وواضح : أنه لم يكن ثمة شرط من هذا القبيل ، وإنما هم يعبرون عما استقر في أنفسهم ، وعقدوا عليه عزمهم .
وقال الأشعث بن قيس لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالنسبة لإرسال أبي موسى الأشعري إلى التحكيم : « . . . وهذا أبو موسى الأشعري ، وافد أهل اليمن إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وصاحب مغانم أبي بكر ، وعامل عمر بن الخطاب »
، وذكر ابن أعثم أن عمرو بن العاص خطب يوم التحكيم ، فكان مما قال : « أيها الناس، هذا عبد الله بن قيس ، أبو موسى الأشعري ، وافد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وعامل عمر بن الخطاب ، وحكم أهل العراق ، وقد خلع صاحبه . . . الخ »
ويذكرون أيضاً : أن ابن عباس ، قد أشار على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بإبقاء معاوية على الشام ، واحتج لذلك بقوله : « فإن عمر بن الخطاب ولاه الشام في خلافته »
، وحينما عاتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الخليفة الثالث عثمان بن عفان في أمر تولية معاوية للشام ، قال له عثمان : « أنكرت علي استعمال معاوية ، وأنت تعلم : أن عمر استعمله ؟ قال علي ( عليه السلام ) : نشدتك الله ، ألا تعلم : أن معاوية كان أطوع لعمر من يرفأ غلامه ؟ إن عمر كان إذا استعمل عاملاً وطأ على صماخه . . . الخ »
وفي نص آخر : أن عثمان قال له : « ألم يولّ عمر المغيرة بن شعبة ، وليس هناك ؟ قال : نعم ، قال : أولم يولّ معاوية ؟ قال علي : إن معاوية كان أشد خوفاً وطاعة لعمر من يرفأ ، وهو الآن يبتز الأمور دونك . . . الخ »
(1) .
هذا وقد احتج معاوية نفسه على صعصعة وأصحابه بنصب عمر له ؛ فليراجع
(2) ، وقد شجع بسر بن أبي أرطأة معاوية على الصبر والثبات ، فكان مما قال: «فإنك كاتب النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعامل عمر بن الخطاب ، وولي الخليفة المظلوم عثمان »
(3) .
وفي حرب الجمل أيضاً :
هـ : بل إن طلحة والزبير ، اللذين قاتلا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بأهل البصرة العراقيين ، حينما قال لهما ( عليه السلام ) : « . . . ما الذي كرهتما من أمري ، ونقمتما من تأميري ، ورأيتما من خلافي ؟ ! قالا : خلافك عمر بن الخطاب ، وأئمتنا وحقنا في الفيء . . . الخ »
(4) .
و : ونادى أصحاب الجمل أيضاً بأمير المؤمنين : « أعطنا سنة العمرين »
(5) .
عظمة عمر لدى « الخوارج » :
ز : وقال « الخوارج » لقيس بن سعد : « لسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر ، فقال : والله ما نعلم على الأرض مثل عمر ، إلا أن يكون صاحبنا » ، وحسب نص الطبري : « ما نعلمه فينا غير صاحبنا ، فهل تعلمونه فيكم ؟ ! »
(6) .
ح : وحينما أراد « الخوارج » إقناع بعض زعمائهم وهو زيد بن حصين بقبول الولاية عليهم ، اجتمعوا إليه ، وقالوا له : « أنت سيدنا وشيخنا ، وعامل عمر بن الخطاب على الكوفة ، تولّ . . . الخ »
(7) .
ط : ولما خرجت « الخوارج » من الكوفة ، أتى علياً أصحابه ، وشيعته ، فبايعوه ، وقالوا : نحن أولياء من واليت ، وأعداء من عاديت ؛ فشرط لهم فيه سنة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ؛ فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي ، وكان شهد معه الجمل ، وصفين ، ومعه راية خثعم ؛ فقال له : نبايع على كتاب الله ، وسنة رسوله .
---------------------------
(1) أنساب الأشراف ج 5 ـ ص 60 والكامل لابن الأثير ج 3 ـ ص 152 وتاريخ الطبري ج 3 ص 377 وتاريخ ابن خلدون ج 2 ـ قسم 2 ص 143 والغدير ج 9 ـ ص 160 عنهم وعن تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 168 والنصائح الكافية ص 174 .
(2) تاريخ الطبري ج 3 ص 316 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 143 والغدير ج 9 ص 35 شرح النهج المعتزلي ج 1 ص 158 و 160 تاريخ ابن خلدون ج 1 ص 387 و 389 وعن تاريخ أبي الفداء ص 168 .
(3) الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 209 .
(4) المعيار والموازنة ص 113 .
(5) الكامل للمبرد ج 1 ص 114 .
(6) الأخبار الطوال ص 207 وتاريخ الطبري ج 4 ص 62 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 343 وأنساب الأشراف ، [ بتحقيق المحمودي ] ج 2 ص 370 و 371 ونهج البلاغة ج 7 ص 143 .
(7) الثقات ج 2 ص 295 والخوارج والشيعة ص 71 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 35 _
فقال ربيعة : على سنة أبي بكر وعمر ، فقال له علي ( عليه السلام ) : ويلك ، لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله ، لم يكونا على شيء من الحق ، فبايعه ربيعة ، ونظر إليه علي ( عليه السلام ) ، فقال : أما والله ، لكأني بك ، وقد نفرت مع هذه « الخوارج » ، فقتلت ، وكأني بك ، وقد وطأتك الخيل بحوافرها ، فقتل يوم النهروان . . .
قال قبيصة : فرأيته يوم النهروان قتيلاً ، قد وطأت الخيل وجهه وشدخت رأسه ، ومثلت به ، فذكرت قول علي ، وقلت : لله در أبي الحسن ما حرك شفتيه قط بشيء إلا كان كذلك
(1) .
ي : وقد استعمل قطري رجلاً من الدهاقين ، فظهرت له أموال كثيرة فأتوا قطرياً فقالوا : إن عمر بن الخطاب لم يكن يقارّ عماله على مثل هذا ، فقال قطري : إني استعملته وله ضياع وتجارات ، فأوغر ذلك صدورهم وبلغ المهلب ذلك . . . الخ
(2) .
ق : كما أن نجدة الحروري قد تخلى عن فكرة مهاجمة المدينة ، لما أن أخبر بلبس عبد الله بن عمر بن الخطاب السلاح ، تأهباً لقتاله مع أهل المدينة ؛ ذلك أن نجدة ، وسائر « الخوارج » ، كانوا يوقرون أباه عمر بن الخطاب توقيراً شديداً ، وقد اختاره نجدة للإجابة على مسائله ، فكتب إليه ( أي إلى ابن عمر ) ، يسأله عن أشياء في الفقه ، ولكنها كانت أسئلة عويصة ، فترك الإجابة عنها إلى ابن عباس
(3) .
---------------------------
(1) الإمامة والسياسة ج 1 ص 146 وراجع : تاريخ الطبري ج 4 ص 56 ، وبهج الصباغة ج 7 ص 179 وراجع كتابنا : الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه السلام ) ، ص103 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 337 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 203 .
(3) الخوارج والشيعة ص 71 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 36 _
عمر يحترم قاتل علي ( عليه السلام ) :
ر : وقبل أن نواصل الحديث نحب أن نسجل هنا : أن عمر بن الخطاب كان يكنّ الكثير من الاحترام والتقدير لعبد الرحمن بن ملجم لعنه الله ، الذي صار فيما بعد من « الخوارج » ، وقتل أمير المؤمنين علياً ( عليه السلام ) ، ولعل هذا هو أحد أسباب احترام « الخوارج » للخليفة الثاني ، وتعظيمهم له ، يقول النص التاريخي : « وقيل : إن عمر كتب إلى عمرو ، أن قرّب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ؛ ليعلم الناس القرآن والفقه ؛ فوسع له ؛ فكانت داره إلى جنب دار عديس »
(1) .
وثمة نص آخر يشير إلى أن عمرو بن العاص كان أيضاً يحترم ابن ملجم ، وينسجم معه حيث يقال : « إن عمرو بن العاص ، أمره بالنزول بالقرب منه ، لأنه كان من قراء القرآن »
(2) .
كما ونلاحظ هنا : أن عداوة عبد الرحمن لأهل البيت ( عليهم السلام ) قد كانت ظاهرة ومعروفة ، قبل أن يقدم على ارتكاب جريمته ، فعن ابن الحنفية ، قال : « دخل علينا ابن ملجم الحمام ، وأنا وحسن وحسين جلوس في الحمام ؛ فلما دخل كأنهما اشمأزا منه ، وقالا : ما أجرأك ! تدخل علينا ؟ فقلت لهما : دعاه عنكما ؛ فلعمري ، ما يريد منكما أجشم ( أجسم ) من هذا ، فلما كان يوم أتي به أسيراً ، قال ابن الحنفية : ما أنا اليوم بأعرف به مني يوم دخل علينا الحمام ، فقال علي ( عليه السلام ) : إنه أسير ؛ فأحسنوا . . . الخ »
(3) .
---------------------------
(1) لسان الميزان ج 3 ص 440 .
(2) لسان الميزان ج 3 ص 440 .
(3) الطبقات الكبرى ، لابن سعد ج 3 ص 23 وترجمة الإمام علي لابن عساكر ج 3 ص 298 وأنساب الأشراف ج 2 ( بتحقيق المحمودي ) ص 501 / 502 وكنز العمال ج 5 ص 175 والمناقب للخوارزمي ص 283 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 37 _
وثمة شواهد أخرى :
ش : بقي أن نشير إلى أن ثمة شواهد كثيرة أخرى على هذا الأمر ، لم نذكرها ، لأنها ليس فيها ما يشير إلى حدث من نوع ما مع علي أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) ، ويكفي أن نذكر : أن عمر بن الخطاب كان ـ بسبب سياساته تلك يُفضَّل على أبي بكر ، منذ عهد عمر بالذات ، حتى اضطر إلى إنكار ذلك ، واحتج على أفضلية أبي بكر على نفسه بقضية الغار ! ! فليراجع كلامه في هذا الصدد
(1) .
كما أن يزيد بن المهلب قد وعد الناس بالعمل بسنة العمرين
(2) ، وقد احتج الحجاج في مسألة عقاب الوالي غير العادل ، فكان من ذلك قوله : « إني لأحبّ إليّ أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولاً ، من أن أحشر معكم مطلقاً »
(3) ، ولسنا هنا في صدد تتبع ذلك واستقصائه ، فإنه كثير جداً وأكثر مما يتوقع .
---------------------------
(1) البداية والنهاية ج 3 ص 180 ومنتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد ج 4 ص 348 وحياة الصحابة ج 1 ص 340 عنهما وعن كنز العمال ج 7 ص 335 عن البغوي .
(2) محاضرات الأدباء ج 2 ص 188 .
(3) بهج الصباغة ج 7 ص 144 عن العقد الفريد .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 38 _
الحروب الطويلة :
لقد طال أمد الحروب على العراقيين وكانت تحمل لهم خسائر كبيرة ، وويلات كثيرة . . . وقد بلغت تلك الخسائر عشرات الألوف في حربي الجمل وصفين ، ويكفي أن نذكر : أنه حينما رجع علي ( عليه السلام ) من صفين مرّ ببيوت الثوريين ، فسمع البكاء على قتلاهم في تلك الحرب ، ثم مر بغيرهم ؛ فكذلك . . . فلما وصل إلى الشباميين سمع مثل ذلك أيضاً ، وأخبروه : أنه قد قتل من الشباميين مئة وثمانون ، فليس من دار إلا وفيها بكاء
(1) .
أما آثار تلك الحرب على الصعيد الاجتماعي ، والمادي ، والسياسي ، فهي أيضاً كبيرة وخطيرة ، فهناك أيتام وأرامل ، وشهداء ، وهناك أسر تمزقت ، أو تلاشت ، بالإضافة إلى مشاكل حياتية ومعيشية ، وخلافات عائلية وعاطفية وعلاقات أًصيبت بانتكاسات وكوارث .
نعم . . . وهذا ما يفسر لنا قوله ( عليه السلام ) في نهج البلاغة : « أيها الناس ، إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب ، حتى نهكتكم الحرب . . . الخ » حسبما تقدم ، وحينما طلب الحرورية منه ( عليه السلام ) نقض العهد ، ورفض التحكيم ، والخروج مجددا إلى صفين ، قال لهم علي ( عليه السلام ) : «هذا حيث بعثنا الحكمين ! وأخذنا منهم العهد ، وأعطيناهموه ؟ ! ! هلاّ قلتم هذا قبل ؟ !
---------------------------
(1) تاريخ الطبري ج 4 ـ ص 45 والمعيار والموازنة ص 193 والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 83 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 39 _
قالوا : كنا قد طالت الحرب علينا ، واشتد البأس ، وكثر الجراح ، وحلا الكراع ، والسلاح ، فقال لهم : أفحين اشتد البأس عليكم عاهدتم ؛ فلما وجدتم الجمام قلتم: ننقض العهد ؟ ! إن رسول الله كان يفي للمشركين : أفتأمرونني بنقضه »
(1) .
وفي مقابل ذلك نجد معاوية في الشام يبذل الأموال ، ويشتري دين الرجال ، ويمد يده إلى الذين حول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فيعدهم ويمنيهم ، ويغريهم بالمناصب ، والولايات ، والأموال . . . ويستجيب له عدد من رؤساء القبائل في العراق ، سراً وجهراً ، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر بصورة مباشرة على معنويات الذين كانوا يتعاملون معه ( عليه السلام ) كخليفة له في عنقهم بيعة ، وهم الأكثرون ، لا كإمام مفترض الطاعة ، وهم الأقلون ، وبكلمة . . . فإن أهل الشام يعتبرون قضية معاوية قضيتهم ، وليس كذلك أهل العراق . . .
العراقيون يجهلون علياً ( عليه السلام ) :
وبعد ، فإن جهل الناس وخصوصاً العراقيين بعلي ( عليه السلام ) ، وبمزاياه وفضائله ، وجهاده ، وبأقوال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيه قد كان من أهم أسباب عدم الانقياد له ، حيث كان يراه الناس رجلاً عادياً كسائر من عرفوه من رجال الحكم والسياسة ، فهو عندهم يخطئ ويصيب ، ويحب ويبغض ، ويعدل ويظلم ، ويحسد ويحقد ، ويطيع ويعصي ، فلم تكن له تلك القدسية في نفوسهم ، ولا كانوا يثقون به ثقة مطلقة ، تخولهم اتباعه فيما أحبوا وكرهوا .
وقد كانت سياسة الذين سبقوه هي محو ذكره ( عليه السلام ) ، وطمس مزاياه وفضائله ، ولم تكن معه إلا ثلة قليلة من العارفين به ، والمعتقدين بإمامته سرعان ما التهمتهم الحروب الضارية ، وقد كان ( عليه السلام ) يتلهف عليهم ، ويتأسف على فقدهم ، فهو يقول : « أوّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة ، وأماتوا البدعة ، دعوا للجهاد ، فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه »
(2) .
وحول محاولات خصومه ( عليه السلام ) محو ذكره ، وإذهاب صوته وصيته ، نجد المعتزلي الحنفي يقول : « وهذا يدلك على أن علياً ( عليه السلام ) اجتهدت قريش كلها ، من مبدأ الأمر في إخماد ذكره ، وستر فضائله ، وتغطية خصائصه ، حتى محي فضله ومرتبته من صدور الناس كافة إلا قليلاً منهم »
(3) .
---------------------------
(1) بهج الصباغة ج 7 ص 161 / 162 عن ابن ديزيل في صفين وشرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 310 .
(2) نهج البلاغة شرح محمد عبده خطبة رقم 177 مطبعة الاستقامة .
(3) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 18 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 40 _
ويقول أيضاً ، نقلاً عن محمد بن سليمان ، الذي « لم يكن يتعصب لمذهب بعينه »
(1) ، « لأن علياً دحضه الأوّلان ، وأسقطاه ، وكسرا ناموسه بين الناس ؛ فصار نسياً منسياً ، ومات الأكثر ممن يعرف خصائصه ، التي كانت في أيام النبوة وفضله ، ونشأ قوم لا يعرفونه ، ولا يرونه إلا رجلاً من عرض المسلمين ، ولم يبق مما يمتّ به إلا أنه ابن عم الرسول ، وزوج ابنته ، وأبو سبطيه ، ونسي الناس ما وراء ذلك كله ، واتفق له من بغض قريش وانحرافها ما لم يتفق لأحد . . . الخ »
(2) .
بل إن بعض النصوص تشير إلى أن الناس كانوا لا يطيقون سماع شيء من فضائله ، ويرون الخوض فيها بلا فائدة ولا عائدة ، فقد قال جندب بن عبد الله في حديث له : « فانصرفت إلى العراق ، فكنت أذكر فضل علي على الناس ؛ فلا أعدم رجلاً يقول لي ما أكره ، وأحسن ما أسمعه قول من يقول : دع عنك هذا وخذ في ما ينفعك ، فأقول : إن هذا مما ينفعني وينفعك ، فيقوم عني ، ويدعني »
(3) ، وهو ( عليه السلام ) نفسه يقدم لنا أوضح صورة للحال التي كان عليها ( صلوات الله وسلامه عليه ) ، فإنه هو نفسه ( عليه السلام ) يقول ، وهو يجيب على سؤال : لو أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مات وترك ولداً ، أكانت العرب تسلم إليه أمرها . . .
قال ( عليه السلام ) : « لا ، بل كانت تقتله ، إن لم يفعل ما فعلت » ثم يستمر ( عليه السلام ) في إجابته ، فيذكر الفتوح ، التي جاءت بالثروة والمال ، ويقول : « ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها ، وحسن تدبير الأمراء القائمين بها ، فتأكد عند الناس نباهة قوم ، وخمول آخرين ؛ فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون ، والأحقاب بما فيها ؛ ومات كثير ممن يعرف، ونشأ كثير ممن لا يعرف . . . الخ »
(4) .
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة ، والتي لا مجال لتتبعها ، وأما السبب في أنهم قد أخفوا فضائله ( عليه السلام ) ، فهو إما العداوة والحسد ، أو الخوف ، أو ما إلى ذلك ، حتى إذا ما أراد هو نفسه أن يذكرّ الناس بتلك الفضائل ، أو يذكرها لهم ؛ فإنهم يرمونه بأنه أراد بذلك الافتخار والإدلال، والتكبر ، أو يكذبونه في ذلك ، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً .
---------------------------
(1) المصدر السابق ج 9 ص 25 .
(2) المصدر السابق ج 9 ص 28 / 29 .
(3) المصدر السابق ج 9 ص 58 .
(4) المصدر السابق ج 20 ص 298 / 299 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 41 _
قلة المخلصين في جيش علي (عليه السلام) :
من جهة أخرى : فإن أولئك الذين حاربوا علياً ( عليه الصلاة والسلام ) في الجمل ، والذين كانوا يتعاطفون مع عثمان في محنته ، قد أصبحوا الآن ولأكثر من سبب في جيش أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، يحاربون معه عدوه ، ويدافعون عن قضيته ! ! وواضح أنهم ، أو كثيراً منهم ، كانوا لا يمتلكون حداً معقولاً من الروادع الدينية والوجدانية ، وكانت علاقاتهم القبلية ومفاهيمهم الجاهلية ، وانفعالاتهم الشخصية أكثر تحكُّماً في موقفهم السياسي من الحكم الشرعي ، أو الوجداني .
ولأجل ذلك وسواه من أسباب ، فلا يجب أن نتوقع من هؤلاء : أن يكونوا متحمسين كثيراً لمقارعة أعدائه ( عليه السلام ) ، ومنازلة خصومه تحت رايته ، وبزعامته ، ولا كان لديهم ذلك الحماس للدفاع عن الحق والدين ، والمثل العليا ، والنصوص التي تشير إلى قلة المخلصين في جيش أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) كثيرة ، وقد صرح البعض بأنه قد كان في جيش علي المخلص والمدخول
(1) .
وقال ( عليه الصلاة والسلام ) ، وهو يدافع عن الأشتر : « وأما ما ذكرتم من خلافه علي ، وتركه أمري ، فليس من أولئك ، ولست أخافه على ذلك ، وليت فيكم مثله اثنان ، وليت فيكم مثله واحد ، يرى في عدوكم مثل رأيه ، إذن لخفَّت علي مؤونتكم »
(2) .
وبعد ، فإننا لا نبعد كثيراً إذا قلنا : إن الحجاج بن الصمة كان يقصد أمثال هؤلاء ، بل العراقيين بصورة عامة ، حينما قال لمعاوية محرضاً له على طلب الخلافة ، بعد عثمان : « . . . وإني أخبرك ، أنك تقوى بدون ما يقوى ، لأن معك قوماً لا يقولون إذا سكت ، ويسكتون إذا نطقت ، ولا يسألون إذا أمرت ، ومع علي قوم يقولون إذا قال ويسألون إذا سكت »
(3) .
---------------------------
(1) الفتنة الكبرى ج 2 ص 81 .
(2) المعيار والموازنة ص 183 / 184 .
(3) الأخبار الطوال ص 155 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 42 _
وآية ذلك هو الحوادث الكثيرة التي نجدها في التاريخ ، ومنها قضية التحكيم وما جرى فيها ، فإنها من أعظم العبر ، حتى إننا لنجد أصحاب علي ( عليه السلام ) يصرون عليه بأن يكتب ما يريدون لابن عباس ، أما أصحاب معاوية فلا يسألون عمرواً عن شيء إطلاقاً
(1) .
وقد لاحظ ذلك يوليوس فلهوزن فهو يقول : « إن « الخوارج » في العراق يحاربونه حرباً شديدة ، وكان أهل البصرة متراخين متثاقلين عن نصرته إذا استثنينا أشخاصاً قلائل مثل أبي الأسود الدؤلي . . . وكان أهل الكوفة معه بأهوائهم ، ولكنهم لم يكونوا معه بكل قواهم ، وكان بينهم بعض المحاربين وبعض المائلين إلى عثمان ، ولحق بعضهم بمعاوية »
(2) .
«ومن مظاهر الفساد في معسكر علي ( عليه السلام ) كثرة تدخل الجنود في شؤون قائدهم ؛ فكانوا يلاحقون كل رسول يروح ويجيء ويظنون بأميرهم الظنون ، بينما كانت رسل معاوية تروح وتجيء فلا يسأل أصحابه عن سبب ذهابهم ، وأخبار عودتهم »
(3) .
حالة البصرة بالخصوص :
وعن خصوص البصرة نقول : إنها كانت قادرة على أن تجند عشرات الألوف قد تزيد على ستين ألف مقاتل ، ولكن رغم ذلك لا ينفر منهم إلى علي ( عليه السلام ) سوى ألف وخمسمائة ، وبعد التهديد والوعيد ينضم إليهم مثلهم
(4) ، ومن يدري ، فلعل هؤلاء إنما كانوا من خصوص قبائل عبد القيس ، الذين كان رؤساؤهم أبناء صوحان ، وهم المخلصون الأوفياء لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، ويعتقدون بإمامته ؛ ففشا هذا الاعتقاد في قبيلتهم وشاع ، فكانت عبد القيس في البصرة كقبيلة همدان في اليمن ، في إخلاصها لعلي ( عليه السلام ) ، واعتقادها بإمامته ، ولعل بعضهم كان من بني تميم أيضاً ، بتأثير من جارية بن قدامة والأحنف بن قيس .
---------------------------
(1) راجع الأخبار الطوال ص 197 / 198 .
(2) تاريخ الدولة العربية ص 94 .
(3) الخوارج في العصرالأموي ص 69 والطبري ج 6 ـ ص 3 351 ط ليدن .
(4) تاريخ ابن خلدون ـ ج 2 ـ قسم 2 ص 179 وتاريخ الطبري ج 4 ص 58 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 340 والإمامة والسياسة ج 1 ص 144 / 145 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 43 _
ومما يدخل في هذا السياق أننا نلاحظ : أن خوارج الكوفة كانوا أقل عدداً بالنسبة لخوارج البصرة
(1) ولعل حياة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بينهم وسيرته فيهم ، قد أثرت في الكوفيين ، فمنعتهم من الانسياق الشديد نحو التأثر بالإعلام المعادي ، فإنهم كانوا يلمسون الكذب والافتراء ، والتزوير ، أكثر من غيرهم ، وعلى كل حال . . . فإننا نجد عمرو بن العاص يقول : « أهل البصرة مخالفون لعلي ، قد وترهم وقللهم ، وقد تفانت صناديدهم ، وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل »
(2) .
ويقول الأصمعي : « البصرة عثمانية من يوم الجمل »
(3) ، فترى ابن العاص يشير إلى أن سرّ انحراف البصرة عن علي ( عليه السلام ) هو تأثرهم بما جرى يوم الجمل ، وقد جاء قول ابن عبد ربه أكثر صراحة هنا حيث قال : « إذ قاموا مع عائشة ، وطلحة ، والزبير ؛ فقتلهم علي ( عليه السلام ) »
(4) ، ولبني عدي بن عبد مناف مسجد بالبصرة ينتاب وينزل به ، ويقال : إن جمل عائشة عقر في موضعه ، فابتني على ذلك
(5) .
الكوفة في عهد أمير المؤمنيين ( عليه السلام ) :
أما الكوفة فإن : « أهلها أخلاط من الناس على حد تعبير اليعقوبي »
(6) ، كما أن حي الناعطيين كان جلُّهم من العثمانية
(7) ، وكانت باهلة تعادي علياً
(8) ، وكرهت الخروج معه إلى صفين
(9) ، ولما ذهب أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) إلى قتال أهل النهروان كانت قبيلتا غني وباهلة تدعوان الله أن يظفر به عدوه
(10) .
---------------------------
(1) العراق في العصر الأموي ص 242 .
(2) تاريخ الطبري ج 3 ص 562 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 279 .
(3) روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار ص 67 والعقد الفريد ج 6 ص 248 .
(4) العقد الفريد ج 6 ص 248 .
(5) ربيع الأبرار ج 1 ص 307 .
(6) كتاب البلدان ص 309 .
(7) تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 45 والكامل في التاريخ 0 ج 3 ص 325 .
(8) الغارات ج 1 ص 20 و21 والبحار « طبعة حجرية » ج 8 ـ ص 556 ونقل عن ج 9 ص 458 .
(9) صفين للمنقري ص 116 والأمالي للطوسي ج 1 ص 116 والأمالي للشيخ المفيد ص 200 / 201 وبصائر الدرجات 759 .
(10) الغارات ج 1 ص 18 والبحار ج 8 ص 556 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 44 _
ويقول الثقفي : « كان بعض العثمانية ـ وهم جند علي ( عليه السلام ) ـ يتجسسون الأخبار لمعاوية ، وكان أبو بردة ابن عوف الأزدي يكاتب معاوية من الكوفة ؛ فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة ، وكان كريماً عليه »
(1) .
وحينما طلب ابن الحر من علي ( عليه السلام ) أن يحضر إلى دومة الجندل ، ليشهد أمر الحكمين ، أجاب ( عليه السلام ) يزيد بن الحر العبسي بقوله : « يا ابن الحر ، إني آخذ بأنفاس هؤلاء ؛ فإن تركتهم وغبت عنهم كانت الفتنة في هذا المصر أعظم من الحرب بينهم وبين أهل الشام »
(2) ، وقد تقدم : أن جلَّ أهل الكوفة وقرّاءها كانوا مخالفين لعلي ( عليه السلام ) ، وأن من كان يعتقد بإمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من العراقيين كانوا لا يبلغون خمسين رجلاً .
بل لقد روي عن المفضل بن قيس ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : كم شيعتنا بالكوفة ؟ قال : قلت : خمسين ألفاً ، قال : فمازال يقول : حتى قال : أترجو أن يكونوا عشرين ؟ ! ، ثم قال ( عليه السلام ) : « والله ، لوددت أن يكون بالكوفة خمس وعشرون رجلاً يعرفون أمرنا الذي نحن عليه ، ولا يقولون علينا إلا بالحق »
(3) ، وهذا الكلام إنما صدر بعد أن شاع وذاع : أن الكوفة علوية الاتجاه ، فأّنيَّ لك بالحقبة التي سبقت ذلك ؟ !
ومهما يكن من أمر فإن من المؤكد : أن جماعة العثمانية كان لا يزال لهم وجودهم المؤثر إلى زمان خلافة الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، فقد « أوصى بالإمامة إلى ولده الحسن بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسليله ، وشبيهه في خلقه وهديه ؛ فبايعت الشيعة كلها ، وتوقف ناس ممن كان يرى رأي العثمانية ، ولم يظهروا أنفسهم بذلك ، وهربوا إلى معاوية »
(4) .
---------------------------
(1) الشيعة في التاريخ ص 43 عن شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 185 و 257 .
(2) أنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 346 .
(3) صفات الشيعة ص 14 / 15 .
(4) الشيعة في التاريخ ص 44 ـ عن الأغاني ج 11 ص 116 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 45 _
كما أن قراء الكوفة كانوا في أصل نشأتهم تابعين لابن مسعود
(1) الذي كان إلى عمر وسياساته أميل منه إلى علي ( عليه السلام ) ، بل لقد محى صحيفة جاءت من اليمن كان فيها أحاديث حول أهل البيت ( عليهم السلام )
(2) ، والكل يعلم ما كان لهؤلاء المخالفين لأهل البيت ( عليهم السلام ) من دور في إفشال خطط الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وتقوية أمر معاوية ، حتى انتهى الأمر إلى المعاهدة وتسليم الأمر إلى معاوية .
آثار حرب صفين ، والتحكيم :
أما حرب صفين : فقد رأى العراقيون أن نتائجها لم تكن لصالحهم ؛ فقد لقي عبد الله بن وديعة الأنصاري علياً ( عليه السلام ) على مشارف الكوفة ؛ فسايره ، « فقال علي ( عليه السلام ) : ما سمعت الناس يقولون ؟ قال : يقولون : إن علياً كان له جمع عظيم ؛ ففرقه ، وكان له حصن حصين ؛ فهدمه . . . الخ »
(3) .
وكان الناس بعد حرب صفين فيهم المعجب بنتائجها ، وفيهم الكاره ، والغاش والناصح
(4) ، وربما نجد المبررات الموضوعية للقول : إن محاربة العراقيين لمعاوية كانت عن خوف ووجل . . . فقد قال عمرو بن العاص لمعاوية في صفين ، حين مرت ليلة الهرير : « أرى أن رجالك لا يقومون لرجاله ، ولست مثله ؛ فهو يقاتلك على أمر ، وأنت تقاتله على أمر آخر ، إن أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشام لا يخافون من علي إن ظفر بهم . . . »
(5).
---------------------------
(1) راجع : حياة الشعر في الكوفة ، ص 246 عن الإتقان، ج 1 ص 73 وعن طبقات ابن سعد ، ج 6 .
(2) تقييد العلم ص 54 والسنة قبل التدوين ص 312 وراجع غريب الحديث لابن سلام ج 4 ص 48 وليس فيه أن الأحاديث في أهل البيت ( عليهم السلام ) .
(3) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 82 وراجع : تاريخ الطبري ج 4 ص 44 والكامل لابن الأثير ج 3 ـ ص 323 وصفين للمنقري ص 529 .
(4) راجع : تاريخ الطبري ج 4 ص 43 و 44 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 323 وصفين للمنقري ص 529 .
(5) حياة الحسن بن علي ( عليه السلام ) للقرشي ج 1 ص 241 وصفين للمنقري ص 476 و 477 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 46 _
والفقرة الأخيرة تشير إلى أن عدل علي ( عليه السلام ) قد كان معروفاً ومعترفاً به ، ومشهوداً حتى من أعدائه أهل الشام ، وبعد . . . « فقد خرج الناس إلى صفين وهم أحباء متوادون ، ورجعوا وهم أعداء متباغضون ، يضطربون بأسياط . . . الخ »
(1) ، وتقدم قول علي ( عليه السلام ) لابن الحر « إني آخذ بأنفاس هؤلاء ، فإن تركتهم وغبت عنهم كانت الفتنة في هذا المصر أعظم من الحرب بينهم وبين أهل الشام ، ولكني أسرح أبا موسى . . . الخ »
(2) .
وقال صالح بن كيسان : « إن علياً لما كتب كتاب القضية نفروا من ذلك ؛ فحكم من حكم منهم ، ثم افترقوا ثلاث فرق ، فرجعت فرقة منهم إلى أمصارهم ومنازلهم ، فأقاموا بها، فكان ممن رجع : الأحنف وشبث بن ربعي ، وأبو بلال مرداس بن أدية ، وابن الكواء ، بعد أن ناشدهم علي ، وقال : . . . الخ »
(3) ، فحتى الأحنف إذن ، كان قد مال إلى رأي « الخوارج » ، وانجرف في تيارهم ، فما ظنك بسواه .
حروب الإخوة :
ثم تأتي حروب النهروان ، حيث فرض فيها على العراقيين ، الذين يفضلون رابطة الدم ، على كل ما سواها ، أن يحاربوا إخوانهم بالعصبية ؛ حيث كان في صفوف هؤلاء « الخوارج » : من هم إخوانهم ، وابناؤهم ، وآباؤهم ، وابناء العشيرة ، حتى إن عدي بن حاتم ، وهو من القواد المعروفين في جيش أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) كان ولده في جملة من قتل من « الخوارج » ، وقد دفنه أبوه بعد انتهاء المعركة ، ودفن رجال من الناس قتلاهم بإذن أمير المؤمنيين ( عليه السلام )
(4) .
وطبيعي أن يتزايد لدى العراقيين شعور بالحزن والأسى إزاء حالة كهذه ، وأن يكون لديهم شعور عميق بالضيق وسأم وتململ ثم صدود عن الاستمرار في طريق عسير وشاق كهذا ، مع شعور بضرورة الخروج من هذه الحالة إلى ما يرون أنه الافضل والأسلم ، لاسيما وأنه ( عليه السلام ) كان قد حارب أهل العراق أيضاً بأهل العراق في وقعة الجمل ، ثم أهل العراق بأهل الشام في حرب صفين .
---------------------------
(1) أنساب الأشراف ، ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 342 .
(2) المصدر السابق ص 346 .
(3) أنساب الأشراف ، ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 342 .
(4) راجع : تاريخ الطبري ج 4 ص 66 والكامل لابن الأثير ج 3 ص 348 ، وتاريخ ابن خلدون ج 2 ـ قسم 2 ص 181 وتذكرة الخواص ص 105 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 47 _
قتل أماثلكم :
وبعد هذا . . . فلقد كان هناك جهل شبه تام بالإسلام وبأحكامه ، ولاسيما في الجانب السياسي منه ، قال ابن الإسكافي ، وهو أبو القاسم ، جعفر بن محمد الإسكافي
(1) ، « فلم يؤت علي رضي الله عنه في أموره لسوء تدبير كان منه ، أو لغلط في رأي ، غير أنه كان يؤثر الصواب عند الله في مخالفة الرأي ، ولا يؤثر الرأي في مخالفة رضا ربه ، وقد كانت له خاصة من أهل البصائر واليقين ، من المهاجرين ، والأنصار ، مثل : ابن عباس ، وعمار ، والمقداد ، وأبي أيوب الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت ، وأبي الهيثم بن التيهان ، وقيس بن سعد ، ومن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة ، واخترمهم الموت ، وحمل معه من العامة قوم لم يتمكن العلم من قلوبهم ، تبعوه مع ضعف البصيرة واليقين ، ليس لهم صبر المهاجرين ، ولا يقين الأنصار ؛ فطالت بهم تلك الحروب ، واتصلت بعضها ببعض ، وفني أهل البصيرة واليقين ، وبقي من أهل الضعف في النية ، وقصر المعرفة ، من قد سئموا الحرب ، وضجروا من القتل ؛ فدخلهم الفشل ، وطلبوا الراحة ، وتعلقوا بالأعاليل . . . الخ »
(2) .
ولنا تحفظ على بعض من ذكر أنهم قد ماتوا وكانوا من أهل البصائر الذين كانوا مع علي ( عليه السلام ) فإن ابن عباس وأبا أيوب ، وقيس بن سعد ، كانوا لا يزالون على قيد الحياة ، هذا وقد جاء أن الأشتر ، قال للمحكِّمة في صفين : « فحدثوني عنكم وقد قتل أماثلكم ، وبقي أراذلكم متى كنتم محقين ؟ . . الخ »
(3) ، ويقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في خطبة له : « . . . ما ضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم ، وهم بصفين ، أن لا يكونوا اليوم أحياءاً ، يسيغون الغصص ، ويشربون الرنق ؟ فقد والله لقوا الله فوفاهم أجورهم ، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم .
---------------------------
(1) راجع كتابنا : دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 2 ص 84 و 85 .
(2) المعيار والموازنة ص 98 .
(3) صفين للمنقري ص 491 والمعيار والموازنة ص 164 وشرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 219 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 48 _
أين إخواني الذين ركبوا الطريق ، ومضوا على الحق ؟ أين عمار ؟ وأين ابن التيهان ؟ وأين ذو الشهادتين ؟ وأين نظراؤهم ، من إخوانهم الذين تعاقدوا على النية ، وأبردوا برؤوسهم إلى الفجرة ، ( قالوا : ثم ضرب بيده على لحيته الشريفة الكريمة ؛ فأطال البكاء ، ثم قال ( عليه السلام ) : أوّه على إخواني الذين قرؤوا القرآن فأحكموه ، وتدبروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة ، وأماتوا البدعة ، دعوا للجهاد ، فأجابوا ، وثقوا بالقائد ؛ فاتبعوه »
(1) .
وجاء في رسالة لعبد الله بن وهب الراسبي أرسلها إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله : « فلما حميت الحرب ، وذهب الصالحون : عمار بن ياسر ، وأبو الهيثم ابن التيهان ، وأشباههم ، اشتمل عليك من لا فقه له في الدين ، ولا رغبة له في الجهاد ، مثل : الأشعث بن قيس وأصحابه . . . الخ .
ثم يذكر قصة التحكيم ، ويعترف بما كان منهم فيها فيقول : « وكانت منا في ذلك هفوة »
(2) ، فالواعون من أصحابه ( عليه السلام ) ، المتقون ، الذين عرفوا الحق ، ووثقوا بالقائد وأحكموا القرآن ، وأقاموا الفرض ، وأحيوا السنة ، وضحوا بأنفسهم في سبيل دينهم وعقيدتهم ، وكانوا الحريصين على مستقبل الإسلام والإيمان ، والذين كان لهم دور كبير في ربط الناس بالإمام ، وتعريفهم على صواب موقفه ، وتحريضهم على طاعته ونصرته ، وكانوا أول من لبى نداءه .
وبقي الأراذل ، ضعفاء البصيرة واليقين من أمثال الأشعث وغيره ممن لم يتمكن العلم من قلوبهم ، والذين ظهر فيهم مصداق قوله ( عليه السلام ) : « ما تتعلقون من الإسلام إلا باسمه ، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه »
(3) ، وقوله ( عليه السلام ) : « لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل »
(4) .
---------------------------
(1) نهج البلاغة، بشرح عبده ج 2 ص 130 / 131 ومصادر نهج البلاغة ج 2 ص 450 / 451 وفيه عن الزمخشري في ربيع الأبرار ، باب التفاضل والتفاوت وهذا التفاوت موجود في عبارة الفتوح ج 4 ص 102 .
(2) أنساب الأشراف ، ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 370 .
(3) نهج البلاغة ـ الخطبة رقم 192 بترقيم المعجم المفهرس .
(4) نهج البلاغة ـ الخطبة رقم 69 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 49 _
علي ( عليه السلام ) يفقه العراقيين :
هذا وقد بذل علي ( عليه السلام ) جهوداً كبيرة في تعليم أهل العراق ، وتثقيفهم ، حتى ليقول لهم : « وركزت فيكم راية الإيمان ، وعرفتكم على حدود الحلال والحرام »
(1) .
كما أن أبا أيوب الأنصاري يقول لأهل العراق : « إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها ، حيث نزل بين اظهركم ابن عم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وخير المسلمين ، وأفضلهم وسيدهم بعده ، يفقهكم في الدين . . . الخ »
(2) .
كما أنه ( عليه السلام ) كان يعمل على أن يوضح لهم الضوابط العامة للسياسة الإسلامية ، ومنطلقاتها ، وأهدافها ، وتلك كلماته ، وخطبه زاخرة بهاتيكم التعاليم ، ومشحونة بتلكم المعاني . . . ولا مجال لاستقصاء النقاط التي كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يهتم بالتركيز عليها ، فإن ذلك يحتاج إلى توفر تام ، وجهد مستقل .
---------------------------
(1) نهج البلاغة ـ شرح عبده ج 1 ص 153 .
(2) الإمامة والسياسة ج 1 ص 152 / 153 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 50 _
ولكننا نلم ببعض النصوص التي تشير إلى شيء من ذلك ، فنقول :
عدل علي ( عليه السلام ) وموقف زعماء القبائل :
قال أبو أيوب الأنصاري للعراقيين ، المتقاعسين عن أمر الجهاد : « . . . عباد الله ، أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس ، وقد شمل العباد ، وشاع في الإسلام ؛ فذو حق محروم ، ومشتوم عرضه ، ومضروب ظهره ، وملطوم وجهه ، وموطوءٍ بطنه وملقى بالعراء ، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق ، ونشر العدل ، وعمل بالكتاب ، فاشكروا نعمة الله عليكم ، ولا تتولوا مجرمين . . . الخ »
(1) .
نعم لقد عرف الناس كلهم العدل ، وذاقوا طعم الحق والإيمان ، في عهد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، الذي أفهم الناس جميعاً ، ولاسيما رؤساء القبائل ، وسواهم من أهل الأطماع ، وأصحاب اللبّانات : أنه رجل لا مطمع فيه لأحد . . . وأنه لم ولن يعمل بغير الحق . . . وأصبح واضحاً للجميع : أنه لم يكن ليقيم وزناً يذكر للزعامات القبلية ، ولا يبني علاقاته معها إلا على أساس ما تملكه من التزام ، ومن معان إنسانية نبيلة ، وما تقدمه من خدمات في سبيل الدين والإنسان ، فلم يكن ليميز هذا على حساب ذاك ، ولا يعطي أحداً ليحرم غيره ، ولم يكن ليطلب النصر بالجور .
وحينما قال له الأشتر : « يا أمير المؤمنين ، إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل البصرة والكوفة ، ورأي الناس واحد ، وقد اختلفوا بعد ، وتعادوا ، وضعفت النية وقل العدد ، وأنت تأخذهم بالعدل ، وتعمل فيهم بالحق ، وتنصف الوضيع من الشريف ، فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع ، فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عمّوا به ، واغتموا من العدل إذ صاروا فيه ، ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف ؛ فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا ، وقل من ليس للدنيا بصاحب ، وأكثرهم يجتوي الحق ويشتري الباطل ، ويؤثر الدنيا ، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الرجال ، وتصف نصيحتهم لك ، وتستخلص ودهم . . . »
(2) .
---------------------------
(1) الغدير ج 9 ص 125 و 359 ونهج السعادة ص 529 والأمالي ص 149 وعن الإمامة والسياسة ج 1 ص 112 وفي طبعة أخرى 128 وعن جمهرة الخطب ج 1 ص 236 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 197 .