|
في صيرورة التاريـخ المقدمــة
لم يحظ موضوع الجغرافية التاريخية باهتمام اغلب البحاثين ، على الرغم من اهميته للجغرافية ، اذ ان مثل تلك الدراسة تعطي رؤية واضحة عن ديناميكية الموقع . تحقق الجغرافية التاريخية جملة من الاهداف ياتي في مقدمتها البحث العلمي وما يضفي من حلول صحيحة لمشاكل الجغرافية الكثيرة من خلال دراسة الجغرافية القديمة بغية فهم الجغرافية المعاصرة ، اي انها دراسة التغير الجغرافي خلال الزمن ، الا ان اهم تلك الاهداف هو بيان اثر الفعل الجغرافي في الحدث التاريخي . وتتجسد هذه الحقيقة في موقع البصرة حيث انتقلت المدينة من موضع الى موضع اخر وهي توجه بهذا الانتقال سير الاحداث التاريخية ، فعندما كانت منطقة البصرة في مرحلة ماقبل الاسلام تقع في موضع ( تريدون ) بالقرب من ( مدينة الزبير حاليا ) ، شهدت المنطقة تطورا كبيراً لاسيما في زمن الملك بختنصر الكلداني ، الا ان العامل الجغرافي لعب دوره في سير الاحداث التاريخية ، فعندما اضمحلت اهمية ميناء تريدون لعوامل طبيعية ، انتقل موضع البصرة الى الابلة لتمتد علاقاته الى اماكن بعيدة ، وما ان جاء الاسلام حتى تم تمصير البصرة العمرية بالقرب من ( مدينة الزبير حاليا ) لتنتقل الاهمية من الابلة الى البصرة ولاسيما في بداء تاسيسها ، وشهدت المدينة عملية انتقالها الاخيرة في العصر العباسي على اثر انشاء مدينة الموفقية . ان رؤية الموقع الجغرافي من زوايا متعدده تكشف نتائج متنوعه ، تضفي عليه ديناميكية ومن خلال هذه المرونة تتجلى ابعاد الموقع الجغرافي وفعاليته واحدا من العناصر المهمة في تشكيل خصائص الاقليم وصياغته وتاثيره على حياة الانسان ونشاطاته التي تظهر عبر علاقاته بالمواقع الجغرافية الاخرى . وقد تتغير قيمة الموقع الجغرافي كليا نحو تعاظم هذه القيمة او تدهورها ويترتب على هذا انتفاع الانسان الى اقصى حد ، وقد يتضرر الى ادنى حد . يمكن ان تواجه الجغرافية التاريخية مشاكل عديدة لاسيما تلك المتعلقة بالبحث العلمي لما فيها من صعوبات ، اذ انه كلما توغلنا في الماضي وجدنا تاثيره على الوقت الحاضر اقل اهمية ، الا انها تعطي اجابة عن كثير من التساؤلات ، وتتطلب الماما بقدر كبير من المصادر التاريخيه . وتتضمن هذه الدراسة تساؤلات تحتاج الى اجابات .
قد لايسهل التوصل اليها لقة المصادر ولتضارب وجهات النظر ، لذا تخضع لاجتهادات الباحثين * . وهنالك مشاكل اخرى تتعلق بالجانب التطبيقي " فالمشكلة هي كيف نكتب جغرافية لايشك احد في في نسبها الجغرافي ، بحيث تضم بين سطورها حلقات الاحداث التي لايمكن الاستغناء عنها فهم جغرافية الايام الحاضرة .." حسبما ذكر هوتيلسي . ولكن تحقق الجغرافية التاريخية ماتبتغية لابد من . ان تترك تحليل العناصر المتغيرة وتهتم بالعناصر التي تترك وراءها اَثاراً تستمر الى الوقت الحاضر . وعلى كل من يرغب ان يجعل حقل دراسته حقلا للجغرافية التاريخية ان يحيط احاطة واسعة باسس الجغرافية الطبيعية ، وكذلك ان يقرا في مختلف الفروع العلميه فضلا عن ان يقوي القدرة على الاستنتاج المنطقي من خلال استقراء الماضي وفهم الحاضر . هـدف الدراسـة واهميتهـا : يكمن هدف الدراسة بالتعرف على الكيفية التي مرت بها البصرة خلال تاريخها الطويل واي من العوامل هو الاكثر تاثيراً في تراجعها وما الذي يدفعها نحو الازدهار بغية الوقوف على اتجاهات العوامل السلبية ودراسة الاساليب التي تعطي القدرة الكافية لتجنب هذه العوامل من اجل تنشيط العوامل الايجابية كي تنعكس نتائج ذلك على اهمية المدينة المستمدة من موقعها الفعال . وتاتي اهمية هذه الدراسة من مكانة مدينة البصرة ، فهي لم تتضاءل اهميتها بعد قرن او قرنين من الزمن على خلاف المدن الاوربيه ( هيلينية ورومانية ) التي كانت مجرد مدن وقتية لايستمر وجودها اكثر من قرن اوقرنين ثم تتحول الى مجرد اطلال . مشكلـة الدراسـة : لماذا تتحرك البصرة بشكل موجي صعوداً وهبوطاً بين الشد التاريخي والدفع المكاني ? فرضيـة الدراسـة : تفترض الدراسة ان الموقع الحرج الذي يتضمن ريعاً ، يستفز المكان المجاور على مر التاريخ . ************************************************************** * للمزيد من المعلومات راجع : طه محمد جاد ، نظرات في الفكر الجغرافي الحديث ، مجلة الجمعية الجغرافية الكويتية ، الكويت ، 1980 ، ص 36 ـ 37 .
الفصـــل الاول الجغرافيـة التاريخيـة والخصائـص الجغرافيـة
أساليـب البحـث :
اتبعت الدراسة اسلوبين من اساليب البحث العلمي : 1- اسلوب دراسة الحالة case study 2- الاسلوب الوصفي التحليلي . ومن المعلوم ان هذين الاسلوبين مترابطان يكمل احدهما الاخر . معوقـات الدراسـة : لم يكن موضع البحث بالامر السهل لاسيما وان البحث في المصادر التاريخية حمل كثير من الصعوبات المتضمنه الاطلاع على اكبر عدد ممكن من المصادر التاريخية ( كتب وبحوث وغيرها ) وكذلك عانى الباحث من تناقض الحقائق لاسيما بين الرحالة ، لذا اعطى الباحث سببا لتلك التناقضات في اكثر الاحيان . ونتيجة الحاجة الى بعض المعلومات الرسميه اتجه الباحث الى مديرية موانئ البصرة وهياة التخطيط الحضري في ديوان محافظة البصرة ودوائر اخرى بغية اكمال ماواجهه من نقص في المعلومات . منهجية البحث : لغرض تحقيق هدف الدراسة قسمت الرسالة على ثلاث فصول فضلا عن الاستنتاجات وقد جاءت الفصول على النحو الاتي : الفصل الاول : تناول هذا الفصل مفهوم الجغرافية التاريخية ، كما تناول الخصائص الجغرافية للمدينة ، اذ ركز على موقع المدينة وعلى بعض الخصائص الطبيعية . الفصل الثاني : تناول هذا الفصل دراسة الفعل التاريخي في المكان والاستجابة الموقعية ، اذ تم دراسة تمرحل الفعل التاريخي في المكان ، ومن ثم تم دراسة كيفية استجابة موقع البصرة لتحديات الاستثمار المكاني للفعل التاريخي على مر تاريخها . الفصل الثالث : تناول هذا الفصل دراسة العلاقات المكانية لمدينة البصرة ، من خلال دراسة طبيعتها على مر التاريخ المدينة ، فضلاً عن دراسة توزيع المراكز ذات العلاقات المكانية مع مدينة البصرة .
اولاً ـ مفهـوم الجغرافيـة التاريخيـة :
ان الجغرافية التاريخية هي جغرافية الماضي التي تعرض لتطور المكان خلال الزمن، لذا تعطي مثل تلك الدراسة رؤية واضحة عن ديناميكية المكان ، على الرغم مما يبدو عليه من ثبات ، فاي مدينة ظهرت في التاريخ وتطورت فان مضهرها الحاضر ماهو الاحلقة في سلسلة متصلة تستمد وجودها ومعناها من الماضي ( وهيبة ، 1962 ، 6 ) اذ يرى ايست " انها تحاول الكشف عن انواع العمران ، وكيف كان توزيعه ونوع النشاط الاقتصادي وتوزيع السكان فيها ( ايست ، بلا ، 20 ) . لايستطيع الجغرافي ان يكتفي بوصف الحالة الحاضرة اساسا لدراسة اي اقليم لان المنظر الطبيعي الذي نشاهده لم يصل الى وضعه الراهن الا بعد تبديل وتغيير ، وهو في طريقة لان يكون منظرا جديدا ، الا ان ثمة فرقا جوهريا بين التاريخ الذي يهتم بنتائج الاحداث وبين الجغرافية التاريخية التي تهتم بالربط بين البئية والاحداث التي تاخذ دورها على المسرح الجغرافي ، اي ان العلاقة بين التاريخ والجغرافية التاريخية قائمة على ان الاخير يعتمد على الوثائق التاريخية في القاء الضوء على تاثيرات الظواهر الجغرافية ( الجوهري ، بلا ، 13 ) . فالجغرافية التاريخية هي دراسة اية مرحلة من مراحل التاريخ ترتبط احداثها بطريقة منظمة ( وهيبة ، 1962 ، 1 ) ، اذ تعتمد الجغرافية التاريخية في بناء الحقائق الجغرافية على الوثائق التاريخية . ولهذا يعرف فاوست ( fawcett ) الجغرافية التاريخية بانها ذلك الجزء الاساسي من الجغرافية التي نتناول فيه دراسة تاثر الحوادث التاريخية بالحقائق الجغرافية ، اما روكسبي ( Roxby ) فيرى انها الدراسة التحليلية او النقدية لتطور الملاءمة بين الانسان والطبيعة كما تظهر في تاريخ محلات العمران استغلال الارض او العلاقات التجارية والثقافية او في تطور الوحدات السياسية والدول والعلاقة بين بعضها وبعضها الاخر فضلا عن دراسة النواحي الاقتصادية والسياسية لمنطقة ما خلال مرحلة تاريخية ما ( غلاب ، 1968 ، 9 ) وكان كارل ريتر ( karl Ritter ) خلال حياته شديد الاعتقاد بالعلاقة بين الجغرافية والتاريخ ( فريمان ، 1976 ، 40 ) . اما ماكندر ( H . j . mackinder ) فيعد احد مؤسسي الجغرافية التاريخية لافي بريطانية فحسب بل في العالم ولقد استحوذت على اغلب اهتمامه بحيث يعرفها بانها دراسة الحاضر التاريخي ويضيف قائلا : على الجغرافي ان يحاول العودة بنفسة الى ما كان قائما منذ الف سنة او الفين او اكثر وعليه ان يحاول تصور الاحوال الجغرافية التي كانت قائمة انذلك كأنما هو يعيش في تلك المرحلة بالذات . وعليه ان يحاول تصور الاحوال الجغرافية التي كانت قائماً وصفاً دقيقاً
ينطبق على الحاضر التاريخي لتلك المنطقة ( الفيل ، 1972 ، 83 ـ 84 ) بينما وجه جلبرت النظر الى خمس نقاط لدراسة الجغرافية التاريخية هي : 1. دراسة تاريخ علم الجغرافية . 2. دراسة تاريخ الكشوف الجغرافية . 3. دراسة تغير الحدود السياسية بين الدول . 4. دراسة تاثير البئية على مجرى الحوادث التاريخية . 5 . دراسة الجغرافية الاقليمية للماضي . وتتفق الدراسة الحالية مع الفقرة الرابعة حيث موقع منطقة الدراسة وبيئتها قد حددت الكثير من الحوادث التاريخية واصبحت المنطقة واحدة من المناطق التي سجلت حوادث كثيرة البشرية منها والبايولوجيه وكانت ولاتزال مسرحا لكثير من النكبات السياسية والعسكرية مما حدا بالباحث الى ان يستقصي المنطقة ومدى ابتعادها عن مركز الاهمية ودرجة قربها منها . ويبدو ان موقع الاشارة الحساس له اقداره التي تظهر عبر الاحداث التاريخية . يقول ولدرج ان الجغرافية التاريخية ليست مجرد تتبع امور تاريخية واستقصائها بل تتعلق بمشاكل الحاضر تكمن حلولها بالعودة الى الماضي . اما ميشيل فيعرفها بانها جغرافية الماضي التي تتضمن دراسة جغرافية اية منطقة في اية مرحلة من المراحل والتغيرات الجغرافية عبر السنين الطويلة ( الفيل ، 1972 ، 86 ) . اما كريتشمر ( kretschmar ) فيجد اهداف الجغرافية التاريخية هي اعادة بناء الجغرافيات الماضية الاقليمية والبشرية ، بينما وتيلسي ( whiittlesey ) يؤكد عدم الاهتمام بعمليات التطور وانما بوصف العلاقات الجغرافية المتبادلة وتفسيرها لمرحلة معينة من مراحل التاريخ ، ويذهب ويمر ( wimmer) الى ان الغاية الاساسية من الجغرافية التاريخية هي مقارنة جغرافيات الفترات المختلفة للمنطقة نفسها ( 1972 ، 82 ـ 83 ) اما تايلور ( taylor ) فيعرفها بانها دراسة جغرافية ما قبل التاريخ او دراسة جغرافية اية مرحلة تاريخية تحتوي على ادلة تاريخية ، ويتفق بروان مع ماذهب اليه تايلور . بينما يرى كلارك ( clark ) انها دراسة التغير الجغرافي في اية مرحلة زمنية سواء كانت هذه الدراسة خاصة بظاهرة حضارية او طبيعية ومهما كانت محددة الموضوع او صغيرة المساحة ( الجوهري ، بلا ، 15 ـ 16 ) . ويرى هارتشون ( H art shome ) انها تقوم بشرح توزيع الجماعات البشرية ووصف تكوينها العنصري وتطور هذا التكوين خلال التاريخ . ويذكر سليمان حزين ان الجغرافية
التاريخية هي دراسة تطور العلاقة بين الانسان والبيئة خلال الزمن ( الفيل ، 1972 ، 85 ) ، بينما يرى كل من هنتر وبراون بانه ليس من الضروري للجغرافية التاريخية ان تبدا باقدم مرحلة في التاريخ بل تدرس جغرافية اية مرحلة يرغب الجغرافي بدراستها ( هارتشورن ، 1984 ، 85 ) . العلاقـة بـين الجغرافيـة والتاريـخ : العلاقة بين الجغرافية والتاريخ موضوع قديم جدا ، شغل اذهان الناس منذ ان اهتموا بدراسة طبيعة المجتمع البشري على سطح الارض ( غلاب ، 1968 ، 6 ) ، ان الدراسات الجغرافية و التاريخية مترابطة ترابطا وثيقا فالجغرافية وثيقة تاريخية لابد للمؤرخ ان يعرف ماتنطوي عليه ، فهي تحدد الاماكن التي تقع فيها الاحداث واحوالها وملابساتها لان المعرفة الجغرافية تساعد على تعيين الطرق التي يسلكها الانسان وتحديد مناطق تجمعه وسكناه بل تؤثر في تعيين الحوادث وفي بعض الاحيان تعين نتائجها ( الفيل ، 1972 ، 94 ) . كثيرا ما ابرز العلماء اسس التشابه الوظيفي لكل العلمين : فالجغرافية تحاول وصف الانماط المكانية وتفسيرها لظاهرات سطح الارض ثم تقسيم الارض الى اقاليم ، والتاريخ يحاول ايضاً وصف الانماط وتفسيرها في الزمان " اي المراحل التاريخية " ( سطحية ، بلا، 20 ) . والواقع انه لايمكن فصل عاملي المكان والزمان " الجغرافية والتاريخ " فالتاريخ بغير جغرافية كما قال بيتر هايلين متشرد بلا وطن ، كما ان الجغرافية بغير التاريخ جثه بلا حراك ( دربي ، 1975 ، 409 ) . ان ميدان المؤرخ ليس الماضي البعيد فحسب بل الماضي القريب والحاضر وميدان المؤرخ ايضا العالم باجمعه ، ولسهولة الدراسة عليه ان يقسم عالمه الى اقاليم ولايعني ذلك ان يكون جغرافيا وبالمثل يتمكن الجغرافي ان يقسم دراساته الى مراحل دون ان يكون تاريخيا ( الفيل ، 1972 ، 95 ) . ولقد ادرك كثير من المؤرخين هذه العلاقة بين الجغرافية والتاريخ ، منذ ان كتب ميشلية كتابة عن تاريخ فرنسا ( 1833 ) ، حيث يقول " بغير الاساس الجغرافي يبدو لنا ان الناس الذين يصنعون التاريخ كما لو كانو يمشون في الهواء ، ويجب الاننظر الى المكان على انه مجرد مسرح لحوادث التاريخ فالمكان له تاثير يتجلى في اشكال عديدة مثل الطعام والمناخ وهو يؤثر في الجماعات البشرية كما يؤثر في الافراد ( دربي ، 1975 ، 411 ) .
كما يؤكد راتزل ان التاريخ لايعيش جنبا الى جنب مع الجغرافية بل هما يتعايشان ويتعاونان معا ويؤكد ريتر انه لامناص للتاريخ والجغرافية من ان يسيرا جنبا الى جنب ، ويقول هيردر: ان الجغرافية اساس التاريخ وان التاريخ ماهو الاجغرافية العصور . الواقع ان الجغرافي والمؤرخ يدركان تماما ان هاتين الدراستين مترابطتان وان كلا منهما يستطيع الافادة من الاخر ويتحتم عليهما ان يفعلا ذلك لمصلحتهما وتحقيق غايتهما ( الفيل ، 1972 ، 96 ) . ولما كان حادث من احداث التاريخ يقع في مكان وزمان معينين فان التاريخ لايمكنه ان ينفصل عن المكان الذي عين سير هذا الحادث الى درجة كبيرة ان اعطاء المؤرخ للخريطة قيمته ومكانة في دراسته ، يحتم عليه قبل دراسة الحوادث التاريخية ان يلقي نظرة على جغرافية ذلك البلد او تلك المرحلة التي يود دراستها ، لان الجغرافية الطبيعية للمنطقة تنعكس على السياسة والاقتصاد وعلى مظاهر الحضارة الاخرى ( الفيل ، 1972 ، 98 ـ 99 ) . ان كل خطوة يخطوها الباحث الجغرافي التاريخي في ميدان بحثه تعتمد على الوثائق والمستندات التاريخية ما دام الهدف واضحاً والمرحلة معلومة وينبغي على القارئ العادي عدم الخلط قدر الامكان الجغرافية التاريخية والتاريخ ( الجوهري ، بلا 26 ) . مضمـون الجغرافيـة التاريخيـة الجغرافية التاريخية علم مركب يشترك مع الجغرافيات الاخرى في سمات معينه وينفرد عنها ويتميز بصفات ليس لها منازع ، فهي تضيف الى بعدي الجغرافية ( المكان والانسان ) بعداً ثالثاً هو الزمان الذي يعطيها العنصر الديناميكي المتغير ( الجوهري ، بلا ، 17 ) . يمنح عنصر الزمن الجغرافية التاريخية سهولة الربط التتابعي والتحليلي في الاطار المكاني المحدد بحيث يكون الماضي مفتاح الحاضر من جهة ، وأتخاذ المضهر الحضاري الحالي أو المضهر الطبيعي الساند لبناء الجغرافية التاريخية التي منها يمكن التوصل الى اصل الاشياء من جهة أخرى ( الجوهري ، بلا ، 17 ـ 18 ) . وبما ان الجغرافية التاريخية تحل مشاكلنا الجغرافية كالازدواجية وتخطيط للمستقبل لهذا يمكن القول بان مستقبل الجغرافية هو الجغرافية التاريخية " the futme of Geograbhy is Historeai Geograbhy " ( الفيل ، 1972 ، 91 ) . لقد اصبحت الجغرافية التاريخية علما تصاغ فيه الحقائف التاريخية بطريقة جغرافية وقد عبر ماكولي عن ذلك بقوله " اذا اردنا ان نقوم بدراسة مجدية لتاريخ اجدادنا ، ينبغي علينا الاننسى ان الاقاليم التي نقرأ تاريخها القديم كانت جداً مختلفـة عـن الاقاليم التي نعيش فيها اليوم " ( دربي ، 1975 ، 413 ) .
مكانـة الجغرافيـة التاريخيـة :
تجد الجغرافية التاريخية مكانتها في انها ترفض ان تنزع او تميل الى احد الجانبين فهي تتغذى من الجانب الطبيعي لابراز تاثيراته على الانسان يتكيف مع البيئة الطبيعية ليمارس نشاطاته المختلفه لذلك ان العامل الطبشري(*) قد ينفصل عن وجهي عمله الجغرافية التاريخية الا انهما يتمتعان بالقيمة ذاتها فهي تعتمد في موضوعاتها على العصور السابقة لذ لجا الباحثون الى تقسيمها على وفق منهجي ( غلاب ، 1968 ، 14 ) احدهما المنهج الاصولي وهو يتناول تطور ظاهرة معينة ( طبيعية او بشرية ) خلال مرحلة زمنية محدده او مراحل زمنية متعاقبة ، اما المنهج الاقليمي فهو يتناول دراسة الظاهرات الجغرافية المختلفة في منطقة او اقليم معين خلال مرحلة او مراحل زمنية متتالية ( سطحية ، بلا ، 19 ـ 20 ) . عند الحديث عن جغرافية الماضي ينبغي ان نهتم بوصف المكان وليس بسرد الاحداث التاريخية التي مرت به ( وهيبة ، 1962 ، 1 ) . وقد يتساءل البعض عن الفرق بين دراسة جغرافية ما قبل التاريخ ودراسة الجغرافية التاريخية لاي مرحلة زمنية عبر التاريخ ، في الحقيقة ان اي مشروع بحثي لابد ان يحدد منذ البداية باطار مكاني معين ومن ثم التعمق في دراسة الظاهرة ومقارنتها مع مايماثلها في المناطق اخرى قد شهدت ظروف مماثلة او مختلفة عنها ( الجوهري ، بلا ، 20 ) ، الا ان درجة قصور الدراسة وقلة النتائج التي نصل اليها يتوقف على المرحلة التي تنصب عليها الدراسة ، فكلما كان التاريخ قديما وكان السكان اقل تقدما كانت الحقائق التي يمكن استخلاصها اقل ومن ثم تكون الصورة التي نرسمها اقل وضوحا ( وهيبة ، 1962 ، 3 ) العلاقـات المكانيـة فـي ضـوء الجغرافيـة التاريخيـة : ينظر الجغرافي حوله ليتساءل ما الذي اعطى لموقع بعينه طباعه الخاص ? ولماذا يظهر هذا الموقع بهذه الاهمية ? ان الاجابة عن ذلك تعني الكتابة في الجغرافية التاريخية ( وهيبة ، 1962 ، 7 ) . وان الموقع ليس فكرة مطلقة فحسب ، ولكنها نسبية ايضاً لانه عامل جغرافي متغير وثابت في الوقت ذاته وبما انه متغير لذا لابد ان يقوم تقويماً صحيحاً خلال عصور التاريخ المختلفة ، اذ يقول ايست في ذلك " اننا لانسطيع ان نفترض مطمئنين ان قيمة اية بقعة في الحاضر بقيت كما كانت في الماضي الا اذ ارتكبنا خطا تاريخيا غير مقبول " ( ايست ، بلا ، 25 ) . ويؤكد ذلك لوسيان فيفر انه كلما يطرا تغيير على المكان سلباً أو ايجاباً يتخذ ذلك المكان بعداً اَخراً تبعاً ************************************************************** * نقصد بالعامل الطبشري العامل الطبيعي والبشري .
لطبيعة التغير ( فيفر ، 1973 ، 525 ) . وبهذا ان سمات الموقع هي التي تحدد العلاقة المكانية مع المواقع الاخرى . تحاول الجغرافية التاريخية ان تدرس العلاقات المكانية لاية مرحلة كانت . فالماضي في مفهومنا هو مرحلة مضت سواء قبل ايام او قبل الاف السنين . ولابد ان تؤدي هذه الدراسة الى دراسة الماضي كأنما هو حاضر لنا ( الفيل ، 1972 ، 86 ) . اي اننا سنقوم بدراسة الظروف في مراحلها الزمنية وبمجموعها ستعطينا سلسلة تطويرية عبر الزمن . ان الدارس لاي موقع ينبغي ان تكون لديه المامة واسعة من خلال دراسة اصل وتطور الموقع في التعاقب الزمني ( هارتشورن ، 1984 ، 273 ـ 275 ) . مجـال دراسـة الجغرافيـة التاريخيـة : ان مجال الجغرافية التاريخية هو الماضي الا ان مجالها الاخر هو الحاضر ومجالها ايضاً المستقبل الذي هو الصورة المتطورة ، فنحن لايمكن ان نفهم المشاكل السياسية الراهنة في العالم الا اذا درسنا جغرافيتها التاريخية ( الفيل ، 1972 ، 88 ) . فهل يستطيع الجغرافي ان يكتفي بوصفه للحاضر اساساً لدراسة اي اقليم اذ انه لم يصل الى واقعه الحالي الا بعد تغيير ، ومما لاشك فيه ان الانسان هو العامل الاساسي للتغير ( دربي ، 1975 ، 419 ) . ينبغي ان ننفي عن الجغرافية التاريخية انها جغرافية للتاريخ او مجرد تابع له بل هي علم له مجاله واهدافه ، فهي لاتنحدر الى مجرد تبريرات لمجريات التاريخ ، ان مجالها يتجه الى نواحي عديدة ( غلاب ، 1968 ، 11 ) ، تضم المكان او البيئة الطبيعية التي يمكن تحليلها الى عناصرها المختلفه كالموقع والتضاريس والسطح ونوع التربة والمناخ وتبديلاته اذ يستوطن الانسان تلك الاض هو وسلالاته المختلفه بغية دراسة مظاهر نشاطاته المختلفه ونوع العمل الذي يقوم به والاثر المتبادل بينه وبين البيئة ( الفيل ، 1972 ، 93 ) . مصـادر الجغرافيـة التاريخيـة : تعتمد الجغرافية التاريخية على عدد من المصادر التي من شانها ان تساعدنا على الوقوف لكشف الكثير من الاسباب وتحليل العديد من العلاقات القائمة في حينها بغية الوصل الى استنتاجات تفيدنا في اعطاء الصورة التي سيكون عليها ذلك المكان في بعده الزمني الاتي ويمكن ان نورد اهم تلك المصادر المتمثلة في الدراسات الجيولوجية التي تهتم بتطور مظاهر
سطح الارض وتغييرات المناخ واثر ذلك على الكائنات الحية بانواعها المختلفة ودراسة علاقة اليابس بالماء منذ ان ظهر الانسان العاقل في البليستوسين . كما تظهر الدراسات الاثرية المختلفه عملية الكشف عن جنس الجماعات القديمة بدراسة هياكلها والتعرف على درجة حضارتها لما لها من علاقة بطبيعة المكان وكيفية استثمارة والثقافه السائدة فيه ، وتلقي الدراسة أصل اسماء الاماكن المختلفة الضوء على تاريخ تعمير المكان كما ان الاسم ربما يشير الى نضام المجتمع او طبيعية البئية المحلية . وتفيدنا المخطوطات و الاحصاءات المختلفة وما جاء في كتب الجغرافية والتاريخ والخرائط القديمة وكتب الرحلات ( وهيبة ، 1962 ، 4 ) في معرفة الكثير من الخصائص اذ لولاها لما كنا قادرين على تحديد موضع معين بشكل لايقبل النقاش . ولايعتمد الباحث على الدراسة الميدانية المرتبطة بالخروج الى مواقع المخلفات والتعرف على البيئة الجغرافية فقط بل على الخريطة التاريخية ايضاً ( الجوهري ، بلا ، 19 ) . النظـرة الـى الجغرافيـة التاريخيـة : يوجد صراع قديم بين المدرسة الانكليزية والامريكية حول اهمية الجغرافية التاريخية ، فالمدرسة الانكليزية تعول على دراستها ضمن مناهجها الجامعية ، في حين لم تكترث بها المدرسة الامريكية ربما لعدم وجود عمق حضاري فيها ( الفيل ، 1972 ، 92 ) . اما في الوطن العربي ولاسيما في مصر(*) كان الميل نحوها واضحاً لانها تكشف عن كل نظام والكيفية التي تطور بها خلال الزمن وكيف يمكن ان يتطور في المستقبل . ( Baker ، 1975 ، 21 ) . يذكر الدكتور محمد وهيبة " ان الجغرافية التاريخية لم تلق الاهتمام من الطلبة كافة اذ اخفق الجغرافيون في جعل ماهو موجود في الكتابات التاريخية في متناول الجغرافي ( سطحية ، بلا ، 10 ) . لان الجغرافيين معظمهم تخصصوا في الجغرافية العصرية ( الحديثة ) واهملوا الجغرافية التاريخية وبهذا لانستطيع ان نعطي تفسيراً للاشياء ، لان المنظر الذي نشاهده لايمكن ان يوحي الينا بالعوامل كافة التي اثرت فيه ( دربي ، 1975 ، 422 ) . ************************************************************** * فقد وضع اساسها د . مصطفى عامر و د . سليمان حزين و د . محمد عوض محمد و د . ابراهيم رزقانه و د . محمد السيد غلاب و د . يسري الجوهري و د . عبد الفتاح وهيبة . للمزيد من المعلومات راجع محمد السيد غلاب وزميله الجغرافية التاريخية عصر ماقبل التاريخ وفجره مطبعة الانجاو المصرية القاهرة ، 1968 ، ص 17 .
ثانيـاً ـ موقـع مدينـة البصـرة :
يمكن دراسة موقع البصرة بشكل عام من خلال ثلاثة مستويات هي : الموقع السياسي ، والموقع العمراني ، والموقع الطبيعي ونستبعد في هذا المجال الموقعين الاولين لانهما يتعلقان بمدن العواصم اكثر منهما في المدن الاعتيادية ( ابرهيم ، 1982 ، 18 ) ، ولايهمنا في هذا الا الموقع الطبيعي الذي تتوافق ابعاده مع موضع البحث . فالموقع الطبيعي يمنحا بعداً اساسياً ذا اتصال وثيق بنشأة اغلب المدن وياخذ الموقع جوانب مختلفة على صعيد موقع البصرة اقليمياً ، فهي تقع عند راس الخليج العربي ، كما انها تحتل الجزء الجنوبي من العراق ويتحدد موقعها الفلكي بين دائرتي عرض º29 ، ´09 ـ º31، ´29 شمالاً وخطي طول º46 ، ´40 ـ º48، ´30 شرقاً خارطة رقم ( 1 ) . يتمثل موقعها الجغرافي النافذة الوحيدة التي منها العراق على العالم الخارجي بجزئية الشرقي والغربي فاعطاها مزايا الى جانب المساوئ المتمثلة في اشتراك حدودها مع اكثر من دولة احدها غير عربية تميزت العلاقة معها بالخساسية على مر التاريخ لاسباب حضارية وفكرية وسياسية . تقع البصرة في منطقة متباينة نسبياً من الناحية الجغرافية لها وزنا اقتصادي يتمثل بايران والكويت والسعودية من جهه ، ومصر وسوريا والاردن من جهه ثانية . وقد احدث هذا نوع من التنافس ـ المدعم بالموقع الجغرافي ـ بين موانئ الخليج العربي والبحرين الاحمر والمتوسط في اجتذاب التجارة ، كما ابرز الشكل المستطيل للخليج العربي نظرة جيوبوليتيكة لتقارب الدول المشرفة على ساحلية من اجل الاستفادة من اهمية الامتدادات والاذرع المطلة عليه ( غالب ، 1984 ، 24 ـ 25 ) . لقد تعرض الموقع الاستراتيجي للبصرة الى تغيرات جذرية اضعفت كثيراً من اهميته ، وذلك باجتزاء اقليم الاحواز الذي يعد امتداداً جغرافياً وتاريخياً وسكنياً له . وان رسم الحدود بين البصرة والكويت كرّس الضعف في امكاناته الموقعية الممتازة ليس محلياً أو اقليمياً ، بل عالمياً ، لان طول الساحل يبلغ 65 كم مقارنة بساحل الكويت البالغ 213 كم ( غالب ، 1984 ، 28 ) . ان القصر الساحل لم يقلل من نشاط البصرة التجاري فيها بل اثر على الجانب العسكري التكتيكي خصوصاً لو عرفنا ان عمق المياه أمام ساحل البصرة يتراوح بين 3 ـ 8 م حيث تكثر فيه الرواسب التي يلقيها شط العرب فيه ، والتي كونت سداً مرتفعاً امامه يعرف بسد الفاو وهو يبعد بضع كيلومترات عن الساحل و 32 كم عن الفاو ويصل بعده عن ميناء المعقل
خارطة رقم (1)
موقع محافظة البصرة وموضع المدينة منه
حوالي 136 كم ( القهواتي ، 1980 ، 23 ) . ولايزيد عمق الحاجز عن مستوى سطح البحر اثناء وقت الجزر عن ثلاثة امتار ، فالسفن التي يزيد غاطسها عن هذا العمق لاتستطيع الدخول او الخروج من والى شط العرب الا مع حدوث المد ، حيث تتقدم مياه البحر لمسافة 64 كم داخل اراضي شط العرب وسهل جنوب العراق ( عصفور ، 1971 ، 84 ) . دفعت هذه الظروف مصلحة الموانئ العراقية الى ان تعمل على رفع حوالي 2, 5 مليون م 3 من الطمي المترسب في في القنوات الملاحية فقط ( الكاتب ، 1971 ، 136 ) ، وقد شكلت هذه احدى السلبيات الموقعية لساحل ضيق تعاني منه البصرة كما ادت مثل هذه الظروف الى انتشار جزر اصطناعية وراء الحاجز الطيني واتخاذها موانئ وارصفة لناقلات النفط في الاقل . لذا نرى ان البصرة تعزل عن تاثير الخليج العربي بواسطة هذه الرواسب الغرينية شانها شان العديد من الموانئ وهذه التغيرات في العوامل الطبيعية تؤثر على نجاح المدينة بشكل او باخر ، فضلا عن التغيرات الاقتصادية التي تحدث في الاسواق المحلية او العالمية ( 78 ، 1965 ، EAst ) كما في الخارطة رقم ( 2) . التنافـس الموقعـي والعلاقـات المكانيـة لاقليـم البصـرة : على مر التاريخ وتحت ظل اي اقتصاد ، قد يلزم الانتاج بفائض او بعجز ، وفي الحالين لابد من التبادل التجاري . فحضارات العراق القديمة نتجت عنها ظروف سياسية معينة تيعاً لكل منها ومدى منظورها لاحتياجاتها التي قد تحصل عليها من الخارج في حالة عدم توفرها في اسواقها المحلية . دفعت هذه المعادلة فيما بعد الى تنشيط حركة التبادل التجاري الذي يرتبط ايظاً بالوضع السياسي القائم في المنطقة ، فنشاط ميناء الابلة في العهد الساساني لفترة وجيزة كان بسبب وجود المنافسة السياسية مع الرومان الذين استطاعوا ان يحولوا التجارة الى البحر الاحمر بعد ان اغلق طريق الخليج العربي الذي اثر بدوره على ركود الحياة التجارية المارة عبر العراق ( السعدي ، 1976 ، 207 ) . ان موقع العراق في قلب العالم القديم الذي مثلته حضارات قديمة نتجت عنها ظروف سياسية معينة لها احتياجاتها ونظراتها في المنطقة ، كذلك الحال بالنسبة لحضارة وادي النيل وبلاد الشام اللذين يقعان على البحر الاحمر والبحر المتوسط ، هذه المواقع الحساسة خلقت نوعا من التنافس القائم للسيطرة على طرق التجارة ذات التاثير العالمي انذلك ، كون هذه المنطقة هي حلقة الوصل بين عالمين يفتقد كل منهما لمنتجات الاخر فضلا عن وجود لسانين يخرجان من المحيط الهندي احدهما الخليج العربي الواقع حنوب غرب اسيا ويمتد داخل اليابسة نحو الشمال الى نقطة يصب فيها نهرا دجلة والفرات منفصلين في مرحلة تاريخية معينة ما
خارطة رقم ( 2) الحاجز الغريني عند مدخل شط العرب
لبث ان توحد مصبهما في الخليج العربي عن طريق شط العرب بعد وقت لاحق . ويوازي هذا الخليج من جهه الغرب البحر الاحمر ليس في المفهوم الهندسي ، بل في اهمية الاتصال بين الشرق والغرب . ونظرا لتشابة موقعهما الجغرافي الى حد ما انظر خارطة رقم (3) برز دورهما التنافسي في الحركة الملاحية وفي نفوذهما ومدى تاثير احدهما على الاخر من جراء الصراع القائم بينهما على الصعيد السياسي والتجاري والملاحي . فقد برزت ولاتزال اثار المنافسة بين الدول الواقعة على احد هذين الممرين لتنشيط تجارتهما ، فالعداء بين البطالسة في مصر والسلوقيين في العراق كان سببه التجاره في البحر الاحمر ، فاسسوا العديد من الموانئ والمحطات والطرق بعد استيلائهم على سوريا ، فكان هذا الفعل موجها ضد الابلة ، لانه الميناء التجاري الاكثر اهمية في منطقة الخليج ، حتى فقدت مركزها التجاري في الاقل مع الغرب في العصر السلوقي في الوقت ذاته انتعشت موانئ البحر المتوسط والبحر الاحمر لاسيما ميناء عدن ( السعدي ، 1976 ، 216 ، - 217 ) . كما اثر الصراع بين الفرس والرومان سلبيا على الاهمية الموقعية لميناء الابلة فعطل الاتصال بينة وبين مدن الشام وموانئه والبحر الاحمر ، وظل هذا الميناء يعمل لصالح الفرس حسب ، وبعد سيطرتهم على منطقة لم يعطوا اهتماما للتجارة بين الخليج العربي وموانئ البحر المتوسط والاحمر ، ولاسباب عسكرية لم يهتموا بتحسين الملاحة في نهري دجلة والفرات ، بل اقاموا القلاع والحصون وسد الطرق النهرية ( الهاشمي ، 1963 ، 231 ) فقلل هذا التوجه من حركة التجارة بين اسيا واوربا عبر العراق فتسيد البحر الاحمر التجارة العالمية انذلك من خلال اليمن بحكم مركزها التي استطاعت ان تغير مجرى تلك التجارة نحو موانئها دون موانئ الخليج العربي فاخذت السفن ترسو عند ميناء الجرها التابع لها مستفيدة من موقعه المتقدم مقارنة بميناء الابلة ( السعدي ، 1976 ، 219 ) . يتعرض حاليا الطريق عبر العراق كما في السابق باستمرار لمناقشة الطريق المار عبر البحر الاحمر وحوض البحر المتوسط ، حتى ان الموانئ البحرية تتنافس مع بعضها من اجل استمرارها وبقائها للحصول على اهمية مدينة تبرز شخصيتها عن الطريق التوصل لاستخدام اقصر الطرق . وما قناة السويس الا وليدة هذه الفكرة ولكن على الرغم من ذلك تبقى منطقة الخليج العربي ذات اهمية ، فهي كما في نظر الاسكندر الاكبر تمثل مفتاح السيطرة على العالم - في حينها - كما هو الحال في الوقت الحاضر لما فيها من ثروة نفطية مهمة ، فهيمن على السواحل الشرقية طمن مشروع كبير لم يتحقق بسبب وفاته ( علي 1971 ، 267 )
خارطة رقم ـ 3 ـ
موقع البصرة من الخليج العربي والبحر الاحمر
يعتمد الصراع للسيطرة على احد هذين الممرين قبل الاسلام على قوة او ضعف هذه الامبراطورية او تلك ، ويذهب البعض الى ان هذه الحالة انتهت عند ظهور الاسلام كقوة . الا ان الحقيقة غير ذلك خصوصا في العصر الاموي وما بعده حتى الاستعمار الغربي ، اذ تاثر هذا الموقع بعدة جوانب تبعا لمتطلبات تلك القوى واغراضها السياسية والعسكرية والتجارية ،فالبحر الاحمر وان يبدو منافسا هو دون الخليج العربي بالاهمية ، لان مقدار التجارة التي كانت قائمة مع الهند عبر الخليج العربي قد تجاوزت ثلاثة اضعاف تجارة الهند المارة عبر البحر الاحمر ، بسبب قصر المسافة المقطوعة من اسيا الى اوربا من خلاله . كما تقل فيه العقبات الطبيعية التي تعيق الملاحة ( حسين / 1980 ، 15 -16 ) . ومن الجدير بالذكر ان الخليج العربي يقع في منطقة التوازن الحقيقي لمجوعة العلاقات الجيوبوليتيكية في اقليم يمتد من الهند الى البحر المتوسط وبحر قزوين ، ويكمل التوازن لهذا الاقليم البحر الاحمر وشرق افريقية ، لذا وقعت هذه المنطقة عموما ضمن ميزان القوى العالمية قديما وحديثا ، وتباينت مواقف هذه القوى بتحديد اهمية مواقعها ، تبعا لتطور الافكار والمفاهيم " فالخليج في التاريخ الحديث لم يكن يعيش دون علاقات عالمية بوصفه حدا من حدود التماس للسياسة والتجارة العالمية ، بل كان جزاء من الصراع القوى السياسة والتجارة العالمية لفترة طويلة " ( رياض ، 1983 ، 263 ) ، فالعامل السياسي لعب ولا يزال يلعب دورا كبيرا في تحديد اهمية المدن العربية الواقعة على الخليج العربي والبحر الاحمر والمتوسط ، فهو يمثل العامل الاكثر اهمية في انكماش تلك المدن أو ازدهارها في هذا المكان او ذلك ، فعلى مر التاريخ نلاحظ بروز او تدهور مدن هذه المنطقة تبعا لانتقال مراكز القوى السياسية بين الشام والعراق ، وان ظهور المدن يبدو متوازنا في تنافسه تبعا للظروف الطبيعية التي تحدد مواقعها في احسن الاحوال ، بينما التنافس السياسي هو اقوى من تلك الظروف في اغلب الاحيان ، مما جعل " الظاهرة الموجية " واضحة عند انتقال الاهمية بالتناوب بين الخليج العربي والبحر الاحمر والمتوسط . ومن اللافت للنظر ان البصرة لم تستفد كثيرا او تزدهر عندما تمر المدن المنافسة لها بازمة في حين يظهر العكس عندما تمر البصرة بازمة تزدهر خلالها مدن عديدة منها : سيراف ، والكويت ، وبندر عباس والعقبة . ويعود سبب ذلك الى عوامل سياسية واقتصادية ، فضلا عن العامل الطبيعي . لذا ان قيمة الموقع ليست بذاته ، بل هي طارئة تبعا لتلك العوامل . فلايقيم الموقع الا من خلال بعدين : احدهما علاقة الاقليم بغيرة من الاقاليم الاخرى ، وثانيهما العلاقة في اطار الاقليم ذاته كمت يظهر في علاقة مراكزه مع بعضها وبين المراكز
الوريثة ، لذا نجد من خلال البحث ان اقليم البصرة يبحث جاهدا لتعزيز هذه العلاقة بطرفيها الخارجي والداخلي عن طريق امكاناته الذاتيه التي تمنحه حاله واضحه من الانتعاش سرعان ماتجهز عليها الدول المجاوره للتقليل من اثرها وديمومتها عن طريق ابعاد المنطقه عن الضروف الاعتيادية باثارة المشاكل والاظطرابات لغرض تحويل تلك الحالة الى موانئها دون ميناء البصرة . أمكانـات الموضـع :
ان البصرة استمدت اهميتها من موقعها الجغرافي وليس من تاريخ تمصيرها ، فقد ناشات منذ البداية على انها مدينة تجارية مستثمرة علاقة الموضع بالموقع العام لها وفي ظل هذه الظروف الطبيعية لابد ان ينشأ مع المدينة ميناها الخاص بها . فا الموضع يعد عنصرا ذا اهمية بالغة في حياة المدينة لاسيما تاثيره على تطوير الميناء المدينة في دعم وضيفتها بوجود مياه عميقه وواسعه ووجود حركة المد ومناخ ملائم ( ابراهيم ، 1983 ، 28 ) ، وقد يصعب وجود هذه العناصر مجتمعه في مكان واحد لذا يتدخل الانسان لتعديل مايمكن لصالح المدينة من اجل ادء وضيفتها . يحيط بالموضع من الغرب المنطقة الصحراوية ومن الشمال والشمال الشرقي اقليم الاهوار والمستنقعات ( البطائح ) ,ومن الشرق الاراضي المنخفضة والفيضية وتتصل البصرة العمرية بشط العرب عن طريق قناتين شقتا باتجاه مركز المدينة عبر الاراضي المنخفضة ( AI _ KATTAb ، 1972 ، 32 ) . لابد ان يكون لمثل تلك الظروف اثر على توسع المدينة باتجاه معين دون غيره حيث يتجه نمو البصرة الحاليه نحو الغرب بشكل واضح ، في حين يمكن ان تتوسع المدينة الى الجانب الايسر من شط العرب ، لكن العامل البشري يلعب دورا كبيرا في تحجيم استعمال اراضي ذلك الجانب ، نتيجه لقربه من الحدود السياسية لايران الذي لايشجع هذا الجوار على استثمار هذه المنطقه سواء كان من الدولة او من الاشخاص . فالتاريخ قديمه وحديثه يمدنا بادلة ملموسة تجعلنا نصرف النظر على استثمار هذه المساحة المهمة والمناسبة لسكنى الانسان . ولابد ان نشير الى كيفية تاثير ارض البصرة التي هي جزء من ارض العراق ، بتغيرات جيلوجية ، جعلت طبيعة ارض البصرة تتميز بمضهرين متباينين من الخصائص والتكوين وهما : السهل الرسوبي والهظبة الغربية وهذا ناتج من تطور بنية ارض العراق خلال الحركات الارضية من ناحية ، والدروع القارية القديمة التي قاومت تلك الحركات من جهة ثانية وان ارض العراق يمكن تقسيمها على ثلاثة اقسام من الناحية البنايئه هي المنطقة غير
الملتوية ( UNFOLDeD ) التي تتركز عليهاا الهضبة الغربية ، والمنطقة الملتوية ( FOLDED ) التي تستقر عليها منطقة السهل الرسوبي فضلا عن المنطقة الاندفاعية ( THRUST ) التي تقع عليها المنطقة الجبلية ( الربيعي ، 1991 ، 129 ) . ومن هذه الاقسام يضم اقليم البصرة جزاء من المنطقتين الاولى والثانية . نلاحظ من هذا التباين البنائي في منطقة البصرة ، ان منطقة الزبير تجمع بين اجزاء من الهضبة الغربية التي تبلغ مساحتها حوالي 50 % من مساحة تلك المنطقة ( الربيعي ، 88 ، 11 ) واجزاء من السهل الرسوبي . لابد من اشارة الى موضوع مدينة الزبير لانها تمثل التوأم الجغرافي والسياسي لمدينة البصرة ضمن الاقليم الواسع قديما وحديثا ، فقد لعبت المدينة دورا ريئسا ووسطيا في التبادل التجاري بحكم موقعها بين سكان الهضبة وسكان السهل الرسوبي . وقد تعززت اهميتها في السنوات الاخيرة بعد التطور الصناعي والزراعي في الاقليم ، فضلا عن كونها تمثل البؤرة التي تلتقي عندها طرق النقل المحلية والاقليمية ، ينعكس هذا على تجمع الانشطة التجارية والصناعية والخدمية في المدينة ، فشكلت منطقة جذب سكاني ادى الى نموها وتوسعها بشكل سريع ( عبود ، 1989 ، 7 ، 9 ) . كان سكان هذه المنطقة يستخدمون مامتوفر من مواد بناء المحلية . كما دلت التحريات الجيولوجية على ان هذه المنطقة ذات مكامن نفطية جيدة ، وان ارتفاع المنطقة مقارنة بالجهات الشرقية حيث السهل الرسوبي سهل من عمليات الصرف الطبيعي ، فضلا عن تربتها هي من الترب الرملية ، وقابليتها على الاحتفاظ بالماء قليلة كما هو محتواها من المواد العضوية . هيأت هذه الظروف مع توفر المخصبات والمياه الجوفيه في المنطقة قيام نشاط زراعي جيد ، واذا ما توافرت الامكانات المادية للمستلزمات الزراعية فيها فأنها تعطي محاصيل عديدة ذات اهمية لسد الحاجة المحلية لعموم القطر . الا ان المشكلة الفعلية التي تواجه النهوض بهذه المنطقة هو قلة المياه السطحيه والاعتماد على المياه الجوفية ، مما زاد من نسبة ملوحتها بسبب هذا الاستخدام فتتراوح هذه النسبة بين 5000 مايكروموز \ سم الى 10000 مايكروموز \ سم ( عبود ، 1989 ، 30 ) . وتقع الى الشرق من المنطقة الانفة الذكر مدينة البصرة (*) وبموضعها على شط العرب ضمن السهل الرسوبي جعل اراضيها تمتد بشكل مبسط على جانبي شط العرب التي تكونت من ترسابته المستمرة لحد الان . فالمنطقة تتصف بانخفاضها العام ، حيث يكون ارتفاعها في ************************************************************** * المحصور بين نهر السراجي من الجنوب وكرمة علي من الشمال وشط العرب من الشرق وشط البصرة الغرب
الشمال 4.5 م ويصل الى اقصى الجنوب 5.0 م عند سواحل الخليج العربي . كما تظهر انحدارات اخرى من كتوف الانهار التي يصل ارتفاعها ( 4 م ) نحو المناطق المنخفظة المجاوره البالغ ارتفاعها 2 م(*) ( الربيعي ، 1991 ، 158 ) . يوضح الموضع الطبيعي في اعلاه انخفاض هذه المنطقة عن سابقتها ، وان الماء الباطني فيها قريب من سطح الارض ، وان تربتها غرينية طينية مزيجية نسيجها ناعم ، قابليتها على الاحتفاظ بالماء كبيرة ، ومغاض الماء فيها بطئ . الموضع الوريـث والبديـل فـي اقليـم البصـرة : يقع العراق في قلب العالم القديم ، وتحتل البصرة ضمن هذا الموقع العام ، موقع خاصاً متميزاً على رأس الخليج العربي . فهي تمثل حلقة الربط بين شرقه وغربه ، وقد زاد من اهميتها نهرا دجلة والفرات وحدهما شط العرب . فالبصرة من الناحية الجغرافية هي ميناء خليجي لان المدينة التي توصف بانها ميناء بحري لايشترط ان تطل على الساحل مباشرة بل ان يكون لها مخرج نهري يتصل بالبحر . فقد أشرفت البصرة على 4 \ 3 التجارة الواردة من اوربا أو الهند ( القهواتي ، 1980 ، 23 ) ، فضلاً عن ان مياه دجلة والفرات كانت تصب منفردة في الخليج العربي عند القرن الرابع او الثالث قبل الميلاد في مصبين ( شريف ، بلا ، 227) ، احداهما شط العرب ( تيجرس اورينتال ) والثاني خور عبد الله ( تيجرس اوكسيد تنال ) كما في الخارطة رقم (4) . كما تمدنا الدراسات التاريخية بان الانهار التي كانت تخترق ارض البصرة كثيراً جداً بحيث تشجع كثيراً من المراكز ان تنشأ وتنمو وتزدهر لان اسباب نشأة المراكز المدينة متوفرة لذا ظهر عدد منها لغرض الاستقرار واستمر يرث احدها الاخر كما كان بعضها بديلاً مناسباً لغيره . ان تعدد المدن الوريثة والبديلة في البصرة اعطاها صفة الديمومة ، فالمراكز المتعدده هذه اضهرت مناورة جيده لبقاء البصرة ومقاومتها للظروف الطارئة عليها عن طريق ايجاد بديل المناسب الذي يؤدي مهمته ويمنع من اندثار المدينة اويجعلها مدينة هامشية ، خصوصاً ان هذه المواضع المتباينة جميعها تحتل اماكن حيوية تستمد من الموقع قوتها وديمومتها كما هي بدورها تعزز من قيمته وتاثيره على الاقليم كله فالبصرة تجمع بين اهمية الموقع وحيوية الموضع ( البديل والوريث ) فالعوامل التي تحدد اختيار موضع ماضمن الاطار العام للموقع قد تكون عوامل خارجية او عوامل مؤقتة كأن تكون سياسية وان تناوب المواضع في البصرة تاثر بالعاملين معاً في اغلب مراحل التاريخ ************************************************************** لقد دفنت الارض الاصلية للمدينة البصرة باكثر من 1.5 كم لاغراض العمران
خارطة رقم 4
نهرا دجلة والفرات وههما يصبان في الخليج العربي
واخذ تاثير العوامل الخارجية يبرز اكثر خصوصاً بعد ان استقر العامل السياسي في العراق في الفترة الحديثة وهذا يعطي للموقع خلوداً يتوفر فيه طول البعد الزمني ( حمدان ، 1960 ، 429 ) . نلاظ ان ثمة مواضع تتباين في اهميتها من حين لاخر ضمن موقع البصرة ، فازدهرت فيها التي ورثت غيرها او كانت لها بديل فمدينة تريدون ( teredon ) تقع أخربتها على مقربة من مدينة البصرة العمرية كما في الخارطة رقم (5) ، وذهب رولنسن نقلا عن ( بيد نيوس واسابيوس ) ان نبوخذ نصر كان قد انشاها ومن الصعب تحديد موضعها ولعل بقاياها يمكن البحث عنها في انحاء الزبير ( جميل 1961 ، 149 ) ثم ضهرت الابلة وريثاً لها وكانت موجوده عندما مر سنحاريب فيها عام 696 ق . م ، وهي تبعد حوالي 20 كم عن نهاية خور الزبير وبعد ذالك اقيمت البصرة العمرية التي مصرت عام 14 هـ \ 624 م ايام الخليفة عمربن الخطاب ( رض ) . ان هاتين المدينتين البديلتين لمدينة تريدون قد قامتا بذات الوضيفة الحربية والتجارية حيث كان نهر الفرات الذي تقع عليه تريدون والبصرة العمرية يصب في الخليج العربي مباشرة عن طريق خور الزبير ( الكاتب ، 1971 ، 13 ـ 21 ) ، التي تقع الى الشمال منه مدينة الزبير الحالية والتي اتسمت بالوضيفة العسكرية ثم اصبحت تجارية فدينية ، وما يعزز انها قامت لمتطلبات الوضيفة العسكرية موضعها على هامش الصحراء وارتباطها بالجزيرة العربية وقد كانت الناحية السياسية غالباً ماتضفي عنصراً من عدم الاستقرار على كيان المدن العربية اذا يلائم موقع أو موضع ماضهور مدينة وازدهارها تبعاً لسياسة تلك الدولة ونشاطها في الوقت الذي تقل اهمية لحساب موقع اخر بالنسبة لدول اخرى احتلت السيادة على المنطقة ـ كتقدم الدولة الاسلامية وتراجع الامبراطورية الرومانية ـ توجها مع فلسفتها وسياستها الخاصة ولذ المدن التي تعتمد على موارد الموضع هي مدن داخلية وهي اقل عرضة للتدهور بسبب تمسكها النسبي مقارنة بالمدن الساحلية المعتمدة على موارد التجارة المرورية وعلى هذا الاساس تعددت المراكز الجديدة . اما المدينة التي احتلت موضعها في جهة الشرق هي ( الابلة ) فعندما توفى ابو بكر الصديق ( رض ) كان ( سويد بن قطبة ) عاملاً على البصرة ، ويقصد بها الابلة لان البصرة لم تمصر بعد ألا في زمن عمر ابن الخطاب ( رض ) وقد كانت الابلة من اهم الموانئ في أعالي الخليج ايام فتح المسلمين للعراق ( علي 1971 ، 275 ) . وقد نهضت في الوقت الحاضر مدينة العشار كبديل لمدينة الابلة الواقعة على شط العرب وتعد هذه المدينة القديمة افضل ميناء بحري للعراق ، وارتبطت اهميته بالاوضاع السياسية القائمة ليس في العراق بل في دول
خارطة رقم ـ 5 ـ
موقع مدينة تريدون
اخرى مثل اليمن والشام ومصر لوجود طريقين للتجارة يربطان الشرق بالغرب وهما الخليج العربي ثم ميناء الابلة والبحر الاحمر ثم ميناء العقبة ، فالطريق الاول هو المفضل لدى التجار بسبب قصره وانخفاض تكاليفة وقلة الجزر المرجانية فية على عكس البحر الاحمر ( السعدي ، 1976 ، 216 ) . ان المراكز التي ضهرت كنويات يرث احداهما الاخر استطاعت في بدايات نشاتها كالبصرة العمرية والبصرة الحالية او الابلة ان تستفيد من العلاقة بين مناسيب دحجلة والفرات والخليج العربي بواسطة قنوات ملاحية تربطهما ببعض حدا ذالك بوجد علاقة عضوية متبادلة ضمن خصوصية كل واحد من هذه المراكز الامر الذي يجعل هذه العناصر المترابطة بالامكان اعتمادها على قدرتها الذاتيه في حالة تعرض بعضهم لضروف طارئه داخلية او خارجية ويمكن تشبيه هذه بااحياء سكنية تغذيها طاقة كهربائيه ريئسة فضلا عن ربطها بمولدات كهربايئة مستقلة لكل حي تعمل مباشر حال انقطاع الطاقة الريئسة المغذية . وفي ضوء ذلك ضهرت اسباب عدة توارثت البصرة بموجبها مواضعها التي تقدم ذكرها بعضها ذات تاثير فعال على مر التاريخ والاخر يظهر خلال مرحلة معينة . فالازمات الاقتصادية واثار التدمير المستمرين قد لازمها في مراحل نموها التاريخي وكانا ذا اثر فعال في هذا التوارث بين المواضع المتعددة . كما نلاحظ اثرهما في العهد الايلخاني الذي ادى الى اندثار اجزاء مهمة من نهري المعقل والابلة لعدم كريهما فانقطع الاتصال بين مدينة البصرة العمرية وشط العرب واصبح موضعها غير ملائم لاداء وضيفتها التجارية ، مما حدا ذلك الى ان تحتل البصرة الحالية الواقعة الى الشرق من البصرة العمرية تلك الاهمية بسبب قربها من شط العرب المنفذ الريئسي لتجارة العراق الخارجية وهيمنت هذه الوضيفة على الوظيفتين العسكرية والادارية . ان هذا التوارث في احتلال المواضع ضمن الموقع الحرج ـ الفعال امد الاقليم بالديمومة والبقاء وكان ذلك من اجل ان يتحول ميناء البصرة الى مركز تجاري مهم في الخليج العربي بعد ان تاثرت البصرة العمرية بعوامل بشرية قوضت من اهميته . يحاول المؤرخون بااستمرار ان يجدوا في التاريخ دورات او مراحل الا انه من الصعب اثبات وجودها ( مالكيندج ، 1974 ، 118 ) ، الا اننا نستطيع ان نعد كل عصر تاريخي بانه عبارة عن مرحلة تاريخية مستقلة بذاتها ومن خلالها نستطيع تتبع الاحداث التاريخية في ضوء المتغيرات الجغرافية . ويرى ارسطو ان الزمن عبارة عن حركة اهم خصائصها انها متصلة
وقابلة للانقسام الى ما لانهاية ( فخري ، 1986 ، 58 ) لذا اتبع البحث في منهجه الراحل الزمنية بغية تحقيق هدف الدراسة اذ ان متطلبات كل عصر تختلف عن غيره في عملية اختيار موضع الاستقرار ، فموقع المدينة في العهد الكلداني كان جزاء من امبراطورية واسعة ، تقع بالقرب من مجرى النهر الفرات السابق الذي كان يصب في خور الزبير ، بينما في فترة قبيل العصر الاسلامي كانت مدينة الابلة تقع بالقرب من شط العرب ، وخلال العصر الاسلامي انتقلت المدينة مرتين اولهما من الابلة الى البصرة العمرية والثانية من البصرة العمرية الى البصرة الحالية . وان كل تلك المواضع تمتلك خصائص معينة تميزها عن غيرها ، اذ لعب كل موضع دوره في صيرورته التاريخية . ثالثاً ـ الخصائـص الطبيعيـة لمدينـة البصـرة : لعبت العوامل الطبيعية دوراً مهماً في انتقال المدينة من موضعها القديم في الهضبة الغربية ( البصرة العمرية ) الى موضعها الحالي قرب شط العرب ( مدينة البصرة الحالية ) . لذا سنتناول وبيجاز بعض تلك العوامل الطبيعية التي ساعدت على عملية تنقل المدينة من جهة الى اخرى . 1 ـ الوضـع الجيولوجـي لمدينـة البصـرة تاثرت ارض العراق بصورة عامة بعاملين أساسين هما : أ ـ وجود كتلة صلبة الى الغرب والجنوب الغربي من العراق " شبه الجزيرة العربية " التي كانت جزء من قارة ( Gondwana Land ) التي تكونت خلال فترة ماقبل الكمبري ( كريم ، 1988 ، 172 ) . ب ـ وجود بحر عضيم ( tethys ) كان يغطي في اواخر الزمن الاول معضم ارض العراق ، وكانت صخوره اقل صلابة من القارة لذا حافظت الاجزاء التي كان يغطيها على انبساطها كالسهل الرسوبي والهضبة الصحراوية ( الخلف ، 1961 ، 18 ـ 19 ) . تحتل المدينة البصرة الحالية الطرف الجنوبي من السهل الرسوبي الفيضي ويشغل من الناحية التكتوينة منطقة الجرف غير المستقر ( shelf ـ unstable ) المتميز بأنخفاض قعره منذ بداية التكوينات الجيولوجية بينما احتلت البصرة العمرية الجزء الجنوبي الشرقي من الهضبة الغربية ضمن الجرف المستقر ( shelf ـ stable ) ( ياسين ، 1998 ، 6 ، 9 ) . تعود اقدم التكوينات الجيولوجية المكتشفة في مدينة البصرة الى الزمن الجيولوجي الثاني ، قبل حوالي 135 مليون سنة وفي مايلي التتابع الطباقي لجيلوجية المدينة :
أ - الزمـن الجيولوجـي الثانـي ( mesozoic )
ترسبت في العصر الطباشيري اخر عصور الزمن الجيولوجي الثاني تكوينات متنوعة من الترسبات الفتاتية ( الرملية والغرينية ) والصخور البحرية والكلسية والدلومايتة والصلصال ( محمود ، 1997 ، 15 ) ، ويتراوح سمكها بين 1000 م في البصرة الحالية الى 2000 م في البصرة العمرية ( ياسين ، 1998 ، 11 ) . وتتمثل بتكوينات يمامه ، ارطاي ، الزبير ، الشعيبه ، نهر عمر ، موود ، الاحمدي ، الرميلة ، المشرق ، الخصيب ، التنومة ، السعدي ، الهارثة ، شراش ، والطيارات ( جوزي ، بلا ، 158 ـ 159 ) ، ب ـ الزمـن الجيولوجـي الثالـث : ( cenozoic ) حدثت في نهاية العصر الايوسين وفي عصر الاوليجوسين حركات تكتونية في مدينة البصرة الحالية التي تقع كما ذكرنا سابقا ضمن الرصيف غير المستقر ادت الى انخفاضة وزيادة النحت في الاراضي العالية المجاورة ( 291 ، 1980 ، buday ) مما ادى الى ارتفاع منطقة البصرة العمرية لتاخذ بذلك وضعها النهائي . وتتالف ترسبات هذه الفترة من تكوينات ام الرضومة ورس والغار والدمام وفارس الاسفل والاعلى(*) والبختياري(**) ( الربيعي ، 1988 ، 9 ) . ج ـ الزمـن الجيولوجـي الرابـع : بدا منذ مليوني سنة حتى الوقت الحاضر وقد استمرت خلاله الحركات الارضية البناية للجبال في الشمال وهبوط السهل الرسوبي في جنوب العراق ( ياسين ، 1998 ، 13 ) . وفي العصر الهلوسين بدا تشكيل السطح الحالي لعموم البصرة نتيجة للهبوط المستمر للجرف غير المستقر من جهة وثبات الحرف المستقر من جهة اخرى ، ولتغير الضروف المناخية المطيرة الى جافة ادى الى ان تتطور المنظومة النهرية وتمخض عنها تشكيل انهار دجلة والفرات وشط العرب والكارون وفروعهم ( الربيعي ، 1991 ، 153 ) . وتميز عصر البلايوستوسين بزيادة الرواسب القارية فلقد نشات في هذه الفتره تكوينات الدبدبة والحمار وترسبات البحيرات المويلحة ( محمود ، 1997 ، 17 ) . 2 ـ المنـاخ فـي العصـور القديمـة : يعد المناخ عاملا مؤثرا في خصائص المنطقة ونشاط الانسان واسلوب حياته بما يتوافق مع البيئة المناخية ، اذ يعمل الانسان على تفاعل مع البيئة والتأقلم مع ضروفها بطرق مختلفه ، ************************************************************** * تعرف حاليا بتكوينات الجانة ** تعرف حاليا بتكوينات المقدادية
كبناء تصاميم تناسب المناخ السائد ( الياسري ، 1988، 3 ) ، الذي يعيش فيه الانسان ويمارس نشاطة . يميل اليوم عدد كبير من علماء الاثار والمؤرخين الى مراجعة الكثير من النضريات الاقتصادية والسياسية التي تفسر ازدهار الحضارات القديمة وتدهورها كحضارات وادي السند وإمبراطورية مالي وغيرها فهم يرون ان انهيار تلك الحضارت يرجع الى تعرضها لتغييرات مناخية فجائية ( ابو العز ، بلا ، 26 ) . ان الادلة الجيولوجية والاثرية ومن بينها الادلة الكتابية تشير الى انه لم تطرا تبدلات اساسية في احوال المناخ منذ ان استوطن الانسان السهل الرسوبي في الجنوب مابين الالفين السادس والخامس ق . م . اما ما قبل ذلك فكانت الاحوال المناخية في العراق تختلف اختلافـاً جوهريـاً عمـا عليـه الان ( باقر ، 1970 ، 3 ) . وهي كما يلي : ـ 1 ـ وفي الايوسين ، حصل استقرار في الوضع المناخي اذا تشابهت الظروف الحالية مع الضروف المناخ في الزمن الثالث والزمن الرابع تقريباً ( الحسين ، 1978 ، 376 ، 377 ) . 2 ـ وخلال عصر الميوسين الاسفل ، اتصف مناخ العراق بضروف مناخية دافئة ورطبة تشبه الى حد كبير المناخ المداري الرطب غير ان الصفات الفصلية لم تكن واضحة فقد كانت كمية التساقط السنوية تتراوح مابين 1000 ـ 1500 ملم وبلغ متوسط حرارة الفصل الشتاء اكثر من الصفر المئوي . 3 ـ تغيرات الضروف المناخية الى المناخ شبه المداري نوع البحر المتوسط في النصف الثاني من العصر الميوسين . 4 ـ وفي نهاية العصر الميوسين ، اتصفت الحالة المناخية بضهور الصفات الفصلية للمناخ . 5 ـ في اواسط البلايوسين ، سادت الخاصية القارية لمناخ العراق وخلال هذا العصر ايظاً حدثت العصور الجليدية . 6 ـ وفي عصر البلايستوسين ، شهد العراق عدة فترات مطيرة كان فيها اكثر رطوبة عما هو عليه في الوقت الحاضر ، وتخللتها فترات جافة كان المناخ فيها يشبه ماهو سائد الان ، اذ تميزت فترات الجفاف بقلة الامطار وارتفاع درجة الحرارة ( الفيل ، 1968 ، 246 ، ـ 251 ) . 7 ـ في العصر الهولوسين ( الحديث ) ظهرت زيادة في التساقط مع انخفاض تدرجي في الحرارة ( باقر ، 1970 ، 3 ) ، وكما في الجدول رقم (1) .
جدول رقم ( 1 )
حالـة المنـاخ فـي الزمـن الثالـث والرابـع الجيولوجـي
الجدول من عمل الباحث بالاعتماد على
1 ـ طه باقر ، مقدمة في جغرافية العراق التاريخية ، مجلة الاقلام ، العدد ( 11 ) ، السنة ( 6 ) ، بغداد 1970 ، ص2 ـ 6 ، ص3 .2 ـ فاضل باقر الحسني ، تطور مناخ العراق عبر الازمنة الجيولوجية والعصور التاريخة مجلة الجمعية الجغرافية العراقية ، المجلد (10) مطبعة العاني ، بغداد ، 1078 ، ص375 ـ 390 ، ص376 ـ 377 . 3 ـ محمد رشيد الفيل ـ تطور العراق منذ بداية البليوسين حتى الوقت الحاضر ، مجلة الاداب ، العدد (11) مطبعة الحكومة ، بغداد ، 1968 ،246 ـ 251 . وبعد ان انتهى العصر الجليدي الاخير بدأت فترة دفء في العالم ، قبل نحو عشرة اَلاف سنة كانت هذه الفترة قد أستقرت على المناخ يكاد يكون ثابتاً ، هوة المناخ الذي نعيشه في الوقت الحاضر ، ومعنى هذا ان المناخ الذي كان سائداً في بلادنا في العصور الذهبية كالعصر العباسي والبابلي والاَشوري والسومري ، لم يكن يختلف بصورة عامة أختلافاً كبيراً عن المناخ في وقتنا الحاضر من حيث درجات الحرارة صيفاً وشتاءً وكمية الامطار المتساقطة ومن حيث سيادة اتحاه هبوب الرياح ( سفر ، 1974 / 2 ) توقعـات حـول حالـة المنـاخ : يرى بعض الميتورلوجين ، أن عالمنا اليوم يمضي نحو ( عصر جليدي جديد ) سيصبح فيه توفير الطعام بمثابة الموضوع المركزي وعلى الرغم من اختلاف الاراء حول تحديد تاريخ
بداية التغير المناخي العالمي نجدها متفقة جميعا في ان عالمنا يمضي الى البرودة . اذ يرى الباحث الانكليزي كيلدر ( calder )(*) ان العصر الجليدي الجديد على وشك ان يحل بنا وان فترة عشرة الاف سنة من الدفء قد قاربت على الانتهاء ولن تستمر لاكثر من مائة عام على افضل الاحتمالات ( ابو العز ، بلا ، 11 ـ 14 ، 24 ) . اذ يؤكد العالم الامريكي ديز بيرجر " ان مناخ الارض يمكن ان يتغير فجاة ، لذا يجب اخذ كافة الاحتمالات وخاصة عند بناء السدود " ( عبد الكريم ، 1973 ، 45 ) . وهناك مسالة تجدر الاشارة اليها ولو اننا لانستطيع ان نصل بها الى حل حاسم وهي مسالة ما أذا كنا نعيش الان في فترة دفيئة مماثلة لتلك الفترات الدفيئة التي تخللت العصر الجليدي او ان الحضارة البشرية الحالية مهددة بفترة جليدية قائمة بذاتها ( جودة ، 1980 ، 22 ) . يعني هذا عودة الاهمية الستراتيجة للمنطقة بشكل اقوى اذ تصبح من المناطق المطيرة وان ضروفها البيئة ستختلف تماماً عما هي عليه الان ، وربما ستزدحم هذه المنطقة بالسكان وان هذه الفترة الجليدية المتوقعة فيما لو حدثت فأنها ستحدث في عصر المعلوماتية فالى اي حد يكون فيها الانسان قادر على ان يتكيف مع التغيير الطارئ ، وهل ستكون منطقتنا مرشحة لغزو خارجي يحتمي باعتدال مناخها نسبيا وتوافر القدرة الزراعية التي تكون قادرة على اعالة اعداد كبيرة من السكان ? . 3 ـ تحـول انهـار البصـرة العمريـة الـى البصـرة الحاليـة : اصبح خور الزبير في عصر الهولوسين ولاول مرة مصباً ( estuary ) لمجرى نهر الفرات القديم " المندثر حالياً " ، الذي يقع على بعد 20 كم غرب مدينة البصرة الحالية ( الملا ، 1997 ، 10 ) . ونتيجة للتنشيط التكتوني الحديث(**) الذي ادى الى رفع باطن الارض وتكوين التراكيب الجيولوجية التي ادت الى جفاف معضم انهار مدينة البصرة العمرية وتحول مجاري هذه الانهار الى مجاريها الحالية ، مثال ذلك نهر الفرات القديم الذي كان يمر شرق مدينة البصرة العمرية ليتصل بقناة خور الزبير الحالية عند منطقة الشمالية خلال لسانه الغربي ، وفضلا عن ************************************************************** يوضح كيلدر " في السيناريو العالمي " الذي وضعه " ان اثنتي عشرة دولة ستمحى في العصر الجليدي الجديد وتتحول الى صحارى جليدية مثل كندا وبريطانيا والسويد ... وغيرها وان الاتحاد السوفيتي ( السابق ) والولايات المتحدة ستتعرض للتجمد بينما افريقية وشرق امريكا الجنوبية ستتعرض للجفاف الشديد . كما ان الصين والمكسيك واستراليا والارجنتين ستتعرض اجزاء منها للتجمد واخرى للجفاف . واما حوض البحر المتوسط والوطن العربي وتركيا وايران فسيسوده امثل المناخ . ** في الفترة الممتدة من الف سنة ماضية وحتى عام 1983 .
جفاف معظم الانهار القادمة من شط العرب مثل نهر الابلة والمعقل الذين شقهما العرب في صدر الاسلام لارواء المدينة ( الساكني ، بلا 415 ـ 416 ) . واشار كل من ليس وفالكون ( lees & falon ) الى المساحة الواسعة من الارض المرورية في مدينة البصرة العمرية التي يرجعها المؤرخون الى الفترة العباسية ( 758 ـ 1258 ) ميلادية . وقد لوحظ اختفاء منشات الري فيها تدريجيا ليس بتاثير المد فقط بل نتيجة لهبوط اراضي في المنطقة ( كربل ، 1988 ، 76 ) .
الفعـل التاريخـي فـي المكـان والاستجابـة الموقعيـة
اولاً ـ تمرحـل الفعـل التاريخـي فـي المكـان :
مرت مدينة البصرة عبر تاريخها الطويل بعدة مراحل تاريخية تبلورت بها شخصية المدينة من حيث التأثر والتأثير لذا سوف نقسمها على خمس مراحل تاريخية وكما يلي :
1 ـ المرحلـة الراشديـة : توجد اشارات عديدة تعود الى الملك الاشوري سنحاريب يشير بها الى موضع يسمى " باب سلامتي " وكذلك ورد اسم لموضع يسمى " تريدون " و " دير يدوس " اذ من المحتمل ان يكون الموضوعان بالقرب من الموضع الذي صار فيما بعد " مدينة البصرة العمرية " ( ناجي ، 1986 ، 130 ) . اما خلال عهد الدولة الساسانية ( 226 م ـ 636 م ) فقد قامت امارة فارسية كبيرة اطلق عليها المعنيون بالتاريخ (*) " امارة ميشان " وكان مركزها بلدة ميشان على الخليج العربي باسفل موضع البصرة ( الاعظمي ، 1927 ، 3 ) . وحينما تولى عمر بن الخطاب ( رض ) الخلافة ارسل عتبة بن غزوان الى موضع البصرة العمرية كما في الخارطة رقم (6) ، اذ فتح الابلة ونزل بعدها في منطقة الخريبة فاتخذها معسكراً له ( الديجلي ، 1947 ، 62 ) . ويبدو ان ثمة عوامل تم في ضوئها اختيار البصرة مركزاً لهم تمثلت في :ـ أ ـ العامـل الطبيعـي :
يلاحظ على موقع المدينة المختار ، انه يقع في منطقة التحام اقليمين متباينين من حيث الظروف الطبيعية والاقتصادية وهذا يجعل منها مركزاً للتبادل التجاري لانها تقع بين الحافة الشرقية للهظبة الصحراوية والمنطقة السهلية الرسوبية ، فضلاً عن ذلك تقع المدينة عند التقاء الطرق البرية والنهرية وكذلك اشتهرت بانهارها التي لعبت دوراً كبيراً في فعالية المدينة عبر تاريخها الطويل ( الموسوي ، 1982 ، 107 ، 44 ) . كما لعب المناخ دوراً مهما في تطوير المدينة اذ حرص العرب ان يكون الموضع المختار لبناء مدنهم التي انشاوها صحيا وتمتاز ايظاً بمناظرها الجميلة ( العيدان ، 1983 ، 56 ) . يرى لابلاش ( labiach) ان للطبيعة اثراً في نمو وازدهار المدينة اذ تحاول فرض تاثيراتها على المدينة وعلى الانسان حيث يظهر ذالك واضحاً في شكل المدينة الهندسي اذ كانت في البدء ذات شكل شبه دائري ( الاشعب ، 1982 ، 10 ) ، وتشير المصادر التاريخية الى ان المدينة شهدت في القرن الرابع الهجري توسعاً عمرانياً لتاخذ من جراء ذالك التوسع شكلاً اخر " الشكل المستطيل " ( العلي ، 1952 ، 72 ) . ************************************************************** * تضم امارة ميشان بلدة ميشان والابلة وهشتاباذار ديشر ، وكانت الاخيرة عبارة عن مسلحة للفرس .
خارطة رقم (6)
موقع مدينة البصرة العمرية المندثرة ( 636 هـ / 1397 م )
اما البصرة الحالية ، فقد نشأت في موضع جغرافي مهم سهل على المدينة الاتصال بالعالم الخارجي من جهه ووقوعها في اقليم زراعي يتصف بوفرة مياهه وجمعه لاقتصاديات السهل والصحراء من جهه اخرى . اذ ان توفر النشاطات الاقتصادية المختلفة الزراعية والتجارية والنقل وهي احد اهم العوامل التي انعكست على تطور البصرة الحالية ، وقد لعبت البصرة دور المخزن والمتجر لكونها نقطة التقاء الطرق البرية والبحرية ، اذ تقوم بعملية جمع السلع والبضائع من الاقليم ومن ثم توزيعها على المدن المجاوره والبعيدة نسبياً ، فضلاً عن توافر العامل الدافعي فيها ( الاشعب ، 1982 ، 11 ) . ب ـ العامـل البشـري : كانت اهمية مدينة البصرة العمرية السياسية والفكرية والاقتصادية تفوق ما وصلت اليه بقية الامصار ، لذا كان نشوء المستوطنات العسكرية فيها يدل على نزعة نحو الاستقرار البشري ( حسين ، 1973 ، 31 ) ، وقد أهتم الخليفة عمر بن الخطاب ( رض ) في اختياره لمنطقة البصرة العمرية وذلك لقربها من مواطن استقرار القبائل العربية بغية اشتراك القبائل في الفتوحات الاسلامية نحو الشرق فقد كان سكانها يتالف من القبائل العربية وجماعات من الفرس لانها كانت عبارة عن مسالح لهم ( العلي ، 1988 ، 31 ) . ج ـ العامـل العسكـري ان وجود موقع استراتيجي جيد دون ان يتوفر فيه موضع جيد قد يمنع قيام المدينة العسكرية على حد قول حمال حمدان ( حمدان ، 1960 ، 187 ) ، الا ان مدينة البصرة العمرية قد احتلت موقعاً وموضعاً استراتيجيين مهمين . اذ ان السبب الريئسي لتاسيس مدينة البصرة العمرية هو العامل العسكري حتى يتسنى للمسلمين القيام بفتوحاتهم كما في الخارطة ( 7 ) ، فضلاً عن انهم اتخذوا منها خطاً مفتوحاً يؤمن رجعتهم في حالة تعرضهم للخطر ويحتموا بها عندما يضايقهم العدو ، ولتكون مركزاً ادارياً للمناطق التي سيطرت عليها ، فضلاً عن توافر حاجات الحرب فيها من مستوطنات قديمة تعود الى ماقبل الاسلام اذ يوجد فيها مجموعة من الضياع والمزارع اطلق عليها اسم "دساكر"(*) ( الموسوي ، 1982 ، 56 ، 102 ) ، بينما يشير البعض الى ان المدينة لم تشيد على انقاض مدينة اندرست ( بركات ، 1984 ، 13 ) . ************************************************************** * دساكر : هو بناء ضخم على هيئة قصر ، يحتوي على عدد من الغرف المخصصة للخدم والمرافقين
خارطة رقم ( 7)
التوسع الاسلامي من البصرة بأتجاه الشرق
يؤكد هارتمان ( hartman ) ان سبب بناء البصرة العمرية هو " ان تكون مركزاً للجيش العربي ، كما كانت في الوقت نفسه مهياة منذ القدم لان تكون مدينة تجارية تتهي اليها الطرق الاتية من ايران والهند وبلاد العرب " ( العباسي ، 1988 ، 43 ـ 44 ) . الابلـة فـي المرحلـة الراشديـة : ذكر الجغرافيون ان لمدينة الابلة جانبين شمالي هو ( المدينة القديمة ) وجنوبي هي البلدة المستحدثة في الاسلام في عهد الخليفة عثمان بن عفان ( رض ) وعرفت بأسم ( شط عثمان ) ( حسين ، 1973 ، 114 ) ، فالاول هو المدينة القديمة التي يرقى تاريخها الى زمن الاكديين ، والثاني هو شط عثمان الذي استحدث في عهد الخليفة الثالث عندما اعطى الخليفة هذه الارض لعثمان بن ابي العاص . ان الشط(*) قطيعة تمتد مسافة فرسخ من الابلة الى الخرارة ( تبعد عن الابلة مسافة 6 كم ) ، اما في العرض فهي على امتداد دجلة العوراء الى دير جابيل ( جنوب الابلة ) ، والشط كان ارض سباخ ، اي ارضاً مواتاً فقام عثمان بن ابي العاص باستصلاحها وحولها الى ارض عامرة ( الحموي ، مجـ 3 ، 344 ) . لايذكر لنا الجغرافيون ولا المؤرخون شيئاً سواء مايتعلق بذكر شوارعها او محلاتها او اسواقها وغيرها ، الا انه بلا ادنى شك ينطبق على المدينة الصفات التي اتصفت بها المدن القديمة المتمثلة بوجود المعابد والقصور في قلب المدينة ومنها تتفرع الشوارع الرئيسة وخلفها تقع الاحياء السكنية للطبقة الفقيرة . واما الاسواق تقع بالقرب من الانهار . وبما انها كانت تقدم مهاماً عسكرية للفرس فلا بد من ان تقام فيها اسوار ( السعدي ، 1976 ، 85 ، 87 ) . ولاتعطي المصادر التاريخية وصفاً دقيقاً عن طبيعة النشاطات الاقتصادية في الابلة في هذه المرحلة الا انها تعدها من اهم المناطق التجارية القديمة في منطقة البصرة ( الموزاني ، 1999 ، 96 ) ، وقد اكسبها موضعها على نهر دجلة العوراء الاهمية التي تمثلت في كونها معسكراً وميناء تجارياً ، يربط المدينة بالعالم الخارجي لاسيما الهند ( الساعدي ، 1379 هـ ، 10 ) . ************************************************************** * ان الخليفة الثالث ارسل رسالة لعامله في البصرة يأمره باعطاء هذه القطعة لعثمان بن ابي العاص يقول فيها " ... اعطيتك براح ذلك الشط أجمة وسبخة فيما بين الخرارة الى دير جابيل ... " انظر ياقوت بن عبد الله الحموي ، معجم البلدان ، المجلد الثالث ، دار صادر للطباعة والنشر ، بيروت ، بيروت ، 1957 ، 344 .
ان تاسيس مدينة البصرة العمرية قد ادى بمرور الزمن الى تقليل من اهمية مدينة الابلة وتضاؤل حجم سكانها الذين رحلوا الى البصرة العمرية بغية مزاولة الاعمال التجارية ، اي ان مدينة البصرة العمرية توسعت وتقدمت على حساب مدينة الابلة ، فاقتصاد مدينة البصرة العمرية بدا يخطو خطوات سريعة من جهه بينما اقتصاد الابلة بدا يتراجع تدريجاً ( الخياط ، 1966 ، 273 ) ، تحت تاثير القوى الطاردة والقوى الجاذبة وعندما تتعرض مدينة البصرة العمرية لاي نوع من الانتكاسة ينعكس ايجابياً على مدينة الابلة . الوضـع السكانـي : لاتشير المصادر التاريخية الى عدد سكان مدينة البصرة العمرية بدقة ، لان الضروف العسكرية لاتشجع على الاستيطان مع عوائلهم فضلاً عن طبيعية المنطقة ، ولكن بعد ان خصص الخليفة الثاني للبصريين جزءاً من دخل مقاطعات اهل الكوفة ( بهجت ، بلا ، 23 ) ، بدأ المهاجرون لاسيما البحرينيين واليمانيين بالتوافد الى المدينة ( الموسوي ، 1982 ، 72 ) ، ويذكر ابن سعد ان عدد المحاربين الذين انزلوا البصرة العمرية كان 300 محارباً ( بهجت ، بلا ، 21 ) سكنوا الخيام والقصب ، ويزيد عددهم البلاذري الى 800 محارباً ( البلاذري ، 1983 ، 345 ) . وقد جذب التوسع الاسلامي اعداد اخرى من المقاتلين الذين سكنوا المدينة على وفق خطط الاخماس وهي ( خطط بكر وخطط بن تميم وخطط عبد القيس وخطط الازد وخطط اهل العالية ) ( العيدان ، 1983 ، 10 ) . ونظراً لسكنى المدينة من اناس سبقوا الوافدين اليها ، لذ قسمت المدينة على ثلاث قطاعات سكنية اولهما القطاع الوطني المتمثل بسكان البلاد الاصليين من الاراميين الذين اطلق عليهم بعض الكتاب العرب النبط ، فضلاً عن وجود بقايا العنصر اليوناني الذي سكن ابو لوجوس . بينما القطاع الثاني يتكون من السكان العرب الذين تداخلوا مع القطاع الوطني ويتألف هذا القطاع عموماً من ( قريش واسد تميم وبكر وعبد القيس والازد ) . ويتصف القطاع الثالث بشمولة السكان غير العرب . اذ يتالفون من ( الهنود والايرانيين والمالقيين )(*) ( بهجت ، بلا ، 21 ـ 22 ) الذين وفدوا الى المنطقة فيما بعد . ولكن الباحث يرى ان المنطقة تخلوا تماماً من القطاع الوطني ، لان الجيوش العربية عندما وصلت الى المنطقة اطلقت عليها " الخريبة " اذ لم تكن مأهولة بالسكان ولايوجد فيها بيوت اذن تتالف المنطقة من القطاعين العربي وغير العربي . ************************************************************** * المالقيون : هم الجنود الذين استخدمتهم الامبراطورية الساسانية ويطلق عليهم بعض المؤرخين السيابجة . انظر الى مؤيد جواد بهجت الجغرافية التاريخية لمدينة البصرة حتى القرن السابع الهجري ، بلا مكان ، بلا ، سنة .
وفي عهد خلافة علي بن ابي طالب (ع) نسمع اشارة الى عدد سكان البصرة الذين كانوا يبلغون ( 60000 ) نسمة من الرجال المحاربين ، علماً ان هذا الرقم لم يشمل كل السكان ، فهو يغفل العبيد والاعاجم والنساء والاطفال . ومع ذلك يبدو فيه نوع من المبالغة ( العلي 1969 ، 45 ) . الوضـع العمرانـي يبدو ان ثمة اموراً عديدة تعطي للمدينة طابعها العمراني المتميز اذ ان العمارة تعبر عن شخصية المدينة في مسيرتها التاريخية ( عبد الحميد ، 1986 ، 18 ) . وان دراسة البعد العمراني لاية مدينة يعد من الركائز الاساسية التي تعطي مؤشر مهماً لدراسة المدينة وتطورها . والعامل الجغرافي المتمثل بالموقع يبرز ان المدينة العمرية قد ورثت مدناً سابقة عليها اعتماد على طراز عمارتها في استخدام القباب واستعمال الاواوين وتجمع الموساسات الرسمية في مكان واحد ( المسجد والامارة وقصر الخليفة في مكان واحد ) . وكذلك تعد المأذنة احد الاشكال العمرانية المتطورة عن صومعة معبد دمشق القديم ( الموسوي ، 1982 ، 245 ـ 246 ، 216 ، 228 ) . ان توفير مادة البناء تعد احدى مهمات الموضع ، اذ يزود المدينة بما تحتاجة من مواد بناء اوليه ( كالقصب والبردي والطين والصخور والاخشاب ) مما ساعد على على انشاء حركة معمارية يصحبها نشاط اقتصادي له اثر في تطور المدينة ( الموسوي ، 1982 ، 210 ) . اما التريكيب الجيولوجي فله تاثيره في تحديد ارتفاع العمارة ، فقد تجسد ذلك بقلة ارتفاعها بسبب عدم قابلية الارض على تحمل ثقل البناء . بينما تشكل الضروف المناخية العمارة في اي مكان تبعاً لموقعه من دوائر العرض حيث تتكيف العمارة مع متطلبات العامل المناخي ، فتاخذ المباني خصائص وسمات تتباين من مكان لاخر وان اهم عامل يحدد هذا التباين هو المناخ ذلك ان المناخ الحار الجاف له متطلبات عمرانية تختلف عما لوكان المناخ غير ذلك . كانت مساكن المدينة في بداية نشاتها من الخيام والفساطيط ومن ثم بني المسجد ودار الامارة من القصب وكما بنى الناس بيوتهم من القصب والجريد ( البلاذري ، 1983 ، 341 ) . ومن خلال نوعية البناء الذي تم في منطقة البصرة يظهر انها كانت ارض اهوار ومستنقعات لان القصب والبردي لاينمو الافي منطقة مغمورة بالمياه . وقد استعاض الناس فيما بعد بمادة
اللبن بعد الحريق الذي حدث في ولاية ابي موسى الاشعري(*) ( السوداني ، 1989 ، 29 ) ، ويمكن ملاحظة دقة التوجيه في البناء ، فعندما كان البناء بالقصب كان متروكاً للعامة كيفما اتفق وعندما تغيرت نوعية البناء كان شكل البناء قد تغير . ان التطور الحقيقي للمدينة حدث في زمنه ، اذ عمل على تغيير هيكل منشاته الدينية والادارية ، فبنى المسجد ودار الامارة باللبن ( الموسوي ، 1982 ، 74 ، 210 ) . وكان ابتعاد المحاربين نحو الشرق اعطى فرصة للبصرة بان يتحول سكانها تدريجاً نحو التحضر الذي كان حافزاً لنشاط تجاري \ صناعي ترك اثره على نمو المدينة وازدهار اسواقها ( العلي ، 1973 ، 169 ، 175 ) . وقد اقتطع الخليفة الثالث موضعاً كان سبخة في بداية الامر الى عثمان بن ابي العاص ، ولكنها انتعشت عندما احياها عثمان . وهذا يشير الى ان البصرة العمرية امتدت عمرانياً لتصل الى الابلة ، وفضلاً عن الاشراف الاداري على العديد من الكور وكذلك حدوث حركة واسعة لاستصلاح الاراضي واعمارها . وقد تبدلت احوال المدينة ، اذ صارت مدينة مركبة ووحدة ادارية تمثل منطقة واسعة تشتمل على مدن وقرى ونواح متعددة امتدت شرقاً ( ناجي ، 1986 أ ، 151 ، 128 ) . تشير النصوص التاريخية ان المرحلة الممتدة من ( 36 هـ / 41 هـ ) لم تشهد فيها البصرة استقرار ادارياً وسياسياًَ ، اذ خلال السنوات الست توالى على حكمها خمسة ولاة ، فضلاً عن حدوث اضطرابات(**) قللت من اهمية المدينة بشكل تدريجي ( الدجيلي ، 1947 ، 63 ) ، وهذه المرحلة موضحة كما في الشكل رقم (1) . ************************************************************** * قال " ... لايزدن احدكم على ثلاثة ابيات ولاتطاولوا في البنيان ... ** حدثت واقعة الجمل سنة 36 هـ
شكل رقم (1)
ديناميكية موقع مدينة البصرة في المرحلة الراشدية
2 ـ المرحلـة الامويـة :
شهدت مرحلة اواخر الحكم الراشدي حدوث النزاعات في داخل صفوف المسلمين كان من جراء ذلك انتقال مركز الثقل السياسي من الجزيرة العربية الى بلاد الشام وكان ذلك يمثل خاتمة العصر الراشدي ( رجب ، 1981 ، 209 ) . ففي الفترة الممتدة من ( 41 هـ / 45 هـ ) شهدت المدينة تدهوراً كبيراًَ ، اذ اصبحت الامور بيد القبائل وامست السلطة ضعيفة واخذت المدينة بالتراجع عما شهدته في المرحلة الراشدية ومن انتعاش نسبي لتصبح ذات دور هاشمي . وفي سنة 45 هـ كانت الامور مضطربة جداً ، لما انتهج الوالي زياد بن ابية سياسة صارمة استحكم من جرائها الامن في المدينة واخذت تعيد نشاطاتها المختلفة ( الطبري ، ج 5 ، 212 ، 222 ) لغاية المرحلة الممتدة من ( 64 هـ / 131 هـ ) ، والتي تعد من اخصب المراحل بما شهدته من معارضة للدولة الاموية ، وقد تولى على الولاية ولاة لم يدم حكمها طويلاً مما يوضح عدم قدرة هؤلاء على وضع بصمات مهمة في ابراز نشاطات المدينة وتطورها وتاثيرات موقعها المستمدة من اهمية تلك النشاطات التي تزاولها ، وقد تولى الحجاج الولاية في هذه المرحلة وعلى الرغم من اتباعه سياسة حازمة لم يستطيع تحقيق الامن والاستقرار ، لاسباب منها تناقص واردات البصرة تدريجياً لهجرة اهل القرى والفلاحين من اراضيهم الزراعية من جهة وخطر الخوارج(*) من جهه اخرى ( العسكري ، بلا ، 13 ، 23 ) . ولقد توالت على البصرة العمرية الويلات والمصائب في نواح مختلفة ، فساء امرها وضعفت تجارتها وبارت زراعتها وهجرها الكثير من اهلها هرباً من الاوبئة والنكبات ( فيضي ، 1946 ، 8 ) . الوضـع السكانـي : يظهر ان تناقص عدد سكان منطقة البصرة في العهد الاموي(**) عن طريق تهجير 50 الف عامل الى خراسان وعدد اخر الى مصر ( الطبري ، ج5 ، 226 ) ، ولماء كان هؤلاء قد استقروا زمناً فيها ظهرت ممارسات اخلاقية غير مرغوبة فضلاً عن زيادتهم التي ************************************************************** * الخوارج : هم فئة من المسلمين خرجوا على الخليفة علي عليه السلام وانشقوا عنه مع انهم كانوا من حزبه واعوانه ، ولانهم كانوا يعتقدون ان علياً امام بويع بيعية صحيحة فلا معنى لقبول التحكيم مع جماعة خرجوا عليه بل كان خليقاً به ان يمضي في حربهم حتى يدخلوا في ما دخل فيه كافة الناس او يقتلوا عن اخرهم . انظر جاسم صكبان علي ، البصرة في العصر الاموي ، موسوعة البصرة الحضارية ، المحور التاريخي ، جامعة البصرة ، البصرة ، ص 15 ـ 56 ، ص15 . ** زياد بن ابية .
شكلت ضغطاً على المدينة ، كما انتقلت الى البصرة فيما بعد عدد من السكان القادمين من البحرين والحجاز ( علي ، 1989 ، 20 ). لقد ارتفع اهل العطاء في عهد عبيد الله بن زياد الى تسعين الفاً وبلغت عيالاتهم مائة واربعين الفاً ، هذا الرقم اقرب الى العدد الحقيقي لسكان البصرة لانه شمل عدد ممن لم يكن مسجلاً في الديوان قبلاً ، كما انه ابعد اسماء المتوفين ، ولم يدخل البدو الذين لم يقيموا في المدينة ( العلي ، 1969 ، 45 ) . ولقد قدر سكان البصرة العمرية ابان العهد الاموي بقرابة ( 500000 ) نسمة ( علي ، 1989 ، 46 ) ، نتيجة للضروف الصحية المتردية والاحداث السياسية المضطربة التي مرت بها مدينة البصرة العمرية(*) كانت لها تأثيرات سلبية في عدد السكان المدينة الذي انقصته ( 300000 ) نسمة وعلى الرغم من ذلك ازداد سكان البصرة في العهد الاموي بسبب توافد العبيد والاعاجم عليها واستقرارهم فيها بعد وفاة الحجاج ( الاعظمي ، 1927 ، 57 ) . الوضـع العمرانـي : شهدت المدينة انتكاسة كبيرة وتدهوراً ملحوظاً في هذه المرحلة على الرغم من قيام بعض الولاة باجراء بعض التطورات للمدينة ، التي لم تكن تفي بالغرض المطلوب لتلك المدينة ، ولعل ماقام به الحجاج من بناء مدينة واسط بين البصرة والكوفة ، كان له دوراً في اضعاف مدينة البصرة ( الطائي ، 1980 ، 182 ) . اما ولاية زياد ابن ابيه فقد شهدت زيادة العمارة وكثرت الخيرات وتهافت عليها الناس من كل حدب وصوب ( الاعظمي ، 1927 ، 31 ) ، فقد أعاد بناء المسجد الجامع ودار الامارة بالاجر وبنى دار الرزق وحفر نهري الابلة والمعقل بهدف تسهيل عملية الملاحة النهرية من مدينة البصرة الى الخليج العربي من جهة وبين البصرة وواسط والكوفة من الجهة الثانية ، فضلاً عن قيامه بتنضيف الشوارع وتسويتها ( احمد ، 1994 ، 128 ـ 129 ) . وبرزت الكثير من المشاهد العمرانية المستوحاة من المدن التي فتحت من جهة الشرق او الغرب وكانت غربية على سكان المنطقة لاسيما الطرز المنقولة من الشام حيث مقر الخلافة الى البصرة ( رجب ، 1981 ، 209 ) ************************************************************** * مثل حركة الخوارج وحركة يزيد بن المهلب بن ابي صفرة او مرض الطاعون للاعوام 68 هـ ، 80 هـ ، 116 هـ .
النشـاط الزراعـي :
تمثل الزراعة المستوى المعيشي للفرد والعائلة انذاك ، ولهذا ستضل اهميتها الموثرة في الحياة البشرية حتى وقتنا الحاضر ، وقد اهتم الخلفاء الامويون في الزراعه اهتماماً واضحاً ، اذ تم استصلاح الاراضي كما اهتموا في امر البطائح حيث قاموا بعملية تجفيفها ( الموسوي ، 1982 ، 300 ، 306 ) . قام الحجاج بمنع ذبح الابقار لتوفير الاعداد اللازمة للحراثة والري ، الا ان اهل السواد لم يرضوا على فعلته حتى سخر منه احد الشعراء بقوله ( الموسوي ، 1982 ، 321 ) .
|