين أفلتوا كانوا عشرة (4) ، وقيل غير ذلك .

القول المشبوه :
   ولنا وقفة هنا مع هذا القول الأخير الذي يدعي : أن الذين أفلتوا من النهروان كانوا عشرة . . . فإننا نعتبره قولاً مكذوباً لدواع مريبة ، وغير نبيلة ، فان الظاهر هو أن المقصود به التشكيك فيما أخبر به عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من أنه سوف لا يفلت من « الخوارج » عشرة . . . والإيحاء بأن هذا من قبيل الكهانة منه ( عليه السلام ) ، ولا تستند إلى أساس ، أومن قبيل التوقعات المستندة إلى التحليلات الشخصية التي تعتمد تحليل الوقائع والأرقام المتوفرة .
   والحقيقة : هي أنه غيب اختص به ( عليه السلام ) ليكون دليلاً على إمامته ، وليثبت به وبنظائره التي تفوق حد الحصر : أنه ( عليه السلام) هو الإمام الحق ، وأن من حاربه مبطل وباغ على إمامه المنصوب من قبل الله ورسوله .

---------------------------
(1) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 132 ، وراجع : نور الأبصار ص 102 مع بعض الاختلاف ، وكذا الفصول المهمة لابن الصباغ ص 93 .
(2) إثبات الوصية ص 147 .
(3) الكامل في الأدب ج 3 ص 237 .
(4) مروج الذهب ج 2 ص 406 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 121 _

تشكيك آخر في عدد من أفلت :
   وقد يقول البعض : إنه قد ذكر فيما تقدم : أن الذين افلتوا من « الخوارج » في معركة النهروان كانوا أقل من عشرة ، وذلك غير مقبول ، لأن « الخوارج » كانوا كثيرين بعد النهروان ، وقد خرجوا على أمير المؤمنين خمس خرجات (1) ، فكيف يقال : إن من أفلتوا كانوا أقل من عشرة ؟ ؟ ونقول :
أولاً: إن الكلام هو عمن حضر واقعة النهروان منهم . . . فالخارجون بعد النهروان إنما هم أناس آخرون ، ولعلهم من أولئك الذين أعلنوا الانصراف والرجوع عن الحرب بسبب احتجاج علي ( عليه السلام ) عليهم قبل نشوب الحرب في النهروان .
ثانياً : إن النص يصرح بأن هؤلاء التسعة الذي تفرقوا في البلاد ، قد كانوا بمثابة بذرات نشأ عنها مئات من « الخوارج » في تلك المناطق. . . ولا ينافي ذلك وجود خوارج آخرين كانوا في مناطق العراق قد خرجوا على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أكثر من مرة ، وخرجوا بعد ذلك على غير أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أيضاً .

الاختلاف في عدد من أفلت :
   يبقى أن نشير: إلى أن الاختلاف في عدد من افلت ، هل هو أربعة ، أو خمسة ، أو تسعة ؟ ! . . . الخ أمر طبيعي ، ما دام أن الذين أفلتوا قد هربوا في البلاد ، وقد لا تتوافر الأخبار عنهم بصورة تامة عند هذا أو ذاك ، فيخبر كل واحد عما توفر لديه بحسب ظروفه وواقعه . . . على أن من الممكن أن يكون المراد بقوله ( عليه السلام ) : لا يسلم أو لا يفلت منهم عشرة هو السلامة من القتل والجراح معاً ، فليكن السالم من القتل هو هذا العدد ، وهو تسعة ، ومن القتل والجراحة معاً هو ذلك العدد : خمسة، أو أربعة مثلاً .

---------------------------
(1) راجع مقالات الإسلاميين ج 1 ص 195 ـ 196 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 122 _

دفن قتلى « الخوارج » :
   ويقول المؤرخون : طاف عدي بن حاتم في القتلى وطلب ابنه طرفة ، فوجده فدفنه ، ودفن رجال من المسلمين قتلاهم ، فقال علي حين بلغه : أتقتلونهم ، ثم تدفنونهم ؟ ! ارتحلوا ، فارتحل الناس (1) ، ونقول : إن هذا الاجراء من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، حيث أمرهم ، بالرحيل ، ولم يرض بأن يتولوا هم دفن قتلى « الخوارج » ، قد يكون سببه هو أن لا يعرض أصحابه إلى حالة من الندم والحسرة ، وأن لا يثير عاطفتهم تجاه من كان من « الخوارج » . . . من أرحامهم وأقاربهم . . . فإن ذلك قد ينتهي بهم إلى الشعور بعقدة الذنب ، والإحساس بأن قتلهم قد يرقى إلى مستوى الجريمة . . . ولكن لابد من استثناء من هو مثل عدي بن حاتم ، فإنه من الذين لا يشك في صلابتهم في دينهم ، ووضوح الرؤية لديهم ، وبعد النظر ، وقوة الإرادة، إلى حد يأمن معه غائلة الانسياق وراء العواطف ، والوقوع تحت تأثير المصاب .

الأسرى والغنائم :
   قال عبد الله بن قتادة : كنت في الخيل يوم النهروان مع علي ، فلما أن فرغ منهم وقتلهم لم يقطع رأساً ، ولم يكشف عورة (2) ، وقد غنم أصحاب علي في ذلك اليوم غنائم كثيرة (3) .
   وعن عرفجة عن أبيه قال : جيء علي بما في عسكر أهل النهروان فقال : من عرف شيئاً فليأخذه ، فأخذوه (4) ، وعن عرفجة عن أبيه قال : شهدت علياً حين ظهر على أهل النهروان ، فأمر بورثتهم فأخرجت إلى الرحبة ثم قال للناس : من عرف شيئاً فليأخذه ، فجعل الناس يأخذون ما عرفوا حتى كان آخر ذلك قدر من نحاس ، فمكثنا ثلاثة أيام لا يعرفها أحد ، ثم فقدتها ، فلا أدري من أخذها (5) .
   ويقولون أيضاً : « وجد علي ( عليه السلام ) ممن به رمق أربعمائة ، فدفعهم إلى عشائرهم ، ولم يجهز عليهم ، ورد الرقيق ( والمتاع ) على أهله حينما قدم الكوفة ، وقسم الكراع والسلاح وما قوتل به بين أصحابه » (6) ، زاد الدينوري قوله : « وأمر بما سوى ذلك فدفع إلى وراثهم » (7) .

---------------------------
(1) راجع كلاً من الكامل في التاريخ ج 3 ص 348 وتاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 66 ط الاستقامة .
(2) كنز العمال ج 11 ص 312 .
(3) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 133 .
(4) كنز العمال ج 11 ص 309 .
(5) تاريخ بغداد ج 11 ص 3 .
(6) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 374 / 375 وتاريخ الطبري ج 4 ص 66 ، والأخبار الطوال ص 211 وتذكرة الخواص ص 105 عن الواقدي والبداية والنهاية ج 7 ص 289 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 348 ولم يذكر من بهم رمق وفي مروج الذهب ج 2 ص 207 قال : ( قسم السلاح والدواب بين المسلمين ورد المتاع والعبيد والإماء إلى أهلهم ) .
(7) الأخبار الطوال ص 211 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 123 _

   وعن النزال بن سبرة : « أن علياً لم يخمس ما أصاب من « الخوارج » يوم النهروان ، ولكن رده إلى أهله كله ، حتى كان آخر ذلك رحل أتي به ، فرده » (1) ، وكذلك فعل ( عليه الصلاة والسلام ) بجرحاهم الأربعين الذين سقطوا في سواد الكوفة ، فإنه أدخلهم الكوفة أيضاً ، وأمر بمداواتهم ، ثم قال لهم : إلحقوا بأي البلاد شئتم ، وعن شقيق بن سلمة ، قال : لم يسب علي يوم الجمل ، ولا يوم النهروان (2) .

تاريخ وقعة النهروان بالتحديد :
   قال الحموي : « بين خروجه إلى « الخوارج » ، وقتل ابن ملجم لعنه الله تعالى له سنة وخمسة اشهر وخمسة أيام » (3) ، وثمة أقوال أخرى في ذلك ، ولا يعنينا تحقيق هذا الأمر كثيراً ، ولذا فنحن نكتفي هنا بهذا النقل .

ذو الثدية والراسبي :
   قد يظهر من نصوص كثيرة : أن ذا الثدية قد استخرج من بين القتلى ، وأنه كان قد قتل أثناء المعركة قبل استخراجه . . . غير أن نصاً آخر يقول : إنه استخرج حياً ، ثم قتل ، وأن الراسبي لم يقتل في المعركة ، يقول النص : « وكان المخدج ذو الثدية قد دخل تحت القنطرة ، والتاط سقفها ، فقال علي : اطلبوه ، ما كذب رسول الله ، فحمحمت البغلة ، فنظروا فإذا هو تحت القنطرة ، فأخرج ، وقتل ، ورجع عبد الله بن وهب قبل القتال . . . » (4) ، ويستوقفنا في هذا النص ما يلي :
(1) قوله : عن ذي الثدية! انـه قد استخرج حيا ، ثم قتل . . . ولا نستطيع أن نكذب هذا النقل ، فإنه محتمل ، ومعقول .
(2) إن قوله : إن عبد الله بن وهب قد رجع قبل القتال يخالف إجماع المؤرخين . . . والذي يبدو لنا : أنه قد اشتبه الأمر على الراوي بين عبد الله بن الكواء وعبد الله بن وهب ، فإن الذي رجع قبل القتال هو ابن الكواء ، لا ابن وهب .
(3) إنه ( عليه السلام ) قد بين لنا : أنه حين يخبر عن ذي الثدية ، فانه لا يخبر اجتهاداً ورأياً ، بل هو يخبر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . وقد أكد ( عليه السلام ) على هذا الأمر في أكثر من موضع . . . وقد ظهر من الاستعانة ببغلة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإرشادها إلى موضع وجود ذي الثدية : أن هذا الأمر هو من الغيب الذي يراد له أن يرسخ اليقين لدى الناس بصوابية موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .

---------------------------
(1) البداية والنهاية ج 7 ص 290 .
(2) كنز العمال ج 7 ص 321 .
(3) معجم الادباء ج 5 ص 264 .
(4) البدء والتاريخ ج 5 ص 136 ـ 137 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 124 _

الشك في قطع يد المخدج :
   ويذكر الطبري نصاً يقول : إنهم حين وجدوا المخدج ، وأخبروا علياً ( عليه السلام ) بذلك قال : « اقطعوا يده المخدجة ، وائتوني بها ، فلما أتي بها أخذها ثم رفعها وقال : والله، ما كذبت ، ولا كذبت » (1) ، ونحن نشك في صحة هذا النص إذ أن ذلك من قبيل المثلة ، ولم يكن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليقدم على أمر كهذا ، ويمكن الرد على ذلك . . . بأنه ( عليه السلام ) إنما قصد إثبات صحة ما كان أخبر به أصحابه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، من مروق « الخوارج » ، وآية ذلك وجود المخدج بينهم .
   ولكنه رد غير صحيح ، فقد كان بإمكان أمير المؤمنين أن يري الناس المخدج نفسه على ما هو عليه وأن يرفع لهم يده ليروها ، من دون حاجة إلى قطع يده المخدجة . . . بل إن ذلك يكون أبلغ في الحجة ، وأبعد عن التشكيك بالنسبة لمن لم يره قبل قطعها . . . وقد ذكرت بعض النصوص : أنه ( عليه السلام ) قد رفع يده المخدجة ليراها الناس ، ولم يزد على ذلك . . . وسيأتي ذلك في فصل :

قتل المخدج طمأن القلوب :
   قد تقدمت نصوص كثيرة دلت على اهتمام علي ( عليه السلام ) بأمر ذي الثدية ، وشكره لله ، وسجوده ، حين وجدوه ، ونورد هنا نصاً واضح الدلالة على أن قتل ذي الثدية كان له أثره الكبير على روح الناس وبث الطمأنينة في نفوسهم . . . فقد روي عن أبي كثير مولى الأنصار ، قال : كنت مع سيدي ، مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حيث قتل أهل النهروان ، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم فقال علي رضي الله عنه : يا أيها الناس ، إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه أبداً ، حتى يرجع السهم على فوقه ، وإن آية ذلك : أن فيهم رجلاً أسود ، مخدج اليد ، أحد ثدييه كثدي المرأة ، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه فإني أراه فيهم .

---------------------------
(1) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 69 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 125 _

   فالتمسوه ، فوجدوه إلى شفير النهر ، تحت القتلى ، فأخرجوه ، فكبر علي رضي الله عنه ، فقال : الله أكبر ، صدق الله ورسوله ، وإنه لمتقلد قوساً له ، عربية ، فأخذها بيده ، فجعل يطعن بها في مخدجيه ، ويقول : صدق الله ورسوله ، وكبر الناس حين رأوه ، واستبشروا ، وذهب ما كانوا يجدون (1) ، وفي نص آخر قال : سار علي ( عليه السلام ) إلى النهروان ، فقتل « الخوارج » ، ثم قال : اطلبوا ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : سيجيء قوم يتكلمون بكلمة الحق لا يجاوز حلوقهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، سيماهم ، ( أو قال ) : فيهم رجل أسود مخدج اليد في يده شعرات سود ، إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس ، وإن لم يكن فقد قتلتم خير الناس ، قال : ثم إنا وجدنا المخدج ، قال : فخررنا سجوداً ، وخر علي ساجداً معنا (2) .

« الخوارج » بعد النهروان :
   إن هناك أقواماً من الناس قد يكون أكثرهم من أولئك الذين استأمنوا في النهروان ، أو أنهم رجعوا بسبب احتجاجات علي ( عليه السلام ) وأصحابه عليهم ، أو ممن يشبهون « الخوارج » في عقلياتهم ، ونظرتهم إلى الأمور . . . إن هذه الجماعات والأقوام قد جنح بهم شذوذهم وجهلهم ، وحماسهم الأعمى إلى أن يغامروا بحياتهم وبمستقبلهم ، فيعلنون العصيان ، ويخرجون عن الطاعة ، فكانت لهم بعد النهروان خرجات على الإمام ( عليه السلام ) في شراذم قليلة ، في بضعة مئات ، أو أقل أو أكثر ، وخرج في بعضها عليه ألفان منهم . . . فكان يقضي على تلك الحركات الواحدة تلو الأخرى بيسر وسهولة . . . فخرجوا عليه بالإضافة في النخيلة ، في : الانبار ، وماسندان ، وجرجرايا ، والمدائن ، وسواد الكوفة (3) ، وحين خرج أبو مريم وظفر بهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فآمن خمسين رجلاً منهم استأمنوا ، وقتل سائرهم (4) .

---------------------------
(1) مسند أحمد ج 1 ص 88 .
(2) مسند أحمد ج 1 ص 108 و 147 .
(3) راجع الفرق بين الفرق ص 81 ، ومقالات الإسلاميين ج 1 ص 195 / 196 وتاريخ ابن خلدون ج 3 ص 142 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 372 / 373 وغير ذلك .
(4) راجع أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 486 .