الجزء الاول
تأليف
السيد جعفر مرتضى العاملي
سلسلة الكتب المؤلفة في أهل البيت ( عليهم السلام ) ( 113 )
إعداد
مركز الأبحاث العقائدية

تقديم :
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

   والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على صفوة الخلق أجمعين ، محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين ، إلى قيام يوم الدين .
   وبعد . . فإن من الواضح : أنه قد كان لموقف « الخوارج » في صفين تأثير عميق على مسار الأحداث ، ومساس مباشر بالمصير الذي انتهت إليه الأمة ـ بل والبشرية بأسرها عبر التاريخ ، حيث إن مواقفهم تلك قد حرمت الأمة من أطروحة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومكنت لمعاوية ولغيره من الطواغيت والمجرمين من الوصول إلى مآربهم ، وتحقيق أهدافهم الشريرة .
  ورغم أنهم قد حاربوا الأمويين بعد ذلك لكن حربهم لهم هي الأخرى قد زادت الطين بلة ، والخرق اتساعاً ، حيث إن هذه الحروب قد منحت الفرصة لفريق آخر ، أكثر عنفاً في مواجهة أطروحة علي ( عليه السلام ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وهم البيت العباسي ، الذي بلغ عنف مواجهته لآل علي ( عليه السلام ) حداً جعل الشعراء يقولون :

تالله مـا فـعلت أمية iiفيهم      معشار ما فعلت بنو العباس
   ويقولون :
ومتى تولى آل أحمد مسلم      قتلوه  أو وصموه iiبالإلحاد
   ويقولون :
يا ليت جور بني مروان دام لنا      ولي عدل بني العباس في iiالنار
   أما ما ظهر من « الخوارج » من مواقف وأقاويل ، فقد كان ولا يزال غير ظاهر الانسجام مع المعايير والضوابط المألوفة والسليمة ، بعيداً عن مقتضيات الفطرة الإنسانية السليمة ، وهو أيضاً يصادم ضرورة العقل ، وأحكام الدين ، ولم يزل مثار بحث وجدل ، فهذا يشرّق ، وذاك يغرّب ، وثالث يخبط خبط عشواء ، لا يجد سبيلاً ، ولا يهتدي إلى الطريق ، كلما طرق باباً ، اصطدم بالأسئلة الكثيرة التي تشير إلى التناقضات الظاهرة في أقوالهم ، وأفعالهم ، فهل هم عبّاد وزهّاد عزفوا عن هذه الدنيا ، وعن كل ما فيها ، وأخلصوا لله وطلبوا الآخرة لا يريدون سواها ؟ !

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 2 _

   أم أنهم قد أحبوا الدنيا بكل وجودهم وباعوها بالآخرة ، وقد اتخذوا الدين طريقاً إليها ، ووسيلة لإيقاع الناس في حبائلهم وخدعهم ؟ ! حتى إنهم ليقاتلون على القدح أو على السوط يؤخذ منهم . . أم أنهم كانوا عبَّاداً ، ولكنهم في نفس الوقت يحبون الدنيا ، ويعملون من أجلها ، فهم يريدون أن يحصلوا على الدنيا وعلى الآخرة معا حسب زعمهم ؟ ! وتستمر الأسئلة لدى هذا الفريق أو ذاك : هل كان « الخوارج » على قناعة تامة بمواقفهم ، وممارساتهم ؟ أم كانوا شكاكاً ؟ !
   قد التبست عليهم الأمور ، وقد مضوا على شكهم فعالجوا القضايا من منطلق الأهواء الشخصية ، ودوافع الحقد والكراهية التي كانت تعتلج في صدورهم ؟ ! وهل كانوا علماء بكتاب الله ، الذي مازالوا يقرؤونه ويرددونه ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار ؟ ! أم أنهم كانوا أعراباً جفاةً ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق ؟ ! وهل كانوا من الشجعان الأوفياء والأشداء ؟ ! أم كانوا من الغدرة الضعفاء والجبناء ؟ ! إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي يريد هذا الكتاب أن يقدم الإجابة عليها ، ولو بصورة موجزة ومحدودة .
   وليس لدي ما يوجب أن أخفي على القارئ الكريم حقيقة أنني لم يكن يدور في خلدي أن أتجه إلى البحث حول هذا الموضوع ، أو أن تضطرني بعض الاعتبارات إلى ذلك ، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان ، فاستجبت لتلك الحاجة الطارئة التي جعلت من اختيار هذا الموضوع أمراً يكاد يكون ضرورة لا محيص عنها ، ولا خلاص منها ، فبادرت إلى ذلك في شهر رجب الأصم سنة 1403 هـ فكانت حصيلة المعاناة التي استمرت أسابيع قليلة جداً هي هذا البحث المتواضع الذي بين يدي القارئ الكريم .
  ثم هيأته للطبع ، وأعدت النظر في بعض مطالبه في صيف عام 1422 هـ . ق ، وذلك بمقدار ما سنحت لي الفرصة ، وساعد الظرف ، وكلي أمل أن ينال هذا الجهد رضا القراء والباحثين ، وأن ينيلني الله عليه الأجر والثواب ، والله أسأل : أن لا يكلني إلى نفسي ، وأن يجعل عاقبة أمري إلى غفرانه إنه ولي قدير . . وبالإجابة حري وجدير . . والحمد لله ، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى ، محمد وآله الطاهرين .

ذو الحجة سنة 1422 هـ . ق
جعفر مرتضى الحسيني العاملي

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 3 _

تمهيد :

الخبر المتواتر :

   إن كل من له أدنى اطلاع على الحديث النبوي الشريف ، لا يخالجه أدنى شك في تواتر الحديث الذي يتحدث عن ثلاث فئات تحارب أمير المؤمنين علياً ( عليه الصلاة والسلام ) ، بل إنه سوف يجد أنه قد رواه جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ونحلهم واتجاهاتهم ، وهذه الفئات الثلاث ، هي :
(1) الناكثون ، أي ناكثو البيعة ، وهم أصحاب الجمل ، الذي حاربهم علي ( عليه السلام ) .
(2) القاسطون ، أي الجائرون ، فإنه مأخوذ من « قسط » بمعنى جار ، لا من « أقسط » ، الذي هو بمعنى عدل ، والقاسطون هم الذين حاربوه ( عليه السلام ) في صفين ، وهم معاوية وأهل الشام .
(3) المارقون (1) ، وهم « الخوارج » ، الذين حاربوه ( عليه السلام ) في النهروان (2) .

---------------------------
(1) راجع على سبيل المثال المصادر التالية : مجمع الزوائد ج 6 ص 235 و ج 7 ص 238 و ج 5 ص 186 و ج 9 ص 111 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 139 ، وتلخيص الذهبي بهامشه وانساب الأشراف ج 2 ص 297 ، [ بتحقيق المحمودي ] ، وترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق [ بتحقيق المحمودي ] ج 3 ص 172 و 170 و 169 و 165 و 163 و 162 و 160 و 161 و 158 و 159 واللآلي المصنوعة ج 1 ص 213 و 214 وتاريخ بغداد ج 13 ص 186 و ج 8 ص 340 / 341 وكنز العمال ج 11 ص 278 وراجع ص 287 و 318 و 343 و 344 و ج 15 ص 96 وشرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 207 و 345 و ج 4 ص 221 و 462 و ج 18 ص 27 و ج 6 ص 130 و ج 13 ص 183 و 185 و ج 1 ص 201 والمناقب للخوارزمي ص 125 و 106 و 282 والبداية والنهاية ج 7 ص 206 و 207 و 305 و 304 و ج 6 ص 217 وفرائد السمطين ج 1 ص 332 و 285 و 283 و 282 و 281 و 280 و 279 و 150 ومروج الذهب ج 2 ص 404 والمحاسن والمساوئ ج 1 ص 68 والغدير و ج 3 ص 192 و 194 و ج 1 ص 337 وذخائر العقبى ص 110 عن الحاكمي والرياض النضرة ج 3 ص 226 وكفاية الطالب ص 168 و 169 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 451 و 435 و 437 و ج 4 ص 244 ولسان الميزان ج 2 ص 446 و ج 6 ص 206 وميزان الاعتدال ج 1 ص 126 و 174 وينابيع المودة ص 104 و 128 و 81 والنهاية في اللغة ج 4 ص 185 ولسان العرب ج 2 ص 196 و ج 7 ص 378 وتاج العروس ج 1 ص 651 و ج 5 ص 206 ونظم درر السمطين ص 130 وأسد الغابة ج 4 ص 33 والجمل ص 35 والافصاح في إمامة علي بن أبي طالب ص 82 وإحقاق الحق ج 6 ص 37 و 59 و 79 و ج 5 ص 71 عن مصادر كثيرة تقدمت ، وعن : تنزيه الشريعة المرفوعة ج 1 ص 387 ومفتاح النجا ص 68 مخطوط وأرجح المطالب ص 602 و 603 و 624 وموضح أوهام الجمع والتفريق ج 1 ص 386 وشرح المقاصد للتفتازاني ج 2 ص 217 ومجمع بحار الأنوار ج 3 ص 143 و 195 وشرح ديوان أمير المؤمنين للمبيدي ص 209 مخطوط والروض الأزهر ص 389 .
(2) كنز العمال ج 11 ص 287 عن ابن أبي عاصم وابن عساكر في الأربعين وراجع البداية والنهاية ج 7 ص 307 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 4 _

   وهناك الحديث الذي زخرت به كتب الحديث والتاريخ ، والذي يتحدث عن فئة يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق ، شر الخلق والخليقة (1) وقد صرحت طائفة من الروايات بأن علياً ( عليه السلام ) هو الذي يقتلهم فراجع المصادر .

---------------------------
(1) راجع على سبيل المثال في أمثال هذه العبارات في ما يلي : مسند أحمد ج 1 ص 88 و 92 و 108 و 113 و 131 و 147 و 151 و 156 و 160 و 256 و 404 و 411 و 441 و 435 و 380 و 395 و ج 2 ص 209 و 219 و ج 3 ص 5 و 15 و 32 و 33 و 34 و 38 و 39 و 52 و 56 و 60 و 64 و 65 و 68 و 73 و 159 و 183 و 197 و 224 و 353 و 486 و ج 4 ص 422 و 425 و ج 5 ص 31 و 42 و 146 وراجع : ص 253 ومجمع الزوائد ج 6 ص 228 و 229 و 231 و 27 و 230 و 232 و 235 و 239 و ج 9 ص 129 ومستدرك الحاكم ج 2 ص1 54 و 147 و 148 و 146 و 145 وكشف الأستار عن مسند البزاز ج 2 ص 360 و 361 و 363 و 364 والجوهرة في نسب علي وآله ص 109 والمعجم الصغير ج 2 ص 100 والمصنف للصنعاني ج 1 ص 146 و 148 و 151 و 154 و 157 وكنز العمال ج 11 ص 126 و 180 و 127 و 128 و 129 و 130 و 131 و 175 و 182 و 271 و 312 عن مصادر كثيرة وكفاية الطالب ص 175 و 176 وتاريخ بغداد ج 12 ص 480 و ج 10 ص 305 والعقود الفضية ص 66 و 70 والمغازي للواقدي ج 3 ص 948 والإصابة ج 2 ص 302 ، والغدير ج 10 ص 54 و 55 عن الترمذي ج 9 ص 37 وسنن البيهقي ج 8 ص 170 و 171 وتيسير الوصول إلى علم الأصول ج 4 ص 31 و 32 و 33 عن الصحاح الستة كلها وعن أبي داود ج 2 ص 284 وفرائد السمطين ج 1 ص 276 ونظم درر السمطين ص 116 والإلمام ج 1 ص 35 والخصائص للنسائي ص 136 و 137 حتى ص 149 وميزان الاعتدال ج 2 ص 263 ترجمة عمر بن أبي عائشة وأسد الغابة ج 2 ص 140 وتاريخ واسط ص 199 والتنبيه والرد ص 182 وصحيح البخاري ج 2 ص 173 و ج 4 ص 48 و 122 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 53 و 57 والجامع الصحيح للترمذي برقم 3896 وصحيح مسلم ج 1 ص 1063 و 1064 وفي هامش مناقب المغازلي عن الإصابة ج 2 ص 534 وعن تاريخ الخلفاء ص 172 وراجع إثبات الوصية ص 147 وراجع ذخائر العقبى ص 110 والمناقب للخوارزمي ص 182 وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 400 ونور الأبصار ص 102 .
وراجع : نزل الأبرار ص 57 ـ 61 والرياض النضرة ج 3 ص 225 وراجع ص 226 و 224 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 94 والبداية والنهاية ج 7 ص 379 حتى 350 عن مصادر كثيرة ومن طرق كثيرة جداً فليراجعه من أراد وتذكرة الخواص ص 104 وشرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 183 و ج 1 ص 201 و ج 2 ص 261 و 266 و 268 و 269 والكامل في التاريخ ج 3 ص 347 ، وإن تتبع مصادر هذا الحديث متعذر فنكتفي هنا بهذا القدر .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 5 _

   وفي بعض الروايات : طوبى لمن قتلهم وقتلوه (1) ، وفي بعض الروايات أيضاً : أنهم كلاب النار (2) ، وهو حديث لا شبهة في صحته ، وقد ذكرت الروايات علامات لفئة المارقين هؤلاء ، أبرزها ظهور المخدج ، وهو ذو الثدية (3) فيهم ، وهو الرجل الذي لا يعرف أحد من أبوه .

---------------------------
(1) راجع مسند أحمد ج 4 ص 357 و 382 . .
(2) مسند أحمد ج 4 ص 382 و 355 وسنن ابن ماجة ج 4 ص 74 وصححه السيوطي في الجامع الصغير ، والمعجم الصغير ج 2 ص 117 . .
(3) مصادر ذلك لا تكاد تحصر ، فراجع على سبيل المثال : مسند أحمد ج 1 ص 95 و 92 و 88 و 113 و 108 و 121 و 140 و 141 و 147 و 151 و 155 و 160 و ج 3 ص 33 و 56 و 65 والمصنف للصنعاني ج 10 ص 147 و 148 و 149 و 151 والخصائص للنسائي ص 138 و 139 و 141 و 142 و 143 و 144 و 145 و 146 والسنن الكبرى ج 6 ص 170 والجوهرة في نسب علي ( عليه السلام ) وآله ص 109 و 110 وكشف الأستار عن مسند البزار ج 2 ص 361 و 362 وكنز العمال ج 11 ص 130 و 178 و 272 و 277 و 280 و 281 و 282 و 285 و 286 و 278 و 289 و 296 و 298 و 301 و 302 و 307 و 308 و 310 و 311 عن مصادر كثيرة جداً ، ومجمع الزوائد ج 6 ص 227 و 234 و 235 و 238 و 239 والمحاسن والمساوئ ج 2 ص 98 ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 434 والكامل في التاريخ ج 3 ص 347 و 348 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 414 و 416 والفتوح لابن أعثم ج 4 ص 130 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 153 و 154 وتلخيص الذهبي بهامشه وكفاية الطالب ص 179 و 177 وفرائد السمطين ج 1 ص 276 و 277 ومروج الذهب ج 2 ص 406 ونظم درر السمطين ص 116 وتاريخ بغداد ج 12 ص 480 و ج 1 ص 160 و 206 و 199 و 174 و ج 13 ص 158 و 222 و ج 11 ص 118 و ج 11 ص 305 و ج 14 ص 365 و ج 7 ص 237 وصحيح مسلم ج 3 ص 115 طبعة دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان والعقود الفضية ص 66 و 67 والمعجم الصغير ج 2 ص 85 وراجع ص 75 وعن المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 191 والثقات ج 2 ص 296 وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 130 و ج 13 ص 183 و ج 2 ص 266 و 268 و 275 و 276 وخصائص أمير المؤمنين للرضي ص 30 وذخائر العقبى ص 110 ونزل الأبرار ص 57 و61 والرياض النضرة ج 3 ص 224 و 225 والبداية والنهاية ج 7 من ص 280 حتى ص 307 بطرق كثيرة جداً وتذكرة الخواص ص 104 والمغازي للواقدي ج 3 ص 948 و 949 والمناقب للخوارزمي ص 182 و 183 و 185 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 6 _

   قال أبو سعيد الخدري : فحدثني عشرون ، أو بضع وعشرون من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أن علياً ( ع ) ولي قتلهم (1) ، وأضاف أبو سعيد الخدري قوله : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأشهد أن علياً ( عليه السلام ) حين قتلهم ـ وأنا معه ـ جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) (2) ، وقد ذكرت بعض المصادر أن قتل ذي الثدية كان على يد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه ، حيث ضربه على بيضته ، فهتكها ، وحمل به فرسه، وهو لما به من أثر الضربة ، حتى رمى به في آخر المعركة ، على شط النهروان ، في جوف دالية خربة (3) .

---------------------------
(1) راجع : مسند أحمد ج 3 ص 33 وكنز العمال ج 11 ص 302 عن ابن جرير والبداية والنهاية ج 7 ص 299 .
(2) المصنف للصنعاني ج 10 ص 147 و 149 والجوهرة في نسب علي بن أبي طالب وآله ص 110 وكنز العمال ج 11 ص 296 و 297 عن عبد الرزاق وابن أبي شيبة ، والخصائص للنسائي ص 138 و 139 في هامشه عن المصادر التالية : أسد الغابة ج 2 ص 140 والبداية والنهاية ج 7 ص 301 وميزان الاعتدال ج 2 ص 263 ومسند أحمد ج 3 ص 56 و ج 1 ص 91 والعقود الفضية ص 67 والمناقب للخوارزمي ص 183 ونزل الأبرار ص 58 وفي هامشه عن بعض من تقدم وعن حلية الأولياء ج 4 ص 186 وعن مجمع الزوائد ج 6 ص 239 وعن سنن البيهقي ج 8 ص 170 وعن صحيح مسلم ج 2 ص 748 وعن المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 91 وعن تاريخ بغداد ج 13 ص 186 وعن مستدرك الحاكم ج 2 ص 145 وعن سنن أبي داود ج 2 ص 282 .
(3) الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 130 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 7 _

التشكيك اللئيم :
   ولكن بعض من لا يؤمن بالإسلام ولا بالوحي على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، بل هو يعمل على الكيد له ، وتزوير حقائقه ـ إن أمكنه ذلك : يعتبر حديث التميمي الذي اعترض على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أسطورة ـ كما ذكره فلهوزن في كتابه (1) ونحن لا نتعجب كثيراً من مثل هذه الأقاويل ، فإنما هي شنشنة أعرفها من أخزم ؛ وليست هذه هي أولى طعنات هؤلاء المستشرقين في هذا الدين الحنيف ، ولا نعتقد أنها ستكون الأخيرة منهم .
   ولكن أن نقرأ لبعض من ينسب إلى هذا الدين : أن حديث ذي الثدية منتحل وهو أسطورة لا حقيقة لها رغم اعترافه بتواتره (2) ، فذلك ما يثير عجبنا حقاً من إنسان يدعي أنه باحث موضوعي لا يميل به الهوى ، ولا يصده التعصب عن قول الحق ! ! ، فإنه إذا لم يصح الحديث المتواتر ، فأي حديث بعده يمكن أن يصح ، لاسيما مع ملاحظة عناية سائر الفرق الإسلامية ، وعلمائها بنقل هذا الحديث ، ومع كثرة طرقه ! ! .

صفات « الخوارج » في الروايات :
   ومن العلامات التي ذكرتها الروايات للخوارج : أنهم أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام (3) ، وهذا هو نفس ما وصفهم به علي ( عليه السلام ) ، كما سيأتي حيث قال عنهم ( عليه السلام ) : أخفاء الهام سفهاء الأحلام (4) .

---------------------------
(1) الخوارج والشيعة ص 45 .
(2) قضايا في التاريخ الإسلامي للدكتور محمود إسماعيل هامش ص 67 و 68 .
(3) راجع من المصادر المتقدمة : مسند أحمد ، والمعجم الصغير ج 2 ص 100 وكشف الأستار ج 2 364 وكنز العمال ج 11 ص 128 و 129 و 179 و 181 و 299 و 204 و 206 ورمز له بما يلي : ( ق . خ . د . ن . ج . ت . ه . ط . م . أبو عوانة . حب . ع ، الخطيب . ابن عساكر . الحكيم . ابن جرير ، والتنبيه والرد ص 182 ، وراجع : وأحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 455 والسنن الكبرى ج 8 ص 170 وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب 48 والخصائص للنسائي ص 140 ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 57 والبداية والنهاية ج 7 ص 291 و 296 وتيسير الوصول ج 4 ص 32 عن الخمسة ما عدا الترمذي .
(4) الموفقيات ص 327 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 8 _

   وحسب نص آخر : أحداث ، أحدّاء ، أشداء ، ذليقة ألسنتهم بالقرآن ، يقرؤونه لا يجاوز تراقيهم (1) ، وذكرت النصوص أيضاً : أن سيماهم التحليق والتسبيت [ وهو استئصال الشعر القصير ] ، وذكرت النصوص المتقدمة : أنهم « يقرؤون القرآن ، يحسبون أنه لهم ، وهو عليهم » (2) .
   وأنهم : « قوم يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل . . إلى أن قال : يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم ، قالوا : يا رسول الله ، ما سيماهم ؟ ! ، قال : التحليق » (3) .
   وفي نص آخر : « يتلون كتاب الله وهم أعداؤه ، يقرؤون كتاب الله محلقة رؤوسهم الخ » (4) .

التزوير المفضوح :
   وإن من يراجع كتب التاريخ يعرف كثرة « الخوارج » من بني تميم ، وكما قد قرأنا آنفا : وصف أمير المؤمنين ( عليه السلام ) للخوارج بأنهم معاشر أخفَّاء الهام سفهاء الأحلام ، أن ما يقرب من هذه العبارات مروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً ، غير أن ثمة نصاً آخراً قد جاء بعكس هذا المعنى ، فقد روى أبو هريرة : أنه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول عن بني تميم : « ضخم الهام ، رجح الأحلام ، وأشد الناس على الرجال في آخر الزمان » (5) .
   ومن الواضح : أن أبا هريرة كان عدواً لأمير المؤمنيين ( عليه السلام ) ، وقد اعتبره أنه قد أحدث في المدينة ، وأمره في ذلك أشهر من أن يذكر ، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك . . وأن مقام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أعظم وأجل من أن ينال من هذا المظهر للنصب والعداء له صلوات الله وسلامه عليه . .

---------------------------
(1) راجع مسند أحمد ج 5 ص 44 و 36 والمعيار والموازنة ص 170 وكنز العمال ج 11 ص 180 و 294 ورمز له بـ [ حم . ق . ط . وابن جرير ] ومجمع الزوائد ج 6 ص 230 عن أحمد والطبراني ، والبزار وتاريخ بغداد ج 1 ص 160 و ج 3 ص 305 وفرائد السمطين ج 1 ص 277 والبداية والنهاية ج 7 ـ ص 291 والخصائص للنسائي ص 139 ونظم درر السمطين ص 116 .
(2) مسند أحمد ج 1 ص 92 والغدير ج 10 ص 54 وفي هامشه عن صحيح الترمذي ج 9 ص 37 وسنن البيهقي ج 8 ص 170 وأخرجه مسلم وأبو داود كما في تيسير الوصول ج 4 ص 31 ونزل الأبرار ص 60 وفي هامشه عن مسلم ج 2 ص 748 .
(3) سنن أبي داود ج 2 ص 284 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 147 و 148 وسنن البيهقي ج 8 ص 171 .
(4) مستدرك الحاكم ج 2 ص 145 .
(5) البرصان والعرجان ص 309 وفي هامشه عن صحيح مسلم 1957 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 9 _

سيماهم . . شعارهم :
   وبعد . . ، فقد قال المعتزلي : « كان شعارهم أنهم يحلقون وسط رؤوسهم ، ويبقى الشعر مستديراً حوله كالإكليل » (1) ، وفي نص آخر : عن أبي سعيد : « التسبيد فيهم فاشٍ ، قلت : وما التسبيد ؟ قال : لا أعلمه إلا نحواً في رأسك فوق الجلد ودون الوفرة » (2) ، ولكن رواية عن عبد الرزاق قالت : سيماهم الحلق والسمت ، قال : يعني : يحلقون رؤوسهم ، والسمت يعني لهم سمت وخشوع (3) وأنهم من جهة العراق ، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان (4) ، كما أن من صفاتهم : أنهم يتكلمون بكلمة الحق ، لا يجاوز حلوقهم ، يحسنون القيل ، ويسيئون الفعل ، يدعون إلى كتاب الله ، وليسوا منه في شيء ، يتلون كتاب الله وهم أعداؤه (5) .

---------------------------
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 123 .
(2) التنبيه والرد ص 182 .
(3) المصنف للصنعاني ج 10 ص 154 .
(4) راجع الهوامش السابقة . مثل : مجمع الزوائد ج 6 ص 230 و 238 وكشف الأستار ج 2 ص 364 و 363 وكنز العمال ج 11 ص 126 و 127 و 288 و 298 ورمز للمصادر التالية [ خ . ق . د . ن . وابن أبي عاصم . وابن جرير . عب ] والسيرة الحلبية ج 2 ص 140 ط سنة 1220 بمصر ، صحيح مسلم ، كتاب الزكاة باب 47 والبداية والنهاية ج 7 ص 300 .
(5) راجع : بحار الأنوار ج 22 ص 329 والبداية والنهاية ج 7 ص 328 وسنن أبي داود ج 2 ص 284 ومستدرك الحاكم ج 2 ص 147 و 148 والسنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 171 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 10 _

الخوف من إظهار الحق :
   قال المعتزلي : « قال إبراهيم بن ديزيل : حدثنا سعيد بن كثير ، عن عفير قال : حدثنا ابن لهيعه . . عن ابن هبيرة : عن حنش الصنعاني قال : جئت إلى أبي سعيد الخدري ـ وقد عمي ـ فقلت : أخبرني عن هذه « الخوارج » ، فقال : تأتوننا فنخبركم ، ثم ترفعون ذلك إلى معاوية ، فيبعث إلينا بالكلام الشديد .
   قال : قلت : أنا حنش ، فقال : مرحباً بك يا حنش المصري ، سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : يخرج ناس يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر أحدكم في نصله لا يرى شيئاً ، فينظر في قذذه فلا يرى شيئاً ، سبق الفرث والدم ، يصلى بقتالهم أولى الطائفتين بالله ، فقال حنش : فإن علياً صَلِيَ بقتالهم ؟ فقال أبو سعيد : وما يمنع علياً أن يكون أولى الطائفتين بالله ؟ ! » (1) ، ونلاحظ هنا :

(1) خوف أبي سعيد : إننا نجد أبا سعيد يخاف من إظهار حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأن ذلك يعرضه للكلام الشديد ، فإذا كان هذا الحديث له مساس بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) فإن أمره يصبح أشد وتبعاته تصير أعظم ، حتى ولو كان هذا الحديث يشير إلى « الخوارج » أعداء معاوية والحكم الأموي ، وهذا يعطينا فكرة عن المعاناة التي يواجهها الحديث عن فضائله ( عليه السلام ) وكراماته ، وما يبين موبقات ومخازي أعدائه ومناوئيه ، فالذي وصل إلينا من ذلك لابد أن يعد من كراماته ( عليه السلام ) ومن موارد لطف الله وعنايته البالغة .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 261 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 11 _

(2) حنش . . وعلي أيضاً : وحتى حنش المصري ، فإنه لا يكاد يرضى بأن يكون علي ( عليه السلام ) هو الذي صلي بقتالهم حذراً من أن يكون ( عليه السلام ) أولى الطائفتين بالله الأمر الذي أثار أبا سعيد وجعله يعبر عن استغرابه بقوله : وما يمنع علياً أن يكون أولى الطائفتين بالله .
(3) معاوية يلاحق من يحدِّث : وثمة دلالة أخرى نستفيدها هنا ، وهي أن معاوية كان يبث جواسيسه لمعرفة الأحاديث التي يبثها الصحابة في الناس ، ثم هو يواجه من تصدر عنهم تلك الأحاديث بالشدة والتخويف ، وإن الجواسيس كانوا لا يكتفون بما يسمعونه ، بل هم كانوا يسألون عن تلك الأحاديث ويطلبون سماعها . .
  وبعد ما تقدم نقول : كان ما تقدم هو ما أحببنا أن نقدم الحديث عنه هنا ، وقد أصبح من الطبيعي أن نبدأ في عرض أقسام الكتاب وفصوله الرئيسية ، بادئين حديثنا بعرض موجز للمناخات والأجواء التي كانت تفرض نفسها على العراق في فترة ظهور « الخوارج » . . فإلى ما يلي من أقسام وفصول .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 12 _



البداية :
   إنه إذا كان لابد لنا من إلقاء نظرة فاحصة على حقيقة الظروف التي كان يعاني منها أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في العراق ، والتي أفرزت الكثير من المفارقات ، وخلقت أو ساعدت على خلق وحدوث الكثير من المشاكل والعوائق أمام مسيرة الحق والعدل ، التي بدأها ( عليه السلام ) في هذا المجتمع الجديد ، وعلى نطاق الدولة الإسلامية أجمع ، وحتى بالنسبة للمجتمع البشري ككل . . فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلى الإشارة إلى واقع المجتمع العراقي ، الذي كان ( عليه السلام ) يتعامل معه ، وكان قد فرض عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يتخذه قاعدة لانطلاقه ، ومحوراً لتحركاته . . لنتعرف بالتالي على المناخ الذي جعل من ظهور فرقة « الخوارج » التي نحن بصدد الحديث عنها ، أمراً ممكناً ، له أسبابه الموضوعية على صعيد الواقع الخارجي ، الذي كان ( عليه السلام ) يتعامل معه ، ويسجل موقفاً تجاهه . .
   ولكننا قبل بدء الحديث حول هذا الموضوع نرى أن من المناسب أن نلم بإضمامة من أقواله ( عليه الصلاة والسلام ) عن معاصريه من العراقيين ولهم ، لتكون خير شاهدٍ ، وأفضل بيان يوضح لنا ما كان يعاني منه ذلك الرجل المظلوم ، الذي كان قد بلغ به الأمر حداً جعله يقول لأهل العراق : « لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً ، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً » ، فنقول :

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 13 _

العراقيون . . في كلام علي ( عليه السلام ) :
   ونقتطف من كلامه ( عليه السلام ) ، الذي ورد في نهج البلاغة ، وفي مصادر كثيرة ما يلي : قال ( عليه السلام ) في نهج البلاغة الخطبة رقم ( 25 ) بترقيم المعجم المفهرس للدشتي : « . . إني والله ، لأظن : أن هؤلاء القوم سيدالون منكم ، باجتماعهم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحق ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم ، وخيانتكم ، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم ؛ فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته ، اللهم إني قد مللتهم وملوني ؛ وسئمتهم وسئموني ، فأبدلني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شراً مني » (1) .
  وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 27 ) بترقيم المعجم : « عجباً والله يميت القلب ويجلب الهم ، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ، فقبحاً لكم وترحاً ، حين صرتم غرضاً يرمى ، يغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزون ولا تَغزون ، ويعصى الله وترضون ، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم : هذه حمَّارة القيظ » ، إلى أن قال ( عليه السلام ) : « يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال ، وعقول ربات الحجال ، لوددت إني لم أركم ولم أعرفكم ، معرفة والله جرت ندماً ، وأعقبت سدماً ، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً ، وشحنتم صدري غيظاً ، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً الخ. . » .
   وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 29 ) بترقيم المعجم : « أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصم الصلاب ، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء » (2) ، وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 39 ) من نهج البلاغة بترقيم المعجم : « منيت بمن لا يطيع إذا أمرت ، ولا يجيب إذا دعوت لا أبا لكم ما تنتظرون بنصركم ربكم ؟ ! أما دين يجمعكم ؟ ولا حمية تحمشكم ؟ أقوم فيكم مستصرخاً ، أناديكم متغوثاً ، فلا تسمعون لي قولاً، ولا تطيعون لي أمراً ، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة الخ » (3) ، وقال ( عليه السلام ) : « إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم ، كأنكم من الموت في غمرة ، ومن الذهول في سكرة ، يرتج عليكم حواري فتعمهون ؛ فكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون .

---------------------------
(1) وراجع : شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 332 والثقات ج 2 ص 351 وفيه زيادات واختلاف .
(2) وراجع في هذا النص أيضاً الفتوح لابن اعثم ج 4 ص 100 و 101 .
(3) نهج البلاغة ج 1 ص 86 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 14 _

   ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، وما أنتم بركن يمال بكم ، ولا زوافر عز يفتقر إليكم ، ما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها ، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر » (1) ، وقال ( عليه السلام ) : « إنكم ـ والله ـ لكثير في الباحات , قليل تحت الرايات ، وإني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم ، ولكني والله لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي ، أضرع الله خدودكم ، وأتعس جدودكم ، لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل ، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحق » (2) .
   وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 97 ) بترقيم المعجم : « أيها القوم الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، المبتلى بهم أمراؤهم ، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ، لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحداً منهم » .
   وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 106 ) بترقيم المعجم : « وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تغضبون وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون ، وكانت أمور الله عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع » . . . الخ .
   وقال ( عليه السلام ) في نهج البلاغة الخطبة ( 108 ) بترقيم المعجم المفهرس للدشتي : « ما لي أرى أشباحاً بلا أرواح ، وأرواحاً بلا أشباح ، ونسّاكاً بلا صلاح ، وتجاراً بلا أرباح ، وأيقاظاً نوماً ، وشهوداً غيباً ، وناظرة عمياء، وسامعة صماء ، وناطقة بكماء » .
   وقال في الخطبة رقم ( 121 ) بترقيم المعجم : « هذا جزاء من ترك العقدة ! أما والله لو أني حين أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي يجعل الله فيه خيراً فإن استقمتم هديتكم ، وإن اعوججتم قومتكم ، وإن أبيتم تداركتكم ، لكانت الوثقى ، ولكن بمن وإلى من ؟ ! أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي ، كناقش الشوكة بالشوكة ، وهو يعلم أن ضلعها معها ، اللهم قد ملت أطباء هذا الداء الدوي , وكلت النزعة بأشطان الركي ، أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه , وقرؤوا القرآن فأحكموه, وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها . . . الخ » .

---------------------------
(1) نهج البلاغة ج 1 ص 78 و 79 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 2 ص 189 .
(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 6 ص 102 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 15 _

   وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 180 ) بترقيم المعجم المفهرس للدشتي : « أحمد الله على ما قضى من أمر ، وقدر من فعل ، وعلى ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع وإذا دعوت لم تجب إن أمهلتم خفتم ، وإن حوربتم خُرتم وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم » (1) .
   وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 208 ) بترقيم المعجم المفهرس للدشتي : « أيها الناس إنه لم يزل أمري معكم على ما أحب حتى نهكتكم الحرب ، وقد والله أخذت منكم وتركت وهي لعدوكم أنهك ، لقد كنت أمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً وكنت أمس ناهياً فأصبحت اليوم منهياً وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون » (2) .
   وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 192 ) بترقيم المعجم : « ألا وإنكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة ، وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية الخ . . » ، وقال ( عليه السلام ) في الخطبة رقم ( 192 ) بترقيم المعجم : « واعلموا أنكم صرتم بعد الهجرة أعراباً ، وبعد الموالاة أحزاباً ، ما تتعلقون في الإسلام إلا باسمه ، ولا تعرفون من الإيمان إلا رسمه . . . ألا وقد قطعتم قيد الإسلام وعطلتم حدوده ، وأمتم أحكامه » .

قريش والعرب وعلي ( عليه السلام ) :
   كانت تلك بعض كلمات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في بيان حال أصحابه ، كما وردت في كتاب نهج البلاغة ، ولعل أكثر ما تقدم قد صدر عنه ( عليه السلام ) بعد حرب الجمل ، وصفين كما يظهر ، بل هو صريح بعض النصوص الآتية . . . وتلك الكلمات ناطقة بأنه ( عليه السلام ) كان يعاني من مشكلات كبيرة مع أصحابه ، وأنهم كانوا لا يطيعونه ، ولا ينقادون لأوامره في كثير من الأحوال . . . ولا يختص ذلك بالعراقيين ، بل هو ينسحب على قريش ، وعلى العرب بصورة عامة . . . وقد أكدت ذلك النصوص الكثيرة الأخرى أيضاً . . .

---------------------------
(1) راجع : شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 10 ص 67 عن تاريخ الامم والملوك 2 / 3 / 1681 و 1682 . . .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 11 ص 29 و ج 2 ص 219 و 220 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 16 _

   ونحن نشير هنا إلى النصوص التالية :
   وقال معاوية ، وهو يتحدث عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعن نفسه : « . . . وكان في أخبث جند ، وأشدهم خلافاً ، وكنت في أطوع جند ، وأقلهم خلافاً » (1) ، وكان أمير المؤمنين ( عليه الصلاة والسلام ) يردد : ولكني متى أبرمت أمراً منيت بخلف آراء الطغام (2) .
   وقال الدكتور نايف معروف : « وقد حمّل ( ميور ) علياً مسؤولية وجود تلك العناصر الهدامة بين أتباعه حين قال : ( إن علياً قد سمح لنفسه أن يضم إلى جيشه الخونة والقتلة ، فكان عليه أن يجني الثمار المرة ، في الوقت الذي كان فيه معاوية هو الرابح الوحيد ) ، ولكن يبدو أن ( ميور ) قد حمّل علياً ما هو فوق طاقته ؛ فأمير المؤمنين لم يكن بقادرٍ على تحديد هوية أولئك المخادعين ؛ ليفرز الخونة جانباً ؛ خصوصاً وأنهم من زعماء القبائل التي تسانده ، وتحارب إلى جانبه ، والتي لا يستطيع إغضابها ، والاستغناء عن مساندتها له ، كما أن زعم « ماكدونالد » بأن علياً لم يكن رجل سياسة فيه جهل بشخصية الإمام ، الذي كان رجل عقيدة ، يعمل بموجبها ، ويلتزم بأحكام اجتهاداته من خلالها » (3) .
   ونقول : لسوف يتضح من خلال هذا البحث : أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد بلغ في سياسته الحكيمة درجة الإعجاز ، فإنه قد قاتل أولاً جيشاً فيه طلحة والزبير ، وهما من أهل السابقة في الإسلام ، ومعهما التأييد القرشي القوي ، وقد كان لقريش نفوذ كبير في الناس ومعهما أيضاً زوجة النبي وابنة الخليفة الأول ، ومدلَّلة عمر بن الخطاب , الرجل الذي كان قوله في العرب كالشرع المتبع كما سنشير إليه إنشاء الله . . . ثم حارب معاوية وجيشه الذي كان أكثر من مئة ألف رجل وقد تحدث معاوية نفسه عن الواقع الذي كان يعاني منه أمير المؤمنين ، وعن الامتياز الذي لمعاوية في جيشه من أهل الشام . . . ثم حارب خوارج أهل العراق بأهل العراق أنفسهم ، فقتلوا إخوانهم وابناءهم وآباءهم فيهم .
   كل هذا قد كان والحال : أنه ( عليه السلام ) لم يكن جيشه موالياً له ، بل لم يكن معه خمسون رجلاً يعتقدون بإمامته ، كما سنذكره وكان في أخبث جيش ، وكان عدوه في أطوع جيش ، حسب قول معاوية . . . وهل يستطيع أحد أن يحارب أعدائه بأعدائه ، والحال أن الذين يحاربهم يملكون امتيازات بهذا الحجم ، ثم هو ينتصر عليهم جميعاً ؟ ! إن ذلك لعجيب حقاً وأي عجيب ! ! وقد روى الصدوق رحمه الله قال : « حدثني محمد بن الحسن بن الوليد رضي الله عنه ، عن المفضل بن قيس ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : كم شيعتنا بالكوفة ؟ قال : قلت : خمسون ألفاً ، قال : فما زال يقول ، حتى قال : أترجو أن يكونوا عشرين ؟ ثم قال ( عليه السلام ): والله ، لوددت أن يكون بالكوفة خمسة وعشرون رجلاً يعرفون أمرنا الذي نحن عليه ، ولا يقولون علينا إلا بالحق » (4) .

---------------------------
(1) الخوارج في العصر الأموي ص 70 عن المحاسن والمساوئ للبيهقي ص 376 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 18 / 19 وعنه في كتاب : الخوارج في العصر الأموي ص 71 .
(3) الخوارج في العصر الأموي ص 72 . . .
(4) صفات الشيعة ص 14 / 15 . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 17 _

   فإذا كان هذا هو الحال في زمن الإمام الصادق ( عليه السلام ) الذي ظهرت فيه الكوفة على أنها عاصمة التشيع لعلي ( عليه السلام ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) ، وقد كتب ( عليه السلام ) إلى أخيه عقيل : « ألا وإن العرب قد أجمعت على حرب أخيك إجماعها على حرب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل اليوم ؛ فأصبحوا قد جهلوا حقه ، وجحدوا فضله ، وبادروه بالعداوة ، ونصبوا له الحرب ، وجهدوا عليه كل الجهد ، وجرُّوا إليه جيش الأحزاب الخ. . . » (1) .
   وقال ( عليه السلام ) لعدي بن حاتم في صفين : « أدن ، فدنا ، حتى وضع أذنه عند أنفه ، فقال : ويحك ، إن عامة من معي اليوم يعصيني ، وإن معاوية في من يطيعه ، ولا يعصيه » (2) ، ويقول الثقفي : « قد كان الناس كرهوا علياً ، ودخلهم الشك والفتنة ، وركنوا إلى الدنيا ، وقلّ مناصحوه ؛ فكان أهل البصرة على خلافه والبغض له ، وجلّ أهل الكوفة ، وقراؤهم ، وأهل الشام ، وقريش كلها » (3) .
   ويقول أيضاً : « . . . وكانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية » (4) ، وقد تحدثنا عن موقف قريش منه ( عليه السلام ) في مقال لنا حول الغدير ، في الجزء الثالث من كتاب « دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام » ، فليراجع ، وحين قيل لعلي ( عليه السلام ) لما كتبت الصحيفة : إن الأشتر لم يرض بما في هذه الصحيفة ، ولا يرى إلا قتال القوم ، فقال علي ( عليه السلام ) : بلى ، إن الأشتر ليرضى إذا رضيت . . . إلى أن قال : « ليت فيكم مثله اثنين ، بل ليت فيكم مثله واحداً يرى في عدوه مثل رأيه ، إذن لخفَّت علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم » (5) ، أما ابن كثير ، فيقول : « واستقر أمر العراقيين على مخالفة علي فيما يأمرهم ، وينهاهم عنه ، والخروج عليه ، والبعد عن أحكامه ، وأقواله ، وأفعاله ، لجهلهم ، وقلة عقولهم ، وجفائه م، وغلظتهم ، وفجور كثير منهم » (6) .

---------------------------
(1) شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 119 والغارات للثقفي ج 2 ص 421 والبحار ج 8 ط قديم ص 621 والدرجات الرفيعة ص 156 ونهج السعادة ج 5 ص 202 .
(2) شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 77 .
(3) الغارات ج 2 ص 454 .
(4) الغارات ج 2 ص 569 .
(5) صفين ص 521 والكامل في التاريخ ج 3 ص 322 والمعتزلي ج 2 ص 240 .
(6) البداية والنهاية ج 7 ص 317 وراجع ج 8 ص 11 أعني قوله ( عليه السلام ) : إني مللتهم وملوني . . . الخ .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 18 _

   وروي عن الباقر ( عليه الصلاة والسلام ) قوله : « كان علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عندكم بالعراق ، يقاتل عدوه ، ومعه أصحابه ، وما كان خمسون رجلاً يعرفونه حق معرفته ، وحق معرفته إمامته . . » (1) .
   وأما فيما يرتبط بالأسباب التي نشأت عنها هذه الحالة ، فهي كثيرة ، ونشير هنا إلى بعضها :

قريش وحقدها :
   إن ذلك النشاط الواسع ، الذي كانت تقوم به قريش ، ومن يدور في فلكها من الصحابة ، وغيرهم ، وبالأخص الأخطبوط الأموي ، في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية ، والرامي إلى تأليب الناس ضد علي ( عليه السلام ) ، وصرفهم عن تأييده ونصره ـ إن ذلك ـ ليدل على مدى حقدهم على علي ( عليه السلام ) وكرههم لأمره .
   وقد كانت قريش على درجة عالية من التمرس في حياكة المكائد ، وفي مكر السياسة ، وكانت تتمتع بدرجة عالية من النفوذ بين الناس عموماً لأسباب عديدة ، ليس هنا محل بحثها . . . وسبب حقدها هذا على علي ( عليه السلام ) يرجع إلى أمور كثيرة ، فهو قد قتل في حرب بدر من رجالها وصناديدها نصف السبعين ، وشارك في قتل النصف الآخر (2) ، الذين كانوا كأن وجوههم سيوف الذهب ، على حد قول عثمان لعلي ( عليه السلام ) مباشرة (3) .
   هذا بالإضافة إلى حسدها القوي له (عليه السلام) ، وبغيها عليه ، لما كان يتمتع به من فضائل ومزايا ؛ ثم العناية الخاصة التي كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسلم يوليه إياها . . . ولأمور أخرى . . . وقد ذكر ذلك أبو الهيثم ابن التيهان رحمه الله تعالى ، في كلام له هام وجيد (4) فليراجع ، كما أن الثقفي يقول : « كانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية » (5) .
   وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفسه قد أعلن في مناسبات كثيرة عن عداء قريش له ، وتصغيرها عظيم منزلته ، وبغيها عليه ، وسعيها إلى نقض أمره ، وتمييع قضيته ، والنصوص في هذا المجال كثيرة (6) ورسالة علي ( عليه السلام ) لأخيه عقيل التي يقول فيها : إن قريشاً أجمعت على حربه إجماعها على حرب رسول الله الخ. . . هذه الرسالة خير شاهد على ذلك (7) ، ولا يجب أن ننسى هنا دعايات معاوية وحزبه ضده ( عليه السلام ) ، فقد كان يتهمه ـ مثلاً ـ بأنه كان حاسداً للخلفاء قبله ، باغياً عليهم ، وأنه كان يقاد للبيعة كما يقاد الجمل المخشوش (8) ، وأنه لم يزل من أول الأمر معجباً بنفسه ، مدلاً بقرابته ، لا يرى لغيره حقاً في الخلافة .

---------------------------
(1) اختيار معرفة الرجال ص 6 .
(2) راجع الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ج 3 ص 202 ـ 204 . . .
(3) معرفة الصحابة لأبي نعيم ، مخطوط في مكتبة : طوب قبوسراي رقم 1 / 497 / أ الورق22 ، وشرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 23 والجمل ص 99 .
(4) راجع : الأوائل ، لأبي هلال العسكري ج 1 ص 316 / 317 .
(5) الغارات ج 2 ص 569 .
(6) راجع : نهج البلاغة ، شرح عبده ، الرسالة رقم 36 وقسم الخطب رقم 212 و 32 و 137 وشرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 96 و ج 2 ص 119 والغارات ج 1 ص 309 و ج 2 ص 454 و 429 و 430 وأنساب الأشراف ( بتحقيق المحمودي ) ج 2 ص 74 فما بعدها ، والبحار ط قديم ج 8 ص 621 ، وكتابنا : دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج 1 ص 175 و 176 للاطلاع على مصادر أخرى ، والإمامة والسياسة ج 1 ص 155 .
(7) المعيار والموازنة ـ ص 180 .
(8) نهج البلاغة ، الرسالة رقم 28 . . .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 19 _

   وأنه كان هو السبب في مقتل عثمان (1) ، إلى غير ذلك من دعايات مغرضة ، تهدف إلى إبعاد الناس عنه ، والحط منه ( عليه السلام ) ، والنيل من شخصيته .

خلاصة جامعة :
   ونستخلص من كلماته ( عليه الصلاة والسلام ) المتقدمة أموراً كثيرة ، ونستطيع أن نجملها على النحو التالي :
(1) بالنسبة إلى إمامهم ، وتعاملهم معه نجد :
ألف : أنهم يعصونه في الحق ، ولا يطيعونه إذا أمرهم أو دعاهم ، ولا يسمعون قوله ، ولا يجيبون صرخته ، واستغاثته . . . حسب التعبيرات المختلفة التي وردت عنه ( عليه السلام ) .
ب : إنهم قد ملوا قائدهم ، وإمامهم وسئموه .
ج : إنهم يصدرون الأوامر والنواهي لأميرهم .

(2) وأما بالنسبة لأمر الجهاد فإنهم :
ألف : قد أصبحوا غرضاً يرمى ، يغار عليهم ، ولا يغيرون ، ولا يُغزَونَ ، ولا يغزون ، كثير في الباحات قليل تحت الرايات .
ب : إذا أمروا بالجهاد ، يتعللون بالمعاذير ، بالحر تارة ، وبالبرد أخرى .
ج : إنهم يصابون ـ إذا أمروا بالنفر إلى الجهاد ـ بالذعر والخوف .
د : كلامهم يوهي الصم الصلاب ، وفعلهم يطمع فيهم الأعداء .
هـ : يؤثرون البقاء على لقاء الله والجهاد في سبيله .
و : إن حوربوا خاروا وإن أمهلوا خاضوا .

---------------------------
(1) راجع ذلك في نهج البلاغة ، قسم الكتب تحت رقم 48 ط الدار الإسلامية و ط 1 سنة 1414 ونفس المصدر كتاب رقم 57 من نفس الطبعة.

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 20 _

(3) بالنسبة إلى حالتهم مع بعضهم البعض فإنهم :
ألف : متفرقون عن حقهم .
ب : إن أمهلوا خاضوا .
ج : أهواؤهم مختلفة .
د : هم كإبل ضل رعاتها ، كلما جمعت من جانب انتشرت من آخر .
هـ : صاروا بعد الموالاة أحزاباً ، حيث يظهر : أن المقصود هو أنهم أصبحوا شيعاً وأحزاباً متدابرين ، بعد أن كانوا يداً واحدة يوالي ويحب بعضهم بعضاً .

(4) وأما بالنسبة للدين والتدين فإنهم :
ألف : يرضون بمعصية الله سبحانه ويرون عهود الله منقوضة ولا يأنفون ، ولكنهم يأنفون لنقض ذمم آبائهم .
ب : لا يعرفون الحق كمعرفتهم الباطل ، ولا يعرفون من الإيمان إلا اسمه .
ج : لا يبطلون الباطل كإبطالهم الحق .
د : هم نساك بلا صلاح .
هـ : قد ثلموا حصن الله المضروب عليهم بأحكام الجاهلية .
و : قد قطعوا قيد الإسلام ، وعطلوا حدوده ، وأماتوا أحكامه .
ز : ما يتعلقون من الإسلام إلا باسمه .

(5) وحول مقدار وعيهم ، وإدراكهم لمقتضيات الحكمة .
ألف : أيقاظ نوّم ، وشهود غيب ، وناظرون عمي ، وسامعون صم ، وناطقون بكم ، أبدانهم شاهدة ، وعقولهم غائبة عنهم .
ب : هم أشباح بلا أرواح ، وأرواح بلا أشباح .
ج : كأن عقولهم مألوسة ، فهم لا يعقلون .
د : ليسوا برجال ، بل لهم عقول ربات الحجال .
هـ : لهم حلوم الأطفال .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 21 _

   ثم إنه بقيت لهم أوصاف أخرى ، نجملها على النحو التالي :

(6) إنهم يخونون أمانة صاحبهم ، حتى لو أؤتمن أحدهم على قعب لخشي ( عليه السلام ) أن يذهب بعلاقته .
(7) إنهم يفسدون في بلادهم .
(8) ما هم بركن يمال إليه .
(9) ليسوا زوافر عز يفتقر إليهم .
(10) تجار بلا أرباح .
(11) صاروا بعد الهجرة أعراباً .
   ولعل مراجعة وافية لكلماته صلوات الله وسلامه عليه تعطينا المزيد مما يوضح حقيقة حالهم ، وما آل إليه أمرهم ، ولكن ما ذكرناه يكفي للإلماح إلى ما نريد .
   هذا . . . وقد نجد في الفصل التالي بعض التوضيح لما ذكره ( عليه الصلاة والسلام ) في بيان الحال التي هم عليها ، بقي علينا أن نشير إلى أنه بالنسبة لقريش ، وسائر العرب وموقفهم منه عليه آلاف التحية والسلام ، فإن ذلك يحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي ، لعوامله وأسبابه ، وبوادره ، وآثاره نأمل أن نوفق لذلك في الموقع المناسب إن شاء الله تعالى .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 22 _


العراق بعد الفتح : نظرة عامة :

   لقد فتح العراق في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ؛ ليواجه الحياة العسكرية ، بكل ما لهذه الكلمة من معنى ، حيث أخذ على عاتقه مهمة تأمين القوى الكافية للفتوحات ، وتحمل الكثير من النفقات التي تتطلبها الحروب المتوالية .
   كما أنه قد كان على العراق أن يتقبل شاء أم أبى كل تلك الآثار النفسية والاجتماعية ، التي ترافق حياة هذا طابعها ، هذا بالإضافة إلى عدم توفر عناية كافية ، ممن سبقوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالتربية الإسلامية ، والتأهيل لاستيعاب التعاليم الإلهية ، ثم التفاعل معها بالشكل المناسب والمقبول ؛ بحيث يتحول ذلك في داخلهم إلى طاقة عقائدية ، تشحن وجدان الإنسان وضميره بالمعاني السامية والنبيلة ، ولينعكس ذلك من ثم على كل سلوكه ومواقفه ، وتغني روحه وذاته بالقيم والمعاني الإسلامية السامية ، وتؤثر في صنع ثم في بلورة خصائصه الأخلاقية على أساس تلك المعاني التي فجرتها العقيدة في داخل ذاته ، وفي عمق ضميره .
   وبعد كل ذلك الذي قدمناه ، فإن من الطبيعي أن يصبح الجهل الطاغي والروح القبلية ، والمفاهيم الجاهلية ، والمآرب والأهواء الشخصية ـ كل ذلك ـ هو الطابع العام ، المميز للحياة العامة ، ولاسيما على مستوى الزعامات القبلية آنئذٍ . . . مع فارق وحيد هو : أن كل ذلك أصبح يتلون ويتلبس بالدين ، يستفيد منه في التمرير والتبرير ، والدين من ذلك كله بريء ، بل . . . إنه قد يكون أحياناً عارياًً عن أي لون أيضاً .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 23 _

   وقد أشار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إلى هيمنة المفاهيم الجاهلية على عقليات وتصورات السواد الأعظم في المجتمع العراقي ، حينما قال : « وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهلية » (1) وتقدمت نصوص أخرى تشير إلى ذلك أيضاً في الفصل السابق ، فلتراجع .
  فالعامل الثقافي الناقص والمنحرف ، والمتأثر بالمفاهيم الجاهلية ، التي كانت تهيمن على عقلياتهم وتصوراتهم ، بالإضافة إلى عدم توفر العمق الإيماني لديهم إلا في حدود العواطف والأحاسيس التي كانت تتلون بالإيمان ، وتتجلى بمظهره ، كان هو السمة المميزة للمجتمع العراقي في تلك الفترة .

الفتوحات والغنائم :
   وإذا كان العراقيون يتحملون أعباء الفتوحات ، ليس بالنسبة إلى الدولة الكِسروية وحسب ، وإنما بالنسبة إلى بلاد الشام وفلسطين ، وسائر المناطق ـ فإن من الطبيعي أن يهتموا كثيراً ـ ولاسيما على مستوى القيادات فيهم ـ بالحصول على المزيد من الغنائم والسبايا ، فصار لدى البعض منهم ثروات وفيرة ، وجواري وحسناوات كثيرة ، الأمر الذي من شأنه أن يجعلهم أقل تحمساً لمعاناة الحروب الطويلة ، التي يواجه الإنسان فيها المزيد من شظف العيش ، وقسوة الحياة ، ومشاق المتاعب العظيمة والأخطار الجسيمة ، مادام أنه يمكن تأمين تلك المطالب ، والحصول على تلك الرغائب عن طريق الغارات السريعة ، والحروب الخاطفة .
   ومن الشواهد التي تشير إلى أن تلك الأطماع والشهوات كانت تمثل دافعاً مهماً لهم لخوض الحروب وشن الغارات ، ما روي ، والنص للطبري من أنه : « بعث عتبة بن أنس بن حجية إلى عمر بمنطقة مرزبان دست ميسان ، فقال له عمر : كيف المسلمون ؟ ! ، قال : انثالت عليهم الدنيا ، فهم يهيلون الذهب والفضة ، فرغب الناس في البصرة ، فأتوها ! ! » (2) .
   ومن الطريف أن نشير هنا إلى أن بعض العرب ما كانوا يفرقون الذهب من الفضة ، ولا الكافور من الملح ، قال الدينوري ، وهو يتحدث عن المسلمين في فتح المدائن : « وقعوا على كافورٍ كثير ، فظنوه ملحاً فجعلوه في خبزهم ، فأمرّ عليهم .

---------------------------
(1) نهج البلاغة ، الخطبة رقم ( 192 ) بترقيم المعجم المفهرس للدشتي .
(2) تاريخ الأمم والملوك ج 3 ص 93 وفجر الإسلام ص 180 عنه ، والكامل في التاريخ ج 2 ص 488 والأخبار الطوال ص 117 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 24 _

   وقال مخنف بن سليم: لقد سمعت في ذلك اليوم رجلاً ينادي : من يأخذ صحفة حمراء ، بصحفة بيضاء ، لصحفة من ذهب لا يعلم ما هي » (1) ، وثمة نصوص كثيرة في هذا المجال أوردنا طائفة منها في كتابنا : الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه السلام ) في عهد الرسول والخلفاء الثلاثة بعده ، حين الحديث عن الفتوحات ، وآثارها فليراجعه من أراد .

تربية الجواري للناشئة :
   وبعد ، فإن تربية تلك الجواري والحظايا للناشئة المسلمة ، وهنّ لا يملكن المعرفة الكافية بالإسلام وتعاليمه ، ولا لديهن القدر الكافي من الإيمان به ، أو الالتزام بتعاليمه قد كان من شأنه أن يقلل من نسبة الالتزام الديني عند ذلك النشئ ، ويجعل من الإسلام مجرد ظواهر وطقوس جامدة لا أكثر ، فراجع ما كتبناه حول هذا الموضوع أيضاً في كتابنا : الحياة السياسية للإمام الحسن ( عليه الصلاة والسلام ) .
   وقد كان رجل من نهاوند اسمه دينار يقدم الكوفة أحياناً ، فقدمها في أيام معاوية فقام في الناس : فقال : « يا معشر أهل الكوفة أنتم أول ما مررتم بنا كنتم خيار الناس ، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان ، ثم تغيرتم وفشت فيكم خصال أربع : بخل ، وخب ، وغدر ، وضيق ، ولم يكن فيكم واحدة منهن ، فرمقتكم فإذا ذلك في مولديكم ، فعلمت من أين أتيتم ، فإذا الخب من قبل النبط ، والبخل من قبل فارس ، والغدر من قبل خراسان ، والضيق من قبل الأهواز » (2) .

المجتمع العراقي والحرب :
   بعد ما تقدم نقول : إننا إذا أردنا أن لا نكون مقصرين في دراستنا للأمور ، فإن علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار الأمور التالية :
(1) قضية علي ( عليه السلام ) لا تعنيهم :
   إن رؤساء القبائل الذين كانوا يتحكمون بقرار المشاركة في الحروب لمن يأتمرون بأمرهم ، قد حاربوا مع أمير المؤمنين عدواً يرون أنه ـ حسب معاييرهم ـ عدو له ، قبل أن يصبح عدواً لهم ، وقد يجدون قواسم مشتركة كثيرة تسهل عليهم الالتقاء مع ذلك العدو ، والوصول معه إلى حلول أو أنصاف حلول ، إنها حروب لم تكن تعنيهم كثيراً ، ولا تمثل لهم قضية يرون أنفسهم ملزمين بالدفاع عنها ، والحفاظ عليها ، وحتى حين يدركون أن ثمة استهدافاً خطيراً لهم ، فإنهم يفهمون القضية على أساس أنها دفاع عن أشخاصهم هم ، أو عن شخص علي ( عليه السلام ) ، لا عن قيم ومثل عليا ، فما كان يقاتل من أجله علي ( عليه السلام ) يختلف في مضمونه عما يقاتل من أجله أصحابه .

---------------------------
(1) الأخبار الطوال ص 127 .
(2) حياة الشعر في الكوفة ص 155 عن تاريخ الطبري ، ويذكر الطبري أن المهاجرين والأنصار في فتوح السواد تزوجوا في أهل الكتابين حياة الشعر 146 عن الطبري 1 / 5 / 2374 ويقول بعضهم : « شهدت القادسية مع سعد فتزوجنا نساء أهل الكتاب ونحن لا نجد كثير مسلمات » حياة الشعر 146 عن الطبري 1 / 5 / 2375 وقد أمر عمر حذيفة أن يطلق امرأة من أهل الكتاب كان قد تزوجها وذلك بعد أن ولاه المدائن ، حياة الشعر146 عن الطبري / 1 / 5 / 2374 / 2375 .

علي والخوارج تاريخ ودراسة الجزء الأول _ 25 _

(2) لا غنائم ولا سبايا :
   إنهم حين يتخذون قرار الحرب هذا ، ويشاركون بالفعل فيها ، وتقتل رجالهم ، وتتفانى صناديدهم ، ويعرضون علاقاتهم القبلية والتجارية وغيرها لأخطار حقيقية ، ولنكسات وتعقيدات . . . فإنهم لا يرون في مقابل كل ذلك أي نفع مادي ملموس ، يمكن أن يعوض عليهم بعض تلك الخسائر بنظرهم ، إنها حروب داخلية ، لا غنائم فيها ، ولا سبايا ، بل فيها مصائب وبلايا ، وخسائر ، على الصعيد المادي والدنيوي ، الذي هو العنصر الشاخص في حسابات الربح والخسارة لديهم ، فبملاحظة هذا وذاك لماذا إذن لا يمنّون على علي وعلى أهل بيته ( عليهم السلام ) ، بما يقدمونه من تضحيات ، مادام أنهم أصحاب الفضل عليهم بحسب فهمهم للأمور، وطبيعة تعاطيهم معها .

(3) هيمنة المشاعر القبلية ومفاهيم الجاهلية :
   ومن الأمور التي تشير إلى مدى إسفافهم في التفكير ، وهيمنة المشاعر القبلية ، والمفاهيم الجاهلية عليهم ، ما ذكر من « أن أهل الكوفة في آخر عهد علي ( عليه السلام ) كانوا قبائل ، فكان الرجل يخرج من منزل قبيلته ، فيمر بمنازل قبيلة آخرى ؛ فينادي باسم قبيلته : يا للنخع ، أو يا لكندة ؛ فيتألب عليه فتيان القبيلة ، التي مرّ بها ؛ فينادون : يا لتميم ، ويا لربيعة ، ويقبلون إلى ذلك الصائح ، فيضربونه ، فيمضي إلى قبيلته ، فيستصرخها ، فتسل السيوف وتثور الفتنة » (1) .
(4) حقيقة إخلاص القيادات :
   إن القيادات العشائرية العراقية لم تكن مخلصة ، ولا بعيدة النظر في ما يرتبط بالأمور السياسية ، وغيرها ، وقد سأل المختار أحدهم عن الناس في الكوفة ، فأجاب : « هم كغنم ضل راعيها ، فقال المختار : أنا الذي أحسن رعايتها ، وأبلغ نهايتها » (2) .
   وقد سهّل ذلك ظهور قيادات جديدة ، تكرس انقسامات يبعثها الجهل ، أو الهوى ، وما إلى ذلك ، ويتأكد ذلك حين يكون ثمة واقع يريدون الخروج منه ، أو الوصول إليه ، كما كان الحال في صفين حين ضرستهم الحرب، وتأكدت لديهم الشبهة التي جاءت موافقة لهوى النفس برفع المصاحف ، فنتج عن ذلك وقوعهم في مأزق حين لم يجدوا في أنفسهم ولا في تلك القيادات العشائرية قدرة على استيعاب حركة الواقع ، لا من موقع الوعي الصحيح ، ولا من موقع الهدف الرسالي ، بل وقعوا في متاهات فرضتها استجاباتهم لدوافع غير رسالية ، وغذاها جهل ، وخواء فكري ومعرفي ، وتنكب لصراط الوعي والعلم الصحيح .

(5) رقابة علي تهدد مصالحهم :
   بل إن هؤلاء الناس يرون أو يرى كثير منهم : أنهم في ظل حكم علي ( عليه السلام ) : أن امتيازاتهم مهددة في ظل الرقابة الصارمة لعلي ( عليه السلام ) ، وملاحقته لأدق الأمور ، وكان يأخذهم دون هوادة بمر الحق ، ويحملهم على المحجة الواضحة .

---------------------------
(1) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 239 وحياة الشعر في الكوفة ص 182 .
(2) حياة الشعر في الكوفة ص 133 عن تاريخ الأمم والملوك ج 2 ـ ق 1 ـ ص 531 / 532 .