وقال خزيمة أيضاً في يوم الجمل :
أعـائش خـلي عن علي iiوعيبه      بـما لـيس فـيه إنما أنت iiوالده
وصـي رسول الله من دون iiأهله      وأنت على ما كان من ذاك شاهده
   وقال ابن بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الجمل أيضاً :
يـا قوم للخطة العظمى التي حدثت      حرب الوصي وما للحرب من آسي
الفاصل  الحكم بالتقوى إذا iiضربت      تـلك الـقبائل أخـماساً iiلأسـداس
   وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل ، في خطبة الحسن بن علي ( عليه السلام ) بعد خطبة عبد الله بن الزبير :
حـسن الخير يا شبيه أبيه      قمت فينا مقام خير خطيب
   إلى ان قال :
وأبـى الله أن يـقوم بـما iiقام      به ابن الوصي ، وابن iiالنجيب
ان شخصاً بين النبي لك الخير      وبـين الـوصي غير iiمشوب
وقال زحر بن قيس الجعفي يوم الجمل أيضاً :
أضربكم  حتى تقروا iiلعلي      خير  قريش كلها بعد iiالنبي
من زانه الله وسماه الوصي      إن الولي حافظ ظهر iiالولي
كما الغوي تابع أمر الغوي ذكر هذه الأشعار والأراجيز بأجمعها أبو مخنف ، لوط بن يحيى ، في كتاب : وقعة الجمل ، وأبو مخنف من المحدثين ، وممن يرى صحة الإمامة بالاختيار ، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 77 _

   ومما رويناه من أشعار صفين ، التي تتضمن تسميته ( عليه السلام ) بالوصي ما ذكره نصر بن مزاحم المنقري ، في كتاب « صفين » ، وهو من رجال الحديث .
   قال زحر بن قيس الجعفي ( ونسبها في موضع آخر إلى جرير بن عبد الله البجلي ) (1) :
فصلى الإله على أحمد رسول المليك تمام النعم
رسـول المليك ومن بعده خليفتنا القائم iiالمدعم
علياً  عنيت وصي النبي نجالد عنه غواة iiالأمم
   قال نصر : ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث بن قيس :
أتـانا الـرسول رسول iiالإمام      فـسـرّ  بـمقدمه iiالـمسلمونا
رسـول  الوصي وصي iiالنبي      له السبق والفضل في المؤمنينا
   ومن الشعر المنسوب إلى الأشعث أيضاً :
أتانا الرسول رسول الوصي علي المهذب من هاشم
وزيـر  الـنبي وذو صـهره وخير البرية iiوالعالم
---------------------------
(1) راجع : شرح نهج البلاغة ، ط دار مكتبة الحياة ج 1 ص 553.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 78 _

   وسيأتي شعر أمير المؤمنيين ( عليه السلام ). . . وقال جرير بن عبد الله البجلي شعراً ، بعث به إلى شرحبيل بن السمط ، من أصحاب معاوية ، وقد جاء فيه :
مقال ابن هند في علي عضيهة ولله      فـي  صـدر ابن أبي طالب iiأجل
ومـا كـان إلا لازمـاً قـعر iiبيته      إلى  أن أتى عثمان في بيته iiالأجل
وصـي رسـول الله من دون أهله      وفـارسه الحامي به يضرب iiالمثل
وقال النعمان بن عجلان الأنصاري :
كيف التفرق والوصي iiأمامنا      لا  كـيف إلا حيرة iiوتخاذلا
لا  تغبنن عقولكم لا خير iiفي      من لم يكن عند البلابل عاقلا
وذروا معاوية الغويّ iiوتابعوا      ديـن الوصي لتحمدوه iiآجلا
   وقال عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي :
ألا  ابلغ شرحبيل بن iiحرب      فما لك لا تهش إلا الضراب
فإن  تسلم وتبق الدهر iiيوما      نزرك  بجحفل عدد iiالتراب
يـقودهم الوصي إليك iiحتى      يردك  عن ضلال iiوارتياب

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 79 _

   ويقول المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب :
فيكم وصي رسول الله قائدكم      وصهره  وكتاب الله قد نشرا
   ويقول عبد الله بن العباس بن عبد المطلب :
وصي  رسول الله من دون iiأهله      وفارسه إن قيل : هل من منازل
   قال المعتزلي : « والأشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جداً ، ولكننا ذكرنا منها ها هنا بعض ما قيل في هذين الحزبين ، فأما ما عداهما ، فإنه يجل عن الحصر ، ويعظم عن الإحصاء والعدد ، ولولا خوف الملالة والإضجار ، لذكرنا من ذلك ما يملأ أوراقاً كثيرة » (1) ، وقد ذكر المعتزلي نفسه في نفس الكتاب موارد أخرى ، نذكر منها ما يلي :
   قال عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، مجيباً للوليد بن عقبة بن أبي معيط :
وإن ولـي الأمـر بـعد iiمـحمد      عـلي وفي كل المواطن iiصاحبه
وصـي  رسول الله حقاً iiوصنوه      وأول من صلى ، ومن لان جانبه
---------------------------
(1) جميع ما تقدم قد ذكره المعتزلي في شرح نهج البلاغة ، ط دار مكتبة الحياة ط سنة 1963 ج 1 ص 128 و 133 والبحار ج 38 ص 20 و 26 عنه .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 80 _

   وقال خزيمة بن ثابت في هذا :
وصـي رسـول الله مـن دون iiأهله      وفـارسه  مـذ كان في سالف iiالزمن
وأول مـن صـلى مـن الناس iiكلهم      سوى خيرة النسوان والله ذو منن (1)
   وقال زفر بن بن يزيد بن حذيفة الأسدي :
فـحوطوا  عـلياً وانصروه iiفإنه      وصي وفي الإسلام أول أول (2)
   وقال النعمان بن العجلان ، مخاطباً عمرو بن العاص ، وذلك بعد بيعة السقيفة ، في جملة قصيدة له :
وكـان  هوانا في علي وإنه لأهل      لـها  يا عمرو من حيث لا iiتدري
فـذاك  بعون الله يدعو إلى الهدى      وينهى عن الفحشاء والبغي والنكر
وصي النبي المصطفى وابن iiعمه      وقاتل فرسان الضلالة والكفر  (3)
   وقال حسان بن ثابت :
ألـست  أخاه في الهدى iiووصيه      وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن (4)
---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة ج 4 ص 227 و 228 ط دار مكتبة الحياة سنة 1964 .
(2) المصدر السابق ج 4 ص 228 .
(3) المصدر السابق ج 2 ص 280 .
(4) المصدر السابق ج 2 ص 283 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 81 _

   وقال حجر بن عدي الكندي في يوم الجمل أيضاً :
يـا  ربـنا سـلم لنا iiعليا      سـلم لـنا الـمهذب التقيا
المؤمن  المسترشد iiالرضيا      واجـعله  هادي أمة iiمهديا
احـفظه رب حفظك iiالنبيا      لا خـطل الرأي ولا iiغبيا
فـإنـه كـان لـنا iiولـيا      ثم ارتضاه بعده وصيا (1)
   وقال المنذر بن أبي خميصة الوداعي مخاطباً علياً :
ليس منا من لم يكن لك في الله      ولياً  يا ذا الولا والوصية  (2)
   بل إن علياً أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) نفسه قد ذكر الوصية له في الشعر ، فقال : في أمر بيع عمرو بن العاص دينه لمعاوية :
يـا عـجبا! لقد سمعت iiمنكرا      كـذبا  على الله يشيب iiالشعرا
يسترق  السمع ويغشى البصرا      ما  كان يرضى أحمد لو iiأخبرا
أن  يـقرنوا وصـيه iiوالأبترا      شاني الرسول واللعين الأخزرا
كـلاهما  فـي جنه قد عسكرا      قـد بـاع هـذا ديـنه فأفجرا
مـن  ذا بـدنيا بيعه قد iiخسرا      بـملك مصران أصاب iiالظفرا
. . الخ (3) .

---------------------------
(1) المصدر السابق ج 2 ص 828 و ج 1 ص 129 و 130 .
(2) المصدر السابق ج 2 ص 828 .
(3) المصدر السابق ج 1 ص 324 و 132 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 82 _

   واللافت هنا : أن ابن أبي الحديد نفسه قد قرر هذه الوصاية في شعره ، فقال :
وخير خلق الله بعد المصطفى      أعـظمهم يـوم الفخار iiشرفا
الـسـيد الـمعظم iiالـوصي      بـعل البتول المرتضى iiعلي
وابناه ،. . الخ (1) .
   ولو أردنا استقصاء ذلك في مصادره لاحتجنا إلى وقت طويل ولنتج عن ذلك ما يملأ عشرات الصفحات . . . أما في غير الشعر ، فالأمر أعظم وأعظم . . . ولعل ما ذكرناه يكفي لمن ألقى السمع وهو شهيد .

بذرة « الخوارج » متى كانت :
   إن الظهور السافر للخوارج ، وإن كان قد حصل في صفين ، في حادثة رفع المصاحف ، ثم التحكيم. . . ولكن الحقيقة هي أن قلوبهم قد تغيرت قبل هذا الوقت ، وبالذات في حرب الجمل ، حيث فاجأهم موقف علي ( عليه السلام ) تجاه السبي والغنائم في تلك الحرب ، بل يمكن القول : إن ذلك قد بدأ منذ توليه ( عليه السلام ) للخلافة ، حينما خالف سيرة عمر بن الخطاب ـ المعظم عندهم جداً ـ في العطاء ، حيث ساوى بين الناس ، ولم يفضل أحداً على أحد ، فاعترضوا عليه ، وكان هذا الأمر مما طالبوه به في حرب الجمل ، فقالوا له : أعطنا سنة العمرين (2) ، فأبى ( عليه السلام ) إلا أن يعطيهم سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

---------------------------
(1) المصدر السابق ج 3 ص 645 .
(2) قد تقدم هذا النص ومصادره في فصل سابق فراجع .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 83 _

في حرب الجمل :
   أما بالنسبة لما جرى في حرب الجمل ، واعتراضهم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أمر الغنائم ، فإنه صريح في حقيقة ما كان يعتلج في نفوسهم ، وقد صرحوا به بعد التحكيم بعد خروجهم عليه صلوات الله وسلامه عليه . . . فهؤلاء ، قوم قد طغت عليهم أطماعهم ، وكانوا يعانون من الجهل والغباء ، ولاسيما بالنسبة للأحكام الإسلامية ، ثم قلة الدين ، لم يستطيعوا أن يفهموا سرّ حرمان علي ( عليه السلام ) إياهم من السبي مادام قد أعطاهم من الغنائم في حرب الجمل ، أو أنهم لم يمكنهم تقبل هذا الحرمان :
   يقول النص التاريخي : « . . . فأتاهم علي في جيشه ، وبرزوا إليه بجمعهم ، فقال لهم قبل القتال : ماذا نقمتم مني ؟ ! فقالوا : أول ما نقمنا منك : أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل ، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم ، ومنعتنا من سبي نسائهم وذراريهم ؛ فكيف استحللت مالهم ، دون نسائهم والذرية ؟ ! فقال : إنما أبحت لكم أموالهم بدلاً عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة ، قبل قدومي عليهم ، والنساء والذرية لم يقاتلونا ، وكان لهم حكم الإسلام بحكم دار الإسلام ، ولم يكن منهم ردّة عن الإسلام ؛ ولا يجوز استرقاق من لم يكفر ، وبعد . . . لو أبحت لكم النساء ، أيكم يأخذ عائشة في سهمه ؟ ! فخجل القوم من هذا . . الخ » (1) .

---------------------------
(1) الفرق بين الفرق ص 78 وراجع : الفتوح لابن اعثم ج 4 ص 122 / 123 وقرب الإسناد ـ ط حجرية ص 62 ، والبداية والنهاية ج 7 ص 282 وراجع ص 245 وفيها : أنهم سألوه أن يقسم فيهم أموال طلحة والزبير، فأبى فطعنوا عليه الخ، وذخائر العقبى ص232 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 360 و 262 والجمل ص 216 و 217 والمناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 268 وجواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار ج 6 ص 417 عن المعتزلي الحنفي وغيره و ص 420 / 421 وأحاديث أم المؤمنين عائشة للعسكري ص 181 / 182 وتاريخ الطبري ج 3 ص 545 و 543 والكامل للمبرد ج 3 ص 238 والعقد الفريد ج 4 ـ ص 331 وتلبيس إبليس ص 92 وكنز العمال ج 11 ص 309 و 325 و 326 و 327 و 330 والبحار طبع قديم ج 8 ص 564 و 565 و 570 و 573 عن كشف الغمة وغيره ، والمسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص 70 وجامع بيان العلم ج 2 ص 127 و 128 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ، ( بتحقيق المحمودي ) ج 3 ص 151 و 156 والمصنف ج 1 ص 158 و 159 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 151 وتلخصيه للذهبي بهامش نفس الصفحة والخصائص للنسائي ص 146 و 148 والمناقب للخوارزمي ص 184 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 259 و 255 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 66 و 67 و 93 و 96 ، والإمامة والسياسة ج 1 ص 77 و 149 وتذكرة الخواص ص 99 وراجع ص 105 وكشف الغمة ج 1 ص 265 والبدء والتاريخ ج 5 ص 223 و224 والفائق ج 4 ص 129 ومناقب الإمام علي ( عليه السلام ) لابن المغازلي ص 408 و 410 وبهج الصباغة ج 7 ص 171 و 172 عن المسترشد ، وراجع ص 176 عن المبرد ، والوسائل ج 11 ص 58 و 59 ـ باب 25 الجهاد حديث 5 و 7 ، وجواهر الكلام ج 21 ص 336 و 337 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 84 _

   وتذكر بعض المصادر أن اعتراضهم إنما كان على ابن عباس ، فأجابهم بما ذكرناه آنفاً (1) ، وفي نص آخر : أنه ( عليه السلام ) قال : « وإنما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم ، فإن عدا علينا أحد منهم اخذناه بذنبه ، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره ، يا أخا بكر ، لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أهل مكة ، قسَّم ما حوى العسكر ، ولم يعرض لما سوى ذلك ، وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل . . . » إلى أن قال : « فإن أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علي ، ـ وذلك أنه تكلم في هذا الأمر غير واحد ـ فأيكم يأخذ عائشة بسهمه » ؟ إلى أن قالت الرواية : « وتنادى الناس من كل جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ، أصاب الله بك الرشاد والسداد » (2) ، وفي نص آخر : أن الخوارج « لعنوا علياً في تركه اغتنام أموالهم ، وسبي ذريتهم ، ونسائهم » (3) .

من سيرة علي (عليه السلام) في حرب الجمل :
   ولتوضيح ما صنعه علي ( عليه السلام ) في غنائم حرب الجمل ، وهو ما أثار حفيظة « الخوارج » نقول : إنهم يقولون : إنه ( عليه السلام ) : « لما قسم ما حواه العسكر أمر بفرس فيه كادت أن تباع ؛ فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، هذه الفرس لي كانت ، وإنما أعرتها لفلان ، ولم أعلم أنه يخرج عليها ؛ فسأله البينة على ذلك ؛ فأقام البينة : أنها عارية ، فردها ، وقسم ما سوى ذلك » (4) .

---------------------------
(1) راجع : مجمع الزوائد ج 6 ص 240 وخصائص الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للنسائي ص 147 و 148 والمناقب للخوارزمي ص 184 و 185 وترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق ( بتحقيق المحمودي ) ج 3 ص 151 وعن : البداية والنهاية ج 7 ص 276 و 281 وعن تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 167 وعن المناقب لابن شهر أشوب ج 1 ص 267 .
(2) أحاديث أم المؤمنين عائشة ص 181 / 182 عن كنز العمال ج 8 ص 215 و 217 ومنتخبه ج 6 ص 315 و 331 وراجع جواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار ج 6 ص 420 / 421 والبحار ـ ط قديم ج 8 ص 564 / 565 .
(2) الملل والنحل ج 1 ص 116 وأحاديث أم المؤمنين عائشة ج 1 ص 188 عنه وعن الفرق ص 58 وعن التبصير ص 27 .
(3) الجمل ص 216 و 217 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 35 _

   ويقولون أيضاً : « . . فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم ، والمتاع لا يعرض له أحد ، إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به، والدواب التي حاربوا عليها ، . . الخ » (1) ، « وجمع ما كان في العسكر من شيء ثم بعث به إلى مسجد البصرة ، أن من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان ، فإنه مما بقي ما لم يعرف ، خذوا ما أجلبوا به عليكم من مال الله عز وجل ، لا يحل لمسلم من مال المسلم المتوفى شيء ، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفل من السلطان » (2) .
   وقال المسعودي : « . . . وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ، ودابة ، ومتاع ، وآلة ، وغير ذلك ، فباعه وقسمه بين أصحابه ، وأخذ لنفسه ، كما أخذ كل واحد ممن معه من أصحابه ، وأهله ، وولده خمس مئة درهم ؛ فأتاه رجل من أصحابه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، إني لم آخذ شيئاً ، وخلفني عن الحضور كذا ، وأدلى بعذره ، فأعطاه الخمس مئة التي كانت له » (3) .
   نعم . . . إن سيرة أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) في مثل هذه المواقع هي سيرة الإسلام المحمدي الأصيل ، وهي منة من الله سبحانه على عباده لابد لهم أن يعرفوها ويعترفوا بها ليخلصوا له العبادة ، وليتحسسوا عظمة الإسلام ، ولأجل ذلك نجده ( عليه السلام ) يسعى إلى تنبيه الناس إلى ذلك ، فهو يقول : « أرأيتم ، لو أني غبت عن الناس من كان يسير فيهم بهذه السيرة ؟ ! » (4) .

---------------------------
(1) الأخبار الطوال ص 151 .
(2) تاريخ الطبري ج 3 ص 543 وراجع ص 545 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 245 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 255 و 259 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 67 .
(3) مروج الذهب ج 2 ص 371 .
(4) المصنف ج 10 ص 124 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 86 _

   وعن أبي البحتري قال : لما انهزم أهل الجمل قال علي : « لا يطلبن عبد خارجاً من العسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، والمواريث على فرائض الله ، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً ، قالوا : يا أمير المؤمنين ، تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم ؟ ! فقال : كذلك السيرة في أهل القبلة ، فخاصموه ، قال : فهاتوا سهامكم ، وأقرعوا على عائشة ؛ فهي رأس الأمر ، وقائدهم ، قال : ففرقوا ، وقالوا : نستغفر الله ! فخصمهم علي » (1) .

علي ( عليه السلام ) لم يخمس أهل الجمل :
   ورووا أيضاً : « أن علياً لم يخمس أهل الجمل . . . » (2) ، ولكن في نص آخر : أنه ( عليه السلام ) قال لهم حينما اعترضوا عليه : « وإن لكم في خمسه لغنى ، فيومئذٍ تكلمت الخوارج » (3) ، فالظاهر أن من قال إنه ( عليه السلام ) لم يخمس ، يريد أنه لم يخمس أموالهم التي لم يقاتلوا بها ، ولم تكن في الغنائم . . . وكذا لم يخمس السلاح الذي للسلطان لأنه أرجعه إلى بيت المال ، ومن قال إنه خمسهم مراده : أنه خمس الكراع والسلاح الذي قاتلوه به .

---------------------------
(1) كنز العمال ج 11 ص 326 و 327 عن ابن أبي شيبة .
(2) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 261 .
(3) تاريخ الطبري ج 3 ص 545 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 87 _

آخر الدعاوى :
   وأخيراً نقول : إن البعض يحاول أن يدعي : أن من أهم عوامل نشوء « الخوارج » هو عبد الله بن سبأ ، ومبادؤه ، التي منها جرأته على الخلفاء والأئمة ، والحكم بتكفيرهم (1) ، ولعله أخذ ذلك من بعض المستشرقين الذي أثار هذه النقطة بالذات , ثم حاول مناقشة هذا الزعم ، فكان مما ذكره : أن « الخوارج » أنفسهم كانوا ينعتون خصومهم الشيعة في الكوفة بنعت السبئية تحقيراً وذماً لهم (2) .
   ونقول : لا ندري من أين تأكد لهؤلاء : أن ابن سبأ قد ترك هذا الأثر العظيم في « الخوارج » وفي غيرهم ، وبهذه السرعة الفائقة ؟ ! حتى أصبحت نحلة السبأية ديناً شائعاً ، ووصفاً مشيناً ينعت به هذا الفريق من الناس؛ وذاك ؟ ! وابن سبأ إنما غالى في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فلاقى جزاءه على يد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه ؟ ! وحديث الجرأة على الخلفاء ، والأئمة قد بدا من عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حينما قيل له ( صلى الله عليه وآله ) وهو في مرض موته : إن النبي ليهجر ، وقبل ذلك حين كانوا يعترضون عليه في الحديبية ، ويقولون لا نعطي الدنية في ديننا ، وغير ذلك ، وأية مبادئ جاء بها ابن سبأ ، وبثها بين الناس يمكنهم أن يثبتوها بالدليل وبالحجة ؟ ! ولماذا تعلموا من ابن سبأ الجرأة على الخلفاء ، ولم يتعلموا غلوه في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى حد التأليه ؟ ! وإذا كان « الخوارج » ينعتون خصومهم بالسبئية ، فكيف يأخذون من ابن سبأ وعنه مبادئه ، ويتأثرون بحالاته ؟ !

---------------------------
(1) راجع : أدب المعتزلة ص 27 و 28 وهامش ص 24 .
(2) راجع : الخوارج والشيعة ص 38 ، وارجع في الهامش إلى تاريخ الطبري ج 2 ص 43 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 88 _


سياسات علي ( عليه السلام ) مع « الخوارج » :

   لم يكن علي ( عليه السلام ) ذلك الرجل الذي يريد أن تكون له السلطة والهيمنة القاهرة التي يحبس معها الناس أنفاسهم خوفاً ورعباً ، بل هو يريد أن يحفظ الأمن ، وأن يربي الناس ، ويعلمهم ، ويهديهم سبيل الرشاد ، والسداد ، وأن يحكم فيهم بحكم الله سبحانه ، ويفقههم في الدين ، إنه لا يريد أن يخاف الناس منه ، بل يريدهم أن يخافوا الله سبحانه ، ولا يريد منهم مراعاة خواطره ، والتأقلم مع مزاجه ، بل يريدهم أن يراعوا التوجيه الإلهي ، والحكم الشرعي ، وأن يحفظوا دينهم ، وأنفسهم ، ولأجل ذلك ، فهو لا يخشى على ضياع شيء احتفظ به لنفسه يخاف فقده. وليس في حياته نقطة ضعف يخشى اطلاّع الناس عليها .
   إذن . . . فلماذا لا يعطي الناس حرية الكلام ، والجهر بما يضمرونه ، والافصاح عما يفكرون به ويتصورونه ؟ ! وحتى لو كان الحاكم الإسلامي غير معصوم فلماذا يمنع الناس من مطالبته بتصحيح الخطأ ، وإعادة الأمور إلى نصابها ، نعم . . . وهذا هو مبدأ علي ( عليه السلام ) في سياساته مع « الخوارج » وغيرهم ، فقد رووا : أن رجلاً من « الخوارج » جاء إلى علي ( عليه السلام ) ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا يسبك .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 89 _

   قال : فسبه كما سبني ، قال : ويتوعدك ، قال : لا أقتل من لم يقتلني ، ثم قال : لهم علينا ثلاث : أن لا نمنعهم المساجد أن يذكروا الله فيها ، وأن لا نمنعهم الفيء مادامت أيديهم في أيدينا ، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا (1) .

تحرك « الخوارج » : خلاصة تاريخية :
   ولأجل أن تتضح الأمور لابد من العودة إلى النصوص التاريخية لنستنطقها ، ولنتعرف من خلالها على سير الأحداث . . . فنقول :
   إنه حين بلغ علياً ( عليه السلام ) ما جرى بين أبي موسى وعمرو بن العاص في دومة الجندل كتب ( عليه السلام ) إلى ابن الكواء ، والراسبي ، وزيد بن الحصين ، ومن معهم من الناس ، يطلب منهم الالتحاق به، ليتوجه إلى حرب معاوية ، فرفضوا ذلك ، وقالوا له : إنما غضبت لنفسك ، وطلبوا منه أن يشهد على نفسه بالكفر ، ثم ينظرون فيما بينهم وبينه ، فأيس ( عليه السلام ) منهم ، ويقولون : إنه ( عليه السلام ) « رأى أن يدعهم ، ويمضي بالناس إلى أهل الشام ، فيناجزهم ، فقام في أهل الكوفة ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن من ترك الجهاد . . . الخ » .
   « فبينما علي ( رض ) معهم في الكلام ، أتاه الخبر : أن « الخوارج » خرجوا على الناس ، وأنهم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وبقروا بطن امرأته ، وهي حامل ، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء ، وقتلوا أم سنان ، فلما بلغ علياً ( رض ) ذلك بعث إليهم الحرث بن مرة العبدي ، ليأتيهم ، وينظر صحة الخبر فيما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه ، ولا يكتمه شيئاً من أمرهم ، فلما دنا منهم ، وسألهم قتلوه. وأتى علياً ( رض ) الخبر بذلك وهو بمعسكره فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، على ما ندع هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا ، وعيالنا ؟ ! سر بنا إليهم ، فإذا فرغنا منهم سرنا إلى أعدائنا من أهل الشام ، وجاءهم منجم يقال له : مسافر بن عدي الأزدي، فطلب منه أن يسير إليهم في ساعة معينة ، وإلا فإنه سيلقى وأصحابه ضرراً شديداً ، ومشقة عظيمة ، فخالف علي ( رض ) » .
   ثم لما قرب منهم طلب أن يسلموه قتلة إخوانه ليقتلهم بهم ، ويكف عنهم حتى يلقى أهل الشام ، فلعل الله أن يأخذ بقلوبهم ويردهم إلى خير مما هم عليه ، فقالوا : كلنا قتلناهم ، وكلنا مستحلون لدمائكم ، وأموالكم ، ودمائهم .

---------------------------
(1) كنز العمال ج 11 ص 287 و 308 عن أبي عبيد ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 90 _

   ثم كلمهم قيس بن سعد بن عبادة، فلم يستجيبوا . . . الخ (1) ، وقد لخص أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ما جرى بينه وبين « الخوارج » في كلام وجهه إلى أصحابه فكان مما قال : « حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين وقتلوا المؤمنين أتيناهم فقلنا لهم : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، فقالوا : كلنا قتلهم ، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم .
   وشدت علينا خيلهم ورجالهم ؛ فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين ، ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم ، فإنه أفزع لقلوبهم ، وأنهك لمكرهم ، وأهتك لكيدهم ، فقلتم . . . الخ » (2) ، ونلاحظ هنا : أن ما فعله ( عليه السلام ) حيث أمرهم بالمضي من فورهم إلى عدوهم ، مع ملاحظة الأمور التي ذكرها . . . قد جاء مطابقاً لفعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث لاحق جيش أبي سفيان بعد أحد حتى بلغ حمراء الأسد ، وكان الذين معه هم خصوص من أصيبوا في غزوة أحد ، كما هو معلوم ، فراجع كتابنا : الصحيح من سيرة النبي للإطلاع على تفاصيل ما جرى .

أذى « الخوارج » لعلي ( عليه السلام ) :
   وحين يواجه الإنسان التحدي من الآخرين ، والتعدي عليه من دون مبرر مقبول أو معقول . . . ويكون غير قادر على رد التحدي ، والثأر لنفسه ، فليس له أن يدعي : أن هذا الضعف صفح ، وأن الهروب عفو ، وأما حين يكون قادراً على ردع المعتدي ، فإن كان عفوه يمثل تفريطاً بما لا يحق له التفريط به ، أو تشجيعاً وإغراءً بالعدوان على الضعفاء ، فليس له الحق في أن يبادر إلى هذا العفو ، بل لابد له من أن يمارس الردع المؤثر والفاعل ، والقوي والحاسم .

---------------------------
(1) نور الأبصار ص 101 والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 90 و 92 ، وغير ذلك كثير .
(2) الإمامة والسياسة ج 1 ص 157 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 367 و 368 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 91 _

   فإذا انحصر الأذى بشخصه ، ثم كظم غيظه ، مع قدرته على ردّ الحجر من حيث جاء ، فذلك هو الصفح الجميل ، والعفو عن الذنب ، الذي دعا إليه الإسلام والقرآن ، وهذه هي حاله ( عليه السلام ) مع هؤلاء القوم ، الذين كانوا يؤذونه ويصفح عنهم ، ويذنبون معه ، ويعتدون عليه ويعفو ويتجاوز رفقا بهم ، واستصلاحاً لهم .
   ومن أمثلة ذلك : أنه كان يخطب يوماً ؛ فقال : إذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليمس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأة ، فقال رجل من « الخوارج » : قاتله الله كافراً ما أفقهه ، فوثب القوم ليقتلوه ، فقال ( عليه السلام ) : « رويداً إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب » (1) ، وقال علي بن البطريق : « إن علياً كان قد مرن على سماع قول « الخوارج » أنت كافر ، وقد كفرت » (2) .

الموقف الشرعي الدقيق :
   وإن معالجة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأمر « الخوارج » قد جاء النموذج الأمثل ، والمثل الرائع للحكمة ، والروية ، والأناة والحزم ، والمرونة ، ثم هو التجسيد الدقيق للالتزام بحدود الله ، والسياسة الربانية للعباد والبلاد ، وقد لخص ( عليه السلام ) موقفه من هؤلاء القوم ، بعد أن ذكر أمر الحكمين ، بقوله : « . . . فانخذلت عنا فرقة منهم ، فتركناهم ما تركونا » (3) ، وذكر ( عليه السلام ) أيضاً موقفه هذا بصورة أكثر تفصيلاً ، فقال : « إن سكتوا تركناهم ـ أو قال : عذرناهم ـ وإن تكلموا حججناهم ، وإن خرجوا علينا قاتلناهم » (4) ، وفي نص آخر : أنه (عليه السلام) سمع رجلاً من «الخوارج» يقول: لا حكم إلا لله ـ تعريضاً به في التحكيم يوم صفين ـ فقال علي ( عليه السلام ) : « كلمة حق أريد بها باطل » .

---------------------------
(1) الشيعة في التاريخ ص 42 ونهج البلاغة ج 3 ص 254 .
(2) راجع مصادر نهج البلاغة ج 4 ص 297 عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 470 .
(3) الغارات ج 1 ص 213 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 98 والإمامة والسياسة ج 1 ص 177 و 135 والبحار ج 30 ص 2 و ج 33 ص 571 ونهج السعادة ج 5 ص 245 .
(4) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 352 وبهج الصباغة ج 7 ص 155 و 54 و 142 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 334 و 335 ونقل عن الطبري أيضاً .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 92 _

   ثم قال : « لكم علينا ثلاثة : لا نمنعكم مساجد الله تذكرون اسم الله ، ولا نمنعكم من الفيء مادامت أيديكم معنا ، ولا نبدؤكم بقتال » (1) ، وحتى بعد أن انتهى من حرب النهروان فإنه ( عليه السلام ) لم يغير سياسته هذه معهم ، فقد روي : عن أبي خليفة الطائي ، قال : « لما رجعنا من النهروان لقينا ـ قبل أن ننتهي إلى المدائن ـ أبا العيزار الطائي ، فقال لعدي : يا أبا طريف ، أغانم سالم ؟ أم ظالم آثم ؟
   قال : بل غانم سالم ، قال : الحكم إذن إليك ! فقال الأسود بن يزيد ، والأسود بن قيس المراديان ـ وكانا مع عدي ـ : ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر ، وإنا لنعرفك برأي القوم ، فأخذاه ، فأتيا به علياً ، فقالا : إن هذا يرى رأي « الخوارج » ، وقد قال كذا وكذا لعدي ، قال : فما أصنع به ؟ ! قالا : تقتله ، قال : أقتل من لا يخرج علي ؟ ! قالا : فتحبسه ، قال : وليست له جناية أحبسه عليها ؟ ! خليا سبيل الرجل » (2) ، صلوات الله وسلامه : على علي أمير المؤمنين ، مثال العدل ، ومعدن الفضل ، ونبراس الهدى وعلم التقى ، ولعن الله مناوئيه ، وشانئيه ، وحاسديه وأصلاهم جهنم وساءت مصيرا .

---------------------------
(1) الإلمام ج 1 ص 36 .
(2) تاريخ بغداد ج 14 ص 365 و 366 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 93 _

الفساد والافساد :
   وقد بذل أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) محاولات كثيرة ، لإقناعهم بالحق ، ومنعهم من شق عصا الطاعة . . . « وقد خطب علي ( رض ) بخطب ذوات عدد » على حد قول الصنعاني (1) ، وقد أورد في نهج البلاغة عدداً منها (2) ، بالإضافة إلى أنه كان يحاول الاتصال بأولئك الذين يعتزمون الالتحاق بهم ، وينهاهم عن ذلك ، وقد « وعظهم بكل قول ، وبصّرهم بكل وجه فلم يرجعوا » (3) .
   ثم إنهم . . . رغم ذلك كله وسواه : « قتلوا عدة نساء، وسبوا ، وفعلوا أفاعيل من هذا القبيل » (4) ، وقال البري التلمساني : « ثم اجتمعوا ، وشقوا عصا المسلمين ، ونصبوا راية الخلاف ، وسفكوا الدماء ، وقطعوا السبل ، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ذبحاً ، وقيل : إنهم ضربوا عنقه ، وبقروا بطن امرأته ، وهي حبلى » (5) ، وقد ذكر أيضاً : أنهم قتلوا رسول أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) إليهم ، وهو الحارث بن مرة العبدي (6) ، وقتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان ، قد صحبت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وذبحوا ابن خباب ، وبقروا بطن امرأته (7) .

---------------------------
(1) نظم درر السمطين ـ ص 117 .
(2) راجع على سبيل المثال : نهج البلاغة ـ الخطب رقم 121 و 123 و 118 ج 2 ص 7 و 11 و 2 والخطبة رقم 117 ص 117 .
(3) الفخري في 1 الآداب السلطانية ص 94 .
(4) الفخري في الآداب السلطانية ص 94 .
(5) الجوهرة في نسب علي ( عليه السلام ) وآله ص 103 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 288 .
(6) راجع مروج الذهب ج 2 ص 404 و 405 والإمامة والسياسة ج 1 ص 147 وغير ذلك .
(7) الإمامة والسياسة ج 1 ص 147 ومروج الذهب ج 2 ص 404 وفيه : وقتلوا غيرها من النساء ، والكامل لابن الأثير ج 3 ص 342 وذكر فيه أم سنان بالإضافة إلى النسوة الثلاث وراجع أنساب الأشراف ج 2 ص 368 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 94 _

   وقال عبد الله بن شداد لعائشة ، عن علي ( عليه السلام ) : « والله ، ما بعث إليهم حتى قطعوا الطريق ، وسفكوا الدماء ، وقتلوا ابن خباب ، واستحلوا أهل الذمة » (1) ، « واعترضوا الناس ، وأخذوا الأموال ، والدوابّ ، والكراع ، والسلاح ، ودخلوا القرى ، وساروا حتى انتهوا إلى النهروان ، فلما لحقهم علي ( عليه السلام ) . . . أقام أياماً يدعوهم ، ويحتج عليهم ، فأبوا أن يجيبوا ، وتعبأوا لقتاله ، فعبأ الناس ، ثم خرج إليهم ، فدعاهم ، فأبوا ، وبدأوه بالقتال ، فقاتلهم ، وقتلهم » (2) .
   ويلاحظ : أن أفاعيلهم هذه لم ترض أصحابهم أنفسهم ، فإنهم : « ساروا حتى قطعوا النهروان ، وافترقت منهم فرقة يقاتلون ( يقتلون ) الناس، فقال أصحابهم : ما على هذا فارقنا علياً ، فلما بلغ علياً صنيعهم . . . الخ » (3) ، ولعل هذا قد سهل عودتهم ، حينما وعظهم علي ( عليه السلام ) ، واحتج عليهم ، وبصّرهم ، ومهما يكن من أمر ، فإن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أراد قبل أن يبادر إلى حرب هؤلاء القوم أو يوضح للناس حالهم ، ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، وعلى يقين بصحة ما يقدمون عليه فأخبر الناس بأن حديث المارقة ينطبق على هؤلاء ، وقال : بعد ذكره لذلك الحديث : « . . . والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا في سرح الناس ، فسيروا على اسم الله » (4) .

---------------------------
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 305 والبداية والنهاية ج 7 ص 281 ومسند أحمد ج 1 ص 86 و 87 وغير ذلك من مصادر ذكرناها في موضع آخر من هذا الكتاب .
(2) جواهر الأخبار والآثار ( مطبوع بهامش البحر الزخار ) ج 2 ص 371 .
(3) راجع : منتخب كنز العمال ( بهامش مسند أحمد ) ج 5 ص 429 وكنز العمال ج 11 ص 271 ورمز فيه إلى: ( ابن راهويه . ش . ع . وصحّح ) .
(4) المصنف للصنعاني ج 10 ص 148 وفي هامشه عن المصادر التالية : مسلم ج 1 ص 343 وفرائد السمطين ج 1 ص 276 و 116 وعن الطبقات الكبرى ج 4 – قسم 2 ص 36 والبيهقي ج 8 ص 170 وكنز العمال ج 11 ص 280 ورمز إلى البيهقي ، ومسلم ، وعبد الرزاق ، وخشيش ، وابي عوانة ، وابن أبي عاصم ، وراجع : الرياض النضرة ج 3 ص 225 ونزل الأبرار ص 60 وفي هامشه عن مسلم ج 2 ص 748 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 95 _

الرسول اليهودي في أمان :
   ومن المفارقات : أن « الخوارج » قد قتلوا رسول علي ( عليه السلام ) إليهم ، وهو الحارث بن مرة العبدي ـ كما أشرنا إليه في فقرة : « الفساد والإفساد » ، فعاد أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) فأرسل إليهم رسولاً من يهود السواد ( وذلك لكي لا يقتلوه كما قتلوا رسوله المسلم ؛ فإنهم لا يستحلون قتل غير المسلمين ) فطلب منهم أن يبعثوا إليه بقتلة إخوانه ، ثم يتركهم إلى أن يفرغ من معاوية ، فبعثوا إليه : كلنا قتلة أصحابك ، وكلنا مستحل لدمائهم ، مشتركون في قتلهم (1) .
   والظاهر : أن رسل علي ( عليه السلام ) إلى « الخوارج » كانوا كثيرين ، وقد ذكرت بعض المصادر : أنه ( عليه السلام ) أرسل إليهم البراء بن عازب ، وأنه بقي يدعوهم ثلاثة أيام (2) ، هذا عدا عن صعصعة، وابن عباس وقيس بن سعد وغيرهم ، ممن كانوا مهتمين بمحاججتهم ، ومحاولة إقناعهم .

تناقضات في موقف « الخوارج » :
   ويذكر المؤرخون ، والنص هنا لابن قتيبة : أن الخوارج « . . . بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له ؛ فعبروا إليه الفرات ، فقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا رجل مؤمن ، قالوا : فما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال : أقول : إنه أمير المؤمنين ، وأول المسلمين إيماناً بالله ورسوله ، قالوا : فما اسمك ؟ قال : أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم ، قالوا : لا روع عليك ، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله ، لعل الله ينفعنا به ، قال : نعم ، حدثني عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، أنه قال : ستكون فتنة بعدي ، يموت فيها قلب الرجل ، كما يموت بدنه ، يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً .

---------------------------
(1) مروج الذهب ج 2 ص 405 .
(2) تاريخ بغداد ج 1 ص 177 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 96 _

   فقالوا : لهذا الحديث سألناك ، والله، لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً ، فأخذوه وكتفوه ، ثم أقبلوا به ، وبامرأته ، وهي حبلى متم ، حتى نزلوا تحت نخل ؛ فسقطت رطبة منها ؛ فأخذها بعضهم ؛ فقذفها في فيه ، قال له أحدهم : بغير حل ، أو بغير ثمن أكلتها ؟ ، فألقاها من فيه ، ثم اخترط بعضهم سيفه ، فضرب به خنزيراً لأهل الذمة ؛ فقتله .
   قال له بعض أصحابه : إن هذا من الفساد في الأرض، فلقي الرجل صاحب الخنزير ، فأرضاه من خنزيره ، فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك ، قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى ؛ ما علي منكم بأس ، ووالله، ما أحدثت حدثاً في الإسلام ، وإني لمؤمن ، وقد أمنتموني ؛ وقلتم : لا روع عليك ، فجاؤوا به ، وبامرأته ؛ فأضجعوه على شفير النهر ، على ذلك الخنزير ، فذبحوه ، فسال دمه في الماء ، ثم أقبلوا على امرأته ، فقالت : إنما أنا امرأة ، أما تتقون الله ؟ فبقروا بطنها ، وقتلوا ثلاث نسوة ؛ فيهن أم سنان ، قد صحبت النبي ( عليه الصلاة والسلام ) .
   فبلغ علياً خبرهم ؛ فبعث إليهم الحارث بن مرة ؛ لينظر فيما بلغه من قتل عبد الله بن خباب والنسوة ، ويكتب إليه بالأمر ، فلما انتهى إليهم ليسألهم ، خرجوا إليه فقتلوه ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا سيرنا إليهم ، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام » (1) .

---------------------------
(1) راجع : الإمامة والسياسة ج 1 ص 146 / 147 والبداية والنهاية ج 7 ص 288 ، ومصادر كثيرة أخرى سيأتي شطر منها حين نتحدث عن مفاصل من هذا النص ، في دلالاتها في الفصول المختلفة .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 97 _

السم في الدسم :
   وقد لفت نظرنا ما ذكرته بعض الروايات التي تحدثت عن ابن خباب ، فهي تقول : « أتوا على عبد الله بن خباب وهو في قرية له ، قد تنحى عن الفتنة ، فأخذوه وقتلوه » (1) ، ومع أنه سيأتي : في العنوان التالي ما يثبت عدم صحة دعوى اعتزاله في بيته ، فإننا نطلب من القارئ الكريم أن يتأمل في هذا الكلام الذي ينضح بالسم ، حيث يراد بكلمة « قد تنحى عن الفتنة » الإيحاء بوجود شبهة في صوابية موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وعدم ظهور الحق لهم حتى صح التعبير عنها بأنها فتنة . . . وبذلك يمكن التخفيف من جريمة المارقة ، وتوجيه اتهام لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في قتله إياهم . . .

ابن خباب من عمال أمير المؤمنيين (عليه السلام):
   وإذا كانت هذه الرواية تقول : إنهم قد أتوا ابن خباب إلى منزله ، فاستخرجوه ، وقتلوه . . . فإن ثمة نصوصاً أخرى تقول : إنه كان مستطرقاً ، ومعه زوجته أو أم ولده ، فالتقوه وقتلوه . . . ولعل هذا لا يختلف عن قولهم : إن الصريم لقي عبد الله بن خباب بالبدار ـ قرية بالبصرة ـ وهو متوجه إلى علي ( عليه السلام ) بالكوفة ، معه امرأته ، وولده، وجاريته (2) .
   وفي نص آخر : إن علياً ( عليه السلام ) كان قد أرسله عاملاً عليهم فقتلوه (3) ، وهذا النص لا يتعارض مع النص الآخر الذي يقول : « . . . أرسله إليهم علي فقتلوه ، فأرسل إليهم : أقيدونا بعبد الله فقالوا : كيف نقيدك ، وكلنا قتله ؟ ! » (4) ، هذا . . . وقد صرح ابن شهر آشوب : بأنه كان عاملاً لعلي ( عليه السلام ) على النهروان (5) ، وإن كان المسعودي يقول : إنه رحمه الله كان عاملاً لعلي ( عليه السلام ) على المدائن (6) ، والظاهر : أن المسعودي يتحدث عن مرحلة سابقة ، بحيث يكون عاملاً لأمير المؤمنيين ( عليه السلام ) على المدائن مدة ، ثم صار عاملاً له على النهروان . . . ولنا أن نحتمل : أن ولايته على النهروان لم تتم ، إن أخذنا بنظر الاعتبار تعبير الطوسي رحمه الله بأن علياً ( عليه السلام ) قد أرسله عاملاً عليهم ، فقتلوه .

---------------------------
(1) كنز العمال ج 11 ص 27 عن مصادر كثيرة مثل : مسدد ، والطيالسي ، وخشيش في الاستقامة عن أبي مجلز ، ورواه ابن النجار ، عن يزيد بن رويم.
(2) مجمع الزوائد ج 6 ص 230 .
(3) المبسوط للشيخ الطوسي ج 7 ص 270 .
(4) تهذيب الكمال ج 14 ص 447 .
(5) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 188 .
(6) مروج الذهب ج 2 ص 404 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 98 _

تخصيص المطالبة بابن خباب :
   إن مراجعة كتب التاريخ تعطينا : أن « الخوارج » قد قتلوا حتى رسل علي ( عليه السلام ) إليهم ، وهو أمر يرفضه الوجدان الإنساني ، وجريمة يأنف من ارتكابها حتى أهل الجاهلية . . . بل لقد قتلوا النساء والأطفال ، الأمر الذي يربأ بنفسه من ارتكابه حتى أحط الناس وأرذلهم . . . فهل يتورعون بعد هذا عن قتل إنسان مستطرق ، ثم بقر بطن امرأته ، فكيف إذا كان عاملاً لعلي ( عليه السلام ) فعلاً ، أو حتى فيما سبق ؟ كما ذكرته بعض الروايات ، ولعل مطالبته ( عليه السلام ) بقتلة ابن خباب إنما كانت من جهة أنهم كانوا قد بدأوا جرائمهم به وبأم ولده . . . وإلا، فإن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يكن يميز بين مسلم ومسلم ، في التزام توفير الأمن له ، وفي الاقتصاص ممن يعتدي عليه . . .
   ويدلنا على ذلك موقفه ( عليه السلام ) ممن يعتدي على المرأة المعاهدة ، فيأخذ منها بعض حليها ، دون أن يعترضه أحد حيث اعتبر أنه لو أن امرءاً مسلماً مات من هذا أسفاً ما كان عنده ملوماً ، بل كان به جديراً . . . (1) مع أن المرأة المعاهدة ليست على دينه ، ولا هي في درجة المرأة المسلمة ، ولا هو مسؤول عن حمايتها . . . كما أن الذي يموت أسفاً هو إنسان مسلم له كرامته الكبيرة عند الله ، ومع أن الاعتداء على تلك المرأة لم يصل إلى درجة قتلها ، ولا جرحها ، ولا هتك حرمتها بالاعتداء على عرضها مثلاً ، ولو في أدنى مستوياته ، بل كان بسبب أخذ بعض حليها منها .

---------------------------
(1) راجع : نهج البلاغة ج 1 ـ الخطبة 27 وهي خطبة الجهاد وراجع : عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 236 والأخبارالطوال ص 211 والكامل في الأدب ج 1 والعقد الفريد ج 4 ص 69 والكافي ج 5 ص 4 والأغاني ج 15 ص 45 ومقاتل الطالبيين ص 27 ومعاني الأخبار ص 309 وأنساب الأشراف ج 2 ص 442 والبيان والتبيين ج 1 ص 170 والغارات للثقفي وغير ذلك .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 99 _

خوارج البصرة هم المفسدون :
   وقد ذكرت بعض النصوص : أن خوارج البصرة هم الذين قتلوا ابن خباب ، وقد احتج عمر بن عبد العزيز على اثنين من « الخوارج » فقال : « فأخبراني عن أهل النهروان ، وهم أسلافكم ، هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ، ولم يأخذوا مالاً ، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته ، وهي حامل ؟ ! قالا : نعم . . . » (1) .
   وفي نص أن عمر بن عبد العزيز احتج على بعض « الخوارج » ؛ فكان مما قال : « فأهل النهروان خرج أهل الكوفة منهم ، فلم يقتلوا ولا استعرضوا ، وخرج أهل البصرة فقتلوا عبد الله بن خباب ، وجارية حاملاً ، ولم يتبرأ من لم يقتل ممن قتل واستعرض » (2) ، وقال ابن الأثير : « قيل : لما أقبلت الخارجة من البصرة ، حتى دنت من النهروان رأى عصابة منهم رجلاً يسوق امرأة على حمار ، فدعوه ، فانتهروه ، وأفزعوه . . . » (3) ، ثم ذكر ما جرى له ، وقتلهم إياه ، أضاف نص آخر : « أنهم سألوه عن أبي بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، فأثنى عليهم خيراً ، فذبحوه فسال دمه في الماء ، وقتلوا المرأة وهي حامل متم ، فقالت : أنا امرأة ، ألا تتقون الله ، فبقروا بطنها ، وذلك سنة سبع وثلاثين » (4) .
   ونقول : إننا لا نملك تفسيراً لهذا الفرق الظاهر بين سلوك خوارج البصرة وخوارج الكوفة ، سوى أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد عاش مع أهل الكوفة ، وعرفوا الكثير من القيم والمبادئ والأخلاق من خلاله ( عليه السلام ) ، فهو القائل لأهل العراق : « وركزت فيكم راية الإيمان ، وعرفتكم حدود الحلال والحرام » فتأثير علي ( عليه السلام ) فيهم ، قد أوجب اختلاف حالاتهم وممارساتهم ، كما رأينا . . .

---------------------------
(1) الكامل في التاريخ ج 5 ص 47 .
(2) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 162 .
(3) الكامل في التاريخ ج 3 ص 341 وأنساب الأشراف ج 2 ص 367 و 368 .
(4) أسد الغابة ج 3 ص 150 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 100 _

الكوفيون وقتال « الخوارج » :
   ثم إن النص الذي قدمناه تحت عنوان تناقضات في موقف « الخوارج » ، قد صرحت الفقرة الأخيرة منه بأن أهل الكوفة ( الناس ) هم الذين طلبوا من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يبادر إلى دفع شر « الخوارج » ، بعد أن أفسدوا في الأرض، بقتلهم الأبرياء ، وقطعهم السبيل .
   مع أن بعض النصوص تقول : إن علياً ( عليه السلام ) قد بذل جهداً كبيراً في بعث الناس لقتالهم . . . وان الذين أجابوه كانوا جماعة يسيرة . . . فأي ذلك هو الذي كان ؟ ! إننا في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول : إن كثيرين من الذين خرجوا على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كانوا بالنسبة إلى الكوفيين ـ وهم جيش علي ( عليه السلام ) ـ الابناء ، والإخوان ، وذوي القربى . . . إذن ، فقد كان من الطبيعي أن يترددوا ويتباطؤا في الإقدام على قتال جيش يضم كثيرين من هؤلاء ، فكيف إذا فرض أن يكون هذا القتال شرساً وضارياً إلى حد أن تُستأصل شأفتهم أو تكاد ؟ ! ولأجل ذلك ، ولأنه لا مجال للقصاص قبل الجناية فقد كان من الطبيعي أن يمهل علي ( عليه السلام ) « الخوارج » ، ويتركهم ، ويتحمل ما يواجهونه به من أذى مادام أنهم لم يخلّوا بالأمن ، ولم يخرجوا عن دائرة الانضباط .
   أما حين ارتكبوا الجرائم والعظائم ، وأفسدوا حياة الناس ، فإن عليه من موقع كونه المسؤول الأول عن حياة الناس ، وعن أمنهم بمختلف وجوهه أن يعيد الأمور إلى نصابها ، وأن يطالبهم بإنصاف الناس من أنفسهم .