وفي نص آخر : أن طائفة من أصحابه ( عليه السلام ) مشوا إليه ؛ فقالوا : يا أمير المؤمنين ، أعط هذه الأموال ، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب ، وقريش على الموالي والعجم ، واستمل من تخاف خلافه من الناس وفراره . . . وإنما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال ، فقال لهم : « أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور ؟ لا والله لا أفعل ما طلعت شمس . . . الخ » (1) .
   وقالت الصديقة الطاهرة ( عليها السلام ) : « نقموا منه والله نكير سيفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنمره في ذات الله » (2) ، « وروي عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني ، عن فضيل بن الجعد ، قال : آكد الأسباب في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أمر المال ؛ فإنه لم يكن يفضل شريفاً على مشروف ، ولا عربياً على عجمي ، ولا يصانع الرؤساء ، وأمراء القبائل ، كما يصنع الملوك ، ولا يستميل أحداً إلى نفسه » (3) .
   نعم . . . إن عدل علي ( عليه السلام ) قد أحفظ الزعامات القبلية ، وأهل اللبانات والأطماع ، واستطاع معاوية بأحابيله أن يصطاد طائفة منهم ، ويكيد بهم علياً . . . وفرّ بعضهم إليه الأمر الذي كانت له تأثيرات سيئة على نفوس الناس ، ولاسيما عشائرهم ، وكلنا يعلم : أن مجمتع العراق لم يكن يتعامل مع الأمور من منطلق الفكر ، والقناعات الوجدانية ، والشعور بالمسؤولية الشرعية ، وإنما من منطلق قبلي جاهلي ، يعطي زعيم القبيلة كل الخيارات والاختيارات ، وينفذ أوامره وإرادته ، مهما كانت مخالفة لقناعات الفرد ، وحتى لعواطفه وأحاسيسه .
   وإذا كان زعماء القبائل قد وافقوا في بعض الظروف على نصرته ( عليه السلام ) ، ومحاربة عدوه وعدوهم ؛ فإن ذلك يعود إلى خوفهم من معاوية ، إن ظفر بهم . . . ومن أجل الوفاء بالبيعة التي كانت له ( عليه السلام ) في أعناقهم ، أو طمعاً في الغنائم ، أو في الولايات والرياسات ، أو حمية ، وعصبية ، أو لغير ذلك من عوامل ، لربما يجد المتتبع لها بعض الشواهد .

---------------------------
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 203 والإمامة والسياسة ج 1 ص 153 .
(2) البحار ج 43 ص 158 و 159 و 160 و 162 عن معاني الأخبار والاحتجاج ، وأمالي الشيخ الطوسي ، وكشف الغمة ، وابن أبي الحديد عن الجواهري ، وكشف الغمة ج 1 ص 492 والاحتجاج ج 1 ص 147 وشرح النهج المعتزلي ج 16 ص 233 والعوالم ص 236 و 238 و 240 .
(3) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 197 وراجع : الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه السلام ) ص 77 عن مصادر كثيرة وحياة الشعر في الكوفة ص 169 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 52 _

   ولكن مما لاشك فيه هو : أن أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) ، وإن لم يستطع أن يرضي الزعامات القبلية ، إلا أنه كان أحياناً يتعامل مع الناس من خلال تلك الزعامات ، حيث لا يكون ثمة خيارات أخرى ، تماماً كما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يحاول أن يستخدم الزعامات القبلية من أمثال أبي سفيان في تحقيق أهداف الإسلام العليا ، وإن كان لم يكن يلزم نفسه بمنحها أية امتيازات على حساب الحق والعدل ، ومصلحة الإسلام العليا ، وخير المسلمين ، وهكذا . . . ومن هذا المنطلق بالذات نجد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في أول أمر « الخوارج » قد دعا صعصعة بن صوحان العبدي ، وكان قد وجهه إليهم ، وزياد بن النضر الحارثي ، مع عبد الله بن العباس ؛ فقال لصعصعة : « بأي القوم وجدتهم أشد إطافة ؟ .
   فقال : بيزيد بن قيس الأرحبي ، فركب علي ( عليه السلام ) إليهم إلى حروراء ، فجعل يتخللهم ، حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلى فيه ركعتين ، ثم خرج فاتكأ على قوسه ، وأقبل على الناس ، ثم قال . . . الخ » (1) ، ولا بأس بالتأمل هنا في سرّ كونه ( عليه السلام ) قد صلى ركعتين في مضرب يزيد بن قيس .
   نعم . . . إن أمير المؤمنين وإن لم يستطع أن يرضي الزعامات القبلية إلا أن سيرته ( عليه السلام ) وعدله قد نال مختلف طبقات الأمة ، وذاق الناس طعم الإيمان ، وحلاوة الإسلام ، وحل لهم مشاكلهم ، ورفع من مستوى نضجهم ووعيهم ، حتى ليقول الكميت رحمه الله :
ونعم طبيب الداء من أمر أمة تواكلها ذو الطب والتطبب
ونعم ولي الأمر بعد وليه ومنتجع التقوى ، ونعم iiالمؤدب
  ويقول رحمه الله تعالى عن أئمة أهل البيت ( صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ) :
سـاسة  لا كـمن يـرى الـناس سواء ورعية الأنعام
لا  كـعبد الـمليك أو كـوليد أو سليمان بعد أو iiكهشام
رأيـه  فيهم كرأي ذوي الثلة في الثائجات جنح iiالظلام
جزّ ذي الصوف وانتقاء لذي المخة نعقاً ودعدعاً بالبهام
   ويقول ( رحمه الله تعالى ) عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) :
والوصي الذي أمال التجوبي به عرش أمة لانهدام
   التجوبي : هو ابن ملجم ، ويقول أيضاً :
قـتلوا يـوم ذاك إذ قـتلوه حكماً لا كغابر iiالحكام
راعياً كان مسجحاً ففقدناه وفقد المسيم هلك iiالسوام
نالنا فقده ونال سوانا باجتداع من الأنوف اصطلام
---------------------------
(1) الكامل للمبرد ج 3 ص 211 وبهج الصباغة ج 7 ص 111 عنه ، والكامل لابن الأثير ـ 3 ص 328 وتاريخ الطبري ج 4 ص 41 منشورات الأعلمي حوادث سنة 37 ذكر الخبر عن اعتزال الخوارج علياً وشرح النهج للمعتزلي 2 / 278 / 279 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 53 _

علي ( عليه السلام ) يعرف الناس بالإمامة :
   وأما فيما يرتبط بتعريف الناس على أمر الإمامة ، وبيان الزيف والافك الذي مورس تجاهها فقد حاول أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) بكل وسيلة ، أن يعرف الناس على الحق فيما يرتبط بالخلافة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . وأن يعطي الناس صورة واضحة عن معنى الإمامة وشؤونها ، وشروط الإمام وما إلى ذلك .
   وقد بلغه : أن الناس يتهمونه فيما يذكره من تقديم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسلم له ( عليه السلام ) ، وتفضيله على الناس؛ فقال ( عليه السلام ) : « أنشد الله من بقي ، ممن لقي رسول الله صلى الله عليه ، وسمع مقاله في يوم غدير خم » ، ثم تذكر الرواية شهادة اثني عشر صحابياً له (1) ، وفي بعض النصوص : أنهم كانوا بدريين (2) ، وفي نص آخر : أنهم كانوا ثلاثين رجلاً (3) .
   ويبدو أن ذلك قد كان بعد حرب الجمل ، أي بعد سنة 36 هـ ، وحديث المناشدة هذا معروف ، ومشهور جداً . . . ويظهر أن التعرف على أكثر الرواة لحديث الغدير كان مبدؤه هو ذلك اليوم بالذات ، كما أنه ( عليه السلام ) قد استشهد لحديث الغدير مرة أخرى في صفين نفسها (4) ثم تبع ذلك استشهاد الإمام الحسين ( عليه السلام ) لحديث الغدير في منى ، ثم استشهادات أخرى ، ذكرها العلامة الأميني في كتابه القيّم : الغدير ـ ج 1 ـ ص 166 و 186 عن مصادر كثيرة جداً ، فليراجعها من أحب .

---------------------------
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 288 / 289 وفي هامشه عن الرياض النضرة ج 2 ص 169 وراجع : كتاب بحوث مع أهل السنة والسلفية ، ففيه مصادر كثيرة ، ودلائل الصدق ، والبداية والنهاية ، وغير ذلك .
(2) الغدير ج 1 ص 195 عن كتاب: سليم بن قيس ، ومسند أحمد ج 1 ص 88 .
(3) مسند أحمد ج 4 ص 370 ومجمع الزوائد ج 9 ص 104 والغدير ج 1 ص 174 / 175 عن مصادر أخرى .
(4) راجع : الغدير ج 1 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 54 _

علم الإمامة عند علي ( عليه السلام ) :
   كما أنه ( عليه السلام ) قد بذل محاولات وجهوداً كبيرة ، من أجل تعريف الناس وإفهامهم : أن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وسلم قد اختصه دون كل أحد بالعلوم والمعارف ، وأنه هو الذي يملك علم الإمامة حقاً دون سواه ؛ فكان يكثر من قول : « سلوني قبل أن تفقدوني » ، كما أنه كان يكثر من الاخبارات الغيبية ، حتى بلغت حداً جعل بعض الناس يتهمونه بالكذب ( والعياذ بالله ) ، وقد سمع غلام ( وهو أعشى همدان ) حديثه فاعتبره حديث خرافة (1) .
   كما أن قوماً كانوا تحت منبره قالوا عنه ، بعد أن ذكر لهم الملاحم : « قاتله الله ، ما أفصحه كاذباً » (2) ، وجرى له مرة أخرى ما يشبه ذلك أيضاً (3) ، كما أنه ( عليه السلام ) قد خطب الناس وأخبرهم : أنه لو كسرت له الوسادة لحكم بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم « وما من آية في كتاب الله ، أنزلت في سهل وجبل ، إلا وأنا عالم متى أنزلت ، وفيمن أنزلت » .
   فقال رجل من القعود تحت منبره : « يا لله ، وللدعوى الكاذبة » (4) ، وكان ميثم التمار سمع من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بعضاً من علم وأسرار خفية من أسرار الوصية « فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك قوم من أهل الكوفة ، وينسبون علياً ( عليه السلام ) في ذلك إلى المخرقة والإيهام والتدليس . . الخ » (5) ، كما انه هو نفسه ( عليه الصلاة والسلام ) قد ذكر أنهم يقولون فيه ذلك ، فهو يقول : « والله ، لو أمرتكم ، فجمعتم من خياركم مئة ، ثم لو شئت لحدثتكم إلى أن تغيب الشمس ، لا أخبركم إلا حقاً ، ثم لتخرجن ، فتزعمن : أني أكذب الناس وأفجرهم » (6) .

---------------------------
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 289 .
(2) المصدر السابق ج 6 ص 136 .
(3) المصدر السابق .
(4) المصدر السابق .
(5) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 291 .
(6) المصدر السابق ج 6 ص 128 عن الغارات للثقفي .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 55 _

   ولم يخل نهج البلاغة من إشارة لهذا الأمر أيضاً ، ففي خطبة له يخاطب بها أهل العراق : « ولقد بلغني أنكم تقولون : علي يكذب ، قاتلكم الله. . . » (1) ، وقال المعتزلي في شرح قوله ( عليه الصلاة والسلام ) : « أتراني أكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والله ، لأنا أول من صدقه ؛ فلا أكون أوّل من كذب عليه » : « هذا كلام قاله ( عليه السلام ) لما تفرس في قوم من عسكره : أنهم يتهمونه فيما يخبرهم عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من اخبار الملاحم والغائبات ، وقد كان شك منهم جماعة في أقواله ، ومنهم من واجهه بالشك والتهمة » (2) .
   كما أن مالك بن ضمرة كان يخبر عن علي ( عليه السلام ) بأمر قاله بالنسبة إليه ، وإلى اثنين آخرين « فكان من الناس من يهزأ به ويقول : هذا من أكاذيب أبي تراب » (3) ، وعند المجلسي : أنه أخبره بما يجري على هانئ بن عروة فكان بعض الناس يهزأ . . . الخ (4) ، وقال المعتزلي : « وكان كثيراً ما يخبر عن الملاحم والكائنات ، ويومئ إلى أمور أخبره بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فيقول المنافقون من أصحابه : يكذب ، كما كان المنافقون الأولون في حياة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقولون عنه : يكذب ! ! » (5) .
   وعنه ( عليه السلام ) أنه قال : بعد أن ذكر ( عليه السلام ) : أنه هو فقأ عين الفتنة ولم يكن يجرء عليها غيره : « . . . فاسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء ، فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مئة ، وتضل مئة ، إلا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ، ومحط رحالها ، ومن يقتل من أهلها قتلاً ، ومن يموت منهم موتاً » (6) ، قال المعتزلي : « ولقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقاً » .

---------------------------
(1) نهج البلاغة ، الخطبة رقم 70 حسب ترقيم المعتزلي ، والاختصاص ص 155 عن كتاب ابن دأب ، والإرشاد للمفيد ص 162 والاحتجاج ج 1 ص 255 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 286 .
(3) المصدر السابق ج 2 ص 295 .
(4) البحار ج 8 ص 677 ـ ط حجرية .
(5) المصدر السابق ج 6 ص 128 .
(6) نهج البلاغة ج 1 ص 183 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 56 _

   وبعد أن ذكر طائفة كبيرة من إخباراته تلك قال : « لو أردنا استقصاءه لكسرنا له كراريس كثيرة » (1) ، هذا ، وقد اعتمد ( عليه السلام ) في تعامله مع « الخوارج » على الاخبارات الغيبية بصورة ظاهرة ولافتة ، كما سنرى في ما يأتي من فصول .

لقد ملأتم قلبي قيحاً :
   والذي تجدر الإشارة إليه هنا هو : أن أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) حين أراد أن يخبر الناس بالغيب ، لم يقتصر على جعلهم يتصورونه ، بل تجاوز ذلك ، إلى مرحلة الحس ، فجعلهم يلمسونه بأنفسهم ويميزون فيه الصدق من الكذب ، والحق من الباطل ، ولكن المفاجأة الكبرى نجدها ، حين نرى أن ذلك لم يكن يترك أثره المطلوب حتى إنه ( عليه السلام ) بعد أن أظهر لهم وأراهم بأم أعينهم الآيات والشواهد الحسية على صدق إخباراته الغيبية في أمر « الخوارج » بالذات ثم خطب الناس بالنخيلة ، فقد : « قام إليه رجل منهم ، فقال : ما أحوج أمير المؤمنين اليوم إلى أصحاب النهروان ، ثم تكلم الناس من كل ناحية ، ولغطوا » (2) .
   وما أشبه هذه القضية بما جرى لموسى مع بني إسرائيل ، حيث إنهم حين فلق الله البحر لموسى ، فصار كل فرق كالطود العظيم ، ونجاهم الله من فرعون ، وخرجوا من البحر وجدوا قوماً يعكفون على أصنام لهم ، فقالوا لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، ويحق لعلي ( عليه السلام ) بعد هذا أن يقول لأهل العراق الذين لم يعرفوا إسلام علي ( عليه السلام ) : لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وأن يتمنى أن يصارفه معاوية فيهم مصارفة الدينار بالدرهم ، فيأخذ منهم عشرة ، ويعطيه واحداً . . . إلى آخر ما قدمناه من نصوص .

---------------------------
(1) راجع : شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 48 و 49 و 50 .
(2) الشيعة في التاريخ ص 42 عن شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 146 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 57 _

متى بدأ التشيع في الكوفة :
   ومن الواضح : أن الكوفة بل والعراقيين عموماً ما كانوا قبل أن يأتيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( صلوات الله وسلامه عليه ) يعرفون علياً ، فضلاً عن غيره من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فضلاً عن أن يكون له ( عليه السلام ) نفوذ أو امتداد سياسي في ذلك المحيط الذي قدمنا بعض ما يشير إلى حالاته العامة ، بل يذكر المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة أنهم ما كانوا يعرفون عن علي ( عليه السلام ) إلا أنه ابن عم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وزوج ابنته ( عليه السلام ) .
   وكانت سياسة الحكام الذين فتحوا العراق قبل علي ( عليه السلام ) هي إخماد ذكر علي ( عليه السلام ) ، ومحوه من ذاكرة الأمة ، وظهر على الساحة ـ لأسباب مختلفة ـ آخرون ، استأثروا باهتمام الناس ، حسبما وصفه لنا أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) نفسه ، حيث يقول : « . . . فتأكد عند الناس نباهة قوم وخمول آخرين ، فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب » (1) .
   وقد تحدثنا عن سياستهم التي مارسها أعداؤه ( عليه السلام ) والقاضية بتجهيل الناس بمقام علي ( عليه السلام ) في كتابنا الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه السلام ) ـ ص 86 / 90 ـ طبع دار السيرة ، ولكن مما لاشك فيه هو أن خلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكونه عاش في العراق هذه المدة الطويلة قد أسهم إلى حدّ كبير في إيجاد مناعة نسبية فيما يرتبط بالتأثر بالإعلام الهدام ، الذي كانت قريش والأمويون ، ومن لف لفهم ، ومن جاء بعدهم يمارسونه ضد أمير المؤمنين وأهل بيته ( عليهم السلام ) وشيعتهم الأبرار .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 299 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 58 _

   وبدأ العراق بعد أن عرف شيئاً من الحقيقة ، ورأى بنفسه سيرة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في نفسه وفي أمته ، ورأى سيرة خصومه ، والمتحاملين عليه ، وعرف مكانة علي ( عليه السلام ) ، ومناقبه وفضائله التي جاءت على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ونطق بها القرآن ـ نعم . . . بعد ذلك بدأ العراق ، ولاسيما الكوفة يتجه نحو التمسك بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، والاعتراف بحقهم ، ثم الاعتقاد بإمامتهم الإلهية ، وعلى رأسهم أمير المؤمنين ( صلوات الله وسلامه عليه ) .
   وقد بدأ التشيع يتنامى ويقوى في الكوفة بصورة تدريجية خصوصاً في أواخر خلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبعد وفاته ، حيث ذاق العراقيون طعم العدل وعرفوا معنى الزهد والالتزام بأحكام الدين ، وعرفوا بتعليم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأصحابه الأخيار لهم ، الكثير الكثير من حقائق الإسلام ، وتعاليمه ومعارفه وسياساته ، وما إلى ذلك ، وأثمرت جهود علي وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبدأت بذرة التشيع تتنامى في الكوفة منذئذٍ ، حتى اصبحت الكوفة علوية الاتجاه ، كما يقولون .
   بل لقد قال الأصمعي : إن الكوفة صارت علوية من يوم استوطنها علي ( عليه السلام ) (1) ، وعلى حد تعبير ابن عبد ربه : « الكوفة علوية ؛ لأنها وطن علي ( رضي الله عنه ) وداره » (2) ، ولكن من المعلوم أن هذه الثمرة قد جاءت ـ كما قلنا ـ في وقت متأخر بالنسبة لخلافة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أما في عهده ، فقد قاتل عدوه ، ولم يكن معه خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته ، وحق معرفة إمامته . . . وعليه فقول معمر : « عجبت من أهل الكوفة ، كأن الكوفة إنما بنيت على حب علي ، ما كلمت أحداً منهم إلا وجدت المقتصد منهم الذي يفضل علياً على أبي بكر وعمر ، منهم سفيان الثوري » (3) .
   هذا القول إنما يعبر عن حقبة متأخرة جداً عن زمن حكم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، كما يشير إليه استشهاده بما يذهب إليه الثوري ، الذي كان يعيش في القرن الثاني الهجري ، ويشير إلى ذلك أيضاً : أن عبد الله بن مطيع ، الوالي من قبل ابن الزبير أراد أن يسير فيهم بسيرة عثمان وعمر ، فرفضوا ذلك وقالوا : إنهم يرضون بأن يسير فيهم بسيرة علي ( عليه السلام ) (4) .

---------------------------
(1) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص 67 .
(2) العقد الفريد ج 6 ص 248 .
(3) البداية والنهاية ج 8 ص 11 .
(4) أنساب الأشراف ج 5 ص 220 ـ 221 والكامل في التاريخ ج 4 ص 213 وتاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 490 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 59 _

وعي العراقيين يضايق الحكام :
   وقد كان الحكام المنحرفون يتضايقون جداً من وعي العراقيين المتنامي هذا ، ولم يكن يروق ذلك لهم على الإطلاق ، حتى لقد صرح معاوية حينما واجهته تلك المرأة المجاهدة ، عكرشة بنت الأطرش بكلماتها القوية . . . صرح بقوله : « هيهات ، يا أهل العراق ، نبهكم علي بن أبي طالب ، فلن تطاقوا » (1) ، ولكن تعاطف الكوفة مع أهل البيت ( عليهم السلام ) وتمنياتهم وآمالهم بوصول بعض أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى الحكم قد كانت تصطدم بالواقع الصعب وبالعقبات الكبيرة والخطيرة ، وذلك حينما يلامس الواقع حياتهم فيحاولون الهروب وتقع الكارثة .
   وعلى كل حال . . . فإننا نكتفي هنا بهذا القدر ، إذ أننا لسنا هنا في صدد تتبع المسيرة التاريخية لظهور ، ثم رسوخ التشيع في العراق ، وفي الأمة بصورة عامة ، فإن ذلك يحتاج إلى توفر تام ، ووقت طويل .

العراقيون وزهد علي ( عليه السلام ) :
   قد عرفنا فيما سبق أن من الأمور التي لا مجال لإنكارها هو أن علياً قد ترك أثراً ظاهراً على العراقيين في عقلياتهم ، وفي مفاهيمهم ، ونفسياتهم ، وغير ذلك من الجهات والحالات ، وذكرنا آنفا قول معاوية لعكرشة بنت الأطرش ، « هيهات يا أهل العراق ، نبهكم علي بن أبي طالب ، فلن تطاقوا » ، ولم يقتصر الأمر في هذا التأثير على الجانب السياسي ، بل هو تأثير شامل وفاعل في مختلف الجهات والحالات وليست حالة الزهد والعزوف عن الدنيا بالتي تستثنى من ذلك ، ويكفي أن نذكر هنا .

ما قاله الدكتور يوسف خليف :
   « كان أكبر صحابي نزل الكوفة ، واتخذ منها وطناً له ، وحاضرة لخلافته ، وهو علي بن أبي طالب ، مثلاً عالياً من أمثلة الزهد ، والتقشف ، بل النموذج الكامل من بين الخلفاء الأولين ، والصحابة لحياة الزهد .

---------------------------
(1) العقد الفريد ج 2 ص 112 وبلاغات النساء ص 104 ـ ط سنة 1972م وصبح الأعشي ج 1 ص 300 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 60 _

   وكان أهل الكوفة ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى في كل شيء ، وعلى أنه زعيمهم السياسي ، وإمامهم الروحي ، فكان من الطبيعي أن يتأثروا به في حياتهم ، وأن يتخذوا منه مثلاً يحذون حذوه ، ويتأسون به في زهده وتقشفه » (1) .

فوارق بين زهد علي (عليه السلام) وزهد غيره :
   وغني عن القول : أن الزهد العراقي الذي وفد عليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وتعامل معه ، يختلف عن الزهد الذي نشأ برعاية علي ( عليه السلام ) ، ومن خلال التأسي به ، صلوات الله وسلامه عليه .
   فقد كان زهد علي ( عليه السلام ) ينطلق من موقع التمازج الواعي بين المعارف الإيمانية والفكر الصحيح ، وبين المزايا الروحية ، والنفسية ، ليصوغ المشاعر والأحاسيس بصورة سليمة وقويمة ولتتكون الشخصية النموذج للمسلم الواعي والملتزم ، والعارف بالله سبحانه، وبما يريده منه في هذه الحياة ، بكل امتداداتها الصحيحة ، والمتخذة على أساس عقيدي واضح وراسخ ، أما الزهد الذي واجهه علي ( عليه السلام ) ، وتجلى في « الخوارج » ، فقد كان منشؤه الجهل ، الذي انقلب إلى أشكال وحركات انتجت حالة من الغرور والصلف والعجرفة ، والصدود عن الحق ، وعدم التفاعل مع كلمة الحق ، والخير والصلاح .

---------------------------
(1) حياة الشعر في الكوفة ص 197 و 198 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 61 _

   إن الزهد الذي بثه ورعاه علي ( عليه السلام ) ، لم يكن هروباً من المسؤولية ، ولا كان غروراً واندفاعاً غير مسؤول ، في مواقع الجهل ومزالق الهوى . . . بل كان هو الزهد الهادف والمسؤول الذي يعي بعمق حقيقة هذه الحياة ، ودوره فيها ، لينطلق لبنائها على أساس الهيمنة عليها ، والتحكم بها ، وليس زهده هو الخنوع والخضوع ، والانسحاب من الساحة ، بل هو المواجهة والتحدي والتضحية ورفض الانحراف ، ومواجهة الظلم بكل مظاهره وأشكاله ، قال جولد تسيهر : « أن الميل إلى الزهد كان مرتبطاً بالثورة على السلطان القائم » (1) ، نعم . . . ولكنها ليست ثورة الفوضى بل ثورة العمل بالتكليف الشرعي ، والامتثال للحكم الإلهي .

التأثير المسيحي في الزهد العراقي :
   ويحاول البعض أن يعزو زهد العراقيين إلى تأثرهم بالمحيط المسيحي الذي كان يكتنف مجتمع الكوفة (2) ، ولكن « الواقع ينكر ذلك ، فلم يعرف الزهاد المسلمون نظام الرهبانية المسيحي ، ولم يعرفوا حياة الأديرة والصوامع ، ولم يحرموا على أنفسهم الزواج ، ولم يبتعدوا عن المشاركة في الحياة العامة » (3) ، وإن كان هنالك بعض من التأثير ، والتأثر في ذلك (4) .
   ولربما يكون هذا النحو من الفهم لحقيقة الزهد لدى أهل العراق قد تأثر بالرغبة في إبعاد هذا الأمر عن أن يكون بتأثير من أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) فيهم ، ونجد لهذا النحو من السعي لتغيير الحقائق بتأثير من حب إقصاء علي وأهل بيته ( صلوات الله وسلامه عليهم ) وشيعته الأبرار عن دائرة التأثير تجليات في شتى الاتجاهات حيث يجد الباحث أكثر من شاهد ودليل .

---------------------------
(1) حياة الشعر في الكوفة ص 120 عن العقيدة والشريعة في الإسلام ص 130 .
(2) حياة الشعر في الكوفة ص 198 و 199 .
(3) حياة الشعر في الكوفة ص 199 .
(4) حياة الشعر في الكوفة ص 198 و 201 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 62 _

البداية :
   إن ظهور « الخوارج » في مناسبة حرب صفين لم يكن أمراً عفوياً ، ووليد ساعته ، وإنما قد كان ثمة أجواء ومناخات ، وكذلك عوامل وأسباب ساعدت على ظهورهم ، وقد تقدم في الباب الأول ما يفيد في هذا المجال ، وسنجد في هذا الكتاب الشي الكثير مما يشير إلى ذلك أيضاً ، ونريد أولاً أن نقدم موجزاً عن مرحلة ظهورهم العلني ، ليكون القارئ على بصيرة من أمره . . . فنقول :

ظهور « الخوارج » :
   الخوارج : فرقة ظهرت في النصف الأول، من القرن الأول الهجري ، وبالتحديد في مناسبة حرب صفين ، التي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه الصلاة والسلام ) ، الخليفة الشرعي بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، من جهة ، وبين معاوية بن أبي سفيان ، الرجل الباغي الذي كان يحاول الاستئثار بأمر الأمة لنفسه ، من جهة أخرى .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 63 _

   وكان ظهورهم ـ العلني ـ بعد خدعة رفع المصاحف في تلك الحرب ، من قبل جيش معاوية ، بمشورة من عمرو بن العاص ، بعد أن اتضح بما لا يقبل الشك حتمية هزيمة جيش الشام ، لو استمرت الحرب ، وقد أحدثت هذه الخدعة زلزالاً في جيش علي ( عليه السلام ) ، حيث أدت إلى إجابة أكثر ذلك الجيش إلى حكم المصحف ـ على حد تعبيرهم ـ وبقي ( عليه السلام ) مع أهل بيته ( صلوات الله وسلامه عليهم ) في عدة يسيرة ، يواجهون تهديدات أولئك الانفصاليين بنفس المستوى أو أشد من التهديد الذي كان يواجههم به جيش أهل الشام .
   ولم يكن يحق له ( عليه السلام ) أن يلقي بهذه الصفوة إلى التهلكة ، كما ذكره ( عليه السلام ) في احتجاجه على « الخوارج » حين قال لهم : « . . . وأما قولكم : إني لم أضربكم بسيفي يوم صفين ، حتى تفيئوا إلى أمر الله ، فإن الله عز وجل يقول : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) (1) وكنتم عدداً ، وأنا وأهل بيتي في عدة يسيرة » (2) .

تركيبة الفئة الرافضة للقتال :
   وعن تركيبة الفئة الرافضة لقتال أهل الشام نقول : إنه قد يكون في تلك الجماعة عناصر مدسوسة ، ترى أن من مصلحتها تحريك الحوادث في هذا الاتجاه ، أو ذاك . . . وأخرى لم تستطع فهم الموقف الصحيح والرسالي له ( عليه السلام ) ، ووقعت بالفعل تحت تأثير خدعة رفع المصاحف ، وشكت في صحة القتال بسبب ذلك ، وقد يكون ثمة فئة ثالثة قد قبلت التحكيم من موقع إحساسها بالضعف ، والتخاذل والسأم من الحرب .
   وقد يكون ثمة من يرغب حقاً في حقن الدماء ، بأي ثمن كان ، ولكن مما لاشك فيه هو : أن فئة « الخوارج » كانت في جملة الفريق الرافض للقتال ، والنصوص الدالة على ذلك تكاد لا تحصى ، ولا مجال لحصر مصادرها، وسيمر على القارئ الكريم بعض منها ، انشاء الله ، بل هذا هو العنصر الأساس في خروجهم على أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) .

---------------------------
(1) سورة البقرة ـ الآية 195 .
(2) بهج الصباغة ج 7 ص 146 عن العقد الفريد .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 64 _

التحكيم بنظر علي ( عليه السلام ) :
   وحين قبل علي ( عليه السلام ) بالتحكيم ، تحت ضغط شبح الفتنة التي ظهرت ملامحها في جيشه ، وكان عليه أن يمنع من وقوعها ، فإنه قبل بالتحكيم الذي لو التزم الحكمان بشروطه ، وفق ما يفرضه عليهما الواجب الشرعي لكانت نتيجته هي إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، وذلك يعني ظهور علي ( عليه السلام ) ، وظهور سلطانه ونصره ، وخذلان معاوية وخطه الانحرافي واندحاره ، وبوار حجته .
   ولذلك نجد علياً ( عليه السلام ) يقول لأبي موسى بثقة وحزم : « أحكم بالقرآن ، ولو في حز عنقي » (1) ، وقال في خطبته لما استوى الصفان بالنهروان : « وأخذت على الحكمين فاستوثقت ، وأمرتهما أن يحييا ما أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، فخالفا أمري . . . الخ » (2) وهذه الخطبة أشهر من أن تذكر ، وهي كالنار على المنار ، وكالشمس في رابعة النهار .

خيانة الحَكَمين وظهور المحكِّمة :
   ولكن الذي تبلور على أرض الواقع هو أن الحكمين : أبا موسى وعمرو بن العاص ، لم يريدا أن يحكما بما يوجبه القرآن ـ كما دلت النصوص المتضافرة ، فإن أبا موسى كان لا يحب علياً ( عليه السلام ) ، وكان يرغب في سوق الأمور نحو تولية ابن عمر . . . أما ابن العاص فكان همه سوق الأمور نحو معاوية ، وإحكام الحيلة في هذا الاتجاه مهما كان الثمن ، فكانت النتيجة هي فشل قضية التحكيم ، وانتهى الأمر إلى تمكين معاوية من مواصلة بغيه ، وعدوانه على الحق وعلى إمام الحق وعلى الدين .
   ولكن ما يلفت النظر هنا ، ويتسم بنوع من الطرافة هو أن أولئك الذين أجبروا علياً ( عليه السلام ) على قبول التحكيم ، وهددوه بأن يسلموه إلى معاوية أو أن يفعلوا به كما فعلوا بعثمان ـ هم أنفسهم حين انقلبوا عليه ووقفوا لمعارضة التحكيم قد اعتبروا قبوله كفراً وكفروا علياً ( عليه السلام ) لقبوله به ، وطلبوا منه ( عليه السلام ) أن يعترف بهذا الكفر ، ثم أن يحدث توبة منه ، وهذا ما صرحت به النصوص التاريخية والحديثية الكثيرة ، واعترف به « الخوارج » أنفسهم كما هو معلوم ومشهور (3) .

---------------------------
(1) راجع على سبيل المثال : أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 333 .
(2) الموفقيات ص 326 وأشار في الهامش إلى المصادر التالية : تاريخ الطبري 5 / 84 وشرح نهج البلاغة ج 1 ص 458 والإمامة والسياسة ج 1 ص 109 ومستدرك نهج البلاغة ص 68 .
(3) راجع على سبيل المثال لا الحصر : أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 370 وتاريخ الأمم والملوك ، ط الاستقامة ج 4 ص 34 و 36 و 62 و 63 و 48 والكامل في التاريخ ج 3 ص 344 و 317 والخطط للمقريزي ج2 ص 354 والعقد الفريد ج 2 ص 388 والملل والنحل ج 1 ص 115 والبداية والنهاية ج 7 ص 289 و 274 وتذكرة الخواص ص 59 و 96 و 100 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 217 و 228 و 274 ومناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 411 وبهج الصباغة ج 7 ص 99 و 110 و 111 و 170 و 129 و 131 و 167 عن الخلفاء ، وكامل المبرد ، وغيرهما والإمامة والسياسة ج 1 ص 149 والخوارج والشيعة ص 25 و 32 والفخري في الآداب السلطانية ص 93 / 94 وأدب المعتزلة ص 24 ونور الأبصار ص 96 و 97 و 99 والثقات ج 2 ص 296 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 78 و 79 و 90 و 92 والموفقيات ص 326 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 65 _

   بل لقد كان مسعر بن فدكي ، وابن الكواء ، وطبقتهم من القراء ، الذين صاروا فيما بعد خوارج ، من أشد الناس في الإجابة إلى حكم المصحف (1) ، وقد ذكروا : أن من شعر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الذي لا اختلاف فيه أنه قاله ، وكان يردده ، وذلك انهم ساموه أن يقر بالكفر ويتوب ، حتى يسيروا معه إلى الشام ، فقال : « أبعد صحبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والتفقه في الدين ، أرجع كافراً ؟ ! ثم قال :
يـا شاهد الله علي iiفاشهد      إني على دين النبي iiأحمد
من شك في الله فإني مهتد(2)
   وحين رجع ( عليه السلام ) إلى الكوفة ، لم يدخل « الخوارج » معه ، وساروا حتى نزلوا حروراء ، وكانوا اثني عشر ألفاً ، وقيل : ستة عشر ألفاً (3) .
   وفي نص آخر: أن الذين لم يدخلوا معه كانوا اثني عشر ألفاً في رواية المكثرين ، وستة آلاف في رواية المقللين (4) ، وسيأتي المزيد من الحديث حول هذه الأرقام ، ثم كانوا يسمعون أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) الشتم ، والتعريضات القاسية (5) ، ثم تمادى بهم حقدهم وبغضهم لأمير المؤمنيين (عليه السلام)، ولم يقف عند حدّ الحكم عليه بالكفر والضلال ـ والعياذ بالله ـ وإنما تجاوز ذلك إلى حد : أنه كان يُخشى من أن ينبش « الخوارج » قبره ، فعمّي عن الناس ؛ فلم يعرف (6) ، ولكن الحجاج لعنه الله قد حاول أن ينوب عنهم في هذه المهمة ، فنبش ثلاثة آلاف قبر في الكوفة من أجل العثور على جثة أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ؛ فلم يوفق لذلك (7) .

---------------------------
(1) الأخبار الطوال ص 191 .
(2) االبدء والتاريخ ج 5 ص 136 وراجع تاريخ بغداد ج 1 ص 160 ، ولعل هذا الشعر قد قاله أولا أبو طالب ، ثم أخذه علي ( عليه السلام ) يتمثل به .
(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 278 وراجع : أنساب الأشراف ج 2 ص 369 والكامل في التاريخ ج 3 ص 189 .
(4) راجع على سبيل المثال : البداية والنهاية ج 7 ص 270 و 282 .
(5) راجع أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 355 والبداية والنهاية ج 7 ص 282 .
(6) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 497 .
(7) مشهد الإمام علي في النجف ص 121 ومنتخب التواريخ ص 291 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 66 _

« الخوارج » ليسوا أنصار الإمام ( عليه السلام ) :
   وإننا إذا لاحظنا ما تقدم : وما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ وهي نصوص كثيرة جداً لا يمكن حصرها ، ولا استيفاء مصادرها ندرك أن ما يدعيه بعض « الخوارج » أنفسهم (1) ، من أن « الخوارج » كانوا هم أنصار الإمام علي ( عليه السلام ) وكانوا المعارضين للتحكيم من أول الأمر ، وأنه « قد ارتبط ظهورهم برفض التحكيم ، وليس بالدعوة له » (2) .
   إن هذه الدعوى تخالف البداهة التاريخية ، وما هي إلا مجازفة في القول ، وتجنٍّ على الحقيقة ، وتزييف للواقع التاريخي . . . لا تستند إلى دليل ، ولا تعتمد على برهان ، غير أن « الخوارج » أنفسهم وكذلك بعض من يتعاطف معهم قد بذلوا محاولات يائسة لتبرئة ساحتهم ، وإظهار مظلوميتهم ، والإنحاء باللائمة ، وتسجيل اتهام مباشر إن أمكنهم ذلك ضد أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) بالذات ، وقد حاول بعضهم أن يستند إلى نصوص شاذة ، ومريبة ذكرها مؤلف مجهول ، أو يستشهد برواية تنسب إلى ابن عباس أو غيره ، أو بنصوص ذكرها ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة (3) .
   علماً بأن ما ذكره ذلك المؤلف المجهول ورواية ابن عباس لا ينهض دليلاً على ما يدعون ، إذ أن الظاهر هو أنهما يتحدثان عن مراحل لاحقة . . . لا عما جرى بمجرد رفع المصاحف ، وأما ما ذكره ابن قتيبة ، فإنه هو نفسه قد ذكر ما ينافيه ويدفعه في نفس ذلك الكتاب (4) ، رغم الكلام الذي يدور حول نسبة هذا الكتاب إلى ابن قتيبة ، أو حصول بعض التصرف فيه .

---------------------------
(1) راجع كتاب : الخوارج هم أنصار الإمام علي ؛ فإن مؤلفه قد حاول تزوير الحقيقة التاريخية .
(2) قضايا في التاريخ الإسلامي ص 62 وراجع ص 51 و 52 و 53 و 71 و 72 .
(3) راجع : المصدر السابق .
(4) الإمامة والسياسة ج 1 ص 148 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 67 _

   وربما يستدلون أيضاً بما رواه أحمد عن أبي وائل ، من أن « الخوارج » قد طلبوا الهجوم على الذين اعتصموا بالتل ، وذلك بعد القبول بالتحكيم من قبل علي ( عليه السلام ) (1) ، ولكنه استدلال باطل . . . إذ أن الرواية لم تذكر لنا شيئاً عن حقيقة ما جرى حينما رفعت المصاحف ، فهل بادر علي ( عليه السلام ) للقبول من دون ضغوط من أحد ، أو أنه قبل ذلك بعد أن اعتزله أكثر جيشه ، ولم يبق معه سوى أهل بيته ( عليهم السلام ) ، ونفر يسير ، وهدده أولئك المعتزلون له بأن يسلموه إلى معاوية ، وفرضوا عليه قبول التحكيم ، فلابد من الرجوع إلى نصوص أخرى لتعرفنا بما جرى لنجد أن الذين فعلوا ذلك هم أنفسهم الذين عادوا واعترضوا عليه لقبوله منهم ما فرضوه عليه .

تبرئة « الخوارج » ، وإدانة علي ( عليه السلام ) :
   ويدعي البعض : أن الأشعث بن قيس المتواطئ مع معاوية ، هو الذي أرغم علياً ( عليه السلام ) على قبول التحكيم ، ثم حرَّضه على قتل « الخوارج » ، والوقيعة بهم في النهروان ، وبذلك يكون قد حرمه من خيرة جنده ، وأكثرهم إخلاصاً لقضيته (2) .
   ونقول : إن هذا البعض يريد أن يظهر علياً ( عليه السلام ) على أنه لعبة بيد الأشعث ، ثم هو يريد تبرئة « الخوارج » من جريمة الإصرار على علي ( عليه السلام ) بقبول التحكيم ، ثم تكفيره لأجل هذا القبول بالذات ، وفي نص آخر : أنه قد أظهر « الخوارج » على أنهم الفئة المظلومة المعتدى عليها وأنهم قد ارتكبت جرائم خطيرة بحقهم .

---------------------------
(1) مسند أحمد ج 3 ص 485 و 486 .
(2) راجع قضايا في التاريخ الإسلامي ص 56 ونقله أيضاً عن البرادي ص 66 وراجع أيضا : ص 60 و 79 و 81 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 68 _

   ثم أدان علياً بارتكاب جريمة قتل ومذبحة جماعية في حقهم ، ويزيد من قبح هذه الجريمة كونهم كما قرره هذا القائل هم خيرة جند علي ( عليه السلام ) ، ومما يجعلها أكثر قباحة وبشاعة : أن هؤلاء هم أكثر جند علي اخلاصاً لقضيته ( عليه السلام ) .
   ونقول : إنه لم يشر إلى سبب اعتزال هؤلاء الذين زعم أنهم من المخلصين لعلي في النهروان ، ولا اهتم بالنصوص المتواترة الدالة على أنهم هم الذين رفضوا الاستمرار في قتال معاوية ، وفرضوا التحكيم على علي ( عليه السلام ) ، ثم اعتبروا ذلك كفراً ، ومن أين عرف أن أهل النهروان هم خيرة جند علي ( عليه السلام ) ؟ ! وكيف يستطيع التوفيق بين دعواه هذه ، وبين قول الأشتر : إنهم أراذل أهل العراق ، وذلك حينما قال لهم : قتل أماثلكم ، وبقي أراذلكم .
   ولم يدلنا على مستنده العلمي القادر على ردّ كل تلك الحقائق التاريخية الدامغة ، التي تناقضه وتنافيه ، كما أننا لا ندري ما السبب في اهتمام هذا الكاتب بتبرئة « الخوارج » ، وتلميع صورتهم ، ثم تجريم علي ( عليه السلام ) ، واتهامه بارتكاب جريمة إبادةٍ للخيرة من جنده، ولأكثر الناس إخلاصاً لقضيته ، وكيف أصبح الذين كفرّوا علياً واعتزلوه ، ونصبوا له الحرب أكثر الناس إخلاصاً للقضية .

تورية علي ( عليه السلام ) ، وشائعات « الخوارج » :
   ويدعي المعتزلي : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قد قال للخوارج كلاماً محتملاً لأكثر من وجه ، ولكن الأشعث اضطره إلى التصريح ، فكان ذلك سبب النهروان حيث ذكر أنه ( عليه السلام ) قصدهم إلى أماكن تجمعهم ، وسأل أولاً عن الرجل الذي هم به اشد إطافة ، فطلبوا منه أن يتوب ، فقال لهم : « أنا استغفر الله من كل ذنب » .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 69 _

   فرجعوا معه ، وهم ستة آلاف، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا : أن علياً ( عليه السلام ) رجع عن التحكيم ، ورآه ضلالاً ، وقالوا : إنما ينتظر أمير المؤمنين أن تسمن الكراع ، وتجبى الأموال ، ثم ينهض بهم إلى الشام ، فلما طالبه الأشعث بذلك أعلن بتكذيبه ، فخرجت حينئذٍ « الخوارج » من المسجد فحكّمت (1) .
   وقد اختصر ابن الأثير هذا الحديث بصورة أخلت بمضمونه ، فراجع (2) ، إذن ، فقد تضمنت هذه الرواية أموراً هي :

(1) أن علياً ( عليه السلام ) قد مارس أسلوب التورية ، لدرء الفتنة ، دون أن يكون قد أظهر خلاف قناعاته ، ودون أن يتنازل عن مبادئه .
(2) أن الأشعث قد مارس أسلوباً خبيثاً ألجأ أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) إلى التصريح بما لم يكن مضطراً قبل ذلك إلى التصريح به .
(3) إن « الخوارج » قد أشاعوا أمراً لم يتفوه به علي ( عليه السلام ) ولم يشر إليه ، ولا يعبر عن حقيقة موقف علي ( عليه السلام ) .
(4) إن علياً ( عليه السلام ) يبادر إلى مواجهة رأس « الخوارج » الذين هم به أشد إطافة ؛ وذلك من أجل أن يحسم مادة النزاع ، بقطع رأس الافعى ، حيث إن سقوط هذا الرأس لا يبقي لهم أي عذر أو مبرر للتشكيك والخلاف ، حيث لا يبقى أمامهم أشخاص آخرون يرون أنهم أدرى من زعيمهم الأكبر بالمصلحة ، واعرف بواقع الأمور .
   وكذلك لا يبقى ثمة من يقدر على اجتذاب الناس إليه ، بإثارة الشبهات ، وإعطاء أمل كبير بنصرٍ يطمحون إليه ، أو حلم عذب يراودهم ، يأملون تحقيقه في يوم من الأيام .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 12 ص 279 والحديث المذكور أوردناه مع مصادره في فقرة أخرى من هذا الكتاب ، فراجع .
(2) الكامل في التاريخ ج 3 ص 328 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 70 _

استطراد يفيد في جلاء الصورة :
   وإن تزوير « الخوارج » للحقائق ، لا يحتاج إلى مزيد بيان ولم يكن هذا التزوير المشار إليه في هذه الرواية هو الوحيد في سلسلة أكاذيبهم ويكفي أن نذكر أنهم أنفسهم يعترفون : بأنهم كانوا إذا كان لهم هوى في أمر صيروه حديثاً ، وقد استمرت عملية التزوير والتجني عبر الأحقاب والأجيال ، حيث عمد مؤرخو « الخوارج » في الكتب التي وضعوها : « إلى التحامل على علي ، وصوروه كقائد هزيل ، متردد ، ضعيف الشخصية ، مسلوب الإرادة » (1) .

العجب هو الداء الدوي :
   ولعل ما كان يتظاهر به « الخوارج » من عبادة ، وصلاة كان يبعث في نفوسهم المزيد من العجب والغرور ، حتى ليخيل إليهم أن ما يأتونه هو الصلاح والخير وأن ما يعتقدونه هو الصواب والحق الذي لا محيص عنه . . . ويجب على كل أحد أن يلتزم به ، وأن يتبعهم فيه ، أو على الأقل كانت العبادات القاسية لعدد منهم ، بمثابة جرعةٍ للآخرين من شبابهم ، تجعلهم يعيشون خيالات حالمة ولذيذة تزيدهم تصلباً في موقفهم ، ورضا بنهجهم ، واستسلاماً لما يدعونهم إليه أولئك الذين كانوا يتظاهرون بالعبادة والتقوى .

---------------------------
(1) قضايا في التاريخ الإسلامي للدكتور محمود اسماعيل ص 66 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 71 _

تبريرات « الخوارج » :
   لقد ارتبك المحكِّمة « الخوارج » في تبرير موقفهم من أمير المؤمنين ، وقد عرف عنهم أنهم قد برروا ذلك بأن علياً قد حكّم الناس في دين الله ، وأن ذلك قد أوجب كفره وخروجه من الدين . . . بل زادوا على ذلك : أنهم هم أيضاً قد كفروا معه حين أجبروه على قبوله ، فلابد له ولهم من التوبة . . . وهم قد تابوا وبقي عليه هو أن يفعل ذلك . . .
   وقد أوضح لهم أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ، وكذلك ابن عباس ، أنهم مخطئون في تصورهم هذا ، وأنه ( عليه السلام ) لم يحكم الرجال في دين الله ، وإنما حكم القرآن . . . وعلى فرض أنه قد حكم الرجال ، فإن ذلك ليس بالأمر الموجب للكفر ، إذ قد حكّم الله سبحانه الرجال في أكثر من مورد أشار القرآن إليه ، ومع أن « الخوارج » لم يجدوا ما ينفع في رد هذه الحجة ، فإنهم التجأوا إلى الإصرار والعناد ، ثم بادروا إلى الفساد والافساد كما سنرى .

علي ( عليه السلام ) يضيع الوصية :
   وعلى كل حال . . . فإن مما برر به « الخوارج » حربهم لعلي ( عليه السلام ) هو : أنه كان وصياً فضيع الوصية . . . الأمر الذي يدل على مدى رسوخ أمر الوصية لعلي ( عليه السلام ) بالإمامة في قلوب الناس وعقولهم . . . فقد ورد أن من جملة ما احتجوا به لحربهم إياه أن قالوا : « إنه كان وصياً ، فضيّع الوصية » ، أو قالوا ـ حسب نص آخر ـ : « زعم أنه وصي فضيّع الوصية » .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 72 _

   فأجابهم ( عليه السلام ) بقوله : « أما قولكم : إني كنت وصياً ، فضّيعت الوصية (1) ، فإن الله عز وجل يقول : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) (2) ، أفرأيتم هذا البيت لو لم يحج إليه أحد ، كان البيت يكفر ؟ ! إن هذا البيت لو تركه من استطاع إليه سبيلا كفر ، وأنتم كفرتم بترككم إياي ، لا أنا كفرت بتركي لكم » (3) .
   وواضح : أن هذا التبرير الذي التجأ إليه هؤلاء القوم يثير أمامنا نقطتين هامتين لابد من الوقوف عندهما :
إحداهما : أن الوصاية التي يتحدثون عنها إنما هي وصاية إمامة وخلافة ، لأن التحكيم إنما يضيع هذا النوع من الوصية ، لأنه يهدف إلى إثبات الأحقية بالإمامة لأحد الفريقين ، فهم يدعون على علي ( عليه السلام ) أنه بقبوله للتحكيم قد ضيع الوصية الثابتة له بنص من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وليس المراد تضييع الوصاية بأمور شخصية ، لأن ذلك لا ربط له بالتحكيم . . . وهذا المعنى هو الذي يقصد من الوصية حين تذكر في مقام الاحتجاج ، ويترنم بها الشعراء . . . كما سنرى . . .
الثانية : إنه يدل على أن أمر الوصاية لعلي ( عليه السلام ) قد كان من المسلمات في صدر الإسلام حيث كان الموالون لعلي ( عليه السلام ) يحتجون ويباهون بهذا الأمر ، ولم نجد أحداً حاول إنكار ذلك ، أو الاعتراض ، ولو بمثل القول ، بأن ذلك غير ثابت ، أو أنه يحتاج إلى شاهد أو دليل .

---------------------------
(1) هذا التعبير يشير إلى أن كلمة « زعم » الموجودة في النص الثاني غير صحيحة ، وأن الصحيح هو أنهم قالوا : إنه كان وصياً . . . الخ .
(2) سورة آل عمران الآية 97 .
(3) راجع : مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 409 و 413 وتاريخ اليعقوبي ج 2 ص 192 والمسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص 70 و71 والاحتجاج ج 1 ص 276 و 278 والبحار طبعة حجرية ج 8 ص 561 وبهج الصباغة ج 7 ص 136 و 171 و 172 وعبارة الاحتجاج هكذا : « . . . وأما قولكم : إني كنت وصياً ، فضيعت الوصية ، فأنتم كفرتم ، وقدمتم علي ، وأزلتم الأمر عني ، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم ، إنما يبعث الله الأنبياء ، فيدعون إلى أنفسهم ، وأما الوصي ، فمدلول عليه . . . الخ »

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 73 _

الشعر والوصية :
  وقد ذكر ابن أبي الحديد قائمة طويلة من الأشعار التي ذكرت أمر الوصية لعلي ( عليه السلام ) ، والتي قيلت في صدر الإسلام ، ونحن نكتفي بما ذكره ، ونقتصر على الأبيات التي هي محل الشاهد ، فنقول : قال عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :
ومـنا  عـلي ذاك صاحب خيبر      وصـاحب بدر يوم سالت iiكتائبه
وصي النبي المصطفى وابن عمه      فـمن  ذا يـدانيه ومن ذا iiيقاربه
   وقال عبد الرحمن بن جعيل :
لـعمري  لـقد بايعتم ذا iiحفيظة      على الدين معروف العفاف موفقا
علياً وصي المصطفى وابن iiعمه      وأول من صلى أخا الدين والتقى
   وقال أبو الهيثم بن التيهان ، وكان بدرياً :
إن الـوصي إمـامنا iiوولـينا      برح الخفاء ، وباحت الأسرار

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 74 _

   وقال عمر بن حارثة الأنصاري ، وكان مع محمد بن الحنفية يوم الجمل ، وقد لامه أبوه ( عليه السلام ) لما أمره بالحملة ، فتقاعس :
أبا حسن أنت فصل الأمور      يـبين بـك الحل والمحرم
   إلى أن قال :
فـأعجلته  والفتى مجمع بما يكره الرجل iiالمحجم
سمي النبي وشبه الوصي (1)  ورايته لونها العندم
   وقال رجل من الأزد يوم الجمل :
هذا  علي وهو iiالوصي      آخاه  يوم النجوة iiالنبي
وقال : هذا بعدي الولي      وعاه واع ونسي iiالشقي
   وخرج يوم الجمل غلام من بني ضبة ، شاب معلم ، من عسكر عائشة وهو يقول :
نـحن بـن ضبة أعداء iiعلي      ذاك الذي يعرف فينا iiبالوصي
وفارس الخيل على عهد النبي      ما  أنا عن فضل علي iiبالعمي
---------------------------
(1) أي أن محمد بن الحنفية يشبه أباه الذي هو الوصي .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 75 _

   وقال سعيد بن قيس الهمداني يوم الجمل، وكان في عسكر علي ( عليه السلام ) :
أية حرب أضرمت iiنيرانها      وكسرت يوم الوغى مرانها
قل للوصي أقبلت iiقحطانها      فـادع بها تكفيكها iiهمدانها
هـم بـنوها وهم iiإخوانها
   وقال زياد بن لبيد الأنصاري يوم الجمل ، وكان من أصحاب علي ( عليه السلام ) :
كيف ترى الأنصار في يوم الكلب      إنـا انـاس لا نـبالي من عطب
ولا  نبالي في الوصي من غضب      وإنـما  الأنـصار جـدلاً لـعب
هـذا عـلي وابـن عبد iiالمطلب      نـنصره  اليوم على من قد iiكذب
   من يكسب البغي فبئسا اكتسب وستأتي أبيات حجر بن عدي أيضاً : وقال خزيمة بن ثابت الأنصاري ، ذو الشهادتين ـ وكان بدرياً ـ في يوم الجمل أيضاً :
يا  وصي النبي قد أجلت iiالحر      ب  الاعادي وسارت iiالأضعان
واستقامت لك الأمر سوى الشام      وفـي الـشام يـظهر iiالإذعان