الـدرس البلاغـي فـي البصـرة
الدكتور قصي سالم علوان

مقدمـة 1
عبـد الله بـن المقفـع ( ت 142 هـ ) 5
الخليـل بـن احمـد ( ت 175 هـ ) 7
سيبويـه ( ت 180 هـ ) 9
خلـف الأحمـر ( ت 180 هـ ) 11
ابـو عبيـدة ( ت 208 هـ ) 12
الاصمعـي ( ت 216 هـ ) 15
الجاحـظ ( ت 255 هـ ) 22
المبـرد ( ت 285 هـ ) 27
التشبيـه 28
الكنايـة 32
الآمـدي ( ت 370 هـ ) 34
الاستعـارة 37
التجنيـس 38
المطابـق 40
الباقلانـي ( ت 403 هـ ) 42
الباقلانـي ( ت 403 هـ ) 42
البصـري المعتزلـي ( ت 436 هـ ) 53
المصـادر والمراجـع 55



مقدمـة
   كانت البصر مبكرة الى دراسة علوم العربية وذلك لدواع لغوية ودينية واجتماعية وادبية وقومية .
  واذ يبدو ان الخلافات اللغوية بين لهجات القبائل بعضها مع بعض من جانب ، وبينها وبين لغة القرآن الكريم والشعر القديم من جانب آخر ، كما كانت حاجة العناصر غير العربية التي دخلت الاسلام الى تعلم لغة الكتاب الكريم ولسان الحكومة العربية الاسلامية من جانب ثالث ، كل ذلك دفع المسلمين ـ باديء ذي بدأ ـ الى العناية بشؤون اللغة العربية(1) مضافاً الى ذلك حركة التدوين .
  وقد كان لأختلاط العرب بغيرهم خطر قوي على اللغة العربية لذا ( كان رد الفعل عند العلماء البصريين قوياً قوة الخطر المحدق بلغة القرآن ولغة العرب ، ولذلك كانت المبادرة الى العمل اللغوي في البصرة الى غيرها ، وكان ظهور الدرس اللغوي والنحوي في البصرة قبل غيرها(2) ) .
  ومن اهم مراكز الثقافة في البصرة مركزان : المسجد الجامع والمربد ومن اشهر المجالس التي شهدها مسجد البصرة الجامع مجالس : الحسن البصري ، وواصل ابن عطاء ، وايوب بن ابي تميمة السختياني وحماد بن سلمة ، والفضل بن عيسى الرقاشي ، وابي علي الاسواري ، وموسى بن سيار الاسواري .
  وقد كان المربد ملتقى الشعراء ، وملتقي الرواة ليلتقطوا الغريب والنادر وفصيح الكلام ، وملتقى النحويين واللغوين ليشافهوا الاعراب الذين مازالوا يحتفظون بسلامة سلائقهم وبفصاحتهم التي لم تشبها شائبة من الحضر ، كما كان ملتقى النقاد ليبنوا اسس النقد في العراق ، كما بني في الحجاز من قبـل النابغـة والخنسـاء(3) .

**************************************************************
(1) بروكلمان : تاريخ الادب العربي : 2 / 128 .
(2) د . مهدي المخزومي : عبقري من البصرة : ص 11 . وقد سبقت البصرة الكوفة بذلك بنحو مائة عام . انظر : احمد امين : ضحى الاسلام 2 / 284 .
(3) د . مهدي المخزومي : المصدر نفسه : ص 16 ـ 20 .


الدرس البلاغي في البصرة   ـ 2 ـ

واذا كانت الضرورة قد دفعت الى ظهور الدرس اللغوي والنحوي في البصرة قبل غيرها ، فأن النحو وحده لايكفي لفهم اسرار كتاب الله تعالى ، اذ ان الدرس البلاغي كان ضرورياً ايضاً .
  ولهذا بادرت البصرة الى الدرس البلاغي ، وصار النحوي والبلاغي يشتركان في خدمة العربية . فالنحوي يعلم قواعد الاعراب ودلالة الالفاظ على المعاني ، والبلاغي يعلم اسرار اللغة وتمييز اساليبها . وفي عمل النحوي والبلاغي يقول ابن الاثير : والبلاغي والنحوي يشتركان في ان النحوي ينظر في دلالة الالفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي ، وتلك دلالة عامة . وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة ، وهي دلالة خاصة . والمراد بها ان تكون على هيئة مخصوصة من الحسن ، وذلك امر وراء الاعراب(4) .
  وقد اسهمت فئات عديدة في نشوء علم البلاغة هي : المتكلمون ، والمفسرون ، واللغويون والنحاة ، والشعراء ، والكتاب ، والنقاد وغيرهم(5) .
  وقد كان اهتمام المتكلمين بالبلاغة لأكثر من سبب واحد . احدهما :
1 ـ قضية الاعجاز القرآني ، فقد كانت هذه القضية من اهم القضايا التي عني بها علم الكلام ، وارتباطها بالبلاغة متأت من ان احد اهم وجوه اعجاز القرآن الكريم هو وجه البلاغي . ولهذا فقد طرحت كثير من الملاحظات والارارء البلاغية فيما الف من كتب في هذا المجال ، واصبح لكثير من هذه الكتب اهميتها البلاغية بالاضافة الى اهميتها الدينية ، من حيث انها تبحث في اعجاز القرآن .
2 ـ ان علم البلاغة من الوسائل التي يفيد منها علماء الكلام في شرح آرائهم ، وبسط عقائدهم ، وفي الدفاع عن هذه الاراء والعقائد في مناظراتهم ومجادلاتهم مع خصومهم .

**************************************************************
(4) المثل السائر 1 / 39 .
(5) كتابنا : علم المعاني : ص 25 ـ 26 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 3 ـ

3 ـ ايمان المعتزلة - وهم ابرز المتكلمين ـ بأن الشعر العربي مصدر من مصادر المعرفة الكبرى ووعاء لها . وهذا الايمان يمنح اصحابه قوة في وقفتهم ضد الشعوبية ، لأن الشعر في تصور هؤلاء المدافعين عن العرب ، تراث عربي خالص ، ليس هناك مايشبهه لدى الامم الاخرى الا شبهاً عارضاً .
  وقد كانت هذه الموجة الاعتزالية - من جميع اطرافها - اكبر قوة فعالة في تطور النقد الادبي في القرن الثالث - حيث لم تنفصل البلاغة عن النقد بعد ـ لا بأشخاص اصحابها وحسب ، بل من خلال المتأثرين بها(6) . والاعتزال نشأ في البصرة كما هو معروف .
  وممن اسهم فس نشأة الدرس البلاغي في البصرة من هؤلاء المتكلمين : عمرو بن عبيد ( ت 144 هـ ) ، والجاحظ ( ت 255 هـ ) وقد عده كثير من الباحثين مؤسس البلاغة العربية ، والباقلاني ( ت 403 هـ ) ، والبصري المعتزلي ( ت 436 هـ ) .
  ومما يرويه الجاحظ في كتابه ( البيان والتبين )(7) وعن عمرو بن عبيد انه سئل : ( مالبلاغة ؟ ) وقد أجاب إجابة عن معنى البلاغة في وجوه متعددة ، وكان السائل يرد عمراً عن كل وجه بقوله : ( ليس هذا اريد ) حتى قال عمرو : ( فكأنك انما تريد تخير اللفظ في حسن الافهام ) فقال السائل : نعم . وبذلك استمر عمرو في القول فقال : ( انك ان اوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين ، وتخفيف المؤونة على المستمعين ، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين ، بالالفاظ المستحسنة في الآذان ، المقبولة عند الاذهان ، رغبة في سرعة استجابتهم ، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعضة الحسنة ، على الكتاب والسنة كنت قد اوتيت فصل الخطاب ، واستجبت على الله جزيل الثواب ) .
  وقد علق الدكتور شوقي ضيف في كتابه ( النقد )(8) على قول عمرو

**************************************************************
(6) د . إحسان عباس : تاريخ النقد الادبي عند العرب : ص 66 ـ 69 .
(7) 1 / 114 .
(8) ص46 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 4 ـ

الأخير بقوله : ( لعل هذه اول مرة عند العرب تستخدم فيها كلمة ( بلاغة ) بمعناها الدقيق .
  وقد اسهم من اللغويين والنحاة البصريين في الدرس البلاغي : الخليل بن احمد ( ت 175 هـ ) وسيبويه ( ت 180 هـ ) وخلف الاحمر ( ت 180 هـ ) ومؤرج السدوسي ( ت 195 هـ ) وقطرب ( ت 206 هـ ) وابو عبيدة ( ت 208 هـ ) والاصمعي ( ت 216 هـ ) وابو حاتم السجستاني ( ت 250 هـ ) والمبرد ( ت 285 هـ ) .
اما من الكتاب والنقاد فعبد الله بن المقفع ( ت 142 هـ ) والجاحظ ، وقد مر اسمه مع المتكلمين ، والآمدي ( ت 370 هـ ) .
  وسنتحدث في الصفحات الاتية عمن له منهم اسهام ملحوظ في الدرس البلاغي ، وهم :
1 ـ عبـد الله بـن المقفـع .
2 ـ الخليـل بـن احمـد .
3 ـ سيبويـة .
4 ـ خلـف الاحمـر .
5 ـ ابـو عبيـدة .
6 ـ الاصمعـي .
7 ـ الجاحـظ .
8 ـ المبـرد .
9 ـ الآمـدي .
10 ـ الباقلانـي .
11 ـ البصـري المعتـزلي .
آملين ان نوفق الى ايضاح مدى اسهام البصرة في هذا المجال .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 5 ـ

عبـد الله بـن المقفـع ( ت 142 هـ )
  تعرض ابن المقفع للحديث عن البلاغة والسبيل اليها ، كما اشار الى البعض الاساليب التي هي من فنون البلاغة .
  فقد دعا الى نبذ وحشي الكلام طلباً للبلاغة ، واعتبر ذلك عياً ، بل هو العي الاكبر . قال : ( واياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فأن ذلك هو العي الاكبر ) . ورأى ان على من طلب البلاغة ان يتخير سهل الالفاظ ، متجنباً الفاظ السفلة ، حين قال : ( عليك بما سهل من الالفاظ ، مع تجنب لألفاظ السفلة ) ، بحيث يكون الكلام مما يعرف بـ ( السهل الممتنع ) فالبلاغة ، كما قال ايضاً : ( هي التي اذا سمعها الجاهل ظن انه يحسن مثلها )(9) .
  ولأبن المقفع قول آخر في البلاغة هو : ( البلاغة : كشف ما غمض من الحق ، وتصوير الحق في صورة الباطل )(10) .
  وقد علق ابو هلال العسكري على هذا القول بقوله : ( والذي قاله امر صحيح لايخفى موضع الصواب فيه على احد من اهل التمييز والتحصيل ، وذلك ان الامر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادي على نفسه بالصحة ، ولا يحوج الى التكلف لصحته حتى يوجد المعنى فيه خطيباً .
  وانما الشأن في تحسين ماليس بحسن ، والتصحيح ماليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتحييل ، ونوع من العلل والمعاريض والمعاذير ، ليخفي موضع الاشارة ، ويغمض موقع التقصير . وما اكثر مايحتاج الكتاب الى هذا الجنس عند اعتذاره من هزيمة ، وحاجته الى تغيير رسم ، او رفع منزلة دنيء له فيه هوى ، او حط منزلة شريف استحق ذلك منه ، الى غير ذلك من عوارض اموره .

**************************************************************
(9) د . محمد نبيه حجاب : بلاغة الكتاب في العصر العباسي : ص135 .
(10) ابو هلال العسكري : الصناعتين : ص59 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 6 ـ

فاعلى درجات للبلاغة ان يحتج للمذموم حتى نخرجه في معرض المحمود ، وللمحمود حتى يصيره في صورة المذموم )(11) .
  ويروي الجاحظ في كتابه ( البيان والتبيين )(12) وما يأتي عمن قال : ( لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط . سئل : ماالبلاغة ؟ قال : البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة ، فمنها ما يكون في السكوت ، ومنها ما يكون في الاستماع ، ومنها ما يكون في الاشارة ، ومنها ما يكون في الاحتجاج ، ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداء ، ومنها ما يكون شعراً ، ومنها ما يكون سجعاً وخطباً ، ومنها ما يكون رسائل . فعامة ما يكون من هذه الابواب الوحي فيها ، والاشارة الى المعنى . والايجاز هو البلاغة . فاما الخطب بين السماطين ، وفي اصلاح ذات البين ، فالاكثار في غير خطل ، والاطالة في غير املال ، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك ، كما ان خير ابيات الشعر البيت الذي اذا سمعت صدره عرفت قافيته ) .
  وهكذا جمع ابن المقفع في هذا النص معاني البلاغة - فناً - تجري فيه وجوه كثيرة - على حد قوله - منها ما هو من ( آداب المحادثة ) كالسكوت والاستماع ، ومنها ماهو من ( فنون الادب) كالشعر والخطب والرسائل .
  كما اشار الى عدد من الاساليب هي من فنون البلاغة ، كما استقرت بعدئذ ، اشار الى بعضها بالاسم المعروفه به ، والى بعض آخر مما عرفت اسماؤها بعدئذ .
  فقد اشار الى ( السجع ) و ( الايجاز ) و ( الاطناب ) و ( حسن الابتداء ) او ( براعة الاستهلال ) والى ( رد العجز الى الصدر ) او ( التصدير ) اضافة الى ( مطابقة الكلام لمقتضي الحال ) الذي هو ( جوهر البلاغة ) .

**************************************************************
(11) المكان نفسه .
(12) 1 / 115 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 7 ـ

الخليـل بـن احمـد ( ت 175 هـ )
للخليل بن احمد ملاحظات بلاغية ملحوظة اودعها سيبويه ( كذلك الذي قال ان اصوله ومسائله من صنع الخليل نفسه )(13) . وقد كان الخليل مشهور بأنه صاحب عقل نادر ، وذكاء لماح ، حتى ان الصولي ( ت 335 هـ ) قال عنه : ( ان الخليل بن احمد اذكى العرب والعجم في وقته بأجماع اكثر الناس ، فنفذ طبعه كل شيء تعاطاه )(14) .
  وآراء الخليل البلاغية تستحق التسجيل والتنويه ، فهو ليس صاحب عروض ولغة ونحو وحسب ، وانما جمع الى ذلك بعض الملاحظات البلاغية التي احرز بها قصب السبق ، ونقلها سيبويه كما هي ، ولم يرد منها شيئاً تقريباً .
  وليس ( كتاب ) سيبوية هو المصدر الوحيد الذي ننقل عنه - والكلام للدكتور عبد القادر حسين(**) - آراء الخليل البلاغية فهي موزعة في بعض الكتب الاخرى . فأذا جمعت اصبحت زاداً في علم البلاغة ، واصبح له اثر حميد بما تركه من آراء تتصل بعلوم المعاني والبيان والبديع ، بل بتعريف البلاغة نفسها . فالخليل له اكثر من تعريف للبلاغة . ففي احد تعريفاته قال : ( كل ماادى الى قضاء الحاجة فهو بلاغة . فأن استطعت ان يكون لفظك لمعناك طبقاً ، ولتلك الحال وفقاً ، آخر كلامك مشابهاً ، وموارده لمصادره موازناً ، فافعل )(15) .
  وهو تعريف فضفاض يدخل فيه ماليس من البلاغة فالانسان يمكنه ان يستعمل الاشارة لقضاء حاجته . وليس الاشارة من البلاغة . وهو تعريف ضيق من

**************************************************************
(13) ابن النديم : الفهرست : ص76 .
(14) اخبار ابي تمام : ص26 .
(**) اعتمدنا في كتابة هذا الحديث عن الخليل على ما كتبه الدكتور عبد القادر حسين في كتابه القيم ( اثر النحاة في البحث البلاغي ) ، ص 54 ، 55 ، 64 ، 65 .
(15) ابن المدبر : الرسالة العذراء : ص48 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 8 ـ

جهة اخرى ، فهو يطلب في الكلام البليغ مساواة اللفظ للمعنى ، وكأن الايجاز الذي طبع عليه العرب ليس من البلاغة ايضاً . اما مشابهة آخر الكلام لأوله ، وموافقة مورده لمصدره ، واتصال اجزاء الكلام بعضها ببعض فهو شيء يعتد به في البلاغة ، ونعتبره من صميمها . وربما كان كلامه السابق لم يقصد به تعريف البلاغة بقدر ما قصد به وصف الكلام البليغ ، لأنه في موضع آخر ينوه بالاطناب والايجاز ، يوبين السبب في لجوء العرب اليهما ، حين سئل عمرو بن العلاء عن الاطناب والايجاز ، فقال على لسان الخليل ( يطول اللكلام ويكثر ليفهم ، ويوجز ويختصر ليحفظ )(16) اي على حسب مقتضيات احوالهم ، فأذا ارادوا الافهام لجأوا الى الاطناب ، واذا قصدوا الرواية عنهم فضلوا الايجاز . ولكل مقام مقال .
  وربما كان تعريفه للبلاغة بأنها ( كلمة تكشف عن البقية )(17) تعطينا مفتاح البلاغة عنده ، فهي ايماء للمعنى والقصد اليه بأخصر لفظ واقصر سبيل . وهذا التعريف لا يختلف عن قول خلف الاحمر بان ( البلاغة لمحة دالة ) .
  وللخليل تعريف ثالث للبلاغة ينقله عنه ابن رشيق والسبكي بأنها ( ماقرب طرفاه وبعد منتهاه )(18) اي اختصار الالفاظ ، وازدحام المعاني .
  وطبيعي ان الخليل لم يقصد بأقواله الثلاثة ان يضع تعريفاً علمياً للبلاغة ، وانما يحكي انطباعاً نفسياً لما يستحسن من الكلام . ونستطيع ان نلمس من وراء اقواله المختلفة في البلاغة ، كما يراها : ايجاز مع تماسك وشدة اتصال بين اجزاء الكلام .
  وقد تحدث الخليل عن خفة الالفاظ وسهولتها ، وعن ثقلها وشناعتها ، وما يطرأ على حروف الكلمة من تنافر بسبب قرب بعضها من بعض او بعده ، وقد اخذه عن الرماني ، كما تحدث عن الحذف سواء كان في الفصل او في الشرط ، اذا علم المخاطب المراد - وهو ما نسميه القرينة - كما في الحذف للايجاز والخفة .

**************************************************************
(16) ابن رشيق : العمدة 1 / 186 .
(17) ابن رشيق نفسه : 1 / 242 ، والسبكي : وعروس الافراح : 1 / 126 .
(18) العمدة : 1 / 245 ، وعروس الافراح : المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 9 ـ

وتناول زيادة الحروف وما ترسبه في نفس السامع من تأكيد والتعريف وانه لابد منه في الندبة ، لأن الامر امر تفجع وتألم فلا يكون الا لمعلوم ، والتقديم والتأخير ـ وان لم يبين بلاغته ـ والفرق بين ( إن ) و ( إذا ) ، والتعبير بالماضي بدلاً من المضارع لتحقيق وقوع الفعل ، والسر البلاغي في وضع المثنى موضع الجمع ، كما تناول التشبيه وادواته ، ونقل عنه ابن المعتز شيئاً عن الجناس والطباق .
  وبذلك بمكن القول بأن الخليل قد ادلى بدلوه في البلاغة ، واسهم فيها بنصيب وافر ، وان لم يذكر الباحثون عنه الا النادر القليل في هذا المجال .

سيبويـه ( ت 180 هـ )
  قلنا عند الحديث عن الدرس البلاغي عند الخليل ان كثيراً من آراء الخليل تضمنها ( كتاب ) سيبويه . ونقرأ في كتاب ( طبقات النحويين واللغويين ) للزبيدي قول نصر بن على الجهضمي : ( لما اراد سيبويه ان يؤلف كتابه قال لأبي : تعال نحي علم الخليل )(19) .
  ولم يأخذ سيبويه في كتابه ، عن الخليل فقط بل اخذ عن عدد من شيوخه غير الخليل . ولو اردنا تقدير كتاب سيبويه من حيث الاصالة ، او اتباعه لغيره من السابقين ، لرأينا انه ملأ بالنقول من شيوخه : الخليل بن احمد في كثرة ظاهرة بلغت مراتها اثنتين وعشرين وخمسمائة ، ثم يونس بن حبيب ، وجملة المروي عنه مائتان ، ثم ابي الخطاب الاخفش ، وابي عمرو بن العلاء في جملة بين الاربعين والخمسين . ومن هؤلاء عيسى بن عمر في مرات تتجاوز العشرين ، وابي زيد الانصاري ، وهارون بن موسى ، وعبد الله بن ابي اسحاق في قلة نادرة في كتابه الكبير(20) وذلك غير ما نقل

**************************************************************
(19) ص : 78 ، و د . عبد السلام عبد الحفيظ : مناهج البحث البلاغي : ص 54 .
(20) عن احصائية للدكتور عبد الفتاح الشلبي ، نقلاً عن كتاب : مناهج البحث البلاغي : المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 10 ـ

عن ابي جعفر الرؤاسي الكوفي(21) .
  وقد تضمن ( الكتاب ) عرضاً لعديد من صور البلاغة ، وضرب لها امثلة مختلفة ، وفسرها تفسيراً بلاغياً ، بل احياناً يتناولها بعين الطريقة التي سلكها علماء البلاغة من بعده في مباحثهم ، غاية الامر انه لم يذكر لها اسماء اصطلاحية ، وذكر المصطلحات في عصر سيبوية لم يكن ذا شأن خطير ، فالعلوم والفنون في القرن الثاني لم تكن قد تحددت بعد او دخلت في دور التنسيق والتصنيف والتقسيم ووضع المصطلحات هنا وهناك عنواناً على كل قسم ، وتمييزاً له من سائر الاقسام ، وانما كانت العلوم والفنون وقتئذ متداخلة ، يصب بعضها في بعض ويثري بعضها بعضاً . فاللغة والنحو والبلاغة كلها كانت بمثابة روافد متعددة تصب في مجرى واحد هو اثراء اللغة والمحافظة على سلامتها وابراز جمالها . وسيبوية في كتابه لم يكن متناولاً لفن واحد من هذه الفنون ، بل كان متناولاً لها جميعاً ، ومنظماً لها في عقد واحد ، فلم يطف بخاطره ، او باذهان المعاصرين له ان يفصلوا بين هذا العلم او ذاك ، او يضعوا مصطلحاً لهذه الفنون او تلك ، ولذلك فأن سيبويه في ادراكه لتداخل العلوم قد اهتدى الى ربط النحو بالمعاني .
  وقد اسهم سيبويه اسهاماً واضحاً في نشوء علم البلاغة بما تعرض له من موضوعات . فقد تعرض للحذف والزيادة ، والذكر والاضمار ، والتقديم والتأخير ، والاستفهام ، والقصر ، والفصل والوصل ، والتعريف والتنكير ، ومقتضى الحال ، والقلب ، ولصور من خروج الكلام عن مقتضى الظاهر ، كما تعرض للتشبيه والمجاز بأنواعه ، اضافة الى ذكر لتأكيد المدح بما يشابه الذم ، والتجريد(22) .

**************************************************************
(21) المكان نفسه .
(22) د . عبد القادر حسين : اثر النحاة في البحث البلاغي : ص 127 ـ 129 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 11 ـ

خلـف الأحمـر ( ت 180 هـ )
وقد عرف خلف الاحمر البلاغة بأنها ( لمحة دالة )(23) وهذا التعريف وان لم يكن جامعاً مانعاً ، كما يقولون ، فأنه يصور جانباً من البلاغة . وهو اصابة الغرض بأيجاز موحٍ .
  كما تعرض الى بعض مايتعلق بالفصاحة ، وبالتكرير - العيب - فحين يتحدث الجاحظ عن التنافر بين الالفاظ في بيت شعر او نحوه ، يستنشد بيت انشده خلف ، وهو :
وبعض قريض القوم اولاد علة(**)      يـكـد لـسان الـناطق iiالـمحتفظ

ويشرح الجاحظ معنى هذا البيت فيقول : ( اذا كان الشعر مستكرهاً ، وكانت الفاظ البيت من الشعر لايقع بعضها مماثلاً لبعض ، كان بينها من التنافر مابين اولاد العلات . واذا كانت الكلمة ليس موقعها الى جنب اختها مرضياً موافقاًَ ، كان على اللسان عند انشاد ذلك الشعر مؤونة )(24) .
  وقد علق خلف على بيتين لرجل جاءه ليأخذ رأيه فيهما باسلوب ساخر ناعياً عليه ـ على ما يبدو ـ تكريره كلمة ( النوى ) فيهما ، دون مبرر . و ( من عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة في كلام قصير )(25) . والبيتان هما :
وقد النوى حتى اذا انتبه النوى      بـعث النوى بالبين iiوالترحال
ما للنوى جد النوى قطع النوى      بـالوصل بـين ميامن وشمال
وقول خلف : ( دع قولي ، واحذر الشاة ، فوالله لئن ظفرت بهذا ... لتجعلنه بعراً .

**************************************************************
(23) ابن رشيق القيرواني : العمدة : 1 / 242 .
(**) اولاد علة : بنو رجل واحد من امهات شتى .
(24) البيان والتبيين : 1 / 66 ، 67 .
(25) ابو هلال العسكري : الصناعتين : ص 158 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 12 ـ

على اني ما ضننت بك هذا كله )(26) .

ابـو عبيـدة ( ت 208 هـ )
  لأبي عبيدة كتاب مهم هو ( مجاز القرآن ) . ويروى ان ابا عبيدة قال في سبب تأليفه هذا الكتاب ما يأتي : ( ارسل الي الفضل بن الربيع الى البصرة في الخروج اليه ، فقدمت اليه ، فلما استأذنت عليه ، اذن لي ، وهو في مجلس له طويل عريض ، فيه بساط واحد قد ملأه ، وفي صدره فرش عالية لايرتقي اليها الا على كرسي ، وهو جالس عليها ، فسلمت عليه بالوزارة ، فرد وضحك ، واستدناني حتى جلست اليه على فرشه ، ثم سألني والطفني وباسطني وقال : انشدني ، فأنشدته ، فطرب وضحك ، وزاد نشاطه ، ثم دخل رجل في زي الكتاب ، له هيئة ، فأجلسه الى جانب وقال له : اتعرف هذا ؟ قال : لا ، قال : هذا ابو عبيدة ، علامة اهل البصرة ، أقدمناه لنستفيد من علمه ، فدعا له الرجل وقرظه لفعله هذا ، وقال لي : اني كنت اليك مشتاقاً ، وقد سألت عن مسألة ، أفتأذن ان اعرفك اياها ، فقلت : هات ، قال : قال الله عز وتعالى : ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين )(27) ، وانما يقع الموعد والايعاد بما عرف مثله ، وهذا لم يعرف . فقلت : انما كلم الله العرب على قدر كلامهم . اما سمعت قول امرأ القيس :
اتقتلني والمشرفي مضاجعي      ومستنة زرق كأنياب اغوال
  وهم لم يروا الغول قط ، ولكنهم لما كان امر الغول يهولهم اوعدوا به . فاستحسن الفضل ذلك ، واستحسنه السائل ، واعتقدت من ذلك اليوم ان اضع كتاباً في القرآن في مثل هذا واشباهه ، وما يحتاج اليه من علمه . فلما رجعت الى البصرة ، عملت كتابي الذي

**************************************************************
(26) المرزباني : الموشح : ص 557 . وانظر : بحثنا ( خلف الاحمر ناقداً ) المنشور في مجلة ( آفاق عربية ) ، العدد 4 سنة 1981 .
(27) الصافات : 65 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 13 ـ

اسميته ( المجاز ) . وسألت عن الرجل ، فقيل لي : هو من كتاب الوزير وجلسائه ، وهو ابراهيم بن اسماعيل الكاتب )(28) .
  وقد سقنا مارواه ابو عبيدة كله لنبين ، بالاضافة الى بيان مكانة ابي عبيدة العلمية ، ما التفت اليه الدكتور محمد رجب البيومي حول ذلك . قال الدكتور البيومي : ( وقد راجت هذه القصة عن سبب تأليف ( المجاز ) لأنها معقولة ، لا يلوح في سردها الظاهر مكان لنقد ، تتداولها اكثر من تحدثوا عن ( مجاز القرآن ) ، ولكني اقف منها موقفاً آخر ، اذ رجعت الى كتاب ( المجاز ) فرأيت ان الآية المتحدث عنها ، ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) لم يتعرض ابو عبيدة لتفسيره في سورة ( الصافات ) . وبعيد جداً ان يتفرغ الكاتب لتأليف كتاب من جزءين بسبب آية من آيات القرآن ثم لا يتعرض اليها بالذكر ، وكان باعثه الاول ، ودافعه الحاث على التأليف . وقد نشر ( المجاز ) عن نسخ متعددة ليس بها اشارة واحدة الى الاية الكريمة حتى يظن احد ان الخرم قد لحق بعض الكتاب ، بل ان سورة ( الصافات ) قد اطردت على نحو ما استن المؤلف ، دون ان يلحظ الناشر في صفحاتها موضعاً لنقص ! هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى فأن ابا عبيدة في مقدمة الكتاب لم يشر الى الحادثة اطلاقاً ، ولو اتفق منه شيء لسجله في السطور الاولى من كتابه تبياناً لدافعه وتحديداً خطته . وقد قصدنا في توهين هذه القصة شيئاً هاماً هو التعفية على ما قد تشير اليه من منهج ( المجاز ) اذ تدل على سياقها العام على ان ابا عبيدة قد خط كتابه ليتحدث عن المجاز مريداً به الصور البيانية ، كما جاء في الآية الكريمة : ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) . وما هكذا كان حديث الرجل ، لأنه عني بمجاز الكلمة : مدلولها الذي تشير اليه ، حقيقة او غير حقيقة ، اذ اراد بالكلمة معناها الاوسع ، وهو الممر والطريق )(29) .
  ونحن نتفق مع ماذهب اليه الدكتور البيومي .
  والنص الآتي يبين نظرة ابي عبيدة الى مجاز القرآن . قال : ( ففي القرآن ما

**************************************************************
(28) أبن الانباري : نزهة الالباء : ص 86 ، 87 .
(29) خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم : ص 44 ، 45 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 14 ـ

الكلام العربي من الغريب ، ومن المحتمل من مجاز ما اختصر ، ومجاز ما حذف ومجاز ما كف عن خبره ، ومجاز ما جاء لفظه لفظ الواحد ووقع على الجميع ، ومجاز ما جاء لفظه لفظ ووقع معناه على اثنين ، ومجاز ماجاء لفظه خبر الجميع على لفظ خبر الواحد ، ومجاز ما جاء الجميع في موضع الواحد اذا اشرك بينه وبين اخر مفرد ، ومجاز ما خبر عن اثنين او عن اكثر من ذلك ، فجعل الخبر للواحد او للجميع وكف عن خبر الاخر ، ومجاز ماخبر عن اثنين او اكثر من ذلك ، فجعل الخبر الاول منهما ، ومجاز ما خبر عن اثنين او اكثر ، فجعل الخبر للاخر منهما ، ومجاز ما جاء من لفظ خبر حيوان والموات على لفظ خبر الناس . ومجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الغائب ومعناه مخاطبة الشاهد ، ومجاز ما جاء مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت مخاطبته هذه الى مخاطبة الغائب ، ومجاز ما يزاد من حروف الزوائد ويقع مجاز الكلام على إلقائهن ، ومجاز المضمر استغناء عن اظهاره ، ومجاز المكرر للتوكيد ، ومجاز المجمل استغناء عن كثرة التكرير ، ومجاز المقدم والمؤخر ، ومجاز ما يحول من خبره الى خبر غيره بعد ان يكون من سببه ، فيجعل خبره للذي من سببه ويترك هو )(30) .
  وهكذا نرى ابا عبيدة يشير الى عدد من الفنون البلاغية بمفهومها عند البلاغيين ، وان كان لايذكر اسماءها . وحين نلقي نظرة على الكتاب نراه يشير الى التقديم والتأخير(31) كما اشار الى بعض اقسام الانشاء الطلبي المجازية كالاستفهام والامر(32) ويشير الى الايجاز(33) والى المجاز العقلي(34) والمجـاز المرسـل(35)

**************************************************************
(30) مجاز القرآن : 1 / 18 ، 19 .
(31) نفسه : 2 / 18 ، 38، 110 ، 154 .
(32) نفسه : 1 / 184، 287 و 2 / 181 ، 197 ، 188 .
(33) نفسه : 1 / 47 ، 100 ، 111 ، 126 ، 182 و 2 / 226 .
(34) نفسه : 1 / 182 ، 279 ، 339 و 2 / 96 ، 268 .
(35) نفسه : 1 / 91 ، 186 ، 218 ، 298 ، 304 ، 324 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 15 ـ

والاستعارة(36) والكناية(37) والالتفات(38) وغيرها .

الاصمعـي ( ت 216 هـ )
  للأصمعي اسهامات عديدة في مجال الدرس البلاغي نجدها متفرقة في الكتب النقدية العربية القديمة ، وفي مثلها المعنية بالشعر والادب . وللأصمعي كتيب نقدي هو ( فحول الشعراء ) ، ذكر فيه بعض آرائه في فحولة عدد من الشعراء . وليس فيه مادة بلاغية تستحق الاهتمام .
  وليس فيما أثر مايصور عمله ومنهجه ، ولكن الاشارات العابرة التي ذكرت عنه ترسم صورة لعصره الذي كان يتمخض عن ميلاد علوم لها قواعدها واصولها .
  ومن تلك الموضوعات اشارته الى مصطلح ( الفصاحة ) من غير ان يعرفه او يشرح معناه . فهو يقول عن القحيف العامري : ( ليس بفصح ولا حجة ) ، وعن عبد بني الحسحاس : ( هو فصيح ) وعن ابي دلامة : ( هو صالح الفصاحة )(39) .
  كما اشار الى ماورد في الشعر من الغريب ، كما في شعر ابن احمر الباهلي

**************************************************************
(36) نفسه : 1 / 67 ، 90 ، 96 و 2 / 33 .
(37) اذا كان ابو عبيدة يدخل في الكناية ماليس منها عند البلاغيين كما يذهب الى ذلك الدكتور بدوي طبانة ( البيان العربي ، ط 3 ، ص 32 ) في بعض المواضع فهو في مواضع اخرى ينظر اليها كما هي عند البلاغيين . من ذلك اقواله عن اقواله تعالى الآتية : ( ابن السبيل ) : الغريب : 1 / 126 ( او جاء احد منكم من الغائط ) : كناية عن اظهار لفظ قضاء الحاجة من البطن . ( او لمستم النساء ) : كناية عن الغشيان : 1 / 155 . ( فأصبح يقلب كفيه على ما انفق ) : اي : اصبح نادماً : 1 / 404 . وغيرها .
(38) مجاز القرآن : 1 / 11 ، 19 ، 23 ، 28 .
(39) فحولة الشعراء : ص 31 ، و د . احمد مطلوب : مناهج بلاغية : ص 86 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 16 ـ

مثل ( كأس رنوناة ) في قوله :
بـنت  عليك الملك iiاطنابها      كأس رنوناة وطرف طمر .
و ( الديدبون ) في قوله :
خـلوا  الـطريق الديدبون iiوقد      فات الصبا وتنوزع الفخر (40)
  ومن حديثه عن البلاغة تعريفه البليغ بقوله : ( البليغ من طبق المفصل ، واغناك عن المفسر )(41) .
  ورأى الجاحظ كأن قول جعفر بن يحيى في تعريف ( البيان ) ، الاتي ، هو تفصيل لقول الاصمعي هذا . فقد اجاب جعفر حين سئل ( ماالبيان ؟ ) بقوله : ( ان يكون الاسم يحيط بمعناك ، ويجلي عن مغزاك ، وتخرجه عن الشركة ، ولا تستعين عليه بالفكرة ، والذي لابد له منه ، ان يكون سليماً من التكلف ، بعيداً عن الصنعة ، بريئاً عن التعقد ، غنياً عن التأويل )(42) .
  وللاصمعي قول في ( اشعر الناس ) . فقد سئل عن ذلك فقال : ( هو الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيراً ، ويأتي الى المعنـى الكبيـر ويجعلعـه خسيسـاً )(43) .
  والذي نراه ان المقصود بـ ( اشعر الناس ) ، هو ابلغ الناس شعراً ، وبذلك يكون البليغ - الشاعر - هو الذي يستطيع بما لديه من براعة ، ان يتصرف في القول ، يرفع فيه المعاني ويضع منها ، كما يتصف هذا البليغ بالقدرة على الاتيان في شعره بما عرف بـ ( الايغال ) . فقد وصف ( اشعر الناس ) ، بعد تلك الصفة فقال : ( او ينقضي كلامه قبل القافية ، فأذا احتاج اليها افاد بها معنى . قال [ السائل ] : قلت : نحو من ؟ قال [ الاصمعي ] : نحو قول الاعشى اذ يقول :
كـناطح صـخرة يوماً iiليفلقها      فلم يضرها واوهى قرنه الوعل

**************************************************************
(40) ابن جني : الخصائص : 2 / 22 ، وسنية احمد محمد : النقد عند اللغويين في القرن الثاني : 236 .
(41) البيان والتبيين : 1 / 106 .
(42) المكان نفسه .
(43) قدامة بن جعفر : نقد الشعر : ص 194 ، 195 وابن رشيق : العمدة : 2 / 57 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 17 ـ

فقد تم المثل بقوله : ( واوهى قرنه ) ، فلما احتاج الى القافية قال : ( الوعل ) . قال : قلت : وكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح ؟ قال : لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره . قال : قلت : ثم نحو من ؟ قال : نحو ذي الرمة بقوله :
قف العيس في اطلال مية واسأل
رسوماً  كأخلاق الرداء iiالمسلسل
فتم كلامه ، ثم احتاج الى القافية فقال : ( المسلسل ) ، فزاد شيئاً . وقوله :
اظن الذي يجدي عليك سؤالها      دموعاً كتبديد الجمان iiالمفصل
في كلامه ، ثم احتاج الى القافية فقال : ( المفصل ) فزاد شيئاً ايضاً .
  وقد اورد ابن رشيق القيرواني في باب ( الايغال ) من كتابه ( العمدة )(44) النص الآتي : ( وأشتقاق ( الايغال ) من الابعاد . يقال : اوغل في الارض ، اذا بعد ، فيما حكاه ابن دريد . وقال : وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد اوغل فيه .
  وقال الاصمعي في شرح قول ذي الرمة :
كـأن  اصوات من ايغالهن iiبنا      اواخر الميس اصوات الفراريج
  الايغال : سرعة الدخول في الشيء . يقال : اوغل في الامر ، اذا دخل فيه بسرعة . فعلى القول الاول كأن الشاعر ابعد في المبالغة وذهب فيها كل الذهاب . وعلى القول الثاني كأنه اسرع في الذخول في المبالغة بمبادرته القافية ) .
  وهكذا يكون الاصمعي قد سبق الى معرفة هذا الفن ـ اي الايغال ـ ولم يسمه(45) .
  وقد اشار الى ( البديع ) ، وفضل به ، مع ما فضل به ، بشاراً على مروان ابن ابي حفصة اذ قال ( وهو اكثر فنون الشعر ، واقوى على التصرف واغزر واكثر

**************************************************************
(44) 2 / 60 .
(45) د . احمد مطلوب : معجم المصطلحات البلاغية وتطورها : مادة ( الايغال ) .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 18 ـ

بديعاً(46) .
  وقد تحدث الاصمعي او اشار الى عدد من الفنون البلاغية .
  فقد اورد ابو علي الحاتمي في كتابه ( حيلة المحاضرة )(47) صورة مجلس في بلاط الرشيد ، حضره الاصمعي ، دار الحوار فيه حول احسن التشبيهات في الشعر العربي ، تمثل نظرة الاصمعي الى ( التشبيه ) . وقد تعرض لها الدكتور احسان عباس في كتابه ( تاريخ النقد الادبي عند العرب )(48) ولكنه يبدو متشككاً في واقعية هذا المجلس لأنه يقول في حديثه عنه : ( ولو فرضنا ان هذا المجلس من نسيج الخيال ، لما استطعنا ان ننكر ان ذكر الاصمعي فيه انما كان مبيناً على شهرته في هذه الناحية ايضاً ) .
  ولا ادري سبب تشكك الدكتور عباس في ذلك . اذ انه مروي عن الاصمعي نفسه ، وقد ذكر الحاتمي اسناده ، ثم ليس كثيراً على الاصمعي رواية ما رواه عن هذا المجلس ، دون ان نشترط ان تكون الرواية نصاً .
  اما شهرة الاصمعي في مجال التشبيه فذلك حق لأنه ( اكثر نقاد القرن الثاني عناية بالتشبيهات )(49) .
  وقد رأى الاصمعي في هذا الحوار ان احسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس في قوله :
كأن   قلوب  الطير  رطباً  ويابساً      لدى وكرها العناب والحشف البالي
وقوله :
كأن عيون الطير حول خبائنا      وأرحلنا الجزع الذي لم iiيثقب
وقوله :

**************************************************************
(46) المرزباني : الموشح : ص 392 .
(47) 66 - 77 .
(48) ص 55 .
(49) سنية احمد محمد : النقد عند اللغويين في القرن الثاني : ص 380 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 19 ـ

ولو عن نثا غيره iiجاءني      وجرح اللسان كجرح اليد
وقوله :
سـموت  اليها بعد ما نام iiاهلها      سمو حباب الماء حالاً على حال(50)
  واذا كان الاصمعي لم يحلل سبب اتحسانه تشبيهات امرؤ القيس هذه ، فقد علل ماعابه من تشبيهات غيره ، وذكر امثلة من اجاد مثلها .
  فقد استحسن احد اللذين حضروا المجلس تشبيهات النابغة الاتية :
نـظرت  الـيك بـحاجة لم iiتقضها      نـظر الـسقيم الـى وجـوه iiالعود
فـإنك  كـالليل الـذي هو مدركي      وإن  خـلت ان المنتأى عنك iiواسع
مـن  وحـش وجرة موشي iiاكارعه      طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
  فعلق الاصمعي عليها قائلاً : ( اما تشبيه مرض الطرف فحسن ، الا انه قد هجنه بذكر العلة . وتشبيه امرأة بالعليل . واحسن منه قول عدي بن الرقاع العاملي :
كـأنها بـين النساء iiأعارها
عينيه  أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصده النعاس فرنقت
فـي  عينه سنة وليس iiبنائم
  واما تشبيه الادراك بالليل ، فقد ساوى الليل والنهار فيما يدركانه ، وانما كان سبيله ان يأتي بما ليس له قسيم ، حتى يأتي بمعنى ينفرد به . ولو شاء قائل ان يقول ان قول النميري في هذا احسن لوجد مساغاً الى ذلك حين يقول :
فلو كنت بالعنقاء او بأسومها      لخـلتك  الأ ان تصد iiتراني
اما قوله : ( طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد ) فالطرماح احق بهذا المعنى لأنه اخذه فجودة وزاد عليه وقال :

**************************************************************
(50) الحاتمي : حيلة المحاضرة : ص 67 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 20 ـ

يـبدو وتـضمره البلاد iiكأنه      سيف على شرف يسل ويغمد
فقد جمع هذا البيت استعارة لطيفة بقوله ( وتضمره ) ، وتشبيهه اثنين بأثنين بقوله : يبدو ويخفى ، ويسل ويغمد . وجمع حسن التقسيم وصحة المقابلة )(51) .
  وهو بالاضافة الى ذلك يطلب لحسن التشبيه ان يكون من النوع الذي ( يفترعه قائله ، فلم يتعرض له ، او تعرض له شاعر بعده فوق دونه )(52) . وضرب امثلة لذلك .
  لاحظنا قبل اشارة الاصمعي الى ( الاستعارة ) و ( حسن التقسيم ) و ( المقابلة ) من الفنون البلاغية . وهناك فنون اخرى كان للاصمعي عندها وقفات .
  والان لنقرأ الخبر الآتي الذي اورده ابو علي الحاتمي : قيل ( لأبي الحسن علي بن سليمان الاخفش ، وكان اعلم من شاهدته بالشعر : اجد قوماً يخالفون في ( الطباق ) ، فطائفة تزعم ، وهي الاكثر : بأنه ذكر الشيء وضده بهما ، لا المعنى . وطائفة تخالف ذلك فتقول : هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد ، كقول زياد الاعجم :
ونبئتهم يسنتصرون بكاهل      واللؤم  فيهم كاهل iiوسنام
( فقوله : ( كاهل ) للقبيلة ، وقوله : ( كاهل ) للعضو عندهم ، وهو ( المطابقة ) . قال [ الراوي ] : فقال الاخفش : من هذا الذي يقول هذا ؟ قلت : قدامة بن جعفر وغيره . فأما قدامة فقد انشد :
واقطع الهوجل iiمستأنساً      بهوجل عيرانة عنتريس(*)
... فقال هذا يابني هو ( التجنيس ) . ومن زعم انه ( طباق ) فقد ادعى خلافاً على الخليل والاصمعي ، فقيل له : افكان يعرفان هذا ؟ فقال : سبحان الله !! وهل غيرهما من علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه ؟ )(53) وهذا الخبر ، بالاضافة الى انه

**************************************************************
(51) نفسه : ص 68 ، 69 .
(52) نفسه : ص 79 ، 80 .
(*) الهوجل : المقازة البعيدة التي ليس فيها اعلام . الهوجل ( الثانية ) : البطيء الثقيل . العيرانة : الناقة الصلبة . العنتريس : الناقة الغليظة الوثيقة .
(53) حلية المحاضرة : ( تحقيق : الكناني ) : 1 / 142 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 21 ـ

يؤكد مكانة الاصمعي ـ والخليل ـ في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه ، يشير الى عناية الاصمعي بالتجنيس . وابن المعتز في حديثه عن التجنيس ، يذكر ان للأصمعي كتاباً اسمه ( الاجناس )(54) .
  وقد تنبه الاصمعي ( للمطابقة ) . قال ابن رشيق : ( ذكر الاصمع المطابقة في الشعر فقال : اصلها : وضع اليد على اليد في مشي ذوات الاربع . وانشد لنابغة بني جعدة :
وخـيل  يطابقن iiبالدراعين      طباق الكلاب يطأن الهراسا
ثم قال :
لـيث بعثر يصطاد الرجال iiاذا      ما الليث كذب عن اقرانه صدقاً(55)
  ويظهر انه اول من افاظ في الحديث عن المطابقة بمعناها الاصطلاحي ، كما ذكر معناها اللغوي ، وربما كان اول من اقترح اسمها(56) .
  وقد تنبه الى ( الالتفات ) . قال الدكتور شوقي ضيف : ولعلنا لا نبالغ اذا قلنا : ان الاصمعي اول من اقترح للالتفات اسمه الاصطلاحي في البلاغة . وقد جعله ابن المعتز نوعين : نوع ينصرف فيه المتكلم عن المخاطبة الى الاخبار ، وعن الاخبار الى المخاطبة ، وما يشبه ذلك . وهذا الذي يصدق على الالتفات في الآية الكريمة : ( حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) . ونوع ثان ينصرف فيه المتكلم عن معنى يكون فيه الى معنى آخر . او بعبارة ادق : بعد ان يفرغ من المعنى وتظن انه سيجاوزه يلتفت اليه ، فيذكره بغير ما تقدم ذكره . وقد تنبه الاصمعي الى هذا النوع الثاني واعطاه اسمه الاصطلاحي لأول مرة فيما نعلم . اذ روي انه سأل ابا العيناء عن الالتفات . ولنترك ابا العيناء يحدثنا عن ذلك . ( قال : قال الاصمعي : اتعرف التفاتات جرير ؟ قلت : لا . فما هي ؟ قال :

**************************************************************
(54) البديع : ( ظمن كتاب ابن المعتز : للدكتور خفاجي ) : ص 644 .
(55) العمدة : 2 / 6 .
(56) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 30 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 22 ـ

اتنسى اذ تودعنا سليمى      بعود بشامة سقى iiالبشام(**)
الا تراه مقبلاً على شعره ، ثم التفت الى البشام ، فدعا له . وقوله :
طــرب الـحـمام بـذي iiالآراك      فشاقني لازلت في غلل(***) وايك ناضر

فالتفت الى الحمام ، فدعا له ... )(57) .
  وانشد ابن المعتز في حديثه عن الالتفات البيتين جميعاً ، وكأنه اخذ عن الاصمعي الاسم الاصطلاحي ،الاانه اضاف اليه النوع الاول، وجعله اوسع دلالة(58) .
  واخيراً نقول : ان الاصمعي اشار الى( التكرير ) ـ المعيب ـ فقد ( انشد إسحق الموصلي الاصمعي قوله في غضب المأمون عليه :
ياسرحة الماء قد سدت موارده      امـا اليك طريق غير iiمسدود
الـحائم  حام حتى لا حيام iiبه      محلاً عن طريق الماء مطرود
  فقال الاصمعي : احسنت في الشعر ، غير ان هذه الحاءات لو اجتمعت في آية الكرسي لعابتها )(59) .

الجاحـظ ( ت 255 هـ )
  تحدث الجاحظ كثيراً عن البلاغة وفنونها في كتبه ( البيان والتبيين ) و ( الحيوان ) و ( نظم القرآن ) الذي لم يصل الينا ، حتى عد مؤسس البلاغة العربية .

**************************************************************
(**) البشام : شجر .
(***) الغلل : الماء ينساب بين الشجر .
(57) ابو هلال العسكري : الصناعتين : 407 .
(58) د . شوقي ضيف : السابق : ص 30 ، 31 .
(59) المرزباني : الموشح : ص 460 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 23 ـ

  قال الدكتور طه حسين : ( فالعرب لم يخطاوا حين عدوا الجاحظ مؤسس البيان العربي ، وليس ذلك لأنه وصل بجهده الخاص الى قاعدة بيانيه بعينها ، فشخصيته القوية تكاد تكون معدومة في كتابه ( البيان والتبيين ) ولكن لأنه جمع في هذا الكتاب طائفة من النصوص لنا توضح توضيحاً حسناً كيف كان العرب يتصورون البيان في القرن الثاني والنصف الاول من القرن الثالث ، تعطينا صوررة مجملة لنشأة البيان العربي ، ان لم تسمح لنا بتاريخ هذه النشأة )(60) .
  وقال الدكتور شوقي ضيف : ( لعلنا لا نبالغ اذا قلنا ان الجاحظ يعد - غير منازع - مؤسس البلاغة العربية ، فقد افرد لها ، لأول مرة ، كتابه ( البيان والتبيين ) ونثر فيه كثيراً من ملاحظاته وملاحظات معاصريه ، وتعمق وراء عصره ، فحكى آراء العرب السابقين ، والتمس آراء بعض الاجانب ، او قل سجلها ، وقد مضى ينثر في كتابه ( الحيوان ) تحليلات لبعض الصور البيانية في الذكر الحكيم . وليس من شك ان كتابه المفقود الذي صنفه في ( نظم القرآن ) كان يشتمل على كثير من ملاحظاته البلاغية .
  وهو حقاً لم يكن يعنى بوضع ملاحظاته في شكل قوانين محددة بالتعريفات الدقيقة ،ولكنه صورها في امثلة متعددة بحيث تمثلها من خلفوه تمثلاً واضحاً)(61) .
  ومما وقف عنده في المقصود بـ ( البلاغة ) ماحدثه به صديق له سأل العتابي : ما البلاغة ؟ فقال العتابي : ( كل من افهمك حاجتك من غير اعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ )(62) .

**************************************************************
(60) البيان العربي من الجاحظ الى عبد القاهر : ص 3 .
(61) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 57 ، 58 .
(62) البيان والتبيين : 1 / 113 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 24 ـ

وقد ناقش الجاحظ هذا القول وخلص الى القول في قصد العتابي : ( وانما عنى العتابي إفهامك العرب حاجنك على مجاري كلام العرب الفصحاء )(63).
  وقال في موضع آخر : ( وقال بعضهم - وهو احسن ما اجتبيناه - لايكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه ، فلا يكون لفظه الى سمعك اسبق من معناه الى قلبك )(64).
  كما قال عن تعريف ابن المقفع للبلاغة ، الذي مر بنا في حذيثنا عن ابن المقفع : ان احد الشعراء قال عنه : ( لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع قط )(65) .
  وهو حين يصف الكلام البليغ ويتحدث عن اثره في المتلقي انطلاقاً من نظرته الى ثنائية اللفظ والمعنى يقول : ( فإذا كان المعنى شريفاً ، واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع بعيداً عن الاستكراه ، ومنزهاً عن الاختلال ، مصوناً من التكلف ، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة )(66) .
  وهو يعرض لما عرف عند البلاغيين بـ ( مطابقة الكلام لمقتضى الحال ) فيقول : ( وينبغي للمتكلم ان يعرف اقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين ، وبين اقدار الحالات ، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً ، ولكل حالة من ذلك مقاماً ، حتى يقسم اقدار الكلام على اقدار المعاني ، ويقسم المعاني على اقدار المقامات والمستمعين ، على اقدار تلك الحالات )(67) .
  وقد تحدث الجاحظ عن البلاغة والبيان والبديع ، وهو مصطلحات استقرت واخذت دلالتها بعد عهده ، لذا حين ننظر في الفروق بينها عنده لا نكاد نجدها ، وكأنه يريد بها وبالفصاحة حسن التعبير ووضوحه وبيانه ، ولذلك لايجد

**************************************************************
(63) نفسه : 1 / 162 .
(64) نفسه : 1 / 115 .
(65) المكان نفسه .
(66) البيان والتبيين : 1 / 83 .
(67) نفسه : 2 / 138 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 25 ـ

الباحث في بلاغته فاصلاً بين علومها الثلاثة لأن هذا الفصل لم يكن معروفاً في عهده ايضاً ، وبذلك تكون البلاغة عند الجاحظ ( فن القول ) أو الاسلوب الذي يعبر به الاديب . وينطوي ذلك تحت مصطلحات ( البلاغة ) و ( الفصاحة ) و ( البيان ) و ( البديع ) التي تتفرع الى موضوعات عالج الجاحظ الكثير منها(68) .
  قلنا ان الجاحظ وقف عند عدد من الفنون البلاغية . وكان في حديثه يذكر المصطلح الذي عرف به الفن ، او لا يذكره ، ماضياً في ذلك دون تحديد او تعريف للفن ، لأنه ليس بصدد وضع القوانين ، وإنما ليلفت النظر الى ما يقف عنده .
  وقد وقف عند : الخبر ، والايجاز ، والحذف ، والاطناب ، والتكرار ، والمساواة ، والوصل ، والتشبيه ، والمجاز ، والاستعارة ، والمثل ، والكناية ، والتعريض ، والاشارة ، والاحتراس ، والتورية ، واللغز ، والافراط في الصفة ، والسجع ، والمزدوج ، والمقابلة ، وحسن التقسيم ، والارصاد ، والهزل الذي يراد به الجد ، والاقتباس ، وحسن الابتداء والانتهاء ، وغيرها(69) .
  ونود ان نقف قليلاً عند ما عرف بـ ( المذهب الكلامي ) . قال ابن المعتز في كتابه ( البديع ) : ( وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي )(70) ولم يعرفه ابن المعتز .
  وقال عنه ابن معصوم المدني : ( هذا النوع اول من ذكره الجاحظ . وهو عبارة ان يأتي البليغ بحجة على ما يدعيه على طريقة المتكلمين ، وهي ان تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمدعي )(71) .

**************************************************************
(68) د . احمد مطلوب : البلاغة عند الجاحظ : ص 74 .
(69) انظر كتابي : البلاغة عند الجاحظ للدكتور احمد مطلوب : ص 74 وما بعدها ، ومفاهيم الجمالية والنقد في ادب الجاحظ للدكتور ميشال عاصي : في امكنة متعددة .
(70) ( ضمن كتاب : ابن المعتز للدكتور خفاجي ) : ص 684 .
(71) انور الربيع 4 / 356 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 26 ـ

الا ان مؤلف كتاب ( الاثر الاغريقي في البلاغة العربية )(*) يقول عند حديثه عن ( المذهب الكلامي ) مايأتي : ( ومما يجدر ذكره في هذا المقام ايضاً هو اننا لم نعثر فيما كتبه الجاحظ ، على اطلاقه ، هذا اللقب ـ المذهب الكلامي ـ على هذا اللون من الكلام ، كما نسب ذلك ابن المعتز اليه . والذي يبدو لي انه ـ اي ابن المعتز ـ قد نسب هذه التسمية للجاحظ تجوزاً ، مستنتجاً اياها من النصوص التي ذكرها الجاحظ منسوبة الى بعض المتكلمين . فكأنه اراد ان يقول ان الجاحظ هو اول من التفت الى هذا اللون من الكلام هو من خصائص كلام المتكلمين واهل المنطق والجدل . ومن المحتمل ان يكون الجاحظ قد ذكر هذا اللقب في بعض كتبه التي ضاعت ولم تصل الينا )(72) .

**************************************************************
(*) الدكتور مجيد عبد الحميد ناجي .
(72) ص 278 ، 279 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 27 ـ

المبـرد ( ت 285 هـ )
  للمبرد اسهامات في البلاغة العربية تبدو في رسالته عن ( البلاغة ) وفي كتابه ( الكامل ) . وتبدو اسهاماته واضحة في كتابه الاخير .
  اما رسالته ( البلاغة ) فهي رسالة صغيرة تبلغ صفحاتها محققة تسع صفحات . وقد رد فيها على رسالة ارسلها اليه احمد بن الواثق يسأله فيها عن ( اي البلاغتين ابلغ ، ابلاغة الشعر ام ابلاغة الخطب والكلام المنثور والسجع ؟ ) .
  ويبدو رأي المبرد في البلاغة في جوابه الذي قال فيه : ان حق البلاغة احاطة القول بالمعنى ، واختيار الكلام ، وحسن النظم ، حتى تكون الكلمة مقاربة اختها ، ومعاضدة شكلها ، وان يقرب بها البعيد ، ويحذف منها الفصول .
  فان استوى هذا في الكلام المنثور ، والكلام المرصوف ، المسمى ( شعراً ) فلم يفضل احد القسمين صاحبه ، فصاحب الكلام المرصوف احمد ، لأنه اتى بمثل صاحبه ، وزاد وزناً وقافية . والوزن يحمل على الضرورة ، والقافية تضطر الى الحيلة . وبقيت بينهما واحدة ، ليست مما توجد عند استماع الكلام منهما ، ولكن يرجع اليهما عند قولها ، فينظر ايهما اشد على الكلام اقتداراً ، واكثر تسمحاً ، وأقل معاناة وابطأ معاسرة ، في علم انه المقدم )(73) .
  اما في كتاب ( الكامل ) فقد تطرق الى عدد من الموضوعات البلاغية ذكر بعضها بالأسم ، واشار الى بعضها دون ذكره . ولعله كان رائداً في حديثه عن بعضها من ذلك تفصيله الحديث عن ( التشبيه ) واشارته الى ما عرف بعدئذ بـ ( اضرب الخبر ) .
  ومن الموضوعات البلاغية التي تطرق اليها ثم وضعت اسماؤها بعدئذ ، عدا

**************************************************************
(73) البلاغة : ص 59 ـ 60 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 28 ـ

هذين ، التعقيدي
للفظي(74) ، والتعقيدي المعنوي(75) ، والايجاز(76) ، والمجاز العقلي(77) ، والالتفات(78) ، ومراعاة النظير(79) ولعله اول من تحدث ماعرف باللـف والنشـر(80) .
  وقد جاء في حديثه عما عرف بأضرب الخبر ، الخبر الآتي :
  قال عبد القاهر الجرجاني : ( روي عن ابن الانباري انه قال : ركب الكندي المتفلسف الى ابي العباس(*) وقال له : إني لأجد في كلام العرب حشواً ! فقال له ابو العباس : في اي موضع وجدت ذلك ؟ فقال : اجد العرب يقولون : ( عبد الله قائم ) ثم يقولون : ( ان عبد الله قائم ) ثم يقولون : ( ان عبد الله لقائم ) فالالفاظ متكررة والمعنى واحد !! فقال ابو العباس : بل المعاني مختلفة لأختلاف الالفاظ ! فقولهم : ( عبد الله قائم ) إخبار عن قيامه . وقولهم : ( إن عبد الله قائم ) جواب عن سؤال سائل . وقولهم : ( إن عبد الله لقائم ) جواب عن انكار منكر قيامه . لقد تكررت الالفاظ لتكرر المعاني(81) .
  وننتقل الان الى الحديث عن التشبيه والكناية لأن المبرد اولاهما عناية .

التشبيـه :
  والمبرد من اوائل من عني بالتشبيه وفصل له تفصيلاً لعله لم يسبق

**************************************************************
(74) الكامل : 1 / 28 .
(75) البلاغة : 62 .
(76) المكان نفسه ، وابن الرشيق : العمدة : 2 / 37 .
(77) الكامل : 1 / 135 ، 3 / 410 .
(78) نفسه : 2 / 56 ، 3 / 22 .
(79) المرزباني : الموشح : ص 306 .
(80) د . عبد القادر حسين : اثر النحاة في البحث البلاغي : ص 217 .
(*) ابو العباس كنية ثعلب والمبرد ، وكانا متعاصرين ، ولم ينص عبد القاهر على احد منهما ، ولكن ابن الزملكاني قال في كتابه ( البرهان الكاشف عن اعجاز القرآن ) : ( فقال ابو العباس المبرد : بل المعاني متكثرة ) فدل على ان المقصود هو المبرد . انظر : د . احمد مطلوب : مناهج بلاغية : ص 91 .
(81) دلائل الاعجاز : ص 206 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 29 ـ

اليه(82) لأنه يعده باباً طريفاً(83) من جهة ، ولأنه ( جار كثيراً في كلام العرب ، حتى لو قال قائل : هو اكثر كلامهم لم يبعد )(84) .
  وقد افرد له في كتابه ( الكامل ) باباً بدأه بقوله : ( وهذا باب طريف )(85) عرض فيه نماذج شعرية للتشبيه شرح مفردات بعضها ، وشرح المعنى العام لبعض آخر ، وربما جمع الاثنين . وقد بدأ بنماذج من شعر القدماء ، تلا ذلك بنماذج من شعر المحدثين ومن القرآن الكريم .
  ةقد حد التشبيه ، مركزاً على وجه الشبه ، قائلاً : ( واعلم ان للتشبيه حداً ، لأن الاشياء تتشابه من وجوه ، وتتباين من وجوه ، فأنما ينظر الى التشبيه من اين وقع . فاذا شبه الوجه بالشمس والقمر ، فأنما يراد به الضياء والرونق ، ولا يراد به العِظم والاحراق . قال الله عز وجل : ( كأنهن بيض مكنون ) . والعرب تشبه النساء ببيض النعام ، تريد نقاءه )(86) .
  ثم قال : ( والعرب تشبه المرأة بالشمس والقمر والغصن والكثيب والغزال والبقرة الوحشية والسحابة البيضاء والدرة والبيضة . وانما تقصد من كل شيء الى شيء )(87) .
  وهو حين يورد تلك النماذج يعلق عليها تعليقات سريعة غير معللة غالباً ، وقد يشابه بعضها بعضاً كقوله : ( ومن اعجب التشبيه قول النابغة ... وقوله ... وقوله ... )(88) وقوله : ( ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة ... وقوله ... )(89)

**************************************************************
(82) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 60 .
(83) الكامل : 3 / 32 .
(84) نفسه : 3 / 93 .
(85) نفسه : 3 / 32 .
(86) نفسه : 3 / 52 .
(87) نفسه : 3 / 54 .
(88) نفسه : 3 / 33 .
(89) نفسه : 3 / 34 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 30 ـ

وقوله : ( وقد اجاد علقمة بن عبده في ... )(90) وقوله : ( ومن التشبيه المصيب ... )(91) وقوله : ( ومن التشبيه المستحسن قول ... )(92) وقوله : ( ومن التشبيه الحسن قول ... )(93) وقوله : ( ومن التشبيه المتجاوز المفرط قول .. )(94) وقوله : ( ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول ... )(95) وقوله : ( ومن التشبيه البعيد الذي لايقوم بنفسه كقوله ... )(96) الى غير ذلك .
  وهو حين رأى تحصر صفات التشبيه رأى ان تحصر في اربع فقال : ( والعرب تشبه على اربعة اضرب : فتشبيه مفرط ، وتشبيه مصيب ، وتشبيه مقارب ، وتشبيه بعيد يحتاج الى تفسير لايقوم بنفسه ، وهو اخشن الكلام )(97) .
  وقد مثل لهذا الأضرب دون تعريف لها .
  وهذه طائفة من امثلته لهذه الاضرب :
التشبيه المفرط : ( قول الخنساء :
وإن صخراً لتأتم الهداة به      كـأنه  علم في رأسه iiنار
فجعلت المهتدي يأتم به . وجعلته كنار في رأس علم . والعلم : الجبل )(98) .
  ( ومن افراط التشبيه قول ابي خراش الهذلي يصف سرعة ابنه في العدو :
كـأنهم  يـسعون فـي اثـر iiطـائر      خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض
يـبادر  جـنح الـليل فـهو iiمـهابذ      يـحث الجناح بالتبسط iiوالقبض(99)
.

**************************************************************
(90) المكان نفسه .
(91) الكامل : 3 / 36 .
(92) نفسه : 3 / 42 .
(93) نفسه : 3 / 46 .
(94) المكان نفسه .
(95) الكامل : 3 / 47 .
(96) نفسه : 3 / 132 .
(97) نفسه : 1 / 128 .
(98) نفسه : 3 / 46 .
(99) نفسه : 3 / 50 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 31 ـ

التشبيه المصيب : قول الشاعر :
كـأن  الـقلب لـيلة قيل iiيغدى      بـلـيلى  الـعامرية او iiيـراح
قـطاة  غـرها شـرك iiفـباتت      تـجاذبه  وقـد عـلق iiالـجناح
لـها فـرخان قـد غـلقا iiبوكر      فـعـشهما  تـصـفقه الـرياح
فـلا  بـالليل نـالت مـاترجى      ولا بالصبح كان لها براح(100)
التشبيه المقارب : ( قال ابو العباس : ومن حلو التشبيه وقريبه ، وصريح الكلام وبليغه قول ذي الرمة :
ورمل اوراك العذاري iiقطعته      وقد جللته المظلمات الحنادس(101)
التشبيه البعيد : ( اما التشبيه البعيد الذي لايقوم بنفسه فكقوله :
بل لو رأتني اخت جيراننا      اذ انا في الدار كأني iiحمار
  فأنما اراد ( الصحة ) فهذا بعيد ، لأن السامع انما يستدل عليه بغيره . وقال الله عز وجل ، وهذا البين الواضح : ( كمثل الحمار يحمل اسفاراً ) . والسفر الكتاب . وقال : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ) في انهم قد تعاموا عنها وأضربوا عن حدودها وأمرها ونهيها ، حتى صاروا كالحمار الذي يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها )(102) .
  وهو يرى ان احسن ما جاء في باب التشبيه ( بأجماع الرواة )(103) قول امرىء القيس :
كـأن  قـلوب الطير رطباً ويابساً      لدى وكرها العناب والحشف البالي
لأنه : في كلام مختصر ، اي بيت واحد ، من تشبيه سيء في شيء في حالتين مختلفتين بشيئين مختلفين )(104) .

**************************************************************
(100) نفسه : 3 / 37 .
(101) نفسه : 3 / 109 و د . عبد القادر حسين : اثر النحاة : ص 215 .
(102) الكامل : 3 / 132 .
(103) نفسه : 3 / 23 .
(104) المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 32 ـ

الكنايـة :
وتحدث المبرد عن الكناية . وقد اهتم الدارسون بما كتب ( نظراً لأنه قسمها الى اقسام ثلاثة . وهذا التقسيم لم يعرف عند احد من السابقين حتى عند ابن قتيبة . وعلى الرغم من ان ابن قتيبة كان واضحاً في تحديد الكناية الاصطلاحية(105) . ضارباً لها من الامثلة التي ترددت فيما بعد حتى ضمنها المتأخرون كتبهم كـ ( فلان طويل النجاد ، كثير الرماد ) ... الا انه لم يقسمها هذا التقسيم الذي نراه عند المبرد ، ونذكر هنا ان المبرد قد انتفع بما ذكره قتيبة في الكناية ، وسار على نهجه(106) .
  وحين تحدث المبرد عن الكناية قال : ( والكلام يجري على ضروب : فمنه ما يكون في الاصل نفسه ، ومنه ما يكنى عنه بغيره ، ومنه ما يقع مثلاً ، فيكون ابلغ في الوصف .
  والكناية تقع على ثلاثة اضرب :
[ الأول] : التغطية والتعمية ، كقول النابغة الجعدي :
اكني بغير اسمها وقد علم الله      خـفـيات كــل iiمـكـتتم
وقال ذو الرمة استراحة الى التصريح في الكناية :
احب المكان القفر من اجل انني به      اتـغـنى  بـأسمها غـير iiمـعجم
[ الثاني ] : ويكون من الكناية - وذاك احسنها - الرغبة عن اللفظ الخسيس المفحش الذي يدل على معناه من غيره . قال تعالى ، وله المثل الاعلى : ( احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم ) ، وقال : ( او لامستم النساء ) ... وكذلك قولهم في قضاء الحاجة : ( جاء فلان من الغائط ) وانما ( الغائط ) الوادي ... وقال [ عز وجل ] ( وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ) ، وانما هي كناية عن ( الفروج ) ، ومثل هذا كثير .
  والضرب الثالث من الكناية : التفخيم والتعظيم . ومنه اشتقت ( الكنية ) . وهي ان يعظم الرجل ان يدعى بأسمه . ووقعت في الكلام على ضربين :

**************************************************************
(105) تأويل مختلف الحديث : ص 163 .
(106) د . عبد القادر حسين : اثر النحاة : ص 208 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 33 ـ

  وقعت في الصبي على جهة التفاؤل بأن يكون له ولد ، ويدعى لولده كناية عن اسمه . وفي الكبير ان ينادي بأسم ولده صيانة لأسمه .
  وانما يقال : كنى عن كذا بكذا ، اي ترك كذا الى كذا لبعض ما ذكرنا )(107) .
  واذا اردنا ان نضع عنواناً لكل ضرب من هذه الاضرب الثلاثة التي ذكرها المبرد يمكننا القول بان الضرب الاول الذي جاء للتعمية والتغطية انما هو نوع من الكناية اللغوية . والضرب الثاني الذي نلحظ فيه العدول عن اللفظ الخسيس الى غيره مما يدل على معناه انما هو نوع من الكناية الاصطلاحية . اما الضرب الثالث الذي اشتق منه الكنية فهو كناية من باب التسمية ولا اكثر(108) .
  وقد يذكر المبرد ما يفيد الكناية ، الا انه لا ينص على انه من باب الكناية لشهرته ، واكتفاء بما ذكره السابقون كأبن قتيبة وغيره من ائمة البلاغة . فيشرح بيت الحسن بن هاني في مدح الفضل بن يحيى بن خالد :
تردى له الفضل بن يحيى بن خالد      بـماضي  الظبا ازهاه طول نجاد
كما يأتي : فقوله : ( ازهاه طول نجاد ) . النجاد : حمائل السيف . وأزهاه : رفعه واعلاه . والرجل يمدح بالطول ، فلذلك يذكر طول حمائله .
  ويقول عن قول الخنساء :
طويل النجاد رفيع العماد      يـسود عـشيرته iiامردا
فقولها : طويل النجاد ، تريد بطول نجاده : طول قامته . مما يمدح به الرجل الشريف . وقولها : رفيع العماد ، انما تريد ذاك . يقال : رجل معمد ، اي : طويل . ومن قوله عز وجل : ( إرم ذات العماد )(109) .

**************************************************************
(107) الكامل : 2 / 190 - 193 .
(108) د . عبد القادر حسين : المرجع السابق : ص 210 .
(109) الكامل : 3 / 135 ، 138 ، و د . عبد القادر حسين : المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 34 ـ

الآمـدي ( ت 370 هـ )
  للآمدي كتابان يهمنا امرهما هما : ( تبيين غلط قدامة بن جعفر بنقد الشعر ) ، و ( الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري ) .
  ونستنتج من عنوان الكتاب الاول انه تعرض فيه الى قضايا بلاغية ، إلا ان عدم وصول هذا الكتاب الينا يحول دون الوقوف عنده . وسيكون الكتاب الثاني موضوع حديثنا .
  والحديث عن البلاغة يشكل جانباً مهماً من هذا الكتاب . فقد اسرف ابو تمام في عدد من الفنون البلاغية كالاستعارة والجناس والطباق الامر الذي جعل الامدي يقف عند هذه الفنون مبدياً الرأي فيها ، دون ان يعنى كثيراً بالتعريف والتحديد ، لأن الكتاب لم يكن من الكتب المؤلفة في علم البلاغة ، وانما كان تعرضه لهذه الفنون وسيلة للموازنة بين شعر الشاعرين آنفي الذكر .
  والبلاغة في كتاب ( الموازنة ) دفاع عن البلاغة كما يتصورها الآمدي على نحو تصور المحافضين من الرواة واللغويين ، كمـا يقـول الدكتور شوقـي ضيـف(110) .
  والبلاغة عند الآمدي : ( هي اصابة المعنى ، وادراك الغرض ، بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف كافية ، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة ، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية ... فإن اتفق مع هذا . معنى لطيف ، او حكمة غريبة ، او ادب حسن ، فذاك زائد في بهاء الكلام ، وان لم يتفق ، فقد قام الكلام بنفسه ، واستغنى عما سواه )(111) .
  وأن اجود الشعر عند اهل العلم به ـ كما قال ـ ليس ( الا حسن التأتي ، وقرب المأخذ ، واختيار الكلام ، ووضع الالفاظ في مواضعها ، وان يورد

**************************************************************
(110) البلاغة تطور وتاريخ : ص 132 .
(111) الموازنة : 1 / 400 ، 401 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 35 ـ

المعنى باللفظ المعتاد فيه ، المستعمل في مثله ، وان تكون الاستعارات لائقة بما أستعيرت له ، وغير منافرة(112) لمعناه ، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق الا اذا كان بهذا الوصف ) .
  وهو يطلق اسم ( البديع ) على فنون البلاغة جميعاً ، اذ ان علم البديع لم يستقل في وقته ، ويرى ان البديع وجد في اشعار المتقدمين وفي القرآن الكريم ، ولم يكن للمحدثين فيه غير قصده والاسراف فيه ، كما يرى ان الأفراط في البديع مستهجن يخرج الشعر عن النهج المألوف والسنن المعروف . فقد جاء في المناظرة بين صاحب البحتري وصاحب ابي تمام رد صاحب البحتري على قول صاحب ابي تمام بأن ابا تمام هو صاحب المذهب البديعي ، مايأتي : ( قال صاحب البحتري : ليس الامر كذلك في اختراعه لهذا المذهب على ما وصفتم ، ولا هو سابق اليه ، بل سلك في ذلك سبيل مسلم [ بن الوليد ] ، واحتذى حذوه ، وأفرط وأسرف وزال عن النهج المعروف ، والسنن المألوف ، وعلى ان مسلماً ايضاً ليس مبتدع لهذا المذهب ، ولاهو فيه ولكنه رأى هذه الانواع التي وقع عليها اسم البديع . وهي : الاستعارة والطباق والتجنيس ـ منثورة متفرقة في أشعار المتقدمين ، فقصدها ، وأكثر في شعره منها ، وهي في كتاب الله عـز وجـل ايضاً موجـودة )(113) .
  كما يستعمل الآمدي لفظ ( البديع ) بمعناه اللغوي ، اي بمعنى : الجديد ، كما في قوله ، يتحدث عن السرقة : ( ان السرقة انما هي في البديع المخترع الذي يخص به الشاعر ، الا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم ، ومستعملة في امثالهم وحواراتهم )(114) .
  وقد وقف الآمدي عند عدد من الفنون البلاغية كالاستفهام والتشبيه والمجاز زالاستعارة والمطابق والتجنيس والاستطراد والتقسيم .
  والأن سنتحدث عن بعض الفنون التي عني بها الآمدي لكثرتها في شعر

**************************************************************
(112) نفسه : 1 / 14 .
(113) نفسه : 1 / 14 .
(114) نفسه : 1 / 326 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 36 ـ

ابي تمام .
المجاز : وقد اشار الى نوعين منه ـ عدا الاستعارة ، وسيأتي الحديث عنها ـ عرفا بعدئذ بأسمي : المجاز المرسل والمجاز العقلي .
  فهو يقول في رد صاحب البحتري ، بعد ان يعلق على بيتين للبحتري والاعشى ورد فيهما المجاز ( ومثل هذا في كلام العرب ـ مما ينوب به الشيء عن الشيء ، اذا كان متصلاً به ، او سبباً من اسبابه ، او مجاوراً له ـ كثير . فمن ذلك قولهم للمطر : سماء ، وقولهم : مازلنا نطأ السماء حتى اتيناكم . قال الشاعر :
إذا سقط السماء بأرض قوم      رعـيناه وإن كانوا iiغضابا
  أراد : اذا سقط المطر رعيناه ، اي : رعينا النبت الذي يكون عنه . ولهذا ماسموا سمي النبت ندى ، لأنه عن الندى يكون . وقالوا : مابه طِرق ، اي به قوة . والطرق : الشحم ، فوضعوه موضع القوة ، لأنه القوة عنه تكون . وقولهم للمزادة : رواية ، وانما الرواية : البعير الذي يسقى عليه الماء ، فسمي الوعاء الذي يحمل عليه بأسمه . ومن ذلك الحفظ متاع البيت ، فسمي البعير الذي يحمله حفضاً .
  ومن ذلك قول المسيب بن علس :
    وتمد ثِنى جديلها بشراع
اراد : بدقل ، فقال : بشراع ، لأنه يكون عليه )(115) .
وقال في موضع آخر:( يجري الاسم . . . على سبيل المجاز ، كما يقال : ( العمران ) لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، و ( القمران ) للشمس والقمر )(116) .
  وقال : جاء ( فاعل بمعنى مفعول . قالوا : ( عيشة راضية ) بمعنى مرضية ، و ( لمح باصر ) وإنما هو مبصر فيه )(117) .

**************************************************************
(115) نفسه : 1 / 34 ، 35 .
(116) نفسه : 1 / 276 .
(117) نفسه : 1 / 216 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 37 ـ

  وواضح ان في قولهم للمطر سماء ، وللشحم طرق ، وقولهم للنبت ندى ، مجازات مرسلة . علاقتها المسببة . وفي تسمية الدقل بالشراع ، مجاز مرسل ، علاقته الحالية او المجاورة . وفي ( العمران ) و ( القمران ) مجازان مرسلان ، علاقتهما التغليب . وفي قولهم ( عيشة راضية ) و ( لمح البصر ) ، مجازان عقليان ، الاول علاقته المفعولية ، والثاني علاقته الزمانية .

الاستعـارة :
اول ما يلقانا ذكرها في كتاب ( الموازنة ) عندما يذكر الآمدي وجوه الاختلاف بين شعر البحتري وشعر ابي تمام . ومما يقوله عن ابي تمام : ان ( شعره لا يشبه اشعار الاوائل ، ولا على طريقتهم ، لما فيه من الاستعارات البعيدة ، والمعاني المولدة )(118) .
  فهو يرى ان ابا تمام يبعد في الاستعارة وذلك يجعل شعره لا يشبه اشعار الاوائل ، وذلك عيب ـ في رأيه ـ في شعر ابي تمام ، لأن الآمدي يريد من الشاعر متابعة العرب في اسلوب الاستعارة وهو يرى ( انما استعارت العرب المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه او يناسبه او يشبهه في بعض احواله ، او كان سبباً من اسبابه ، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء إذا استعيرت له ، وملائمة لمعناه ، نحو قول امريء القيس :
فقلت له لما تمطي iiبصلبه      وأردف اعجازاً وناء بكلكل(119)
  ولأنه يرى ان ( الاستعارة حداً تصلح فيه فأذا جاوزته فسدت وقبحت ) ولهذا نراه يفرد باباً لما في شعر ابي تمام من قبيح الاستعارات(120) بالاضافة الى وقوفه عند عدد من ساتعاراته المصيبة في رد صاحب البحتري على صاحب ابي تمام في ان الاخير ذو مذهب انفرد به وان البديع ـ ومنه الاستعرة موجود في القرآن الكريم وفي شعر الاوائل .
  قال : قال الله تعالى : ( واشتعل الرأس شيباً ) وقال تبارك وتعالى : ( وآية

**************************************************************
(118) نفسه : 1 / 6 .
(119) نفسه : 1 / 250 .
(120) نفسه : 1 / 259 .
(121) نفسه : 1 / 245 ـ 265 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 38 ـ

لهم الليل نسلخ منها النهار ) ، وقال : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وهذه كلها من الاستعارة التي هي مجاز في القرآن )(122) ثم يذكر امثلة من الشعر ، منها بيت امرىء القيس المار ذكره ، ومنها قول زهير :
صحا القلب عن سلمى وأقصر باطلة
وعـري افـراس الـصبا iiورواحله
قول طفيل الغنوي :
وجعلت كوري فوق ناجية      يقتات شحم سنامها iiالرحل(123)
  واذا كان ابو تمام يبعد في الاستعارة ، وهذا ما نتفق فيه مع الآمدي الى حد ما ، كما نتفق معه في قوله : ( انما تستعار اللفظة لغير ما هي له ، إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي استعيرت له ويليق به ، لأن الكلام انما هو مبني على الفائدة في حقيقته ومجازه وإذا لم تتعلق اللفظة المستعارة بفائدة في المنطق فلا وجه لأستعارته(124) ) إلا اننا لا نتفق معه في ان على الشاعر ان يتشبه في شعره بأشعار الاوائل ، وعليه عدم الخروج عن اسلوبهم في الاستعارة فذلك تقييد للشعراء وحد من ابداعهم .

التجنيـس :
وقد وقف عنده في مواضع متفرقة من الكتاب وافرد صفحات لما جاء في شعر ابي تمام من قبيح التجنيس(125) لأن الطائي ـ كما قال ـ ( استفرغ وسعه في هذا الباب ، وجد في طلبه ، واستكثر منه ، وجعله غرضه(126) .
  والمجانس عنده : ( هو مااشتق بعضه من بعض )(127) ويأتي ( مفرقاً في اشعار الاوائل )(128) وهو إذ يأتي في اشعارهم ( يأتي منه في القصيدة البيت الواحد

**************************************************************
(122) نفسه : 1 / 14 .
(123) نفسه : 1 / 14 ، 15 .
(124) نفسه : 1 / 191 .
(125) نفسه : 1 / 265 ، 271 .
(126) نفسه : 1 / 271 .
(127) نفسه : 1 / 265 .
(128) المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 39 ـ

او البيتان ، على حسب ما يتفق الشاعر ، ويحضره في خاطره ، وفي الاكثر لا يعتمده وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه ، فلا ترى له لفظة واحدة )(129) .
  ويرى انه ( يحسن إذا كان بلفظتين )(130) ولهذا عاب ابتداء ابي تمام الاتي لأنه جاء فيه التجنيس بثلاثة الفاظ ، كما عاب قولاً للأبيرد الرياحي لأنه فعل فعل ابي تمام في بيت له .
  وبيت ابي تمام هو :
سلم على الربع من سلمى بذي سلم
عليه   وسم   من   الايام   iiوالقدم
  وبيت الرياحي هو :
جزعت ولم تجزع من البيت مجزعاً      وكـنت  بـذكر الـجعفرية مـولعاً(131)
  ومن امثلة التجنيس الناجح لأبي تمام عنده قول :
ياربع لو ربعو على ابن هموم
  وقوله :
أرامة كنت مألف كل ريم(132)
  ومن امثلته عند غير ابي تمام قول امريء القيس :
لقد طمح الطماح من بعد ارضه ليلبسني من دائه ماتلبسا
وقول القطامي :
ولما ردها في الشول شالث بذيال يكون له لفاعاً(133)

**************************************************************
(129) الموازنة : 1 / 267 .
(130) نفسه :
(131) المكان نفسه .
(132) الموازنة : 1 / 267 .
(133) نفسه : 1 / 265 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 40 ـ

  والآمدي يتابع ابن المعتز وغيره في تسمية هذا الفن بالاسم الذي ورد فيه ، ويخالف قدامة بن جعفر الذي اطلق اسم ( المطابق )على بعض المجانس(134) .

المطابـق :
والآمدي يرى ان المطابق اكثر من التجنيس في كلام العرب(135) وقد عرفه بقوله : ( هو مقابلة الحرف بضده او يقارب الضد )(136) ثم يقول : ( حقيقة الطباق ، اما هو مقابلة الشيء بمثل الذي هو قدره ، فسموا المتضادين - اذا تقابلا بمتطابقين )(137) .
  ويعلل تسمية ( المتطابق ) بهذا الاسم ، تأسيساً على معناه اللغوي ، فيقول : ( وإنما قيل ( متطابق ) لمساواة احد القسمين صاحبه ، وإن تضادا او تخالفا في المعنى . الا ترى الى قولهم في المثل : ( وافق شن طبقة ) والطبق للشيء انما قيل إنه لمساواة إياه في المقدار اذا جعل عليه ، او غطى به ، وإن اختلف الجنسان . قال تعالى : ( لتركبن طبقاً على طبق ) ، اي : حالا بعد حال ، ولم يرد تساويهما في تمثيل المعنى ، وإنما اراد عز وجل - وهو اعلم - تساويهما فيكم ، وتغييرهما اياكم ، بمرورها عليكم . ومنه قول العباس بن المطلب :
إذا انقضى عالم على طبق

اي جاءت حال اخرى تتلو الحال الأولى . ومنه طباق الخيل يقال : ( طابق الفرس ) إذا وقعت قوائم رجليه في مواضع قوائم يديه في المشي والعدو . وكذلك الكلاب . قال الجعدي : طباق الكلاب يطأن الهراسا )(138) .
  وهو في هذا ربما تابع الخليل و الاصمعي .
  وهو يرى لصحة المطابق عدم إضعافه المعنى او جعله ركيكاً او محالاً(139) ولهذا نراه يعيب أبا تمام في قوله في وصف الابل .

**************************************************************
(134) نفسه : 1 / 174 .
(135) نفسه : 1 / 271 .
(136) نفسه : 1 / 272 .
(137) المكان نفسه .
(138) الموازنة : 1 / 271 ، 272 .
(139) نفسه : 2 / 285 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 41 ـ

عـلى  كـل مـوار الملاط iiتهدمت      عـريكته الـعلياء وانـظم iiحـالبه
فأضحى الفلا قد جد في بري نحضه      وكـان زمـاناً قـبل ذاك iiيـلاعبه
فيقول : ( وقوله : ( يلاعبه ) لفظة ضعيفة المعنى ، وانما جاء بها من أجل قوله : ( جد في بري نحضه ) ليطابق بين الجد واللعب اي ان الفلا جد في اخذ لحمه في سيرنا هذا فجعل مكان هذا القول : ( وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه ) على مذهبه في عشق الطباق الذي لابد له من يأتي به وان صل المعنى ضعيفاً ركيكاً وربما كان محالاً(140) .
  وقد خصص صفحات لما يستكره من مطابق ابي تمام(141) .
  وهو يمثل للمطابق المصيب في شعر ابي تمام بقوله :
نثرت فريد مدامع لم تنظم

وقوله :
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت      ويـبتلى الله بعض القوم iiبالنعم
  ومن اقوال غيره ، قول زهير : ليث بعثر يصطاد الرجال إذا     مالليث كذب عن اقرانه صدقاً
وقوله طرفة :
بطىء عن الجلى سريع الى الخنا      ذلـول  بـأجماع الـرجال iiملهد(142)
  والآمدي يتابع ابن المعتز في تسمية هذا الفن بهذا الاسم ، وهو لا يتفق مع قدامه بن جعفر حين اسماه ( المكافىء ) وأسمى ضرباً من الجناس بـ ( المطابق ) ، كما مر ، وإن كان - كما قال ( هذا اللقب يصح لموافقته معنى الملقبات ، وكانت الألقاب غير محظورة ، فأني لم احب ان يخالف من تقدمه )(143) ونحن نتفق

**************************************************************
(140) المكان نفسه .
(141) الموازنة : 1 / 271 ، 276 .
(142) نفسه : 1 / 272 ،273 .
(143) نفسه : 1 / 27 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 42 ـ

مع الآمدي في توحيد المصطلحات دفعاً للفوضى .

الباقلانـي ( ت 403 هـ )
  من مؤلفات الباقلاني كتاب مشهور هو ( اعجاز القرآن ) . وكتابه هذا من انضج الكتب التي ألفت في الاعجاز القرآني ، وهو في الوقت نفسه من المصادر البلاغية التي اسهمت في تحديد مسار البلاغة العربية .
  والقضايا البلاغية في الكتاب تختلط بالقضايا الكلامية اختلاطاً متوازناً ، فتفرد القضايا البلاغية ببعض الفصول ، كذلك الفصل الطويل الذي خصصه للحديث عن ( البديع من الكلام )(144) وذلك الفصل الآخر عن ( وجوه البلاغة )(145) الذي تتبع فيه وجوه البلاغة العشرة التي اوردها الرماني في ( النكت في إعجاز القرآن )(146) وتنفرد القضايا الكلامية ببعض فصول الكتاب ، كذلك الفصل الذي عقده في اول الكتاب عن ( ان نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن )(147) وذلك الفصل الآخر الذي خصصه لبيان ( وجه الدلالة على ان القرآن معجز )(148) والبعض الثالث من فصول الكتاب شركة بين القضايا البلاغية والقضايا الكلامية ، كالفصل الذي كتبه عن ( جملة وجوه إعجاز القرآن )(149) .
  والكتاب - كما يرى الدكتور شوقي ضيف : ( لم يزد عن شرحه او قل بعبارة أدق ، عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني ، وما قاله الرماني من انه - دون غيره من بلاغة البلغاء في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان .

**************************************************************
(144) اعجاز القرآن : ص 66 وما بعدها .
(145) نفسه : ص 262 وما بعدها .
(146) ضمن ثلاث رسائل في اعجاز القرآن : تحقيق : محمد خلف الله و محمد زغلول سلام .
(147) اعجاز القرآن : ص 8 وما بعدها .
(148) اعجاز القرآن : ص 16 وما بعدها .
(149) نفسه : ص 33 وما بعدها . وانظر : د . علي عشري زايد : البلاغة العربية : ص 52 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 43 ـ

ومضى يرد تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدها ابن المعتز وقدامة وابو احمد العسكري وغيرهم ، كما رد تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني ، الا ان يلاحظ في في ذلك كله النظم وروعة التأليف . فالمدار قبل كل شيء على الصياغة والنظم . ولعلنا لانبعد - وما زال الكلام للدكتور ضيف - اذا قلنا انه اول من هجم بقوة نظرية اعجاز القرآنعن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع ، وأيضاً وجوه البلاغة التي احصاها الرماني . ومن هنا تأتي اهميته اذا اعد للبحث عن اسرار في نظم القرآن من شأنها حين توضح توضيحاً دقيقاً أن تقف الناس على اعجازه . وان كنا نلاحظ - في الوقت نفسه - انه لم يستطع ان يصور شيئاً من هذه الاسرار ، اذ ظلت الفكر عند غامضه ، وظلت مستورة في ضباب كثبف(150) .
  ومهما يكن من امر ، فإن الكتاب يدخل ، بلاشك ، في دائرةالدرس البلاغي ومن الطبيعي الا يتناول بحثاً هنا جوانب بحث الباقلاني في قضية الاعجاز القرآني الا بالقدر الذي يتصل بغرضنا من الحديث بالدرس البلاغي في كتاب الباقلاني هذا .
  وقد عقد في الكتاب فصلين اسمى الاول ، كما مر ، ( في ذكر البديع من الكلام )(151) واسمى الثاني ( في وصف وجوه البلاغة من الكلام )(152) كما وقف عند فنون في غير هذين الفصلين من الكتاب .
  ومفهوم البديع عنده يشمل جميع الخصائص اللغوية والصور الفنية التي اطلق عليها المتأخرون مصطلح ( بلاغة ) . وهو في ذلك يجري ما جرى عليه العلماء على عهده من اطلاق هذه الكلمةعلى فنون ( علم البلاغة ) التي تقسمت ، بعدئذ ، على علوم المعاني والبيان ، والبديع ،

**************************************************************
(150) البلاغة تطور وتاريخ : ص 114 .
(151) اعجاز القرآن : ص 66 وما بعدها .
(152) نفسه : ص 262 وما بعدها .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 44 ـ

بالاضافة الى الاستعمالات الحقيقية التي وردت في القرآن الكريم على اصل وضع اللغة .
  فهو يذكر : المساواة الايغال والتشبيه والمجاز والاستعارة وغيرها ، كما يذكر المطابقة والمجانسة والتوشيح وغيرها ، وكلها يطلق عليها اسم ( البديع ) .
  وقد دخلت فيه الأساليب المستعملة على حقيقتها في اصل اللغة ، من حيث انها اخترعت وجاءت على ما جاءت عليه لأول مرة في الاستعمال ، ولم يسبق استعمالها احد قبل القرآن ، كما انها اصيبت بها مواقعها ، واتت على الغرض الذي سيقت من أجله في أكمل صورة . وهذا فيما يرى الباقلاني بلاغة ، فهو إذن بديع .
  ومن امثلة الباقلاني التي توضح مذهبه في اطلاق لفظ ( البديع ) على جميع الفنون البلاغية قوله : ( واخفض لهما جناح الذلة من الرحمة ) ، وقوله : وإشتعل الرأس شيباً ، وقوله : ( او يأتيهم عذاب يوم عظيم )(153) وهذه كلها استعارات .
  ثم يقول : وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة كقوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) . وقد يكون في الالفاظ الفصيحة ، كقوله تعالى : ( فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً ) . وقد يكون في الالفاظ الالهية كقوله تعالى : ( وله كل شيء ) و ( مابكم من نعمة فمن الله ) وقوله : ( لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار )(154) .
  وواضح في ذلك الاستخدام الحقيقي للألفاظ على اصل وضعها في اللغة كقوله تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) وقوله ( وله كل شيء ) ان البديع عنده ماجاء من الاسعمالات على غير سابق مثال ، وأن كان الاستعمال فيه على سبيل الحقيقة ، وهكذا يكون الباقلاني قد توسع في مدلول كلمة ( البديع ) واستعمالها فيما تدل عليه لغة .
  ويدل على ذلك ايضاً انه يذكر بيت امرىء القيس :

**************************************************************
(153) نفسه : ص 66 وما بعدها .
(154) المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 45 ـ

وقد اغتدى والطير في وكناته      بـمنجرد قـيد الأوابد iiهيكل
إذ يعقب عليه قائلاً :
قوله : ( قيد الاوابد ) عندم من البديع ومن الاستعارة )(155) .
  فكونه من البديع لايفهم الا انه تعبير جاء به امرؤ القيس ، دون ان يسبقه اليه قائل ، وأما كونها استعارة فواضح . وهكذا يكون دخول مثل هذه التراكيب في ( البديع ) عند الباقلاني ، قد جاء من جهة اولية استخدام الشاعر له في اساليب العرب . وذلك هو المعنى اللغوي .
  كما يدل على ذلك ايضاً ان ليس كل استعارة ( بديعاً ) عنده ، وإنما البديع من الاستعارات - فيما يرى - مالم يسبق صاحبه الى مثله ، ولذلك نراه يقول : ( ومن البديع في الاستعارة قول امرىء القيس :
ولـيل كمروج البحر أرخى iiسدوله      عـلي  بـأنواع الـهموم iiلـيبتلي
فـقلت  لـه لـما تـمطي iiبصلبه      وأردف أعجازاً وناء بكلكل (156)
  فمفهوم من ذلك ان ليست كل استعارة بديعاً عنده ، وإنما ذلك وقف على المبتكر المخترع من الاستعارات .
ومن ذلك القبيل قوله : ( واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم ) (157) .
ومعنى ( الاستبداع ) عد الشيء مبدعاً وآتياً على غير مثال )(158) .
  وقد بدأ فصل ( في البديع من الكلام ) بقوله : ( إن سأل سائل فقال : هل يمكن ان يعرف اعجاز القرآن من جهة تضمنه من البديع ؟ قيل : ذكر اهل الصنعة ، ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع الفاظاً نحن نذكرها ثم نبين

**************************************************************
(155) إعجاز القرآن : ص 70 .
(156) نفسه : ص 74 .
(157) نفسه : ص 72 .
(158) د . عبد الرؤوف مخلوق : الباقلاني وكتابه اعجاز القرآن : ص 286 ، 289 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 46 ـ


ماسألوه عنه ليكون الكلام وارداً على امر مبين ، وباب مصور )(159) .
  وهو يستعمل في لفظ ( البديع ) بالمفهوم الذي ذكرناه ، ضارباً الامثلة ، مبتدئاً بأمثلة لايسمى الفن البلاغي فيها ، ثم يذكر - مع امثلته التالية - اسم الفن مرة ، تاركاً ذكره اخرى ، معرفاً الفن او تاركاً تعريفه .
  وهو - طبعاً - لايتعرض لجميع الفنون ، وهي كثيرة جداً ، مشيراً الى ذلك(160) وهو حين يفعل ذلك ، فهو امر متوقع ، لآن الكتاب ليس في ( علم البلاغة ) ، من ناحية ، ومن ناحية اخرى إنه حين يتعرض للفنون البلاغية فذلك لغاية قصدها.
  بعد ذلك يعقب مجيباً على السؤال الذي طرحه في اول الفصل ، حول إمكان معرفة إعجاز القرآن من جهة ماتضمنه من البديع ، فيقول : ( وقد قدر وقدر انه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الابواب التي نقلناها ، وإن ذلك مما يمكن الاستدلال عليه .
  وليس كذلك عندنا ، لأن هذه الوجوه اذا وقع التنبيه عليها امكن التوصيل اليها بالتدريب والتعود والتصنع لها ، وذلك كالشعر إذا عرف الانسان طريقه ، صح منه التعمل وأمكنه نظمه .
  والوجوه التي تقول : إن إعجاز القرآن يممكن ان يُعمل منها فليس مما يقدر البشر على التصنيع له والتوصل اليه بحال )(161) .
  ثم يقول : ( فأما نظم القرآن فليس بمثال يحتذى عليه ، ولا إمام يقتدى به ، ولايصح وقوع مثله اتفاقاً ... ولكن يمكن ان يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه اليهم : إن ذلك باب من ابواب البراعة وجنس من اجناس البلاغة ، وأنه لاينفك

**************************************************************
(159) اعجاز القرآن : ص 66 .
(160) نفسه : 107 .
(161) المكان نفسه .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 47 ـ


القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم ، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم ، واذا أورد وضع هذا الموضع كان جديراً .
  وإنما نطلق القول اطلاقاً ، لأنا لانجعل الاعجاز بهذه الوجوه ، الخاصة ووقفاً عليها ، ومضافاً اليها ، وإن صح ان تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة ، آخذة بحضها من الحسن والبهجة ، متى وقعت في الكلام على غير وجوه التكلف المستبشع ، والتعمل المستشنع )(162) .
   وقد تحدث في هذا الفصل عن : الاستعارة ، والتشبيه ، والمماثلة ، والمطابقة ، والتجنيس ، والمقابلة ، والموازنة ، والمساواة ، والاشارة ، والمبالغة واللغو ، والايغال ، والتوشيح ، ورد عجز الكلام على صدره ، وصحة التقسيم ، وصحة التفسير ، والتكميل والتتميم ، والترصيع ، والمضارعة ، والتكافؤ ، والتعطف ، والسلب والايجاب ، والكناية والتعريض ، والعكس والتبديل ، والالتفات ، والاعتراض والرجوع ، والتذييل ، والاستطراد ، والتكرار ، والاستثناء .
  وهو في فصل ( في وصف وجوه البلاغة في الكلام ) يرى ان البلاغة عشرة اقسام هي : الايجاز ، والتشبيه ، والاستعارة ، والتلاؤم . والفواصل ، والتجانس ، والتصريف ، والتضمين ، والمبالغة ، وحسن البيان . وهي الاقسام التي حددها الرماني من قبل ، وتحدث عنها في رسالته ( النكت في اعجاز القرآن )(163) .

**************************************************************
(162) اعجاز القرآن : ص 112 .
* قال عنه : ومن البديع باب ( التكافؤ ) . وذلك قريب من ( المطابقة ) كقول المنصور : لاتخرجوا من عز الطاعة الى ذل المعصية . ومنه قول بشار :
اذا ايقضتك حروب العدا      فـنبه  لـها عمراً ثم  نم
انظر : المصدر السابق ص 97 . وجدير بالذكر ان قدامة سمى ( المطابقة ) بهذا الاسم . انظر :
انظر : نقد الشعر : ص 163 .
(163) انظر : ثلاث رسائل في اعجاز القرآن : ص 67 وما بعدها . وقد تحدث الباقلاني عن السجع : اعجاز القرآن : ص 57 وما بعدها .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 48 ـ


  وهو يأخذ بعض تعريفات الرماني لبعض هذه الاقسام وبعضها يهمل تعريفها وبعضها يأخذ تعريفات الرماني لها كاملة ، ويفيد من امثلة الرماني ، كما أنه لايفصل في حديثه تفصيل الرماني ، لأختلاف غايتهما ، وعقب على ما ذكرناه بقوله : ( قلنا : قد حكينا ان من الناس من يريد ان يأخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة التي ذكرنا انها تسمى البديع ، في اول الكتاب ، مما مضت امثلته من الشعر . ومن الناس من زعم : ان يأخد ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا الفصل . واعلم ان الذي بيناه قبل ، وذهبنا اليه هو سديد ، وهو ان هذه الامور تنقسم : فمنها ما يمكن الوقوع عليه ، والتعمل له ، ويدرك بالتعلم له ، فما كان ذلك فلا سبيل الى معرفة اعجاز القرآن به . واما ما لاسبيل اليه بالتعلم والتعمل من البلاغات فذلك هو الذي يدل على اعجازه . ونحن نضرب لذلك امثلة ، لتقف على مذهبنا اليه .
  وذكرنا في هذا الفصل عن هذا ( القائل ) إن التشبيه تعرف به البلاغة . وذلك مسلم ، ولكن ان قلنا ، ما وقع في التشبيه في القرآن معجز ، عرض علينا من التشبيهات الجارية في الاشعار ملايخفى عليك . وانت تجد في شعر ابن المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر . وقد تتبع في هذا مالم يتتبع غيره ، واتفق له مالم يتفق لغيره ، من الشعراء وكذلك كثير من وجوه البلاغة ، قد بينا ان تعلمها يمكن ، وليس تقع البلاغة بوجه واحد منه دون غيره .
  فإن كان يعني هذا ( القائل ) انه اذا اتى في كل معنى يتفق في كلامه بالطبقة العالية ، ثم كان ما يصل به كلامه بعضهة ببعض ، وينتهي منه الى متصرفاته على اتم البلاغة ، وابدع البراعة فهذا مالا نأباه بل نقول به . وانما ننكر ان يقول القائل : ان بعض هذه الوجوه بأنفرادها قد حصل فيه الاعجاز من غير ان يقارنه مايصل به من الكلام ويفضي اليه مثل ما يقول : ان ما اقسم به وحده بنفسه معجز ، وان التشبيه معجز ، وان التجنيس معجز ، والمطابقة معجزة . فالآية التي فيها ذكر التشبيه ، فإن ادعى اعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لاأدفع ذلك واصححه ، ولكن لاأدعي اعجازها لموضع التشبيه )(164) .

**************************************************************
(164) اعجاز القرآن : ص 275 ، 276 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 49 ـ


  وذلك كله يصل بنا الى ان ( النظم ) هو المهم في الاعجاز القرآني عند الباقلاني(165) .
  وللباقلاني وقفات عند بعض الفنون البلاغية ، ولعل اهم ذلك وقوفه عند ( الاستعارة ) . وهو موضوع حديثنا الآتي .
  يأتي كلام الباقلاني على الاستعارة في ثلاثة اقسام . الاول في كلامه على وجدوه البديع ، والثاني : في كلامه على وجوه البلاغة ، والثالث : في مواضع متفرقة من الكتاب ، بعضها بصورة نقدية تطبيقية .
  اما كلامه عليها عند كلامه على وجوه البلاغة - ونبدأ به لأن حديثنا عنه قصير - فهو لايعدو ذكر اسمها والتمثيل لها بعدد من الآيات القرآنية ، ولشيء غير ذلك سوى قوله انها تباين التشبيه(166) .
  وفي كلامه عليها في كلامه على وجوه البديع يأتي بأمثلة قرآنية للأستعارة في تمثلية للبديع في القرآن ، دون ان يذكر اسمها ، ثم يذكر اسمها خلال حديثه عن امثلة لها من الشعر والقرآن في هذا الفصل(167) وفي اثناء تعرضه لها في المواضع المتفرقة .
  ومما جاء في قوله عند الاستعارة قوله عن قول امرىء القيس :
وقد أغتدى والطير في وكناتها      بـمنجرد  قـيد الأوابد iiهيكل
قوله :
  ( قوله : ( قيد الأوابد ) عندهم من البديع والأستعارة ، ويرونه من الالفاظ الشريفة . وعني بذلك : انه اذ ارسل الفرس على الصيد صار قيداً ، وكانت بحالة

**************************************************************
(165) نفسه : ص 276 مثلاً .
(166) نفسه : ص 266 .
(167) نفسه : 16 ، 17 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 50 ـ


المقيد من جهة سرعة احضاره )(168) .
  وهنا ، كما مر بنا ، يقول عن ( قيد الأوابد ) انه من البديع والاستعارة ، جرياً على مفهومه للبديع . فليست فنون البلاغة عنده من البديع ، إلا إذا كانت مبتدعة مبتكرة ، كما مر بنا ايضاً . وهو يستقبح الاستعارة في قول لأمريء القيس هو :
أفـاطم مـهلاً بـعض هـذا iiالتدلل      وإن كنت قد ازمعت صرمي فأجملي
أغــرك مـني ان حـبك iiقـاتلي      وانـك  مـهما تـأمري القلب يفعل
قائلاً : ( قوله : ( تأمري القلب يفعل ) ، معناه : تأمريني . والقلب لايؤمر ، والاستعارة في ذلك غير واقعة ولا حسنة )(169) ويرى ان الاستعارة في المصراع الثاني من قول ثالث لأمرىء القيس الآتي ، ( فيها تواضع وتقارب وإن كانت غريبة )(170) .
فإن كنت قد ساءتك مني خليقة      فـسلي ثيابي عن ثيابك iiتنسُل
  ويعيب بعض ماجاء في شعر البحتري وابي تمام فيقول عن قول الأول في وصف السيف :
يـتناول  الرواح البعيد iiمنالها      عفواً ويفتح في القضاء المقفل
بـإبانة  فـي كل حتف iiمظلم      وهـداية  في كل نفس iiمَجْهَل
( ليس لفظ الاول بمضاه لديباجة شعره ، ولاله بهجة نظمه ، لظهور التكلف عليه ، وتبين ثقل فيه .
  وأما ( القضاء المقفل ) وفتحه ، فجلام غير محمود ولامرضي ، وأستعارة لو لم يستعرها كان اولى به . وهلا عيب عليه كما عيب على ابي تمام قوله :
فضربت الشتاء في اخدعيه      ضربة غادرته عوداً iiركوباً
وقالو : يستحق في هذه الاستعارة ان يصفع على أخدعيه . وقد اتبعه البحتري في استعارة

**************************************************************
(168) نفسه : ص 70 .
(169) نفسه : 169 .
(170) نفسه : ص 170 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 51 ـ


الأخدع ولوعاً بأتباعه ، فقال في الفتح بن خاقان :
وإنـي  وإن بلغتني شرف iiالمنا      وأعتقت من ذل المطامع اخدعي
ان شيطانه زين له هذه الكلمة ، وتابعه حين حسن عنده هذه اللفظة ، لخبيث مارد ، ورديء معاند ، اراد ان يطلق اعنة الذم فيه ، ويسرح جيوش العتب إليه . ولم يقنع بقفل القضاء حتى جعل للحتف ظلمة تجلى بالسيف ، وجعل السيف هادياً في النفس الذي لايهتدي إليه . وليس في هذا مع تحسين اللفظ وتنميقه شيء ، لأن السلاح ان كان معيباً ، فإنه يهتدي الى النفس . وكان يجب ان يبدع في هذا ابداع المتنبي في قوله :
كأن  الهام في الهيجا iiعيون      وقد طبعت سيوفك من iiرقاد
وقد صغت الأسنة من هموم      فـما يـخطرن إلا في iiفؤاد
  فالأهتداء على هذا الوجه من التشبيه حسن .
  وفي البيت الاول شيء آخر : وذلك ان قوله : ( ويفتح في القضاء ) في هذا الموضع حشو رديء ، يلحق بصاحبه الكلفة ، ويلزمه الهجنة(171) .
ومن اللافت للنظر يعد الباقلاني الاستعارة من باب ( الارداف ) والارداف من نعوت ( إئتلاف اللفظ مع المعنى ) عند قدامة بن جعفر . وقد قال عنه : ( هو ان يريد الشاعر الدلالة على معنى من المعاني ، فلا يأتي في اللفظ الدال على ذلك المعنى ، بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه وتابع له ، فأذا دل على التابع ابان على المتبوع ، بمنزلة ابن ابي ربيعة :
بـعـيدة  مـهري الـقُرط امـا iiلـنوفل      ابـوهـا  وإمـا عـبد شـمس iiوهـاش
  ومثل قوله ( قول امرىء القيس ) :
وتـضحى  فـتيت الـمسك فوق iiفراشها      نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل(172)

**************************************************************
(171) نفسه : 236 ، 237 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 52 ـ


  وتعريف الباقلاني الارداف يكاد يكون تعريف قدامة ، وأمثلته بعض امثلة قدامة ، دون ذكره بالأسم فقد قال عن الاستعارة : ( وسماها بعض اهل الصنعة بأسم آخر ، وجعلوها من باب ( الارداف ) . وهو ان يريد الشاعر الدلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على المعنى ، بل بلفظ هو تابع له وردف .
  قالوا : ومثل قوله : نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل .
  وإنما اراد : ترفهها بقوله : نؤوم الضحى
ومن هذا الباب قول الشاعر :
بعيدة مهوى القرط أما iiلنوفل      ابوها وإما عبد شمس وهاشم
وإنما اراد ان يصف جيدها فأتى بردفه .
ومن ذلك قول امرىء القيس : وليل كموج البحر ارخى سدوله وذلك من الاستعارة المليحة .
  ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره(*) من القرآن ، واشتعل الرأس شيباً ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة(173) .
  كما بعد ( المماثلة ) ضرباً من الاستعارة . قال : ومما يعدونه من البديع ( المماثلة ) وهو ضرب من الاستعارة سماها قدامة ( التمثيل )(**) وهو عكس ( الارداف ) لأن الارداف مبني على الاسهاب والبسط ، وهو مبني على الايجاز والجمع .
  وذلك ان يقصد الاشارة الى معنى ، فيضع الفاضاً تدل عليه ، وذلك

**************************************************************
(172) نقد الشعر : ص 178 ، 179 .
* اعجاز القرآن : ص 66 .
(173) نفسه : 71 ، 72 .
** وهو عند قدامة من نعوت ( إئتلاف اللفظ مع المعنى ) . وقد عرفه بقوله : ( هو ان يريد الشاعر اشارة الى معنى فيضع كلاماً يدل على معنى آخر وذلك المعنى الآخر والكلام ينبئان عما أراد ان يشير اليه ) .
انظر : نقد الشعر : ص 181 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 53 ـ


المعنى بألفاظ مثال للمعنى الذي قصد الاشارة اليه ) .
  وهو وان أشار الى قدامة ، فانه لا يأخذ من اثلة أي مثال . ويأتي بأمثلة أخرى . منها : ماكتبه يزيد بن الوليد حين بلغه أن مروان بن محمد يتلكأ عن بيعته : ( أما بعد ، فإني اراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ، فأعتمد على ايهما شئت ) ومنها قول زهير :
ومن يعص اطراف الزجاج فإنه      يـطيع العوالي ركبت كل iiلهذم
( وقوله : ( وثيابك فطهر ) قال الاصمعي : أراد البدن )(174) .
   وهكذا نراه يرى المماثلة هي ( التمثيل ) وقد ذهب الى مثل ذلك ابو احمد العسكري . قال عبد القاهر الجرجاني في حديثه عن قولهم : ( بلغني انك تقدم رجلاً وتؤخر اخرى ) ، وهو من امثلة الباقلاني ، ( وذكر ابو احمد العسكري ان هذا النحو من الكلام يسمى ( المماثلة ) . وهذه الالتسمية توهم انه شيء غير المراد بالمثل والتمثيل . وليس الأمر كذلك )(175) .
  ويتضح من ذلك انه يرى ان المماثلة اردافاً مبنياً على الايجاز والجمع وهي عند عدد من البلاغيين ليست كذلك ، ولا هي ضرب من الاستعارة . وقد تابع الباقلاني في ان المماثلة ضرب من الاستعارة ، التبريزي ، ونقل البغدادي تعريفه(176) .

البصـري المعتزلـي ( ت 436 هـ ) (177)
  للبصري المعتزلي كتابه وهو ( المعتمد في اصول الفقه ) وقد ضم هذا

**************************************************************
(174) اعجاز القرآن : 78 - 80 .
(175) اسرار البلاغة : 99 - 100 .
(176) د . احمد مطلوب : معجم المصطلحات البلاغية : مادة ( المماثلة ) .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 54 ـ


الكتاب كثيراً من بحوث البلاغة كحقيقة الكلام ، وإثبات الحقيقة وايجاز وأحكامهما ، والاوامر والنواهي ، والعلوم والخصوص ، والمجمل والمبين . وقد قال المعتزلي متحدثاً عن ابواب الاصول : ( اعلم انه لما كانت اصول الفقه هي طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها ، وما يتبع كيفية الاستدلال بها ، وكان الامر والنهي والعموم من طرق الفقهوكان الفصل بين الحقيقة والمجاز تفتقر اليه معرفتنا بأن الامر والنهي والعموم الذي يفيد على الحقيقة وعلى المجاز - وجب تقديم اقسام الكلام ، وذكر الحقيقة منه والمجاز وما يفصل به بينها على الاوامر والنواهي ليصح ان نتكلم في ان الامر اذا استعمل في الوجوب كان حقيقة ثم الحروف لأنه قد يجري ذكر بعضها في ابواب الامر ، فلذلك قدمت عليها . ثم نقدم الاوامر والنواهي على باقي الخطاب لأنه ينبغي ان يعرف فائدة الخطاب في نفسه ثم نتكلم في شمول تلك الفائدة وخصوصها وفي إجمالها وتفصيلها ، ونقدم الامر على النهي لتقديم الاثبات على النفي ، ثم نقد الخصوص والعموم على المجمل والمبين ، لأن الكلام في الظاهر اولى بالتقديم من الخفي ، ثم نقدم المجمل والمبين على الافعال لأنها من قبيل الخطاب ولأن المجمل كالعموم في انه يدل على ضرب في الاجمال فجعل معه(178) .
  ان البصري قدم هذه البحوث على موضوعات الفقه واصوله ، لأنها الخطوة الاولى لدراسته ، والسبيل الموصل الى فهم القرآن والسنة واستنباط الاحكام ،
ولأن الامر والنهي والعموم والحقيقة والمجاز من طرق الفقه .
  اخيراً ..
  لاأرى من الامانة العلمية التغافل عن ذكر كتاب من البلاغة العربية ألفه بصري ، هو كاتب هذه السطور ، عنوانه : ( علم المعاني ) . وقد صدر في العام 1985 . وقد طبعته - مشكورة - جامعة البصرة .

**************************************************************
(177) هو ابو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي . وحديثنا عنه هذا منقول من كتاب ( مذاهب بلاغية ) للدكتور احمد مطلوب : ص 68 .
(178) المعتمد في اصول الفقه : 1 / 13 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 55 ـ



- الآمدي : الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري : تحقيق : السيد احمد صقر ، ج1 ، 1961 ، ج2 ، ط2 ، 1973 ، دار المعارف القاهرة .
- ابن الاثير : المثل السائر : تحقيق : الدكتور احمد حوفي والدكتور بدوي طبانه ، دار نهضة مصر - القاهرة ، 1962 .
- احسان عباس ( الدكتور ) : تاريخ النقد الادبي عند العرب : دار الامانة ومؤسسة الرسالة - بيروت ، 1971 .
- احمد امين : ضحى الاسلام : ج2 ط8 مكتبة النهضة المصرية - القاهرة ، 1974 .
- احمد مطلوب ( الدكتور ) :
1_ البلاغة عند الجاحظ : وزارة الثقافة والاعلام العراقية ، 1983 .
2_ معجم المصطلحات البلاغية وتطورها : منشورات المجمع العلمي العراقي ، 1983 - 1987 .
3_ مناهج بلاغية : وكالة المطبوعات - الكويت ، 1973 .
-الاصمعي : فحولة الشعراء : تحقيق : الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي وطه محمد الزيني : المطبعة المنيرية - القاهرة ، 1953 .
- ابن الانباري : نزهة الالباء ، تحقيق : الدكتور ابراهيم السامرائي ، مكتبة الاندلس - بغداد ، 1970 .
- الباقلاني : اعجاز القرآن : تحقيق : السيد احمد صقر ، ط3 ، دار المعارف - القاهرة ، 1972 .
- بدوي طبانة ( الدكتور ) : البيان العربي ، ط3 مكتبة الانجلو المصرية - القاهرة ، 1962 .
- بروكلمان : تاريخ الادب العربي : ج2 ، ط2 ، دار المعارف القاهرة ، 1968 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 56 ـ


- الجاحظ : البيان والتبيين : تحقيق : عبد السلام محمد هارون : ط5 مكتبة الخانجي - القاهرة ، 1985 .
- ابن جني : الخصائص : تحقيق : محمد علي النجار ، جـ2 مطبعة دار الكتب المصرية ، 1955 .
- الحاتمي : حلية المحاضرة : تحقيق : هلال ناجي ، دار مكتبة الحياة بيروت ، 1978 .
- حلية المحاضرة : تحقيق : الدكتور جعفر الكناني ، وزارة الثقافة والاعلام العراقية ، 1979 .
- ابن رشيق : العمدة : تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد ، ط4 ، دار الجبل - بيروت ، 1972 .
- الرماني : النكت في اعجاز القرآن . ضمن ( ثلاث رسائل في اعجاز القرآن ) ، تحقيق : محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام ، دار المعارف - القاهرة د . ت .
- سنية احمد محمد : النقد عند اللغويين في القرن الثاني : دار الرسالة للطباعة - بغداد 1977 .
- شوقي ضيف ( الدكتور ) :
1_ البلاغة تطور وتاريخ ، دار المعارف - القاهرة - 1965 .
2_ النقد : ط2 ، دار المعارف - القاهرة - 1964 .
- طه حسين ( الدكتور ) : البيان العربي من الجاحظ الى عبد القاهر ، مقدمة كتاب ( نقد النثر ) الذي نسب الى قدامة بن جعفر : المكتبة العلمية - بيروت ، 1980 .
- عبد الؤوف مخلوق ( الدكتور ) : الباقلاني وكتابه اعجاز القرآن ط2 ، مكتبة دار الحياة - بيروت ، 1978 .
- عبد السلام عبد الحفيظ ( الدكتور ) : مناهج البحث البلاغي : دار الفكر العربي ، ( ؟ ) ، 1978 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 57 ـ


-عبد القادر حسين ( الدكتور ) : اثر النحاة في البحث البلاغي : دار نهضة مصر - القاهرة ، [ 1970 ] .
- عبد القاهر الجرحاني : 1_ اسرار البلاغة : تحقيق : هـ . رتير : مطبعة وزارة المعارف : استانبول ، 1954 .
2_ دلائل الاعجاز : نشرة السيد محمد رشيد رضا ، ط2 ، مكتبة القاهرة - القاهرة ، 1961 .
- ابو عبيدة : مجاز القرآن : تحقيق : الدكتور محمد فؤاد سزكين : ج1 ، ط2 ، 1970 ، ج2 ، 1962 ، دار الفكر ومكتبة الخانجي .
- علي عشري زايد ( الدكتور ) : البلاغة العربية : مكتبة الشباب - القاهرة ، 1977 .
- قدامة بن جعفر : نقد الشعر : تحقيق : كمال مصطفى : مكتبة الخانجي - القاهرة ومكتبة المثنى - بغداد ، 1963 .
- قصي سالم علوان ( الدكتور ) : علم المعاني ، مطبعة جامعة البصرة ، 1985 .
- المبرد : البلاغة : تحقيق الدكتور رمضان عبد التواب ، مكتبة العروبة - القاهرة ، 1965 .
- الكامل : تحقيق : مجمد ابو الفضل ابراهيم والسيد شحاته دار نهضة مصر - القاهرة ، د . ت .
- مجيد عبد الحميد ناجي ( الدكتور ) : الاثر الاغريقي في البلاغة العربية : مطبعة الآداب النجف .
- محمد رجب البيومي ( الدكتور ) : خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم : منشورات مجمع البحوث الاسلامية - القاهرة ، 1971 .
- المرزباني : الموشح : تحقيق : علي محمد البجاوي : دار نهضة مصر - القاهرة ، 1965 .
- ابن المعتز : البديع : ضمن كتاب ابن المعتز وتراثه في الادب والنقد والبيان : ط2 ، العهد الجديد - القاهرة ، 1958 .

الدرس البلاغي في البصرة   ـ 58 ـ


ابن معصوم البدني : انوار الربيع : تحقيق : شاكر هادي شكر : جـ4 ، مطبعة النعمان - النجف ، 1969 .
- محمد نبيه حجاب ( الدكتور ) : بلاغة الكتاب في العصر العباسي : المطبعة الفنية الحديثة - القاهرة ، 1965 .
- مهدي المخزومي ( الدكتور ) : عبقري من البصرة : وزارة الاعلام العراقية ، 1972 .
- ميشال عاصي ( الدكتور ) : مفاهيم الجمالية والنقد في ادب الجاحظ : دار العلم للملايين - بيروت ، 1974 .
- ابو هلال العسكري : الصناعتين : تحقيق : علي محمد البجاوي و محمد ابو الفضل ابراهيم : نشر عيسى البابي الحلبي وشركاه : القاهرة ، د ت .