أما بالنسبة لما جرى في حرب الجمل ، واعتراضهم على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أمر الغنائم ، فإنه صريح في حقيقة ما كان يعتلج في نفوسهم ، وقد صرحوا به بعد التحكيم بعد خروجهم عليه صلوات الله وسلامه عليه . . . فهؤلاء ، قوم قد طغت عليهم أطماعهم ، وكانوا يعانون من الجهل والغباء ، ولاسيما بالنسبة للأحكام الإسلامية ، ثم قلة الدين ، لم يستطيعوا أن يفهموا سرّ حرمان علي ( عليه السلام ) إياهم من السبي مادام قد أعطاهم من الغنائم في حرب الجمل ، أو أنهم لم يمكنهم تقبل هذا الحرمان :
يقول النص التاريخي : « . . . فأتاهم علي في جيشه ، وبرزوا إليه بجمعهم ، فقال لهم قبل القتال : ماذا نقمتم مني ؟ ! فقالوا : أول ما نقمنا منك : أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل ، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم ، ومنعتنا من سبي نسائهم وذراريهم ؛ فكيف استحللت مالهم ، دون نسائهم والذرية ؟ ! فقال : إنما أبحت لكم أموالهم بدلاً عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة ، قبل قدومي عليهم ، والنساء والذرية لم يقاتلونا ، وكان لهم حكم الإسلام بحكم دار الإسلام ، ولم يكن منهم ردّة عن الإسلام ؛ ولا يجوز استرقاق من لم يكفر ، وبعد . . . لو أبحت لكم النساء ، أيكم يأخذ عائشة في سهمه ؟ ! فخجل القوم من هذا . . الخ »
وتذكر بعض المصادر أن اعتراضهم إنما كان على ابن عباس ، فأجابهم بما ذكرناه آنفاً
(1) ، وفي نص آخر : أنه ( عليه السلام ) قال : « وإنما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم ، فإن عدا علينا أحد منهم اخذناه بذنبه ، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره ، يا أخا بكر ، لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في أهل مكة ، قسَّم ما حوى العسكر ، ولم يعرض لما سوى ذلك ، وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل . . . » إلى أن قال : « فإن أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علي ، ـ وذلك أنه تكلم في هذا الأمر غير واحد ـ فأيكم يأخذ عائشة بسهمه » ؟ إلى أن قالت الرواية : « وتنادى الناس من كل جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ، أصاب الله بك الرشاد والسداد »
(2) ، وفي نص آخر : أن الخوارج « لعنوا علياً في تركه اغتنام أموالهم ، وسبي ذريتهم ، ونسائهم »
(3) .
من سيرة علي (عليه السلام) في حرب الجمل :
ولتوضيح ما صنعه علي ( عليه السلام ) في غنائم حرب الجمل ، وهو ما أثار حفيظة « الخوارج » نقول : إنهم يقولون : إنه ( عليه السلام ) : « لما قسم ما حواه العسكر أمر بفرس فيه كادت أن تباع ؛ فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، هذه الفرس لي كانت ، وإنما أعرتها لفلان ، ولم أعلم أنه يخرج عليها ؛ فسأله البينة على ذلك ؛ فأقام البينة : أنها عارية ، فردها ، وقسم ما سوى ذلك »
(4) .
---------------------------
(1) راجع : مجمع الزوائد ج 6 ص 240 وخصائص الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للنسائي ص 147 و 148 والمناقب للخوارزمي ص 184 و 185 وترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق ( بتحقيق المحمودي ) ج 3 ص 151 وعن : البداية والنهاية ج 7 ص 276 و 281 وعن تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 167 وعن المناقب لابن شهر أشوب ج 1 ص 267 .
(2) أحاديث أم المؤمنين عائشة ص 181 / 182 عن كنز العمال ج 8 ص 215 و 217 ومنتخبه ج 6 ص 315 و 331 وراجع جواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار ج 6 ص 420 / 421 والبحار ـ ط قديم ج 8 ص 564 / 565 .
(2) الملل والنحل ج 1 ص 116 وأحاديث أم المؤمنين عائشة ج 1 ص 188 عنه وعن الفرق ص 58 وعن التبصير ص 27 .
(3) الجمل ص 216 و 217 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 35 _
ويقولون أيضاً : « . . فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم ، والمتاع لا يعرض له أحد ، إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به، والدواب التي حاربوا عليها ، . . الخ »
(1) ، « وجمع ما كان في العسكر من شيء ثم بعث به إلى مسجد البصرة ، أن من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان ، فإنه مما بقي ما لم يعرف ، خذوا ما أجلبوا به عليكم من مال الله عز وجل ، لا يحل لمسلم من مال المسلم المتوفى شيء ، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفل من السلطان »
(2) .
وقال المسعودي : « . . . وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح ، ودابة ، ومتاع ، وآلة ، وغير ذلك ، فباعه وقسمه بين أصحابه ، وأخذ لنفسه ، كما أخذ كل واحد ممن معه من أصحابه ، وأهله ، وولده خمس مئة درهم ؛ فأتاه رجل من أصحابه ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، إني لم آخذ شيئاً ، وخلفني عن الحضور كذا ، وأدلى بعذره ، فأعطاه الخمس مئة التي كانت له »
(3) .
نعم . . . إن سيرة أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) في مثل هذه المواقع هي سيرة الإسلام المحمدي الأصيل ، وهي منة من الله سبحانه على عباده لابد لهم أن يعرفوها ويعترفوا بها ليخلصوا له العبادة ، وليتحسسوا عظمة الإسلام ، ولأجل ذلك نجده ( عليه السلام ) يسعى إلى تنبيه الناس إلى ذلك ، فهو يقول : « أرأيتم ، لو أني غبت عن الناس من كان يسير فيهم بهذه السيرة ؟ ! »
(4) .
---------------------------
(1) الأخبار الطوال ص 151 .
(2) تاريخ الطبري ج 3 ص 543 وراجع ص 545 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 245 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 255 و 259 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 67 .
(3) مروج الذهب ج 2 ص 371 .
(4) المصنف ج 10 ص 124 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 86 _
وعن أبي البحتري قال : لما انهزم أهل الجمل قال علي : « لا يطلبن عبد خارجاً من العسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، والمواريث على فرائض الله ، وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً ، قالوا : يا أمير المؤمنين ، تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم ؟ ! فقال : كذلك السيرة في أهل القبلة ، فخاصموه ، قال : فهاتوا سهامكم ، وأقرعوا على عائشة ؛ فهي رأس الأمر ، وقائدهم ، قال : ففرقوا ، وقالوا : نستغفر الله ! فخصمهم علي »
(1) .
علي ( عليه السلام ) لم يخمس أهل الجمل :
ورووا أيضاً : « أن علياً لم يخمس أهل الجمل . . . »
(2) ، ولكن في نص آخر : أنه ( عليه السلام ) قال لهم حينما اعترضوا عليه : « وإن لكم في خمسه لغنى ، فيومئذٍ تكلمت الخوارج »
(3) ، فالظاهر أن من قال إنه ( عليه السلام ) لم يخمس ، يريد أنه لم يخمس أموالهم التي لم يقاتلوا بها ، ولم تكن في الغنائم . . . وكذا لم يخمس السلاح الذي للسلطان لأنه أرجعه إلى بيت المال ، ومن قال إنه خمسهم مراده : أنه خمس الكراع والسلاح الذي قاتلوه به .
---------------------------
(1) كنز العمال ج 11 ص 326 و 327 عن ابن أبي شيبة .
(2) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 261 .
(3) تاريخ الطبري ج 3 ص 545 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 87 _
آخر الدعاوى :
وأخيراً نقول : إن البعض يحاول أن يدعي : أن من أهم عوامل نشوء « الخوارج » هو عبد الله بن سبأ ، ومبادؤه ، التي منها جرأته على الخلفاء والأئمة ، والحكم بتكفيرهم
(1) ، ولعله أخذ ذلك من بعض المستشرقين الذي أثار هذه النقطة بالذات , ثم حاول مناقشة هذا الزعم ، فكان مما ذكره : أن « الخوارج » أنفسهم كانوا ينعتون خصومهم الشيعة في الكوفة بنعت السبئية تحقيراً وذماً لهم
(2) .
ونقول : لا ندري من أين تأكد لهؤلاء : أن ابن سبأ قد ترك هذا الأثر العظيم في « الخوارج » وفي غيرهم ، وبهذه السرعة الفائقة ؟ ! حتى أصبحت نحلة السبأية ديناً شائعاً ، ووصفاً مشيناً ينعت به هذا الفريق من الناس؛ وذاك ؟ ! وابن سبأ إنما غالى في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فلاقى جزاءه على يد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه ؟ ! وحديث الجرأة على الخلفاء ، والأئمة قد بدا من عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حينما قيل له ( صلى الله عليه وآله ) وهو في مرض موته : إن النبي ليهجر ، وقبل ذلك حين كانوا يعترضون عليه في الحديبية ، ويقولون لا نعطي الدنية في ديننا ، وغير ذلك ، وأية مبادئ جاء بها ابن سبأ ، وبثها بين الناس يمكنهم أن يثبتوها بالدليل وبالحجة ؟ ! ولماذا تعلموا من ابن سبأ الجرأة على الخلفاء ، ولم يتعلموا غلوه في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى حد التأليه ؟ ! وإذا كان « الخوارج » ينعتون خصومهم بالسبئية ، فكيف يأخذون من ابن سبأ وعنه مبادئه ، ويتأثرون بحالاته ؟ !
---------------------------
(1) راجع : أدب المعتزلة ص 27 و 28 وهامش ص 24 .
(2) راجع : الخوارج والشيعة ص 38 ، وارجع في الهامش إلى تاريخ الطبري ج 2 ص 43 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 88 _
سياسات علي ( عليه السلام ) مع « الخوارج » :
لم يكن علي ( عليه السلام ) ذلك الرجل الذي يريد أن تكون له السلطة والهيمنة القاهرة التي يحبس معها الناس أنفاسهم خوفاً ورعباً ، بل هو يريد أن يحفظ الأمن ، وأن يربي الناس ، ويعلمهم ، ويهديهم سبيل الرشاد ، والسداد ، وأن يحكم فيهم بحكم الله سبحانه ، ويفقههم في الدين ، إنه لا يريد أن يخاف الناس منه ، بل يريدهم أن يخافوا الله سبحانه ، ولا يريد منهم مراعاة خواطره ، والتأقلم مع مزاجه ، بل يريدهم أن يراعوا التوجيه الإلهي ، والحكم الشرعي ، وأن يحفظوا دينهم ، وأنفسهم ، ولأجل ذلك ، فهو لا يخشى على ضياع شيء احتفظ به لنفسه يخاف فقده. وليس في حياته نقطة ضعف يخشى اطلاّع الناس عليها .
إذن . . . فلماذا لا يعطي الناس حرية الكلام ، والجهر بما يضمرونه ، والافصاح عما يفكرون به ويتصورونه ؟ ! وحتى لو كان الحاكم الإسلامي غير معصوم فلماذا يمنع الناس من مطالبته بتصحيح الخطأ ، وإعادة الأمور إلى نصابها ، نعم . . . وهذا هو مبدأ علي ( عليه السلام ) في سياساته مع « الخوارج » وغيرهم ، فقد رووا : أن رجلاً من « الخوارج » جاء إلى علي ( عليه السلام ) ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا يسبك .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 89 _
قال : فسبه كما سبني ، قال : ويتوعدك ، قال : لا أقتل من لم يقتلني ، ثم قال : لهم علينا ثلاث : أن لا نمنعهم المساجد أن يذكروا الله فيها ، وأن لا نمنعهم الفيء مادامت أيديهم في أيدينا ، وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا
(1) .
تحرك « الخوارج » : خلاصة تاريخية :
ولأجل أن تتضح الأمور لابد من العودة إلى النصوص التاريخية لنستنطقها ، ولنتعرف من خلالها على سير الأحداث . . . فنقول :
إنه حين بلغ علياً ( عليه السلام ) ما جرى بين أبي موسى وعمرو بن العاص في دومة الجندل كتب ( عليه السلام ) إلى ابن الكواء ، والراسبي ، وزيد بن الحصين ، ومن معهم من الناس ، يطلب منهم الالتحاق به، ليتوجه إلى حرب معاوية ، فرفضوا ذلك ، وقالوا له : إنما غضبت لنفسك ، وطلبوا منه أن يشهد على نفسه بالكفر ، ثم ينظرون فيما بينهم وبينه ، فأيس ( عليه السلام ) منهم ، ويقولون : إنه ( عليه السلام ) « رأى أن يدعهم ، ويمضي بالناس إلى أهل الشام ، فيناجزهم ، فقام في أهل الكوفة ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن من ترك الجهاد . . . الخ » .
« فبينما علي ( رض ) معهم في الكلام ، أتاه الخبر : أن « الخوارج » خرجوا على الناس ، وأنهم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وبقروا بطن امرأته ، وهي حامل ، وقتلوا ثلاث نسوة من طيء ، وقتلوا أم سنان ، فلما بلغ علياً ( رض ) ذلك بعث إليهم الحرث بن مرة العبدي ، ليأتيهم ، وينظر صحة الخبر فيما بلغه عنهم ، ويكتب به إليه ، ولا يكتمه شيئاً من أمرهم ، فلما دنا منهم ، وسألهم قتلوه. وأتى علياً ( رض ) الخبر بذلك وهو بمعسكره فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، على ما ندع هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا ، وعيالنا ؟ ! سر بنا إليهم ، فإذا فرغنا منهم سرنا إلى أعدائنا من أهل الشام ، وجاءهم منجم يقال له : مسافر بن عدي الأزدي، فطلب منه أن يسير إليهم في ساعة معينة ، وإلا فإنه سيلقى وأصحابه ضرراً شديداً ، ومشقة عظيمة ، فخالف علي ( رض ) » .
ثم لما قرب منهم طلب أن يسلموه قتلة إخوانه ليقتلهم بهم ، ويكف عنهم حتى يلقى أهل الشام ، فلعل الله أن يأخذ بقلوبهم ويردهم إلى خير مما هم عليه ، فقالوا : كلنا قتلناهم ، وكلنا مستحلون لدمائكم ، وأموالكم ، ودمائهم .
---------------------------
(1) كنز العمال ج 11 ص 287 و 308 عن أبي عبيد ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 90 _
ثم كلمهم قيس بن سعد بن عبادة، فلم يستجيبوا . . . الخ
(1) ، وقد لخص أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ما جرى بينه وبين « الخوارج » في كلام وجهه إلى أصحابه فكان مما قال : « حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين وقتلوا المؤمنين أتيناهم فقلنا لهم : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ، فقالوا : كلنا قتلهم ، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم .
وشدت علينا خيلهم ورجالهم ؛ فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين ، ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم ، فإنه أفزع لقلوبهم ، وأنهك لمكرهم ، وأهتك لكيدهم ، فقلتم . . . الخ »
(2) ، ونلاحظ هنا : أن ما فعله ( عليه السلام ) حيث أمرهم بالمضي من فورهم إلى عدوهم ، مع ملاحظة الأمور التي ذكرها . . . قد جاء مطابقاً لفعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث لاحق جيش أبي سفيان بعد أحد حتى بلغ حمراء الأسد ، وكان الذين معه هم خصوص من أصيبوا في غزوة أحد ، كما هو معلوم ، فراجع كتابنا : الصحيح من سيرة النبي للإطلاع على تفاصيل ما جرى .
أذى « الخوارج » لعلي ( عليه السلام ) :
وحين يواجه الإنسان التحدي من الآخرين ، والتعدي عليه من دون مبرر مقبول أو معقول . . . ويكون غير قادر على رد التحدي ، والثأر لنفسه ، فليس له أن يدعي : أن هذا الضعف صفح ، وأن الهروب عفو ، وأما حين يكون قادراً على ردع المعتدي ، فإن كان عفوه يمثل تفريطاً بما لا يحق له التفريط به ، أو تشجيعاً وإغراءً بالعدوان على الضعفاء ، فليس له الحق في أن يبادر إلى هذا العفو ، بل لابد له من أن يمارس الردع المؤثر والفاعل ، والقوي والحاسم .
---------------------------
(1) نور الأبصار ص 101 والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 90 و 92 ، وغير ذلك كثير .
(2) الإمامة والسياسة ج 1 ص 157 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 367 و 368 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 91 _
فإذا انحصر الأذى بشخصه ، ثم كظم غيظه ، مع قدرته على ردّ الحجر من حيث جاء ، فذلك هو الصفح الجميل ، والعفو عن الذنب ، الذي دعا إليه الإسلام والقرآن ، وهذه هي حاله ( عليه السلام ) مع هؤلاء القوم ، الذين كانوا يؤذونه ويصفح عنهم ، ويذنبون معه ، ويعتدون عليه ويعفو ويتجاوز رفقا بهم ، واستصلاحاً لهم .
ومن أمثلة ذلك : أنه كان يخطب يوماً ؛ فقال : إذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليمس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأة ، فقال رجل من « الخوارج » : قاتله الله كافراً ما أفقهه ، فوثب القوم ليقتلوه ، فقال ( عليه السلام ) : « رويداً إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب »
(1) ، وقال علي بن البطريق : « إن علياً كان قد مرن على سماع قول « الخوارج » أنت كافر ، وقد كفرت »
(2) .
الموقف الشرعي الدقيق :
وإن معالجة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لأمر « الخوارج » قد جاء النموذج الأمثل ، والمثل الرائع للحكمة ، والروية ، والأناة والحزم ، والمرونة ، ثم هو التجسيد الدقيق للالتزام بحدود الله ، والسياسة الربانية للعباد والبلاد ، وقد لخص ( عليه السلام ) موقفه من هؤلاء القوم ، بعد أن ذكر أمر الحكمين ، بقوله : « . . . فانخذلت عنا فرقة منهم ، فتركناهم ما تركونا »
(3) ، وذكر ( عليه السلام ) أيضاً موقفه هذا بصورة أكثر تفصيلاً ، فقال : « إن سكتوا تركناهم ـ أو قال : عذرناهم ـ وإن تكلموا حججناهم ، وإن خرجوا علينا قاتلناهم »
(4) ، وفي نص آخر : أنه (عليه السلام) سمع رجلاً من «الخوارج» يقول: لا حكم إلا لله ـ تعريضاً به في التحكيم يوم صفين ـ فقال علي ( عليه السلام ) : « كلمة حق أريد بها باطل » .
---------------------------
(1) الشيعة في التاريخ ص 42 ونهج البلاغة ج 3 ص 254 .
(2) راجع مصادر نهج البلاغة ج 4 ص 297 عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 470 .
(3) الغارات ج 1 ص 213 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 98 والإمامة والسياسة ج 1 ص 177 و 135 والبحار ج 30 ص 2 و ج 33 ص 571 ونهج السعادة ج 5 ص 245 .
(4) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 352 وبهج الصباغة ج 7 ص 155 و 54 و 142 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 334 و 335 ونقل عن الطبري أيضاً .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 92 _
ثم قال : « لكم علينا ثلاثة : لا نمنعكم مساجد الله تذكرون اسم الله ، ولا نمنعكم من الفيء مادامت أيديكم معنا ، ولا نبدؤكم بقتال »
(1) ، وحتى بعد أن انتهى من حرب النهروان فإنه ( عليه السلام ) لم يغير سياسته هذه معهم ، فقد روي : عن أبي خليفة الطائي ، قال : « لما رجعنا من النهروان لقينا ـ قبل أن ننتهي إلى المدائن ـ أبا العيزار الطائي ، فقال لعدي : يا أبا طريف ، أغانم سالم ؟ أم ظالم آثم ؟
قال : بل غانم سالم ، قال : الحكم إذن إليك ! فقال الأسود بن يزيد ، والأسود بن قيس المراديان ـ وكانا مع عدي ـ : ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر ، وإنا لنعرفك برأي القوم ، فأخذاه ، فأتيا به علياً ، فقالا : إن هذا يرى رأي « الخوارج » ، وقد قال كذا وكذا لعدي ، قال : فما أصنع به ؟ ! قالا : تقتله ، قال : أقتل من لا يخرج علي ؟ ! قالا : فتحبسه ، قال : وليست له جناية أحبسه عليها ؟ ! خليا سبيل الرجل »
(2) ، صلوات الله وسلامه : على علي أمير المؤمنين ، مثال العدل ، ومعدن الفضل ، ونبراس الهدى وعلم التقى ، ولعن الله مناوئيه ، وشانئيه ، وحاسديه وأصلاهم جهنم وساءت مصيرا .
---------------------------
(1) الإلمام ج 1 ص 36 .
(2) تاريخ بغداد ج 14 ص 365 و 366 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 93 _
الفساد والافساد :
وقد بذل أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) محاولات كثيرة ، لإقناعهم بالحق ، ومنعهم من شق عصا الطاعة . . . « وقد خطب علي ( رض ) بخطب ذوات عدد » على حد قول الصنعاني
(1) ، وقد أورد في نهج البلاغة عدداً منها
(2) ، بالإضافة إلى أنه كان يحاول الاتصال بأولئك الذين يعتزمون الالتحاق بهم ، وينهاهم عن ذلك ، وقد « وعظهم بكل قول ، وبصّرهم بكل وجه فلم يرجعوا »
(3) .
ثم إنهم . . . رغم ذلك كله وسواه : « قتلوا عدة نساء، وسبوا ، وفعلوا أفاعيل من هذا القبيل »
(4) ، وقال البري التلمساني : « ثم اجتمعوا ، وشقوا عصا المسلمين ، ونصبوا راية الخلاف ، وسفكوا الدماء ، وقطعوا السبل ، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ذبحاً ، وقيل : إنهم ضربوا عنقه ، وبقروا بطن امرأته ، وهي حبلى »
(5) ، وقد ذكر أيضاً : أنهم قتلوا رسول أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) إليهم ، وهو الحارث بن مرة العبدي
(6) ، وقتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان ، قد صحبت النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وذبحوا ابن خباب ، وبقروا بطن امرأته
(7) .
---------------------------
(1) نظم درر السمطين ـ ص 117 .
(2) راجع على سبيل المثال : نهج البلاغة ـ الخطب رقم 121 و 123 و 118 ج 2 ص 7 و 11 و 2 والخطبة رقم 117 ص 117 .
(3) الفخري في 1 الآداب السلطانية ص 94 .
(4) الفخري في الآداب السلطانية ص 94 .
(5) الجوهرة في نسب علي ( عليه السلام ) وآله ص 103 وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 288 .
(6) راجع مروج الذهب ج 2 ص 404 و 405 والإمامة والسياسة ج 1 ص 147 وغير ذلك .
(7) الإمامة والسياسة ج 1 ص 147 ومروج الذهب ج 2 ص 404 وفيه : وقتلوا غيرها من النساء ، والكامل لابن الأثير ج 3 ص 342 وذكر فيه أم سنان بالإضافة إلى النسوة الثلاث وراجع أنساب الأشراف ج 2 ص 368 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 94 _
وقال عبد الله بن شداد لعائشة ، عن علي ( عليه السلام ) : « والله ، ما بعث إليهم حتى قطعوا الطريق ، وسفكوا الدماء ، وقتلوا ابن خباب ، واستحلوا أهل الذمة »
(1) ، « واعترضوا الناس ، وأخذوا الأموال ، والدوابّ ، والكراع ، والسلاح ، ودخلوا القرى ، وساروا حتى انتهوا إلى النهروان ، فلما لحقهم علي ( عليه السلام ) . . . أقام أياماً يدعوهم ، ويحتج عليهم ، فأبوا أن يجيبوا ، وتعبأوا لقتاله ، فعبأ الناس ، ثم خرج إليهم ، فدعاهم ، فأبوا ، وبدأوه بالقتال ، فقاتلهم ، وقتلهم »
(2) .
ويلاحظ : أن أفاعيلهم هذه لم ترض أصحابهم أنفسهم ، فإنهم : « ساروا حتى قطعوا النهروان ، وافترقت منهم فرقة يقاتلون ( يقتلون ) الناس، فقال أصحابهم : ما على هذا فارقنا علياً ، فلما بلغ علياً صنيعهم . . . الخ »
(3) ، ولعل هذا قد سهل عودتهم ، حينما وعظهم علي ( عليه السلام ) ، واحتج عليهم ، وبصّرهم ، ومهما يكن من أمر ، فإن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أراد قبل أن يبادر إلى حرب هؤلاء القوم أو يوضح للناس حالهم ، ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، وعلى يقين بصحة ما يقدمون عليه فأخبر الناس بأن حديث المارقة ينطبق على هؤلاء ، وقال : بعد ذكره لذلك الحديث : « . . . والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغاروا في سرح الناس ، فسيروا على اسم الله »
(4) .
---------------------------
(1) تهذيب تاريخ دمشق ج 7 ص 305 والبداية والنهاية ج 7 ص 281 ومسند أحمد ج 1 ص 86 و 87 وغير ذلك من مصادر ذكرناها في موضع آخر من هذا الكتاب .
(2) جواهر الأخبار والآثار ( مطبوع بهامش البحر الزخار ) ج 2 ص 371 .
(3) راجع : منتخب كنز العمال ( بهامش مسند أحمد ) ج 5 ص 429 وكنز العمال ج 11 ص 271 ورمز فيه إلى: ( ابن راهويه . ش . ع . وصحّح ) .
(4) المصنف للصنعاني ج 10 ص 148 وفي هامشه عن المصادر التالية : مسلم ج 1 ص 343 وفرائد السمطين ج 1 ص 276 و 116 وعن الطبقات الكبرى ج 4 – قسم 2 ص 36 والبيهقي ج 8 ص 170 وكنز العمال ج 11 ص 280 ورمز إلى البيهقي ، ومسلم ، وعبد الرزاق ، وخشيش ، وابي عوانة ، وابن أبي عاصم ، وراجع : الرياض النضرة ج 3 ص 225 ونزل الأبرار ص 60 وفي هامشه عن مسلم ج 2 ص 748 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 95 _
الرسول اليهودي في أمان :
ومن المفارقات : أن « الخوارج » قد قتلوا رسول علي ( عليه السلام ) إليهم ، وهو الحارث بن مرة العبدي ـ كما أشرنا إليه في فقرة : « الفساد والإفساد » ، فعاد أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) فأرسل إليهم رسولاً من يهود السواد ( وذلك لكي لا يقتلوه كما قتلوا رسوله المسلم ؛ فإنهم لا يستحلون قتل غير المسلمين ) فطلب منهم أن يبعثوا إليه بقتلة إخوانه ، ثم يتركهم إلى أن يفرغ من معاوية ، فبعثوا إليه : كلنا قتلة أصحابك ، وكلنا مستحل لدمائهم ، مشتركون في قتلهم
(1) .
والظاهر : أن رسل علي ( عليه السلام ) إلى « الخوارج » كانوا كثيرين ، وقد ذكرت بعض المصادر : أنه ( عليه السلام ) أرسل إليهم البراء بن عازب ، وأنه بقي يدعوهم ثلاثة أيام
(2) ، هذا عدا عن صعصعة، وابن عباس وقيس بن سعد وغيرهم ، ممن كانوا مهتمين بمحاججتهم ، ومحاولة إقناعهم .
تناقضات في موقف « الخوارج » :
ويذكر المؤرخون ، والنص هنا لابن قتيبة : أن الخوارج « . . . بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له ؛ فعبروا إليه الفرات ، فقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا رجل مؤمن ، قالوا : فما تقول في علي بن أبي طالب ؟ قال : أقول : إنه أمير المؤمنين ، وأول المسلمين إيماناً بالله ورسوله ، قالوا : فما اسمك ؟ قال : أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم ، قالوا : لا روع عليك ، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله ، لعل الله ينفعنا به ، قال : نعم ، حدثني عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، أنه قال : ستكون فتنة بعدي ، يموت فيها قلب الرجل ، كما يموت بدنه ، يمسي مؤمناً ، ويصبح كافراً .
---------------------------
(1) مروج الذهب ج 2 ص 405 .
(2) تاريخ بغداد ج 1 ص 177 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 96 _
فقالوا : لهذا الحديث سألناك ، والله، لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً ، فأخذوه وكتفوه ، ثم أقبلوا به ، وبامرأته ، وهي حبلى متم ، حتى نزلوا تحت نخل ؛ فسقطت رطبة منها ؛ فأخذها بعضهم ؛ فقذفها في فيه ، قال له أحدهم : بغير حل ، أو بغير ثمن أكلتها ؟ ، فألقاها من فيه ، ثم اخترط بعضهم سيفه ، فضرب به خنزيراً لأهل الذمة ؛ فقتله .
قال له بعض أصحابه : إن هذا من الفساد في الأرض، فلقي الرجل صاحب الخنزير ، فأرضاه من خنزيره ، فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك ، قال : لئن كنتم صادقين فيما أرى ؛ ما علي منكم بأس ، ووالله، ما أحدثت حدثاً في الإسلام ، وإني لمؤمن ، وقد أمنتموني ؛ وقلتم : لا روع عليك ، فجاؤوا به ، وبامرأته ؛ فأضجعوه على شفير النهر ، على ذلك الخنزير ، فذبحوه ، فسال دمه في الماء ، ثم أقبلوا على امرأته ، فقالت : إنما أنا امرأة ، أما تتقون الله ؟ فبقروا بطنها ، وقتلوا ثلاث نسوة ؛ فيهن أم سنان ، قد صحبت النبي ( عليه الصلاة والسلام ) .
فبلغ علياً خبرهم ؛ فبعث إليهم الحارث بن مرة ؛ لينظر فيما بلغه من قتل عبد الله بن خباب والنسوة ، ويكتب إليه بالأمر ، فلما انتهى إليهم ليسألهم ، خرجوا إليه فقتلوه ، فقال الناس : يا أمير المؤمنين ، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا سيرنا إليهم ، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام »
(1) .
---------------------------
(1) راجع : الإمامة والسياسة ج 1 ص 146 / 147 والبداية والنهاية ج 7 ص 288 ، ومصادر كثيرة أخرى سيأتي شطر منها حين نتحدث عن مفاصل من هذا النص ، في دلالاتها في الفصول المختلفة .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 97 _
السم في الدسم :
وقد لفت نظرنا ما ذكرته بعض الروايات التي تحدثت عن ابن خباب ، فهي تقول : « أتوا على عبد الله بن خباب وهو في قرية له ، قد تنحى عن الفتنة ، فأخذوه وقتلوه »
(1) ، ومع أنه سيأتي : في العنوان التالي ما يثبت عدم صحة دعوى اعتزاله في بيته ، فإننا نطلب من القارئ الكريم أن يتأمل في هذا الكلام الذي ينضح بالسم ، حيث يراد بكلمة « قد تنحى عن الفتنة » الإيحاء بوجود شبهة في صوابية موقف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وعدم ظهور الحق لهم حتى صح التعبير عنها بأنها فتنة . . . وبذلك يمكن التخفيف من جريمة المارقة ، وتوجيه اتهام لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) في قتله إياهم . . .
ابن خباب من عمال أمير المؤمنيين (عليه السلام):
وإذا كانت هذه الرواية تقول : إنهم قد أتوا ابن خباب إلى منزله ، فاستخرجوه ، وقتلوه . . . فإن ثمة نصوصاً أخرى تقول : إنه كان مستطرقاً ، ومعه زوجته أو أم ولده ، فالتقوه وقتلوه . . . ولعل هذا لا يختلف عن قولهم : إن الصريم لقي عبد الله بن خباب بالبدار ـ قرية بالبصرة ـ وهو متوجه إلى علي ( عليه السلام ) بالكوفة ، معه امرأته ، وولده، وجاريته
(2) .
وفي نص آخر : إن علياً ( عليه السلام ) كان قد أرسله عاملاً عليهم فقتلوه
(3) ، وهذا النص لا يتعارض مع النص الآخر الذي يقول : « . . . أرسله إليهم علي فقتلوه ، فأرسل إليهم : أقيدونا بعبد الله فقالوا : كيف نقيدك ، وكلنا قتله ؟ ! »
(4) ، هذا . . . وقد صرح ابن شهر آشوب : بأنه كان عاملاً لعلي ( عليه السلام ) على النهروان
(5) ، وإن كان المسعودي يقول : إنه رحمه الله كان عاملاً لعلي ( عليه السلام ) على المدائن
(6) ، والظاهر : أن المسعودي يتحدث عن مرحلة سابقة ، بحيث يكون عاملاً لأمير المؤمنيين ( عليه السلام ) على المدائن مدة ، ثم صار عاملاً له على النهروان . . . ولنا أن نحتمل : أن ولايته على النهروان لم تتم ، إن أخذنا بنظر الاعتبار تعبير الطوسي رحمه الله بأن علياً ( عليه السلام ) قد أرسله عاملاً عليهم ، فقتلوه .
---------------------------
(1) كنز العمال ج 11 ص 27 عن مصادر كثيرة مثل : مسدد ، والطيالسي ، وخشيش في الاستقامة عن أبي مجلز ، ورواه ابن النجار ، عن يزيد بن رويم.
(2) مجمع الزوائد ج 6 ص 230 .
(3) المبسوط للشيخ الطوسي ج 7 ص 270 .
(4) تهذيب الكمال ج 14 ص 447 .
(5) مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 188 .
(6) مروج الذهب ج 2 ص 404 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 98 _
تخصيص المطالبة بابن خباب :
إن مراجعة كتب التاريخ تعطينا : أن « الخوارج » قد قتلوا حتى رسل علي ( عليه السلام ) إليهم ، وهو أمر يرفضه الوجدان الإنساني ، وجريمة يأنف من ارتكابها حتى أهل الجاهلية . . . بل لقد قتلوا النساء والأطفال ، الأمر الذي يربأ بنفسه من ارتكابه حتى أحط الناس وأرذلهم . . . فهل يتورعون بعد هذا عن قتل إنسان مستطرق ، ثم بقر بطن امرأته ، فكيف إذا كان عاملاً لعلي ( عليه السلام ) فعلاً ، أو حتى فيما سبق ؟ كما ذكرته بعض الروايات ، ولعل مطالبته ( عليه السلام ) بقتلة ابن خباب إنما كانت من جهة أنهم كانوا قد بدأوا جرائمهم به وبأم ولده . . . وإلا، فإن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لم يكن يميز بين مسلم ومسلم ، في التزام توفير الأمن له ، وفي الاقتصاص ممن يعتدي عليه . . .
ويدلنا على ذلك موقفه ( عليه السلام ) ممن يعتدي على المرأة المعاهدة ، فيأخذ منها بعض حليها ، دون أن يعترضه أحد حيث اعتبر أنه لو أن امرءاً مسلماً مات من هذا أسفاً ما كان عنده ملوماً ، بل كان به جديراً . . .
(1) مع أن المرأة المعاهدة ليست على دينه ، ولا هي في درجة المرأة المسلمة ، ولا هو مسؤول عن حمايتها . . . كما أن الذي يموت أسفاً هو إنسان مسلم له كرامته الكبيرة عند الله ، ومع أن الاعتداء على تلك المرأة لم يصل إلى درجة قتلها ، ولا جرحها ، ولا هتك حرمتها بالاعتداء على عرضها مثلاً ، ولو في أدنى مستوياته ، بل كان بسبب أخذ بعض حليها منها .
---------------------------
(1) راجع : نهج البلاغة ج 1 ـ الخطبة 27 وهي خطبة الجهاد وراجع : عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 236 والأخبارالطوال ص 211 والكامل في الأدب ج 1 والعقد الفريد ج 4 ص 69 والكافي ج 5 ص 4 والأغاني ج 15 ص 45 ومقاتل الطالبيين ص 27 ومعاني الأخبار ص 309 وأنساب الأشراف ج 2 ص 442 والبيان والتبيين ج 1 ص 170 والغارات للثقفي وغير ذلك .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 99 _
خوارج البصرة هم المفسدون :
وقد ذكرت بعض النصوص : أن خوارج البصرة هم الذين قتلوا ابن خباب ، وقد احتج عمر بن عبد العزيز على اثنين من « الخوارج » فقال : « فأخبراني عن أهل النهروان ، وهم أسلافكم ، هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ، ولم يأخذوا مالاً ، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته ، وهي حامل ؟ ! قالا : نعم . . . »
(1) .
وفي نص أن عمر بن عبد العزيز احتج على بعض « الخوارج » ؛ فكان مما قال : « فأهل النهروان خرج أهل الكوفة منهم ، فلم يقتلوا ولا استعرضوا ، وخرج أهل البصرة فقتلوا عبد الله بن خباب ، وجارية حاملاً ، ولم يتبرأ من لم يقتل ممن قتل واستعرض »
(2) ، وقال ابن الأثير : « قيل : لما أقبلت الخارجة من البصرة ، حتى دنت من النهروان رأى عصابة منهم رجلاً يسوق امرأة على حمار ، فدعوه ، فانتهروه ، وأفزعوه . . . »
(3) ، ثم ذكر ما جرى له ، وقتلهم إياه ، أضاف نص آخر : « أنهم سألوه عن أبي بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، فأثنى عليهم خيراً ، فذبحوه فسال دمه في الماء ، وقتلوا المرأة وهي حامل متم ، فقالت : أنا امرأة ، ألا تتقون الله ، فبقروا بطنها ، وذلك سنة سبع وثلاثين »
(4) .
ونقول : إننا لا نملك تفسيراً لهذا الفرق الظاهر بين سلوك خوارج البصرة وخوارج الكوفة ، سوى أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد عاش مع أهل الكوفة ، وعرفوا الكثير من القيم والمبادئ والأخلاق من خلاله ( عليه السلام ) ، فهو القائل لأهل العراق : « وركزت فيكم راية الإيمان ، وعرفتكم حدود الحلال والحرام » فتأثير علي ( عليه السلام ) فيهم ، قد أوجب اختلاف حالاتهم وممارساتهم ، كما رأينا . . .
---------------------------
(1) الكامل في التاريخ ج 5 ص 47 .
(2) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج 3 ص 162 .
(3) الكامل في التاريخ ج 3 ص 341 وأنساب الأشراف ج 2 ص 367 و 368 .
(4) أسد الغابة ج 3 ص 150 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 100 _
الكوفيون وقتال « الخوارج » :
ثم إن النص الذي قدمناه تحت عنوان تناقضات في موقف « الخوارج » ، قد صرحت الفقرة الأخيرة منه بأن أهل الكوفة ( الناس ) هم الذين طلبوا من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أن يبادر إلى دفع شر « الخوارج » ، بعد أن أفسدوا في الأرض، بقتلهم الأبرياء ، وقطعهم السبيل .
مع أن بعض النصوص تقول : إن علياً ( عليه السلام ) قد بذل جهداً كبيراً في بعث الناس لقتالهم . . . وان الذين أجابوه كانوا جماعة يسيرة . . . فأي ذلك هو الذي كان ؟ ! إننا في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول : إن كثيرين من الذين خرجوا على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كانوا بالنسبة إلى الكوفيين ـ وهم جيش علي ( عليه السلام ) ـ الابناء ، والإخوان ، وذوي القربى . . . إذن ، فقد كان من الطبيعي أن يترددوا ويتباطؤا في الإقدام على قتال جيش يضم كثيرين من هؤلاء ، فكيف إذا فرض أن يكون هذا القتال شرساً وضارياً إلى حد أن تُستأصل شأفتهم أو تكاد ؟ ! ولأجل ذلك ، ولأنه لا مجال للقصاص قبل الجناية فقد كان من الطبيعي أن يمهل علي ( عليه السلام ) « الخوارج » ، ويتركهم ، ويتحمل ما يواجهونه به من أذى مادام أنهم لم يخلّوا بالأمن ، ولم يخرجوا عن دائرة الانضباط .
أما حين ارتكبوا الجرائم والعظائم ، وأفسدوا حياة الناس ، فإن عليه من موقع كونه المسؤول الأول عن حياة الناس ، وعن أمنهم بمختلف وجوهه أن يعيد الأمور إلى نصابها ، وأن يطالبهم بإنصاف الناس من أنفسهم .