فإذا كان هذا هو الحال في زمن الإمام الصادق ( عليه السلام ) الذي ظهرت فيه الكوفة على أنها عاصمة التشيع لعلي ( عليه السلام ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وقد كتب ( عليه السلام ) إلى أخيه عقيل : « ألا وإن العرب قد أجمعت على حرب أخيك إجماعها على حرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل اليوم ؛ فأصبحوا قد جهلوا حقه ، وجحدوا فضله ، وبادروه بالعداوة ، ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كل الجهد ، وجرُّوا إليه جيش الأحزاب الخ. . . »
.
وقال ( عليه السلام ) لعدي بن حاتم في صفين : « أدن ، فدنا ، حتى وضع أذنه عند أنفه ، فقال : ويحك ، إن عامة من معي اليوم يعصيني ، وإن معاوية في من يطيعه ، ولا يعصيه »
، ويقول الثقفي : « قد كان الناس كرهوا علياً ، ودخلهم الشك والفتنة ، وركنوا إلى الدنيا ، وقلّ مناصحوه ؛ فكان أهل البصرة على خلافه والبغض له ، وجلّ أهل الكوفة ، وقراؤهم ، وأهل الشام ، وقريش كلها »
.
ويقول أيضاً : « . . . وكانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية »
، وقد تحدثنا عن موقف قريش منه ( عليه السلام ) في مقال لنا حول الغدير ، في الجزء الثالث من كتاب « دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام » ، فليراجع ، وحين قيل لعلي ( عليه السلام ) لما كتبت الصحيفة : إن الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ، ولا يرى إلا قتال القوم ، فقال علي ( عليه السلام ) : بلى ، إن الأشتر ليرضى إذا رضيت . . . إلى أن قال : « ليت فيكم مثله اثنين ، بل ليت فيكم مثله واحداً يرى في عدوه مثل رأيه ، إذن لخفَّت علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم »
، أما ابن كثير ، فيقول : « واستقر أمر العراقيين على مخالفة علي فيما يأمرهم ، وينهاهم عنه ، والخروج عليه ، والبعد عن أحكامه ، وأقواله ، وأفعاله ، لجهلهم ، وقلة عقولهم ، وجفائه م، وغلظتهم ، وفجور كثير منهم »
وروي عن الباقر ( عليه الصلاة والسلام ) قوله : « كان علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عندكم بالعراق ، يقاتل عدوه ، ومعه أصحابه ، وما كان خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته ، وحق معرفته إمامته . . »
(1) .
وأما فيما يرتبط بالأسباب التي نشأت عنها هذه الحالة ، فهي كثيرة ، ونشير هنا إلى بعضها :
قريش وحقدها :
إن ذلك النشاط الواسع ، الذي كانت تقوم به قريش ، ومن يدور في فلكها من الصحابة ، وغيرهم ، وبالأخص الأخطبوط الأموي ، في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية ، والرامي إلى تأليب الناس ضد علي ( عليه السلام ) ، وصرفهم عن تأييده ونصره ـ إن ذلك ـ ليدل على مدى حقدهم على علي ( عليه السلام ) وكرههم لأمره .
وقد كانت قريش على درجة عالية من التمرس في حياكة المكائد ، وفي مكر السياسة ، وكانت تتمتع بدرجة عالية من النفوذ بين الناس عموماً لأسباب عديدة ، ليس هنا محل بحثها . . . وسبب حقدها هذا على علي ( عليه السلام ) يرجع إلى أمور كثيرة ، فهو قد قتل في حرب بدر من رجالها وصناديدها نصف السبعين ، وشارك في قتل النصف الآخر
(2) ، الذين كانوا كأن وجوههم سيوف الذهب ، على حد قول عثمان لعلي ( عليه السلام ) مباشرة
(3) .
هذا بالإضافة إلى حسدها القوي له (عليه السلام) ، وبغيها عليه ، لما كان يتمتع به من فضائل ومزايا ؛ ثم العناية الخاصة التي كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسلم يوليه إياها . . . ولأمور أخرى . . . وقد ذكر ذلك أبو الهيثم ابن التيهان رحمه الله تعالى ، في كلام له هام وجيد
(4) فليراجع ، كما أن الثقفي يقول : « كانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية »
(5) .
وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه قد أعلن في مناسبات كثيرة عن عداء قريش له ، وتصغيرها عظيم منزلته ، وبغيها عليه ، وسعيها إلى نقض أمره ، وتمييع قضيته ، والنصوص في هذا المجال كثيرة
(6) ورسالة علي ( عليه السلام ) لأخيه عقيل التي يقول فيها : إن قريشاً أجمعت على حربه إجماعها على حرب رسول الله الخ. . . هذه الرسالة خير شاهد على ذلك
(7) ، ولا يجب أن ننسى هنا دعايات معاوية وحزبه ضده ( عليه السلام ) ، فقد كان يتهمه ـ مثلاً ـ بأنه كان حاسداً للخلفاء قبله ، باغياً عليهم ، وأنه كان يقاد للبيعة كما يقاد الجمل المخشوش
(8) ، وأنه لم يزل من أول الأمر معجباً بنفسه ، مدلاً بقرابته ، لا يرى لغيره حقاً في الخلافة .
---------------------------
(1) اختيار معرفة الرجال ص 6 .
(2) راجع الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ج 3 ص 202 ـ 204 . . .
(3) معرفة الصحابة لأبي نعيم ، مخطوط في مكتبة : طوب قبوسراي رقم 1 / 497 / أ الورق22 ، وشرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 23 والجمل ص 99 .
(4) راجع : الأوائل ، لأبي هلال العسكري ج 1 ص 316 / 317 .
(5) الغارات ج 2 ص 569 .
(6) راجع : نهج البلاغة ، شرح عبده ، الرسالة رقم 36 وقسم الخطب رقم 212 و 32 و 137 وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 96 و ج 2 ص 119 والغارات ج 1 ص 309 و ج 2 ص 454 و 429 و 430 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 74 فما بعدها ، والبحار ط قديم ج 8 ص 621 ، وكتابنا : دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 1 ص 175 و 176 للاطلاع على مصادر أخرى ، والإمامة والسياسة ج 1 ص 155 .
(7) المعيار والموازنة ـ ص 180 .
(8) نهج البلاغة ، الرسالة رقم 28 . . .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 19 _
وأنه كان هو السبب في مقتل عثمان
(1) ، إلى غير ذلك من دعايات مغرضة ، تهدف إلى إبعاد الناس عنه ، والحط منه ( عليه السلام ) ، والنيل من شخصيته .
خلاصة جامعة :
ونستخلص من كلماته ( عليه الصلاة والسلام ) المتقدمة أموراً كثيرة ، ونستطيع أن نجملها على النحو التالي :
(1) بالنسبة إلى إمامهم ، وتعاملهم معه نجد :
ألف : أنهم يعصونه في الحق ، ولا يطيعونه إذا أمرهم أو دعاهم ، ولا يسمعون قوله ، ولا يجيبون صرخته ، واستغاثته . . . حسب التعبيرات المختلفة التي وردت عنه ( عليه السلام ) .
ب : إنهم قد ملوا قائدهم ، وإمامهم وسئموه .
ج : إنهم يصدرون الأوامر والنواهي لأميرهم .
(2) وأما بالنسبة لأمر الجهاد فإنهم :
ألف : قد أصبحوا غرضاً يرمى ، يغار عليهم ، ولا يغيرون ، ولا يُغزَونَ ، ولا يغزون ، كثير في الباحات قليل تحت الرايات .
ب : إذا أمروا بالجهاد ، يتعللون بالمعاذير ، بالحر تارة ، وبالبرد أخرى .
ج : إنهم يصابون ـ إذا أمروا بالنفر إلى الجهاد ـ بالذعر والخوف .
د : كلامهم يوهي الصم الصلاب ، وفعلهم يطمع فيهم الأعداء .
هـ : يؤثرون البقاء على لقاء الله والجهاد في سبيله .
و : إن حوربوا خاروا وإن أمهلوا خاضوا .
---------------------------
(1) راجع ذلك في نهج البلاغة ، قسم الكتب تحت رقم 48 ط الدار الإسلامية و ط 1 سنة 1414 ونفس المصدر كتاب رقم 57 من نفس الطبعة.
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 20 _
(3) بالنسبة إلى حالتهم مع بعضهم البعض فإنهم :
ألف : متفرقون عن حقهم .
ب : إن أمهلوا خاضوا .
ج : أهواؤهم مختلفة .
د : هم كإبل ضل رعاتها ، كلما جمعت من جانب انتشرت من آخر .
هـ : صاروا بعد الموالاة أحزاباً ، حيث يظهر : أن المقصود هو أنهم أصبحوا شيعاً وأحزاباً متدابرين ، بعد أن كانوا يداً واحدة يوالي ويحب بعضهم بعضاً .
(4) وأما بالنسبة للدين والتدين فإنهم :
ألف : يرضون بمعصية الله سبحانه ويرون عهود الله منقوضة ولا يأنفون ، ولكنهم يأنفون لنقض ذمم آبائهم .
ب : لا يعرفون الحق كمعرفتهم الباطل ، ولا يعرفون من الإيمان إلا اسمه .
ج : لا يبطلون الباطل كإبطالهم الحق .
د : هم نساك بلا صلاح .
هـ : قد ثلموا حصن الله المضروب عليهم بأحكام الجاهلية .
و : قد قطعوا قيد الإسلام ، وعطلوا حدوده ، وأماتوا أحكامه .
ز : ما يتعلقون من الإسلام إلا باسمه .
(5) وحول مقدار وعيهم ، وإدراكهم لمقتضيات الحكمة .
ألف : أيقاظ نوّم ، وشهود غيب ، وناظرون عمي ، وسامعون صم ، وناطقون بكم ، أبدانهم شاهدة ، وعقولهم غائبة عنهم .
ب : هم أشباح بلا أرواح ، وأرواح بلا أشباح .
ج : كأن عقولهم مألوسة ، فهم لا يعقلون .
د : ليسوا برجال ، بل لهم عقول ربات الحجال .
هـ : لهم حلوم الأطفال .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 21 _
ثم إنه بقيت لهم أوصاف أخرى ، نجملها على النحو التالي :
(6) إنهم يخونون أمانة صاحبهم ، حتى لو أؤتمن أحدهم على قعب لخشي ( عليه السلام ) أن يذهب بعلاقته .
(7) إنهم يفسدون في بلادهم .
(8) ما هم بركن يمال إليه .
(9) ليسوا زوافر عز يفتقر إليهم .
(10) تجار بلا أرباح .
(11) صاروا بعد الهجرة أعراباً .
ولعل مراجعة وافية لكلماته صلوات الله وسلامه عليه تعطينا المزيد مما يوضح حقيقة حالهم ، وما آل إليه أمرهم ، ولكن ما ذكرناه يكفي للإلماح إلى ما نريد .
هذا . . . وقد نجد في الفصل التالي بعض التوضيح لما ذكره ( عليه الصلاة والسلام ) في بيان الحال التي هم عليها ، بقي علينا أن نشير إلى أنه بالنسبة لقريش ، وسائر العرب وموقفهم منه عليه آلاف التحية والسلام ، فإن ذلك يحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي ، لعوامله وأسبابه ، وبوادره ، وآثاره نأمل أن نوفق لذلك في الموقع المناسب إن شاء الله تعالى .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 22 _
العراق بعد الفتح : نظرة عامة :
لقد فتح العراق في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ؛ ليواجه الحياة العسكرية ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، حيث أخذ على عاتقه مهمة تأمين القوى الكافية للفتوحات ، وتحمل الكثير من النفقات التي تتطلبها الحروب المتوالية .
كما أنه قد كان على العراق أن يتقبل شاء أم أبى كل تلك الآثار النفسية والاجتماعية ، التي ترافق حياة هذا طابعها ، هذا بالإضافة إلى عدم توفر عناية كافية ، ممن سبقوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالتربية الإسلامية ، والتأهيل لاستيعاب التعاليم الإلهية ، ثم التفاعل معها بالشكل المناسب والمقبول ؛ بحيث يتحول ذلك في داخلهم إلى طاقة عقائدية ، تشحن وجدان الإنسان وضميره بالمعاني السامية والنبيلة ، ولينعكس ذلك من ثم على كل سلوكه ومواقفه ، وتغني روحه وذاته بالقيم والمعاني الإسلامية السامية ، وتؤثر في صنع ثم في بلورة خصائصه الأخلاقية على أساس تلك المعاني التي فجرتها العقيدة في داخل ذاته ، وفي عمق ضميره .
وبعد كل ذلك الذي قدمناه ، فإن من الطبيعي أن يصبح الجهل الطاغي والروح القبلية ، والمفاهيم الجاهلية ، والمآرب والأهواء الشخصية ـ كل ذلك ـ هو الطابع العام ، المميز للحياة العامة ، ولاسيما على مستوى الزعامات القبلية آنئذٍ . . . مع فارق وحيد هو : أن كل ذلك أصبح يتلون ويتلبس بالدين ، يستفيد منه في التمرير والتبرير ، والدين من ذلك كله بريء ، بل . . . إنه قد يكون أحياناً عارياًً عن أي لون أيضاً .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 23 _
وقد أشار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى هيمنة المفاهيم الجاهلية على عقليات وتصورات السواد الأعظم في المجتمع العراقي ، حينما قال : « وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية »
(1) وتقدمت نصوص أخرى تشير إلى ذلك أيضاً في الفصل السابق ، فلتراجع .
فالعامل الثقافي الناقص والمنحرف ، والمتأثر بالمفاهيم الجاهلية ، التي كانت تهيمن على عقلياتهم وتصوراتهم ، بالإضافة إلى عدم توفر العمق الإيماني لديهم إلا في حدود العواطف والأحاسيس التي كانت تتلون بالإيمان ، وتتجلى بمظهره ، كان هو السمة المميزة للمجتمع العراقي في تلك الفترة .
الفتوحات والغنائم :
وإذا كان العراقيون يتحملون أعباء الفتوحات ، ليس بالنسبة إلى الدولة الكِسروية وحسب ، وإنما بالنسبة إلى بلاد الشام وفلسطين ، وسائر المناطق ـ فإن من الطبيعي أن يهتموا كثيراً ـ ولاسيما على مستوى القيادات فيهم ـ بالحصول على المزيد من الغنائم والسبايا ، فصار لدى البعض منهم ثروات وفيرة ، وجواري وحسناوات كثيرة ، الأمر الذي من شأنه أن يجعلهم أقل تحمساً لمعاناة الحروب الطويلة ، التي يواجه الإنسان فيها المزيد من شظف العيش ، وقسوة الحياة ، ومشاق المتاعب العظيمة والأخطار الجسيمة ، مادام أنه يمكن تأمين تلك المطالب ، والحصول على تلك الرغائب عن طريق الغارات السريعة ، والحروب الخاطفة .
ومن الشواهد التي تشير إلى أن تلك الأطماع والشهوات كانت تمثل دافعاً مهماً لهم لخوض الحروب وشن الغارات ، ما روي ، والنص للطبري من أنه : « بعث عتبة بن أنس بن حجية إلى عمر بمنطقة مرزبان دست ميسان ، فقال له عمر : كيف المسلمون ؟ ! ، قال : انثالت عليهم الدنيا ، فهم يهيلون الذهب والفضة ، فرغب الناس في البصرة ، فأتوها ! ! »
(2) .
ومن الطريف أن نشير هنا إلى أن بعض العرب ما كانوا يفرقون الذهب من الفضة ، ولا الكافور من الملح ، قال الدينوري ، وهو يتحدث عن المسلمين في فتح المدائن : « وقعوا على كافورٍ كثير ، فظنوه ملحاً فجعلوه في خبزهم ، فأمرّ عليهم .
---------------------------
(1) نهج البلاغة ، الخطبة رقم ( 192 ) بترقيم المعجم المفهرس للدشتي .
(2) تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 93 وفجر الإسلام ص 180 عنه ، والكامل في التاريخ ج 2 ص 488 والأخبار الطوال ص 117 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 24 _
وقال مخنف بن سليم: لقد سمعت في ذلك اليوم رجلاً ينادي : من يأخذ صحفة حمراء ، بصحفة بيضاء ، لصحفة من ذهب لا يعلم ما هي »
(1) ، وثمة نصوص كثيرة في هذا المجال أوردنا طائفة منها في كتابنا : الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه السلام ) في عهد الرسول والخلفاء الثلاثة بعده ، حين الحديث عن الفتوحات ، وآثارها فليراجعه من أراد .
تربية الجواري للناشئة :
وبعد ، فإن تربية تلك الجواري والحظايا للناشئة المسلمة ، وهنّ لا يملكن المعرفة الكافية بالإسلام وتعاليمه ، ولا لديهن القدر الكافي من الإيمان به ، أو الالتزام بتعاليمه قد كان من شأنه أن يقلل من نسبة الالتزام الديني عند ذلك النشئ ، ويجعل من الإسلام مجرد ظواهر وطقوس جامدة لا أكثر ، فراجع ما كتبناه حول هذا الموضوع أيضاً في كتابنا : الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه الصلاة والسلام ) .
وقد كان رجل من نهاوند اسمه دينار يقدم الكوفة أحياناً ، فقدمها في أيام معاوية فقام في الناس : فقال : « يا معشر أهل الكوفة أنتم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس ، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع : بخل ، وخب ، وغدر ، وضيق ، ولم يكن فيكم واحدة منهن ، فرمقتكم فإذا ذلك في مولديكم ، فعلمت من أين أتيتم ، فإذا الخب من قبل النبط ، والبخل من قبل فارس ، والغدر من قبل خراسان ، والضيق من قبل الأهواز »
(2) .
المجتمع العراقي والحرب :
بعد ما تقدم نقول : إننا إذا أردنا أن لا نكون مقصرين في دراستنا للأمور ، فإن علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار الأمور التالية :
(1) قضية علي ( عليه السلام ) لا تعنيهم :
إن رؤساء القبائل الذين كانوا يتحكمون بقرار المشاركة في الحروب لمن يأتمرون بأمرهم ، قد حاربوا مع أمير المؤمنين عدواً يرون أنه ـ حسب معاييرهم ـ عدو له ، قبل أن يصبح عدواً لهم ، وقد يجدون قواسم مشتركة كثيرة تسهل عليهم الالتقاء مع ذلك العدو ، والوصول معه إلى حلول أو أنصاف حلول ، إنها حروب لم تكن تعنيهم كثيراً ، ولا تمثل لهم قضية يرون أنفسهم ملزمين بالدفاع عنها ، والحفاظ عليها ، وحتى حين يدركون أن ثمة استهدافاً خطيراً لهم ، فإنهم يفهمون القضية على أساس أنها دفاع عن أشخاصهم هم ، أو عن شخص علي ( عليه السلام ) ، لا عن قيم ومثل عليا ، فما كان يقاتل من أجله علي ( عليه السلام ) يختلف في مضمونه عما يقاتل من أجله أصحابه .
---------------------------
(1) الأخبار الطوال ص 127 .
(2) حياة الشعر في الكوفة ص 155 عن تاريخ الطبري ، ويذكر الطبري أن المهاجرين والأنصار في فتوح السواد تزوجوا في أهل الكتابين حياة الشعر 146 عن الطبري 1 / 5 / 2374 ويقول بعضهم : « شهدت القادسية مع سعد فتزوجنا نساء أهل الكتاب ونحن لا نجد كثير مسلمات » حياة الشعر 146 عن الطبري 1 / 5 / 2375 وقد أمر عمر حذيفة أن يطلق امرأة من أهل الكتاب كان قد تزوجها وذلك بعد أن ولاه المدائن ، حياة الشعر146 عن الطبري / 1 / 5 / 2374 / 2375 .
علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول
_ 25 _
(2) لا غنائم ولا سبايا :
إنهم حين يتخذون قرار الحرب هذا ، ويشاركون بالفعل فيها ، وتقتل رجالهم ، وتتفانى صناديدهم ، ويعرضون علاقاتهم القبلية والتجارية وغيرها لأخطار حقيقية ، ولنكسات وتعقيدات . . . فإنهم لا يرون في مقابل كل ذلك أي نفع مادي ملموس ، يمكن أن يعوض عليهم بعض تلك الخسائر بنظرهم ، إنها حروب داخلية ، لا غنائم فيها ، ولا سبايا ، بل فيها مصائب وبلايا ، وخسائر ، على الصعيد المادي والدنيوي ، الذي هو العنصر الشاخص في حسابات الربح والخسارة لديهم ، فبملاحظة هذا وذاك لماذا إذن لا يمنّون على علي وعلى أهل بيته ( عليهم السلام ) ، بما يقدمونه من تضحيات ، مادام أنهم أصحاب الفضل عليهم بحسب فهمهم للأمور، وطبيعة تعاطيهم معها .
(3) هيمنة المشاعر القبلية ومفاهيم الجاهلية :
ومن الأمور التي تشير إلى مدى إسفافهم في التفكير ، وهيمنة المشاعر القبلية ، والمفاهيم الجاهلية عليهم ، ما ذكر من « أن أهل الكوفة في آخر عهد علي ( عليه السلام ) كانوا قبائل ، فكان الرجل يخرج من منزل قبيلته ، فيمر بمنازل قبيلة آخرى ؛ فينادي باسم قبيلته : يا للنخع ، أو يا لكندة ؛ فيتألب عليه فتيان القبيلة ، التي مرّ بها ؛ فينادون : يا لتميم ، ويا لربيعة ، ويقبلون إلى ذلك الصائح ، فيضربونه ، فيمضي إلى قبيلته ، فيستصرخها ، فتسل السيوف وتثور الفتنة »
(1) .
(4) حقيقة إخلاص القيادات :
إن القيادات العشائرية العراقية لم تكن مخلصة ، ولا بعيدة النظر في ما يرتبط بالأمور السياسية ، وغيرها ، وقد سأل المختار أحدهم عن الناس في الكوفة ، فأجاب : « هم كغنم ضل راعيها ، فقال المختار : أنا الذي أحسن رعايتها ، وأبلغ نهايتها »
(2) .
وقد سهّل ذلك ظهور قيادات جديدة ، تكرس انقسامات يبعثها الجهل ، أو الهوى ، وما إلى ذلك ، ويتأكد ذلك حين يكون ثمة واقع يريدون الخروج منه ، أو الوصول إليه ، كما كان الحال في صفين حين ضرستهم الحرب، وتأكدت لديهم الشبهة التي جاءت موافقة لهوى النفس برفع المصاحف ، فنتج عن ذلك وقوعهم في مأزق حين لم يجدوا في أنفسهم ولا في تلك القيادات العشائرية قدرة على استيعاب حركة الواقع ، لا من موقع الوعي الصحيح ، ولا من موقع الهدف الرسالي ، بل وقعوا في متاهات فرضتها استجاباتهم لدوافع غير رسالية ، وغذاها جهل ، وخواء فكري ومعرفي ، وتنكب لصراط الوعي والعلم الصحيح .
(5) رقابة علي تهدد مصالحهم :
بل إن هؤلاء الناس يرون أو يرى كثير منهم : أنهم في ظل حكم علي ( عليه السلام ) : أن امتيازاتهم مهددة في ظل الرقابة الصارمة لعلي ( عليه السلام ) ، وملاحقته لأدق الأمور ، وكان يأخذهم دون هوادة بمر الحق ، ويحملهم على المحجة الواضحة .
---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 239 وحياة الشعر في الكوفة ص 182 .
(2) حياة الشعر في الكوفة ص 133 عن تاريخ الأمم والملوك ج 2 ـ ق 1 ـ ص 531 / 532 .