ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء ، كطلاع الأرض وملء السماء ، أفعجبتم أن مطرت السماء دماً ، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ؟ فلا يستخفنكم المهل ، فإنه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وإن ربكم لبالمرصاد » (1) .
   كان أهل الكوفة على موعد مع صوت علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) صوت العدالة الهادر . . فهذه هي ابنته تفرغ عن لسان أبيها كل ما كان يجلجل في خطرات القلوب ، وحبس الضمائر على باطل جلي ، يتضور منه الحق ، وتندك من خذلانه العزائم .
   وكان علي ( عليه السلام ) كلما علا منبرا تطأطأت معه تلاع النفاق ، وخبت جذوة الفتن ، وأماط القناع عن أهل الضغائن ، وأطاح بمخلفات التحالف يوم كانت تتربص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قعودا عن كل نجدة في الدفاع عن الدين الحنيف .
   فهزيمة الأصحاب في أحد . . يرثها المخلفون من أهل النفاق يوم تغص صفين بحربها الضروس ، ويرتد أهل الفتنة في حرب الجمل الهزيل عن كل حق ، والبطين بكل خسيسة ؛ ليحمل أمهم الخرقاء ، فتقودهم إلى مساومات السياسة وتجارة المناصب .
   هذه هي زينب ( عليها السلام ) في وقفتها الكوفية ، نطقت فأخرست ألسن النفاق ، وتجلببت فمزقت حجب الزور وهي ترنو إلى قصر الإمارة الخاوي عن كل حقيقة ، وقد أسس على جرف هار عندما شيدت يد الغدر جدران السقيفة ، وعقدت سداسية الشورى بمؤامراتها الهزيلة ، وصرح الخضراء الشامي تعقد فيه ليال حمراء على خرافة زهد الشيخين ، اللذين بعثا بالطليق ليطلق كل غدر على آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

---------------------------
(1) مقتل الحسين للمقرم : 312 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 21 _

   ولم تدع ربات الحجال أن ينقطع صوت علي عليه السلام ، حتى لا يبيغ الباطل بأهله ، وتلتبس على الجاهل سبل الحق بطرائق الأهواء .
   فتلتحف فاطمة بثبات فاطمة ، لتقف أمام القوم كما وقفت أمها من قبل ، تجلجل بصرختها ممزقة أستار دسائس الغدر في دياجير العقبة الدامسة ، حتى صبيحة السقيفة ، ولتكشف بخطبتها خطط القوم ، وهم مقنعون بلباس الصحبة البالي الذي راح يرتديه قطاع طرق الأحداث ، ومحترفو مساومات الجاه ، ومتسكعو المناصب البليدة .
   كانت فاطمة بنت الحسين ( عليهما السلام ) تحكي في خطبتها قصة تاريخ ملبد بالمكائد ، ومواقف النكوص ، فبدأت في كلامها بحمد الله والثناء عليه ، والشهادة لمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرسالة ، ثم عرفت القوم بأولاده حيث قالت :
   « اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك ، وأن أقول عليك خلاف ما أنزلت من أخذ العهود والوصية لعلي بن أبي طالب المغلوب حقه من غير ذنب ، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله تعالى ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعسا لرؤوسهم ، ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته ، حتى قبضه الله إليه محمود النقيبة ، طيب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه في الله لومة لائم ، ولا عذل عاذل ، هديته ـ اللهم ـ للإسلام صغيرا ، وحمدت مناقبه كبيرا ، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك ، زاهدا في الدنيا غير حريص عليها ، راغبا في الآخرة ، مجاهدا لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم .
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسنا ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضلنا بنبيه محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على كثير ممن خلق الله تفضيلا .

ترجمة الامام الحسن ( عليه السلام ) _ 22 _

   فكذبتمونا وكفرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا ، وأموالنا نهبا ، كأننا أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم ، قرت لذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم افتراء على الله ، ومكرا مكرتم ، والله خير الماكرين ، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ، ونالت أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور » (1) .
   هكذا كان آل الحسين ( عليهم السلام ) بعد قفولهم من أرض الفداء كربلاء الشهادة ، يوضحون للأمة كل ما أخفاه حقد الأعداء وكيد أزلامهم ، فكانوا غصة في حلق هؤلاء ، وشجة في لسان نصرهم المزعوم .
   فلم يكد آل أمية يتبجحون بسوأتهم هذه حتى تصك أسماعهم واعية الحسين ( عليه السلام ) على لسان زينب بنت علي ، وفاطمة بنت الحسين ( عليهم السلام ) ، ولا زالت خطب الإمام السجاد ( عليه السلام ) تلعلع في خلوات الحق حينما ينطق كاظم الغاوين ، وينبغ خامل الأقلين ، ويهدر فنيق المبطلين ، كما شخصت ذلك سيدة النساء في ملحمتها الفدكية ، وسجلت بذلك ملاحم الفتن ، وموارد النكوص ، وبوائق الخذلان .
   ولم يفتأ آل حرب عن حرب آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فبين قتيل أو طريد أو شريد ، يحصون عليهم أنفاسهم ، ويتحينون كل ما وسعهم في تنكيلهم والوقيعة فيهم ، فكلما أوقدوا للحرب نارا أطفأها الله ، وكلما أرادوا إطفاء نورهم أبى الله إلا أن يتم نوره ، ووجد آل حرب أن حربهم لآل الله لا يزيد قدرهم إلا علوا ، ولا شأنهم إلا سموا ، ولا ذكرهم إلا رفعة ، فعكفوا على تزوير الحق ، والكذب ، والطعن ، واختلاق كل ما من شأنه أن يظهر منقصة يقتنصونها ، وقبيحة يستقبحون بها أهل الطهر والفضائل ؛ ليساووهم بأهل العهر والرذائل .
   هكذا أراد آل أمية أن يحاربوا آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فراحوا إلى كل ما لصق بهم من مساوئ وبوائق الرذيلة ، عاكفين أن يجعلوها في آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأبى الله إلا أن يظهر الحق ، ويميط النقاب عن كل إفك وكذب وتزوير ، فكانت قصة سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) جهدا أمويا خالصا ، حرصوا فيه على تشويه الحقائق وتزويرها ، فكان الله من ورائهم محيط .

---------------------------
(1) مقتل الحسين للمقرم : 314 .

ترجمة الامام الحسن ( عليه السلام ) _ 23 _

قصة سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) :
   قلنا : إن آل الرسول ( صلوات الله عليهم ) ، لم ينهوا معركتهم مع الكفر والظلال بقتل الحسين ( عليه السلام ) ، وسفك دماء آله الأطهار ، بل توهجت ثورتهم واشتد ضراها بعد رجوعهم من واقعة الطف الدامية ، فكان لعلي بن الحسين ( عليهما السلام ) وقع في خطبه وبياناته ، وكان لسيدات بيت النبوة زينب وأم كلثوم وفاطة بنت الحسين أثر في بيان الحقائق ، وذاكرة الأمة قد سجلت كل شيء ، ووعت كل صغيرة وكبيرة ، وارتسمت في أذهانها صور الكفاح والجهاد لهذا الجمع العلوي المقدس ، وهم يهتفون بالحق ، ويميطون الأستار عن كل ما أخفاه آل أبي سفيان من حقائق وأحداث ، كما أن الأمة تحتفظ كذلك بقداسة هؤلاء أمناء الحق ، فهم قديسون كما هم مجاهدون ، وهم مظلومون كما هم مقارعون أقوياء ، يزلزلون الأرض تحت أقدام أعدائهم بصيحات الحق التي لا تقر ، فكيف بعد ذلك يتاح لأعدائهم أن يغمزوهم ، أويطعنوا عليهم ، أويسوموهم بما تأباه قداسة الطهر ، وكرائم النبوة ؟ !
   لم يتح لسكينة الحسين عليهما السلام ما أتيح لآل الحسين من الظهور على ساحة أحداث كربلاء ؛ لتلهب الأجواء بالخطب والبيانات ، فإن مهمة ذلك موكول إلى الكبار من أهل هذا البيت الطاهر .

ترجمة الامام الحسن ( عليه السلام ) _ 24 _

   فمع وجود أخيها الإمام ، وعمتها العقيلة ، وأم كلثوم ، وأختها فاطمة ، فإن سكينة كانت في عداد الهاشميات الصغيرات ، والمخدرات اللواتي لم يتحملن مهمة التبليغ بعد ، ولم تظهر إلا بعد أن حط الآل ركبهم في المدينة ، وأخذت تستذكر فيما بعد أحداث الفاجعة ؛ لتروي لنا نتفا مما علقت بها ذاكرتها من محن وأحداث .
   وإذا كانت سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) لم تسلط عليها أضواء أحداث الفاجعة ؛ يتعامل معها وجدان الأمة كأحد مظلومي هذا البيت الطاهر ، ولم تستطع الأمة أن تستعرض السيدة سكينة في ركب المظلومين من آل الحسين ( عليهم السلام ) ، الذين شاهدوا مصارع ذويهم الأبرار ، كما أن اسم السيدة سكينة لم تتعاطف معه الضمائر والوجدانيات بعد ، مع الذين يعدهم الناس من آل الحسين ( عليهم السلام ) المظلومين . . أمكن للدعايات الأموية ، والطعون الزبيرية ان تأخذ دورها في إدخال اسم « سكينة » ضمن مسلسل الأقاصيص ، التي تسيء الى أهل بيت الحسين الأقدس ، الذين ما فتأت الأمة تستذكر فيهم طهارة الرسالة ، وقداسة الحق العلوي ، ومن ثم تحتفظ في ذاكرتها صور المأساة التي أقدمت عليها يد البطش الأموي ، التي لم تحفظ لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حرمته في أهل بيته المطهرين من كل دنس ، والمبرئين من كل عيب .
   عمدت الدعاية الأموية إلى تدنيس سمعة أهل هذا البيت الطاهر ؛ لتقلل من عبء وزر جناياتها ، وتخفف من ثقل ما ارتكبه الأمويون في حق أهل هذا البيت ، ولتصرف الأذهان عن مظلوميتهم إلى حياة ترفهم المزعوم ، التي كانت تمثله السيدة سكينة حسب دعواهم ، وبهذا يستطيع الأمويون التقليل من شأن أهل هذا البيت ، وحجم مظلوميتهم ، وانصراف الناس إلى التحدث بما فعلته السيدة سكينة من مجالس اللهو ، ومنادمة الشعراء ، وما قيل فيها ، وما قالته ، ليستملح ذلك السذج من الناس ، وتلقى بذلك مظلوميتهم من أذهان هؤلاء ؛ لتنصرف إلى حياة خاصة يعيشها أهل هذا البيت كما يزعمون .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 25 _

   ولم يكن آل الزبير بأقل مما عمده الأمويون من الإساءة إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد كان لآل الزبير طموح سياسي جامح ، ارتكبوا من خلاله أبشع المجازر من أجل الوصول إلى مناصب مؤقتة ، وإمارات محدودة ، كلفت الأمة فتنا ودماء وأموالا ، ثم هي لم تدم طويلا حتى قطع الله شأفتهم ، وأسكت عقيرة النفاق ، وأذهب عادية الشقاق ، وأطفأ الله نائرتهم من الجمل وما سفكوه من الدماء ، إلى مكة وما سببوه من هدم الكعبة وهتك حرمة البيت الحرام ، إلى الكوفة وما أباحوا فيها من حرم الآخذين بثأر الحسين ، والمنتقمين من أعداء الله ، وهم يجدون أن أهل البيت ( عليهم السلام ) يعدون المنافسين الأقوياء لوجودهم ، وأن أية محاولة من آل الزبير لم تعد تلقى قبولا مع وجود الشرعية المتمثلة بأئمة آل البيت ( عليهم السلام ) ، إضافة إلى ما لحقت آل الزبير سمعة الأحاديث السيئة لسكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير ، التي كانت تجتمع مع عمر بن أبي ربيعة في محافل الغناء ، ومجالس الشعراء ، وهم بذلك سيفقدون من سمعتهم الشيء الكثير ، فاولوا إحالة هذه التهمة إلى عقيلة بيت الوحي سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) وسيأتي مزيد تفصيل ذلك .
   اسم ابنة الحسين عليه السلام آمنة وليس سكينة على أن المتتبع لكتب الأنساب والسير ليجد شيئا أغفلته كتابات السير التي ترجمت للسيدة آمنة بنت الحسين ونسبتها إلى سكينة ، وهي غفلة متعمدة أكدتها مشاريع الزبيريين ، ومن ورائهم مشاريع الأمويين ، حتى صار ذلك أحد المرتكزات لدى العوام ، واستشرى ذلك إلى كتابات الآخرين ، فجعلوها من المسلمات غفلة منهم ، وقلة تحقيق لديهم في هذا المضمار .
   إن الاسم الحقيقي للسيدة سكينة والتي اشتهرت على الألسن ، هو آمنة بنت الحسين ، وإنما سكينة لقب لقبته به أمها الرباب ، وذلك لسكينتها وهدوء في طبعها غلب عليها ، حتى كانت السكينة صفة لها .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 26 _

   اختلف المؤرخون في اسماها بين آمنة وأميمة ، واتفقوا على أن « سكينة » صفة لها ، وممن ذهب إلى ذلك :
1 ـ ابن عساكر في « تاريخ مدينة دمشق » : قال : أخبرنا الحسين بن الفراء وأبو غالب وأبو عبدالله ابنا البناء قالوا : انا أبو جعفر ، انا أبو طاهر ، انا أحمد بن سليمان ، انا الزبير [ ابن أخ مصعب بن الزبير ] قال في تسمية ولد الحسين : وسكينة ، واسمها آمنة ، وإنما سكينة لقب لقبتها أمها الرباب بنت امرئ القيس .
   وتزوج سكينة بنة الحسين عبد الله بن حسن بن علي ، أمه بنت الشليل بن عبد الله البجلي . . . فقتل مع عمه الحسين بالطف قبل أن يبني بها . . . (1) .
2 ـ ابن تغري بردي في « النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة » : قال : واسمها آمنة وأمها الرباب (2) .
3 ـ ابن الجوزي في « المنتظم في تاريخ الملوك والأمم » ، قال : سكينة بنت الحسين واسمها آمنة ، وقيل : أميمة ، وسكينة لقب عرفت به (3) .
4 ـ سبط ابن الجوزي في « تذكرة الخواص » : اسمها آمنة ، وقيل : أميمة (4) .
5 ـ النديم في « الفهرست » : كما نقله عن محمد بن السائب الكلبي النسابة ، قال محمد بن السائب الكلبي : سألني عبد الله بن حسن [ بن حسن ] عن اسم سكينة بنة الحسين عليه السلام فقلت : أميمة (5) ، فقال : أصبت .
   قال النديم في ترجمة محمد بن السائب الكلبي : من علماء الكوفة بالتفسير والأخبار وأيام الناس ، ويتقدم الناس بالعلم بالأنساب (6) .

---------------------------
(1) تاريخ دمشق ، قسم تراجم النساء : 156 ، طبع دمشق ، تحقيق سكينة الشهابي .
(2) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 1 : 276 .
(3) المنتظم 7 : 175 حوادث سنة 117 هـ .
(4) تذكرة الخواص : 249 .
(5) لا نستبعد التصحيف في أميمة هنا ، وكونه في الأصل آمنة ، وذلك لما سيأتي بعد هذا من سؤال رجل لعبدالله ابن الحسن بن الحسن عن اسم سكينة ، وتخطئة عبدالله لابن الكلبي الذي كان يقول بأميمة ، كما في الشق الثاني من الرواية ، إذ كيف يصوب له أميمة هنا ، ولا يقبل منه أميمة هناك على قول نقل السائل ؟ على أننا لا نستبعد أيضا التصحيف في صدر الرواية بقوله : أمينة ، والأظهر في الأصل آمنة ، واستظهارنا هذا تؤيده الرواية الأخرى الأتية في التسلسل (11) عند نقل ما أورده صاحب الأعيان عن الأغاني من رواية ابن الكلبي ، عن أبيه ، وهي صريحة واضحة في هذا المعنى .
ثم أخيرا رواية المدائني ، عن أبي إسحاق المالكي التالية في الأغاني ، وتصحيح أبو الفرج الإصفهاني لاسم آمنة بعد الرواية مباشرة بقوله : وهذا هو الصحيح .
كل ذلك يدل صراحة أن أمية هنا مصحف عن آمنة ، وقوله : أصبت ، لآمنة لا أميمة ، وإلا لزم التناقض في كلامه .
(6) الفهرست : 107 في أخبار محمد بن السائب .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 27 _

6 ـ أبو الفرج الإصفهاني في « الأغاني » : قال : اسم سكينة أميمة ، وقيل : أمينة ، وقيل : آمنة ، وسكينة لقب لقبت به (1) .
وقال أيضاً : وروي أن رجلا سأل عبد الله بن الحسن [ بن الحسن ] عن اسم سكينة ، فقال : أمينة ، فقال له : إن ابن الكلبي يقول : أميمة .
فقال : سل ابن الكلبي عن أمه ، وسلني عن أمي ، ونقل عن المدائني قوله : حدثني أبو إسحاق المالكي قال : سكينة لقب ، واسمها : آمنة ، ثم أردف الإصفهاني قوله : وهذا هو الصحيح (2) ، وقال في مقاتل الطالبين : واسم سكينة أمينة ، وقيل : أميمة ، وإنما غلب عليها سكينة وليس اسمها (3) .
7 ـ ابن العماد الحنبلي في « شذرات الذهب » : قال : اسمها أميمة ، وقيل : أمينة ، وسكينة لقب (4) .
8 ـ اليافعي في « مرآة الجنان » : قال : قيل : اسمها أمينة ، وقيل : أميمة ، وهو الراجح ، وسكينة لقب لها (5) .

---------------------------
(1) الأغاني 16 : 146 .
(2) المصدر السابق : 147 .
(3) مقاتل الطالبيين : 94 .
(4) شذرات الذهب 2 : 82 وفيات سنة 117 .
(5) مرآة الجنان 1 : 251 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 28 _

9 ـ ابن خلكان في « وفيات الأعيان » : قال : اسمها آمنة ، وقيل : أمينة ، وقيل : أميمة ، وسكينة لقب لقبتها به أمها الرباب . . . وأورد سوال عبد الله بن الحسن لمحمد بن السائب الكلبي المذكور آنفا (1) .
10 ـ عمر رضا كحالة في « أعلام النساء » : قال : واسمها آمنة أو أميمة ، وسكينة لقبها (2) .
11 ـ السيد محسن الأمين العاملي في « أعيان الشيعة » : عنونها هكذا : أميمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب المعروفة بسكينة .
   ثم نقل بعض الأقوال المتقدمة وقال : روى في الأغاني بسنده ، عن ابن الكلبي (3) ، عن أبيه ، قال : قال لي عبد الله بن الحسن [ بن الحسن ] : ما اسم سكينة بنت الحسين ؟ فقلت له : سكينة ، فقال : لا ، اسمها آمنة(4) (5) .
   والظاهر تعدد الحادثتين ، أحدها هذه ، ولعلها هي الأسبق زمانا ، والأخرى ما أوردناه عن النديم من أن محمد بن السائب الكلبي كان قد سأله عبد الله بن الحسن هذا عن اسم سكينة ، فقال : هي أميمة ، واستظهرنا هناك في التسلسل (5) في تعليقتنا على أميمة ، من أنها تصحيف آمنة .

---------------------------
(1) وفيات الأعيان 1 : 378 في ترجمة سكينة .
(2) أعلام النساء 2 : 202 .
(3) ابن الكلبي ينصرف إلى هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وروايته عن أبيه أي عن محمد بن السائب الكلبي ، مما يدل أن الراوي واحد مع تعداد الحادثتين ، وهو الموافق لاستظهارنا .
(4) الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني 16 : 147 .
(5) أعيان الشيعة 3 : 491 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 29 _

   واستظهارنا بتعدد الحادثتين ، كون رواية الأغاني هنا في صدد تصحيح ما علق بذهن محمد بن الكلبي ، وما اشتهر من لقبها بين الناس من أنها سكينة ، فصحح عبدالله اسمها بأنها آمنة .
   ورواية النديم في الفهرست (1) أن عبد الله بن الحسن سأل محمد بن الكلبي عن اسم سكينة ، فلما ذكر أن اسمها آمنة صوب له ذلك وأقره عليه حينما قال : أصبت ، وكأنه في صدد تذكيره على ما صححه من قبل والتأكيد عليه بأن اسمها آمنة وليس سكينة .
   وتأكيد عبد الله بن الحسن على محمد بن الكلبي له خصوصيته ، فأن ابن الكلبي كونه نسابة ، وعبد الله بن الحسن حريص على تصحيح الاسم بواسطة محمد بن الكلبي لرجوع الناس إليه .
12 ـ السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم في « سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) » : قال : وأما سكينة فقد ذكر المؤرخون أنه لقب من أمها الرباب ، وكأنه لسكونها وهدوئها ، وعليه فالمناسب فتح السين المهملة وكسر الكاف ، وهذا الرأي نسبه الصبان إلى المشهور .
   وأما اسمها ، فالذي اختاره ابن تغري بردي أنه آمنة (2) .
13 ـ الشيخ محمد حسين الأعلمي في « تراجم أعلام النساء » : قال : سكينة لقبها ، واسمها آمنة أو أمينة أو أميمة (3) .

---------------------------
(1) راجع صفحة ( 39 ) لتقف على الرواية وتقارنها برواية الأغاني .
(2) سكينة بنت الحسين : 140 .
(3) تراجم أعلام النساء 2 : 200 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 30 _

14 ـ المحدث الشيخ عباس القمي في « منتهى الآمال » : قال : وكان اسم سكينة آمنة أو أميمة ، فلقبتها أمها رباب بسكينة ، فهي عقيلة قريش ، وذات عقل ورأي صائب (1) .
   هذا اتفاق أهل الأخبار والمحققين من الفريقين ، أن سكينة هو لقب آمنة أو أميمة بنت الحسين .
   على أنا نرجح ما رجحه أهل التحقيق بأن اسمها آمنة بنت الحسين وميلهم إلى ذلك ، بل هو الأقرب على ما في رواية أبي إسحاق المالكي ، كما نقله أبو الفرج الإصفهاني في الأغاني عن المدائني ، قال : حدثني أبو إسحاق المالكي قال : سكينة لقب ، واسمها آمنة ، ثم تصحيح الإصفهاني عقيب الرواية بقوله : وهذا هو الصحيح ، وقد أشرنا إليه آنفا .
   كما أن أبا الفرج نقل في موضع من الأغاني (2) : قال مصعب فيما أخبرني به الطوسي ، عن زبير ، عنه : اسمها آمنة ، وهناك رواية أخرى للمدائني ، عن أبي إسحاق المالكي ، قال : قيل لسكينة ـ واسمها آمنة ، وسكينة لقب ـ : أختك فاطمة ناسكة ، وأنت تمزحين كثيرا ؟ . . . ثم جواب السيدة آمنة بأنكم : « سميتموني باسم جدتي التي لم تدرك الإسلام » ، تعني آمنة بنت وهب ، أم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (3) .
   ومع مؤاخذاتنا على هذه الرواية ، إلا أن الذي يعنينا منها الآن هو ترجيح اسم آمنة على غيره من الأسماء ، وهذا ما حدى بالسيد محس الأمين العاملي في أعيان الشيعة (4) إلى القول بعد إيراده لهذه الرواية في أخبارها : هذا يدل على أن اسمها آمنة ، رغم أنه عنونها باسم أميمة ، ولعل اختياره كان مسايرة لما عليه الأكثر ليس إلا .

---------------------------
(1) منتهى الآمال 1 : 818 .
(2) الأغاني 16 : 146 .
(3) المصدر السابق : 149 .
(4) إعيان الشيعة 3 : 492 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 31 _

   من هنا يتأكد لنا الاسم الحقيقي للقب سكينة وهو آمنة بنت الحسين ( عليهما السلام ) ، لذا فالأمانة العلمية تدعونا إلى إثبات اسمها الصحيح ، والتعامل معه تعاملاً جدياً ، وذلك لغلق الطريق على الأكاذيب التي عهد إليها البعض للإساءة إلى بيت النبي الأطهر ، وتمحلات الآخرين الذين حسبوها أنها مرتكزات تاريخية ، دون أن يتكلفوا أدنى مطالب التحقيق في شأن هذه الحادثة الخطيرة ، لذا فإننا نأمل من ذوي التحقيق وأهل الإنصاف ، أن يرتكز في أذهانهم اسم آمنة بنت الحسين ، والتعامل معه تعاملاً حقيقاً ، والإعراض عن لقبها الذي استغله بعض أهل الأهواء ، والسذج من بسطاء العوام ، الذين لا خلاق لهم بتحقيق الوقائع ، ومعرفة الأحداث ، ومالهم بذلك إلا المطامع ، أو النعيق مع كل ناعق .

مصالح أموية ومطامع زبيرية :
   لم تزل الروايات التاريخية تحت مطرقة الأهواء والأغراض السياسية ، بل انجر ذلك حتى إلى رواية الحديث النبوي ، وقد أشرنا إلى ذلك بشيء من التفصيل في كتابنا « تاريخ الحديث النبوي بين سلطة النص ونص السلطة » ، ولا يزال تاريخنا مخبوءا خلف ظروف روائية أسهم في إيجادها رواة وظفتهم السياسة ؛ لإيجاد حبكات قصصيةٍ وروايات توهم الآخرين بأنها ضمن تراثنا التاريخي الإسلامي ، في حين لم تكد مدونات التاريخ تستعرض واقعة تاريخية ، أو تسبر سيرة شخصية ، إلا وتجد مشكلة الوضع تخترق الحدث ، وتحيله إلى قراءة لتوجهات سياسية ، تتحكم فيها أغراض الراوي الذي ينتسب إلى تلك الجهة المعنية ، أو تلك الرؤية المحسوبة ، وهكذا تتدخل هذه التوجهات لتأسيس تاريخ مشوه ، أو روايات موضوعة ، أو حدث مفتعل تجيد صياغته تارة أو تضطرب أخرى ، فتبدو القضية متناقضة غير حقيقية ، بأدنى تأمل ودقة نظر .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 32 _

   من هنا يمكننا أن نستعرض لهذه الظاهرة نموذجين من الوضع والتزوير ، تتدخل فيها عدة توجهات سياسية معينة :
   أحدها : المصالح الأموية التي ما برحت تكيد لآل علي ( عليهم السلام ) منذ عهد معاوية بن أبي سفيان .
   وثانياً : المطامع الزبيرية التي ما فتئت تلاحق المجد العلوي منذ حرب الجمل ، حتى ما ارتكبه آل الزبير من تأسيس مجدهم الزائل على جماجم شيعة علي ( عليه السلام ) وأصحابه ، ولاننسى ما بذله عبد الله بن الزبير وآله من محاربة العلويين وملاحقتهم ، كنفي محمد بن الحنيفة ، أو إخراج عبد الله بن عباس ، ومثلهم من بني هاشم عن مكة ، وإعلان العداء لهم منذ قيام دولتهم يومذاك .
   بمعنى أن الزبيريين عرفوا بمنافستهم الشديدة لآل علي عليه السلام ، وكانوا يحسدون ما يحرزه العلويون من تقدم في كل المجالات ، والأمة تتعامل مع العلويين بأنهم يمثلون الشرعية التي لا يمكن لأحد إغفالها أو تجاوزها ، وإذا لم تدم الجهود الزبيرية في تأسيس دولتهم يومذاك ، فلا بد أن يبحثوا عن مجد يحيلهم إلى أسياد الشرعية ، وقادة الأمة .
   حينئذ كيف يتم ذلك وملاحم العبث تملأ الأخبار ؟ وقصص عمر بن أبي ربيعة وسكينة بنت خالد بن مصعب يتداولها الناس ، ويتغنى بها أهل المجون والغناء ، وهذه مشكلة يستشعر منها الزبيريون إحدى المعضلات التي تعرقل دعاواهم في شرعيتهم المدعاة ، إلى جانب ذلك ترى الأمة قداسة آل علي عليهم السلام ، وطهارة بيتهم النبوي الذي لم تدنسه محاولات الأعداء ، فبقي مشعا بعطائه ، شاهدة الأمة لهم بالقداسة والإيمان ، وهذا يعني أن جهود منافسيهم سوف تعرقلها هذه النظرة المقدسة الزكية لآل علي ( عليهم السلام ) .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 33 _

   فالأمويون عرفوا بعبث خلفائهم ، حتى صار ذلك من تشريفات البلاط الأموي ، وآل الزبير يقرأون ويشاهدون أمامهم ملاحم بطلة الغرام سكينة بنت خالد الزبيرية ، فيحالون إلى بيت عبث وغناء ، لا كما يدعون من أنهم أهل خلافة وإمرة وقيادة ، وفي مثل هذا الحال سيتاح لآل علي عليهم السلام المنافس الأقوى لآل أمية وآل الزبير من التحرك بشكل طبيعي ؛ من أجل تمثيل شرعيتهم الإلهية المتمثلة بأئمة آل البيت ( عليهم السلام ) .
   إذن فعلى الأمويين والزبيريين أن يختلقوا قضية يرمون بها منافسيهم الأقوياء ، وقلنا من قبل : إن شخصية الإمام زين العابدين عليه السلام لا يمكن أن تنالها دعايات الأعداء ، وقداسة بنات علي ( عليهم السلام ) لا تدنسها محاولات الأقلام الجائرة والأهواء العابثة ، فلم يجدوا إذن إلا شخصية « آمنة » سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) ، التي لم تساهم ـ كما ذكرنا ـ في الإعلام العلوي يوم كان آل البيت يتولون مهمة التبليغ وبيان الحقائق ، وكان لصغر سنها أثر في تحجيم دورها يومذاك ، هذا من جهة .
   ومن جهة أخرى وجدت الدعايات الزبيرية ، والإعلام الأموي ، أن لتشابه اسمي سكينة بنت خالد بن مصعب صاحبة ملاحم عمر بن أبي ربيعة واسم سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) ، محاولة ناجحة في الخلط والتدليس ، واختراع القصص الماجنة ، ورمي شخص « آمنة » سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) ، ووجدت هذه المحاولة نجاحها على أيدي رواة متخصصين في صياغة الحدث ، ووضع القضية موضعاً يستسيغ تناقله العامة ، ويلهج به البسطاء ، ويتعامل معه السذج تعامل المسلمات .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 34 _

   وبهذا احتلت روايات «آمنة» سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) مساحة واسعة من كتب الحكايات ، وملاحم الغزل ، ووسائل القصاصين ؛ ليحيلوا قداسة البيت العلوي إلى دناسة أموية وعبث زبيري ، ويأبى الله إلا ظهور الحقائق والإطاحة بمحاولات الشرذمة من أهل الأهواء السياسية فيحيلها ، إلى ملاحم تحكي حقيقة هؤلاء الوضاعين من الأمويين والزبيريين .

الأكـذوبتان :

الأكذوبة الأولى : سكينة ومجالسة الشعراء واستماع الغناء :

النموذج الأول :

   قال أبو الفرج : أخبرني علي بن صالح قال : حدثنا أبو هفان ، عن إسحاق ، عن أبي عبد الله الزبيري قال : اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف ، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه ، فتشوقن إليه وتمنينه ، فقالت سكينة بنت الحسين : أنا لكن به ، فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين ، وسمت له الليلة والوقت ، وواعدت صواحباتها .
   فوافاهن عمر على راحلته ، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن ، فقال لهن : والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والصلاة في مسجده ، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئا ، ثم انصرف إلى مكة من مكانه ، وقال في ذلك :
قـالـت  سكينة والدموع iiذوارف
لـيـت  المغيـري الذي لم iiأجزه
كـانـت  تـرد لنا المنـى iiأيامنا


مـنـها  على الخـدين iiوالجلباب
فـيـمـا  أطال تصيدي iiوطلابي
إذ لا تُلام على هوى وتصابي (1)
---------------------------
(1) الأغاني 171 : 1 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 35 _

رجال الخبر :
علي بن صالح : قال الذهبي : قال ابن الجوزي ضعفوه .
قلت [ أي الذهبي ] : لا أدري من هو (1) .
أبو هفان : قال الذهبي : أبو هفان الشاعر حدث عن الأصمعي بخبر منكر .
قال ابن الجوزي : لا يعول عليه (2) .
إذن فالخبر ساقط عن الاعتبار لضعف رواته ومجهوليتهم .
   يعد هذا الخبر في صدارة أخبار سكينة المنسوب لها في مجالسة الشعراء خصوصا عمر بن أبي ربيعة ، والخبر مع غض النظر عن سقوط سنده عن الاعتبار ، فأن محاولة الوضع بادية عليه ؛ إذ افتتح الخبر بأن « نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف اجتمعن » ، ولم يتعرض الخبر إلى ذكر واحدة منهن ، واختص بذكر سكينة بنت الحسين ، وذلك دليل على أن صياغة الخبر بهذه الطريقة قصد منها التعرض للسيدة « آمنة » سكينة بنت الحسين ، ورتبت أحداثه لهذا الغرض ، والخبر في صدد ذكر ظرافة عمر بن أبي ربيعة ومحاولاته العبثية ، وهو ليس في صدد التعرض لسيرة أحد ، هكذا يعطي الخبر مسحة « البراءة » على ما يفتعله الوضاعون ، محاولين من خلاله الترسل لذكر وقائع أدبية صرفة ، وليس الغرض التعرض لسيرة أحد أو الإساءة للبيت العلوي الطاهر .

---------------------------
(1) ميزان الاعتدال 130 : 3 .
(2) المصدر السابق 540 : 4 .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 36 _

   وبهذا يحاول الوضاعون بعد أن أعيتهم الحيل في النيل من الشرف العلوي ، إلى ارتكاب هذه المجازفات الروائية ، التي وقع الكثير من المغفلين في التصديق بكل ما تدسه مشاريع الوضع ، واختلاق روايات من هذا القبيل ، تستهدف خصومهم وتوهم البسطاء بذلك .
   على أن اجتماع هذه النسوة من الليل حتى طلوع الفجر يتنافى والحالة الاجتماعية التي تعيشها المدينة ، فالالتزامات التي تعيشها المرأة المدنية فضلاً عن تعففها عما يشين سمعتها لدى الآخرين ، تختلف كثيرا عن غيرها من الأنحاء الإسلامية ، فالمدينة تجد من نفسها مصدر إشعاع إسلامي للسيرة النبوية ، التي يمثلها أهلها القاطنون وقتذاك ، وهم لايزالون يعتزون بانتمائهم الإسلامي والتزامهم الديني ، كما أنها لا تزال تحتفظ بقداستها النبوية ، فضلا عما عرفته المدينة من أن القاطنين فيها بين مهاجر أو أنصاري ، والخبر لا يعد إساءة لخصوص البيت العلوي بقدر ما هو إساءة لأهل الهجرة من المهاجرين ، وأهل النصرة من الأنصار ، مما يعني أن الخبر قد سطرته أيد يهودية ، تتربص بالدين الإسلامي الذي يعيش تحت مطرقة نظام أموي مهزوز ؛ ليظهر بذلك انحلال المجتمع الإسلامي وهو قريب عهد بالنبوة ، فكيف بمجتمع ابتعد عن العهد النبوي وتطاولت عليه الدهور ، مما يعني أن لهذا المجتمع الإسلامي الذي يدعي الالتزام حياته العبثية الخاصة ، وتوجهات ترفه كذلك ، خلاف ما يدعيه المسلمون ليتقدموا بذلك على المجتمعات الأخر ، وبذلك استهدف الخبر قداسة الالتزام الإسلامي وطهارة مجتمعه .

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 37 _

   واختيار عمر بن أبي ربيعة ليكون بطل هذه القصة له مغزاه ؛ إذ أن عمر ابن أبي ربيعة معروف بمجونه وخلعه ، حتى نقل ابن عبد ربه في العقد الفريد قولهم : ما عصي الله بشعر ما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة (1) .
   ويصف ابن جريج خطورة مجونه وعبثه حتى قال : ما دخل العواتق في حجالهن شيء أضر من شعر ابن أبي ربيعة (2) .
   ويصف هشام بن عروة عواقب أشعار ابن أبي ربيعة وفحشها بقوله : لاترووا فتيانكم شعر عمر بن أبي ربيعة لئلا يتورطوا في الزنا تورطا (3) .
   فكيف يستقيم هذا مع ما عرف من عفة البيت العلوي وطهارته وترفعه عن أدناس الجاهلية ؟ ! فتخصيص عمر بن أبي ربيعة إذن في هذه القصة يستهدف قداسة البيت العلوي وكرامته وليس غير ذلك .

تهافت الوضاع :
   على أنا لو أردنا الإعراض عن مناقشة سند ودلالة هذه القصة ، فإننا نقطع بكونها موضوعة من قبل القصاصين ، الذين يستملحون كل شاذ ، ويروون كل غريب .
   فالتهافت في نقل القصة إذا استقصينا مواردها ، وجدنا أنها في مصدر واحد يتهافت الكاتب في نقولاته ، مما يدل على أن القصة موضوعة ، فضلاً عن كونها مكذوبة في نسبتها للسيدة سكينة بنت الحسين ( عليهما السلام ) ، وإليك تعدد القصة في كتاب « الأغاني » :
أولاً : نقل أبو الفرج الإصفهاني حديث اجتماع عمر بن أبي ربيعة بالنسوة ، وكانت سكينة بنت الحسين هي التي واعدته ، فقصدهن واجتمع بهن ، كما ذكرنا ذلك فيما سبق .

---------------------------
(1) العقد الفريد 6 : 199 .
(2) تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان 1 : 281 .
(3) المصدر السابق.

عقيلة قريش آمنة بنت الحسين ( عليها السلام ) _ 38 _

ثانياً : نقل أبو الفرج الإصفهاني القصة في مورد آخر قبيل القصة الأولى بـ ( 58 ) صفحة بعنوان سكينة ، وليس سكينة بنت الحسين ، فأي سكينة قصدها الراوي في قصته ! وكيف جزم أبو الفرج أن المقصود من سكينة في القصة الأولى ، هي سكينة بنت الحسين ؟ ! وقد أورد الخبر هكذا :
   اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه ، وتشوقن إليه وتمنينه ، فقالت سكينة : أنا لكن به . . . إلى آخر الخبر (1) .
   ثم أكد أبو الفرج القصة باسم « سكينة » دون نسبتها إلى الحسين ( عليه السلام ) في موضع ثالث من كتابه (2) .
   وهذا التعدد في تكرار الرواية يزيدنا اطمئنانا أن « سكينة » دون أن ينسبها الراوي ، هي بطلة القصة التي رواها مصعب الزبيري ، ونسبها أبو هفان الشاعر إلى سكينة بنت الحسين ، وقد ذكرنا أبو هفان وترجمة الذهبي له برواية الحديث المنكر (3) .
ثالثاً : ذكر أبو الفرج الإصفهاني في مورد آخر الأبيات هكذا :
يـا أم طـلحة أن البيـن قد iiأفدا
أمسى العراقي لا يدري إذا برزت

قـل  الثواء لئن كان الرحيل iiغدا
مـن ذا تطوف بالأركان أو سجدا
---------------------------
(1) الأغاني 1 : 113.
(2) الأغاني 2 : 369 .
(3) راجع صفحة : 50 من كتابنا هذا.