|
الـدرس البلاغـي
فـي البصـرة
الدكتور قصي سالم علوان مقدمـة
كانت البصر مبكرة الى دراسة علوم العربية وذلك لدواع لغوية ودينية واجتماعية وادبية وقومية .
واذ يبدو ان الخلافات اللغوية بين لهجات القبائل بعضها مع بعض من جانب ، وبينها وبين لغة القرآن الكريم والشعر القديم من جانب آخر ، كما كانت حاجة العناصر غير العربية التي دخلت الاسلام الى تعلم لغة الكتاب الكريم ولسان الحكومة العربية الاسلامية من جانب ثالث ، كل ذلك دفع المسلمين ـ باديء ذي بدأ ـ الى العناية بشؤون اللغة العربية(1) مضافاً الى ذلك حركة التدوين . وقد كان لأختلاط العرب بغيرهم خطر قوي على اللغة العربية لذا ( كان رد الفعل عند العلماء البصريين قوياً قوة الخطر المحدق بلغة القرآن ولغة العرب ، ولذلك كانت المبادرة الى العمل اللغوي في البصرة الى غيرها ، وكان ظهور الدرس اللغوي والنحوي في البصرة قبل غيرها(2) ) . ومن اهم مراكز الثقافة في البصرة مركزان : المسجد الجامع والمربد ومن اشهر المجالس التي شهدها مسجد البصرة الجامع مجالس : الحسن البصري ، وواصل ابن عطاء ، وايوب بن ابي تميمة السختياني وحماد بن سلمة ، والفضل بن عيسى الرقاشي ، وابي علي الاسواري ، وموسى بن سيار الاسواري . وقد كان المربد ملتقى الشعراء ، وملتقي الرواة ليلتقطوا الغريب والنادر وفصيح الكلام ، وملتقى النحويين واللغوين ليشافهوا الاعراب الذين مازالوا يحتفظون بسلامة سلائقهم وبفصاحتهم التي لم تشبها شائبة من الحضر ، كما كان ملتقى النقاد ليبنوا اسس النقد في العراق ، كما بني في الحجاز من قبـل النابغـة والخنسـاء(3) . ************************************************************** (1) بروكلمان : تاريخ الادب العربي : 2 / 128 . (2) د . مهدي المخزومي : عبقري من البصرة : ص 11 . وقد سبقت البصرة الكوفة بذلك بنحو مائة عام . انظر : احمد امين : ضحى الاسلام 2 / 284 . (3) د . مهدي المخزومي : المصدر نفسه : ص 16 ـ 20 .
واذا كانت الضرورة قد دفعت الى ظهور الدرس اللغوي والنحوي في البصرة قبل غيرها ، فأن النحو وحده لايكفي لفهم اسرار كتاب الله تعالى ، اذ ان الدرس البلاغي كان ضرورياً ايضاً .
ولهذا بادرت البصرة الى الدرس البلاغي ، وصار النحوي والبلاغي يشتركان في خدمة العربية . فالنحوي يعلم قواعد الاعراب ودلالة الالفاظ على المعاني ، والبلاغي يعلم اسرار اللغة وتمييز اساليبها . وفي عمل النحوي والبلاغي يقول ابن الاثير : والبلاغي والنحوي يشتركان في ان النحوي ينظر في دلالة الالفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي ، وتلك دلالة عامة . وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة ، وهي دلالة خاصة . والمراد بها ان تكون على هيئة مخصوصة من الحسن ، وذلك امر وراء الاعراب(4) . وقد اسهمت فئات عديدة في نشوء علم البلاغة هي : المتكلمون ، والمفسرون ، واللغويون والنحاة ، والشعراء ، والكتاب ، والنقاد وغيرهم(5) . وقد كان اهتمام المتكلمين بالبلاغة لأكثر من سبب واحد . احدهما : 1 ـ قضية الاعجاز القرآني ، فقد كانت هذه القضية من اهم القضايا التي عني بها علم الكلام ، وارتباطها بالبلاغة متأت من ان احد اهم وجوه اعجاز القرآن الكريم هو وجه البلاغي . ولهذا فقد طرحت كثير من الملاحظات والارارء البلاغية فيما الف من كتب في هذا المجال ، واصبح لكثير من هذه الكتب اهميتها البلاغية بالاضافة الى اهميتها الدينية ، من حيث انها تبحث في اعجاز القرآن . 2 ـ ان علم البلاغة من الوسائل التي يفيد منها علماء الكلام في شرح آرائهم ، وبسط عقائدهم ، وفي الدفاع عن هذه الاراء والعقائد في مناظراتهم ومجادلاتهم مع خصومهم . ************************************************************** (4) المثل السائر 1 / 39 . (5) كتابنا : علم المعاني : ص 25 ـ 26 .
3 ـ ايمان المعتزلة - وهم ابرز المتكلمين ـ بأن الشعر العربي مصدر من مصادر المعرفة الكبرى ووعاء لها . وهذا الايمان يمنح اصحابه قوة في وقفتهم ضد الشعوبية ، لأن الشعر في تصور هؤلاء المدافعين عن العرب ، تراث عربي خالص ، ليس هناك مايشبهه لدى الامم الاخرى الا شبهاً عارضاً .
وقد كانت هذه الموجة الاعتزالية - من جميع اطرافها - اكبر قوة فعالة في تطور النقد الادبي في القرن الثالث - حيث لم تنفصل البلاغة عن النقد بعد ـ لا بأشخاص اصحابها وحسب ، بل من خلال المتأثرين بها(6) . والاعتزال نشأ في البصرة كما هو معروف . وممن اسهم فس نشأة الدرس البلاغي في البصرة من هؤلاء المتكلمين : عمرو بن عبيد ( ت 144 هـ ) ، والجاحظ ( ت 255 هـ ) وقد عده كثير من الباحثين مؤسس البلاغة العربية ، والباقلاني ( ت 403 هـ ) ، والبصري المعتزلي ( ت 436 هـ ) . ومما يرويه الجاحظ في كتابه ( البيان والتبين )(7) وعن عمرو بن عبيد انه سئل : ( مالبلاغة ؟ ) وقد أجاب إجابة عن معنى البلاغة في وجوه متعددة ، وكان السائل يرد عمراً عن كل وجه بقوله : ( ليس هذا اريد ) حتى قال عمرو : ( فكأنك انما تريد تخير اللفظ في حسن الافهام ) فقال السائل : نعم . وبذلك استمر عمرو في القول فقال : ( انك ان اوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين ، وتخفيف المؤونة على المستمعين ، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين ، بالالفاظ المستحسنة في الآذان ، المقبولة عند الاذهان ، رغبة في سرعة استجابتهم ، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعضة الحسنة ، على الكتاب والسنة كنت قد اوتيت فصل الخطاب ، واستجبت على الله جزيل الثواب ) . وقد علق الدكتور شوقي ضيف في كتابه ( النقد )(8) على قول عمرو ************************************************************** (6) د . إحسان عباس : تاريخ النقد الادبي عند العرب : ص 66 ـ 69 . (7) 1 / 114 . (8) ص46 .
الأخير بقوله : ( لعل هذه اول مرة عند العرب تستخدم فيها كلمة ( بلاغة ) بمعناها الدقيق .
وقد اسهم من اللغويين والنحاة البصريين في الدرس البلاغي : الخليل بن احمد ( ت 175 هـ ) وسيبويه ( ت 180 هـ ) وخلف الاحمر ( ت 180 هـ ) ومؤرج السدوسي ( ت 195 هـ ) وقطرب ( ت 206 هـ ) وابو عبيدة ( ت 208 هـ ) والاصمعي ( ت 216 هـ ) وابو حاتم السجستاني ( ت 250 هـ ) والمبرد ( ت 285 هـ ) . اما من الكتاب والنقاد فعبد الله بن المقفع ( ت 142 هـ ) والجاحظ ، وقد مر اسمه مع المتكلمين ، والآمدي ( ت 370 هـ ) . وسنتحدث في الصفحات الاتية عمن له منهم اسهام ملحوظ في الدرس البلاغي ، وهم : 1 ـ عبـد الله بـن المقفـع . 2 ـ الخليـل بـن احمـد . 3 ـ سيبويـة . 4 ـ خلـف الاحمـر . 5 ـ ابـو عبيـدة . 6 ـ الاصمعـي . 7 ـ الجاحـظ . 8 ـ المبـرد . 9 ـ الآمـدي . 10 ـ الباقلانـي . 11 ـ البصـري المعتـزلي . آملين ان نوفق الى ايضاح مدى اسهام البصرة في هذا المجال .
عبـد الله بـن المقفـع ( ت 142 هـ )
تعرض ابن المقفع للحديث عن البلاغة والسبيل اليها ، كما اشار الى البعض الاساليب التي هي من فنون البلاغة .
فقد دعا الى نبذ وحشي الكلام طلباً للبلاغة ، واعتبر ذلك عياً ، بل هو العي الاكبر . قال : ( واياك والتتبع لوحشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة فأن ذلك هو العي الاكبر ) . ورأى ان على من طلب البلاغة ان يتخير سهل الالفاظ ، متجنباً الفاظ السفلة ، حين قال : ( عليك بما سهل من الالفاظ ، مع تجنب لألفاظ السفلة ) ، بحيث يكون الكلام مما يعرف بـ ( السهل الممتنع ) فالبلاغة ، كما قال ايضاً : ( هي التي اذا سمعها الجاهل ظن انه يحسن مثلها )(9) . ولأبن المقفع قول آخر في البلاغة هو : ( البلاغة : كشف ما غمض من الحق ، وتصوير الحق في صورة الباطل )(10) . وقد علق ابو هلال العسكري على هذا القول بقوله : ( والذي قاله امر صحيح لايخفى موضع الصواب فيه على احد من اهل التمييز والتحصيل ، وذلك ان الامر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادي على نفسه بالصحة ، ولا يحوج الى التكلف لصحته حتى يوجد المعنى فيه خطيباً . وانما الشأن في تحسين ماليس بحسن ، والتصحيح ماليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتحييل ، ونوع من العلل والمعاريض والمعاذير ، ليخفي موضع الاشارة ، ويغمض موقع التقصير . وما اكثر مايحتاج الكتاب الى هذا الجنس عند اعتذاره من هزيمة ، وحاجته الى تغيير رسم ، او رفع منزلة دنيء له فيه هوى ، او حط منزلة شريف استحق ذلك منه ، الى غير ذلك من عوارض اموره . ************************************************************** (9) د . محمد نبيه حجاب : بلاغة الكتاب في العصر العباسي : ص135 . (10) ابو هلال العسكري : الصناعتين : ص59 .
فاعلى درجات للبلاغة ان يحتج للمذموم حتى نخرجه في معرض المحمود ، وللمحمود حتى يصيره في صورة المذموم )(11) .
ويروي الجاحظ في كتابه ( البيان والتبيين )(12) وما يأتي عمن قال : ( لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط . سئل : ماالبلاغة ؟ قال : البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة ، فمنها ما يكون في السكوت ، ومنها ما يكون في الاستماع ، ومنها ما يكون في الاشارة ، ومنها ما يكون في الاحتجاج ، ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداء ، ومنها ما يكون شعراً ، ومنها ما يكون سجعاً وخطباً ، ومنها ما يكون رسائل . فعامة ما يكون من هذه الابواب الوحي فيها ، والاشارة الى المعنى . والايجاز هو البلاغة . فاما الخطب بين السماطين ، وفي اصلاح ذات البين ، فالاكثار في غير خطل ، والاطالة في غير املال ، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك ، كما ان خير ابيات الشعر البيت الذي اذا سمعت صدره عرفت قافيته ) . وهكذا جمع ابن المقفع في هذا النص معاني البلاغة - فناً - تجري فيه وجوه كثيرة - على حد قوله - منها ما هو من ( آداب المحادثة ) كالسكوت والاستماع ، ومنها ماهو من ( فنون الادب) كالشعر والخطب والرسائل . كما اشار الى عدد من الاساليب هي من فنون البلاغة ، كما استقرت بعدئذ ، اشار الى بعضها بالاسم المعروفه به ، والى بعض آخر مما عرفت اسماؤها بعدئذ . فقد اشار الى ( السجع ) و ( الايجاز ) و ( الاطناب ) و ( حسن الابتداء ) او ( براعة الاستهلال ) والى ( رد العجز الى الصدر ) او ( التصدير ) اضافة الى ( مطابقة الكلام لمقتضي الحال ) الذي هو ( جوهر البلاغة ) . ************************************************************** (11) المكان نفسه . (12) 1 / 115 .
الخليـل بـن احمـد ( ت 175 هـ )
للخليل بن احمد ملاحظات بلاغية ملحوظة اودعها سيبويه ( كذلك الذي قال ان اصوله ومسائله من صنع الخليل نفسه )(13) . وقد كان الخليل مشهور بأنه صاحب عقل نادر ، وذكاء لماح ، حتى ان الصولي ( ت 335 هـ ) قال عنه : ( ان الخليل بن احمد اذكى العرب والعجم في وقته بأجماع اكثر الناس ، فنفذ طبعه كل شيء تعاطاه )(14) . وآراء الخليل البلاغية تستحق التسجيل والتنويه ، فهو ليس صاحب عروض ولغة ونحو وحسب ، وانما جمع الى ذلك بعض الملاحظات البلاغية التي احرز بها قصب السبق ، ونقلها سيبويه كما هي ، ولم يرد منها شيئاً تقريباً . وليس ( كتاب ) سيبوية هو المصدر الوحيد الذي ننقل عنه - والكلام للدكتور عبد القادر حسين(**) - آراء الخليل البلاغية فهي موزعة في بعض الكتب الاخرى . فأذا جمعت اصبحت زاداً في علم البلاغة ، واصبح له اثر حميد بما تركه من آراء تتصل بعلوم المعاني والبيان والبديع ، بل بتعريف البلاغة نفسها . فالخليل له اكثر من تعريف للبلاغة . ففي احد تعريفاته قال : ( كل ماادى الى قضاء الحاجة فهو بلاغة . فأن استطعت ان يكون لفظك لمعناك طبقاً ، ولتلك الحال وفقاً ، آخر كلامك مشابهاً ، وموارده لمصادره موازناً ، فافعل )(15) . وهو تعريف فضفاض يدخل فيه ماليس من البلاغة فالانسان يمكنه ان يستعمل الاشارة لقضاء حاجته . وليس الاشارة من البلاغة . وهو تعريف ضيق من ************************************************************** (13) ابن النديم : الفهرست : ص76 . (14) اخبار ابي تمام : ص26 . (**) اعتمدنا في كتابة هذا الحديث عن الخليل على ما كتبه الدكتور عبد القادر حسين في كتابه القيم ( اثر النحاة في البحث البلاغي ) ، ص 54 ، 55 ، 64 ، 65 . (15) ابن المدبر : الرسالة العذراء : ص48 .
جهة اخرى ، فهو يطلب في الكلام البليغ مساواة اللفظ للمعنى ، وكأن الايجاز الذي طبع عليه العرب ليس من البلاغة ايضاً . اما مشابهة آخر الكلام لأوله ، وموافقة مورده لمصدره ، واتصال اجزاء الكلام بعضها ببعض فهو شيء يعتد به في البلاغة ، ونعتبره من صميمها . وربما كان كلامه السابق لم يقصد به تعريف البلاغة بقدر ما قصد به وصف الكلام البليغ ، لأنه في موضع آخر ينوه بالاطناب والايجاز ، يوبين السبب في لجوء العرب اليهما ، حين سئل عمرو بن العلاء عن الاطناب والايجاز ، فقال على لسان الخليل ( يطول اللكلام ويكثر ليفهم ، ويوجز ويختصر ليحفظ )(16) اي على حسب مقتضيات احوالهم ، فأذا ارادوا الافهام لجأوا الى الاطناب ، واذا قصدوا الرواية عنهم فضلوا الايجاز . ولكل مقام مقال .
وربما كان تعريفه للبلاغة بأنها ( كلمة تكشف عن البقية )(17) تعطينا مفتاح البلاغة عنده ، فهي ايماء للمعنى والقصد اليه بأخصر لفظ واقصر سبيل . وهذا التعريف لا يختلف عن قول خلف الاحمر بان ( البلاغة لمحة دالة ) . وللخليل تعريف ثالث للبلاغة ينقله عنه ابن رشيق والسبكي بأنها ( ماقرب طرفاه وبعد منتهاه )(18) اي اختصار الالفاظ ، وازدحام المعاني . وطبيعي ان الخليل لم يقصد بأقواله الثلاثة ان يضع تعريفاً علمياً للبلاغة ، وانما يحكي انطباعاً نفسياً لما يستحسن من الكلام . ونستطيع ان نلمس من وراء اقواله المختلفة في البلاغة ، كما يراها : ايجاز مع تماسك وشدة اتصال بين اجزاء الكلام . وقد تحدث الخليل عن خفة الالفاظ وسهولتها ، وعن ثقلها وشناعتها ، وما يطرأ على حروف الكلمة من تنافر بسبب قرب بعضها من بعض او بعده ، وقد اخذه عن الرماني ، كما تحدث عن الحذف سواء كان في الفصل او في الشرط ، اذا علم المخاطب المراد - وهو ما نسميه القرينة - كما في الحذف للايجاز والخفة . ************************************************************** (16) ابن رشيق : العمدة 1 / 186 . (17) ابن رشيق نفسه : 1 / 242 ، والسبكي : وعروس الافراح : 1 / 126 . (18) العمدة : 1 / 245 ، وعروس الافراح : المكان نفسه .
وتناول زيادة الحروف وما ترسبه في نفس السامع من تأكيد والتعريف وانه لابد منه في الندبة ، لأن الامر امر تفجع وتألم فلا يكون الا لمعلوم ، والتقديم والتأخير ـ وان لم يبين بلاغته ـ والفرق بين ( إن ) و ( إذا ) ، والتعبير بالماضي بدلاً من المضارع لتحقيق وقوع الفعل ، والسر البلاغي في وضع المثنى موضع الجمع ، كما تناول التشبيه وادواته ، ونقل عنه ابن المعتز شيئاً عن الجناس والطباق .
سيبويـه
( ت 180 هـ ) وبذلك بمكن القول بأن الخليل قد ادلى بدلوه في البلاغة ، واسهم فيها بنصيب وافر ، وان لم يذكر الباحثون عنه الا النادر القليل في هذا المجال .
قلنا عند الحديث عن الدرس البلاغي عند الخليل ان كثيراً من آراء الخليل تضمنها ( كتاب ) سيبويه . ونقرأ في كتاب ( طبقات النحويين واللغويين ) للزبيدي قول نصر بن على الجهضمي : ( لما اراد سيبويه ان يؤلف كتابه قال لأبي : تعال نحي علم الخليل )(19) .
ولم يأخذ سيبويه في كتابه ، عن الخليل فقط بل اخذ عن عدد من شيوخه غير الخليل . ولو اردنا تقدير كتاب سيبويه من حيث الاصالة ، او اتباعه لغيره من السابقين ، لرأينا انه ملأ بالنقول من شيوخه : الخليل بن احمد في كثرة ظاهرة بلغت مراتها اثنتين وعشرين وخمسمائة ، ثم يونس بن حبيب ، وجملة المروي عنه مائتان ، ثم ابي الخطاب الاخفش ، وابي عمرو بن العلاء في جملة بين الاربعين والخمسين . ومن هؤلاء عيسى بن عمر في مرات تتجاوز العشرين ، وابي زيد الانصاري ، وهارون بن موسى ، وعبد الله بن ابي اسحاق في قلة نادرة في كتابه الكبير(20) وذلك غير ما نقل ************************************************************** (19) ص : 78 ، و د . عبد السلام عبد الحفيظ : مناهج البحث البلاغي : ص 54 . (20) عن احصائية للدكتور عبد الفتاح الشلبي ، نقلاً عن كتاب : مناهج البحث البلاغي : المكان نفسه .
عن ابي جعفر الرؤاسي الكوفي(21) .
وقد تضمن ( الكتاب ) عرضاً لعديد من صور البلاغة ، وضرب لها امثلة مختلفة ، وفسرها تفسيراً بلاغياً ، بل احياناً يتناولها بعين الطريقة التي سلكها علماء البلاغة من بعده في مباحثهم ، غاية الامر انه لم يذكر لها اسماء اصطلاحية ، وذكر المصطلحات في عصر سيبوية لم يكن ذا شأن خطير ، فالعلوم والفنون في القرن الثاني لم تكن قد تحددت بعد او دخلت في دور التنسيق والتصنيف والتقسيم ووضع المصطلحات هنا وهناك عنواناً على كل قسم ، وتمييزاً له من سائر الاقسام ، وانما كانت العلوم والفنون وقتئذ متداخلة ، يصب بعضها في بعض ويثري بعضها بعضاً . فاللغة والنحو والبلاغة كلها كانت بمثابة روافد متعددة تصب في مجرى واحد هو اثراء اللغة والمحافظة على سلامتها وابراز جمالها . وسيبوية في كتابه لم يكن متناولاً لفن واحد من هذه الفنون ، بل كان متناولاً لها جميعاً ، ومنظماً لها في عقد واحد ، فلم يطف بخاطره ، او باذهان المعاصرين له ان يفصلوا بين هذا العلم او ذاك ، او يضعوا مصطلحاً لهذه الفنون او تلك ، ولذلك فأن سيبويه في ادراكه لتداخل العلوم قد اهتدى الى ربط النحو بالمعاني . وقد اسهم سيبويه اسهاماً واضحاً في نشوء علم البلاغة بما تعرض له من موضوعات . فقد تعرض للحذف والزيادة ، والذكر والاضمار ، والتقديم والتأخير ، والاستفهام ، والقصر ، والفصل والوصل ، والتعريف والتنكير ، ومقتضى الحال ، والقلب ، ولصور من خروج الكلام عن مقتضى الظاهر ، كما تعرض للتشبيه والمجاز بأنواعه ، اضافة الى ذكر لتأكيد المدح بما يشابه الذم ، والتجريد(22) . ************************************************************** (21) المكان نفسه . (22) د . عبد القادر حسين : اثر النحاة في البحث البلاغي : ص 127 ـ 129 .
خلـف الأحمـر ( ت 180 هـ )
وقد عرف خلف الاحمر البلاغة بأنها ( لمحة دالة )(23) وهذا التعريف وان لم يكن جامعاً مانعاً ، كما يقولون ، فأنه يصور جانباً من البلاغة . وهو اصابة الغرض بأيجاز موحٍ . كما تعرض الى بعض مايتعلق بالفصاحة ، وبالتكرير - العيب - فحين يتحدث الجاحظ عن التنافر بين الالفاظ في بيت شعر او نحوه ، يستنشد بيت انشده خلف ، وهو :
ويشرح الجاحظ معنى هذا البيت فيقول : ( اذا كان الشعر مستكرهاً ، وكانت الفاظ البيت من الشعر لايقع بعضها مماثلاً لبعض ، كان بينها من التنافر مابين اولاد العلات . واذا كانت الكلمة ليس موقعها الى جنب اختها مرضياً موافقاًَ ، كان على اللسان عند انشاد ذلك الشعر مؤونة )(24) . وقد علق خلف على بيتين لرجل جاءه ليأخذ رأيه فيهما باسلوب ساخر ناعياً عليه ـ على ما يبدو ـ تكريره كلمة ( النوى ) فيهما ، دون مبرر . و ( من عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة في كلام قصير )(25) . والبيتان هما :
************************************************************** (23) ابن رشيق القيرواني : العمدة : 1 / 242 . (**) اولاد علة : بنو رجل واحد من امهات شتى . (24) البيان والتبيين : 1 / 66 ، 67 . (25) ابو هلال العسكري : الصناعتين : ص 158 .
على اني ما ضننت بك هذا كله )(26) . ابـو عبيـدة ( ت 208 هـ )
لأبي عبيدة كتاب مهم هو ( مجاز القرآن ) . ويروى ان ابا عبيدة قال في سبب تأليفه هذا الكتاب ما يأتي : ( ارسل الي الفضل بن الربيع الى البصرة في الخروج اليه ، فقدمت اليه ، فلما استأذنت عليه ، اذن لي ، وهو في مجلس له طويل عريض ، فيه بساط واحد قد ملأه ، وفي صدره فرش عالية لايرتقي اليها الا على كرسي ، وهو جالس عليها ، فسلمت عليه بالوزارة ، فرد وضحك ، واستدناني حتى جلست اليه على فرشه ، ثم سألني والطفني وباسطني وقال : انشدني ، فأنشدته ، فطرب وضحك ، وزاد نشاطه ، ثم دخل رجل في زي الكتاب ، له هيئة ، فأجلسه الى جانب وقال له : اتعرف هذا ؟ قال : لا ، قال : هذا ابو عبيدة ، علامة اهل البصرة ، أقدمناه لنستفيد من علمه ، فدعا له الرجل وقرظه لفعله هذا ، وقال لي : اني كنت اليك مشتاقاً ، وقد سألت عن مسألة ، أفتأذن ان اعرفك اياها ، فقلت : هات ، قال : قال الله عز وتعالى : ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين )(27) ، وانما يقع الموعد والايعاد بما عرف مثله ، وهذا لم يعرف . فقلت : انما كلم الله العرب على قدر كلامهم . اما سمعت قول امرأ القيس :
************************************************************** (26) المرزباني : الموشح : ص 557 . وانظر : بحثنا ( خلف الاحمر ناقداً ) المنشور في مجلة ( آفاق عربية ) ، العدد 4 سنة 1981 . (27) الصافات : 65 .
اسميته ( المجاز ) . وسألت عن الرجل ، فقيل لي : هو من كتاب الوزير وجلسائه ، وهو ابراهيم بن اسماعيل الكاتب )(28) .
وقد سقنا مارواه ابو عبيدة كله لنبين ، بالاضافة الى بيان مكانة ابي عبيدة العلمية ، ما التفت اليه الدكتور محمد رجب البيومي حول ذلك . قال الدكتور البيومي : ( وقد راجت هذه القصة عن سبب تأليف ( المجاز ) لأنها معقولة ، لا يلوح في سردها الظاهر مكان لنقد ، تتداولها اكثر من تحدثوا عن ( مجاز القرآن ) ، ولكني اقف منها موقفاً آخر ، اذ رجعت الى كتاب ( المجاز ) فرأيت ان الآية المتحدث عنها ، ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) لم يتعرض ابو عبيدة لتفسيره في سورة ( الصافات ) . وبعيد جداً ان يتفرغ الكاتب لتأليف كتاب من جزءين بسبب آية من آيات القرآن ثم لا يتعرض اليها بالذكر ، وكان باعثه الاول ، ودافعه الحاث على التأليف . وقد نشر ( المجاز ) عن نسخ متعددة ليس بها اشارة واحدة الى الاية الكريمة حتى يظن احد ان الخرم قد لحق بعض الكتاب ، بل ان سورة ( الصافات ) قد اطردت على نحو ما استن المؤلف ، دون ان يلحظ الناشر في صفحاتها موضعاً لنقص ! هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى فأن ابا عبيدة في مقدمة الكتاب لم يشر الى الحادثة اطلاقاً ، ولو اتفق منه شيء لسجله في السطور الاولى من كتابه تبياناً لدافعه وتحديداً خطته . وقد قصدنا في توهين هذه القصة شيئاً هاماً هو التعفية على ما قد تشير اليه من منهج ( المجاز ) اذ تدل على سياقها العام على ان ابا عبيدة قد خط كتابه ليتحدث عن المجاز مريداً به الصور البيانية ، كما جاء في الآية الكريمة : ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) . وما هكذا كان حديث الرجل ، لأنه عني بمجاز الكلمة : مدلولها الذي تشير اليه ، حقيقة او غير حقيقة ، اذ اراد بالكلمة معناها الاوسع ، وهو الممر والطريق )(29) . ونحن نتفق مع ماذهب اليه الدكتور البيومي . والنص الآتي يبين نظرة ابي عبيدة الى مجاز القرآن . قال : ( ففي القرآن ما ************************************************************** (28) أبن الانباري : نزهة الالباء : ص 86 ، 87 . (29) خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم : ص 44 ، 45 .
الكلام العربي من الغريب ، ومن المحتمل من مجاز ما اختصر ، ومجاز ما حذف ومجاز ما كف عن خبره ، ومجاز ما جاء لفظه لفظ الواحد ووقع على الجميع ، ومجاز ما جاء لفظه لفظ ووقع معناه على اثنين ، ومجاز ماجاء لفظه خبر الجميع على لفظ خبر الواحد ، ومجاز ما جاء الجميع في موضع الواحد اذا اشرك بينه وبين اخر مفرد ، ومجاز ما خبر عن اثنين او عن اكثر من ذلك ، فجعل الخبر للواحد او للجميع وكف عن خبر الاخر ، ومجاز ماخبر عن اثنين او اكثر من ذلك ، فجعل الخبر الاول منهما ، ومجاز ما خبر عن اثنين او اكثر ، فجعل الخبر للاخر منهما ، ومجاز ما جاء من لفظ خبر حيوان والموات على لفظ خبر الناس . ومجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الغائب ومعناه مخاطبة الشاهد ، ومجاز ما جاء مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت مخاطبته هذه الى مخاطبة الغائب ، ومجاز ما يزاد من حروف الزوائد ويقع مجاز الكلام على إلقائهن ، ومجاز المضمر استغناء عن اظهاره ، ومجاز المكرر للتوكيد ، ومجاز المجمل استغناء عن كثرة التكرير ، ومجاز المقدم والمؤخر ، ومجاز ما يحول من خبره الى خبر غيره بعد ان يكون من سببه ، فيجعل خبره للذي من سببه ويترك هو )(30) .
وهكذا نرى ابا عبيدة يشير الى عدد من الفنون البلاغية بمفهومها عند البلاغيين ، وان كان لايذكر اسماءها . وحين نلقي نظرة على الكتاب نراه يشير الى التقديم والتأخير(31) كما اشار الى بعض اقسام الانشاء الطلبي المجازية كالاستفهام والامر(32) ويشير الى الايجاز(33) والى المجاز العقلي(34) والمجـاز المرسـل(35) ************************************************************** (30) مجاز القرآن : 1 / 18 ، 19 . (31) نفسه : 2 / 18 ، 38، 110 ، 154 . (32) نفسه : 1 / 184، 287 و 2 / 181 ، 197 ، 188 . (33) نفسه : 1 / 47 ، 100 ، 111 ، 126 ، 182 و 2 / 226 . (34) نفسه : 1 / 182 ، 279 ، 339 و 2 / 96 ، 268 . (35) نفسه : 1 / 91 ، 186 ، 218 ، 298 ، 304 ، 324 .
والاستعارة(36) والكناية(37) والالتفات(38) وغيرها . الاصمعـي ( ت 216 هـ )
للأصمعي اسهامات عديدة في مجال الدرس البلاغي نجدها متفرقة في الكتب النقدية العربية القديمة ، وفي مثلها المعنية بالشعر والادب . وللأصمعي كتيب نقدي هو ( فحول الشعراء ) ، ذكر فيه بعض آرائه في فحولة عدد من الشعراء . وليس فيه مادة بلاغية تستحق الاهتمام .
وليس فيما أثر مايصور عمله ومنهجه ، ولكن الاشارات العابرة التي ذكرت عنه ترسم صورة لعصره الذي كان يتمخض عن ميلاد علوم لها قواعدها واصولها . ومن تلك الموضوعات اشارته الى مصطلح ( الفصاحة ) من غير ان يعرفه او يشرح معناه . فهو يقول عن القحيف العامري : ( ليس بفصح ولا حجة ) ، وعن عبد بني الحسحاس : ( هو فصيح ) وعن ابي دلامة : ( هو صالح الفصاحة )(39) . كما اشار الى ماورد في الشعر من الغريب ، كما في شعر ابن احمر الباهلي ************************************************************** (36) نفسه : 1 / 67 ، 90 ، 96 و 2 / 33 . (37) اذا كان ابو عبيدة يدخل في الكناية ماليس منها عند البلاغيين كما يذهب الى ذلك الدكتور بدوي طبانة ( البيان العربي ، ط 3 ، ص 32 ) في بعض المواضع فهو في مواضع اخرى ينظر اليها كما هي عند البلاغيين . من ذلك اقواله عن اقواله تعالى الآتية : ( ابن السبيل ) : الغريب : 1 / 126 ( او جاء احد منكم من الغائط ) : كناية عن اظهار لفظ قضاء الحاجة من البطن . ( او لمستم النساء ) : كناية عن الغشيان : 1 / 155 . ( فأصبح يقلب كفيه على ما انفق ) : اي : اصبح نادماً : 1 / 404 . وغيرها . (38) مجاز القرآن : 1 / 11 ، 19 ، 23 ، 28 . (39) فحولة الشعراء : ص 31 ، و د . احمد مطلوب : مناهج بلاغية : ص 86 .
مثل ( كأس رنوناة ) في قوله :
ومن حديثه عن البلاغة تعريفه البليغ بقوله : ( البليغ من طبق المفصل ، واغناك عن المفسر )(41) .
ورأى الجاحظ كأن قول جعفر بن يحيى في تعريف ( البيان ) ، الاتي ، هو تفصيل لقول الاصمعي هذا . فقد اجاب جعفر حين سئل ( ماالبيان ؟ ) بقوله : ( ان يكون الاسم يحيط بمعناك ، ويجلي عن مغزاك ، وتخرجه عن الشركة ، ولا تستعين عليه بالفكرة ، والذي لابد له منه ، ان يكون سليماً من التكلف ، بعيداً عن الصنعة ، بريئاً عن التعقد ، غنياً عن التأويل )(42) . وللاصمعي قول في ( اشعر الناس ) . فقد سئل عن ذلك فقال : ( هو الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كبيراً ، ويأتي الى المعنـى الكبيـر ويجعلعـه خسيسـاً )(43) . والذي نراه ان المقصود بـ ( اشعر الناس ) ، هو ابلغ الناس شعراً ، وبذلك يكون البليغ - الشاعر - هو الذي يستطيع بما لديه من براعة ، ان يتصرف في القول ، يرفع فيه المعاني ويضع منها ، كما يتصف هذا البليغ بالقدرة على الاتيان في شعره بما عرف بـ ( الايغال ) . فقد وصف ( اشعر الناس ) ، بعد تلك الصفة فقال : ( او ينقضي كلامه قبل القافية ، فأذا احتاج اليها افاد بها معنى . قال [ السائل ] : قلت : نحو من ؟ قال [ الاصمعي ] : نحو قول الاعشى اذ يقول :
************************************************************** (40) ابن جني : الخصائص : 2 / 22 ، وسنية احمد محمد : النقد عند اللغويين في القرن الثاني : 236 . (41) البيان والتبيين : 1 / 106 . (42) المكان نفسه . (43) قدامة بن جعفر : نقد الشعر : ص 194 ، 195 وابن رشيق : العمدة : 2 / 57 .
فقد تم المثل بقوله : ( واوهى قرنه ) ، فلما احتاج الى القافية قال : ( الوعل ) . قال : قلت : وكيف صار الوعل مفضلاً على كل ما ينطح ؟ قال : لأنه ينحط من قنة الجبل على قرنه فلا يضيره . قال : قلت : ثم نحو من ؟ قال : نحو ذي الرمة بقوله :
وقد اورد ابن رشيق القيرواني في باب ( الايغال ) من كتابه ( العمدة )(44) النص الآتي : ( وأشتقاق ( الايغال ) من الابعاد . يقال : اوغل في الارض ، اذا بعد ، فيما حكاه ابن دريد . وقال : وكل داخل في شيء دخول مستعجل فقد اوغل فيه . وقال الاصمعي في شرح قول ذي الرمة :
وهكذا يكون الاصمعي قد سبق الى معرفة هذا الفن ـ اي الايغال ـ ولم يسمه(45) . وقد اشار الى ( البديع ) ، وفضل به ، مع ما فضل به ، بشاراً على مروان ابن ابي حفصة اذ قال ( وهو اكثر فنون الشعر ، واقوى على التصرف واغزر واكثر ************************************************************** (44) 2 / 60 . (45) د . احمد مطلوب : معجم المصطلحات البلاغية وتطورها : مادة ( الايغال ) .
بديعاً(46) . وقد تحدث الاصمعي او اشار الى عدد من الفنون البلاغية . فقد اورد ابو علي الحاتمي في كتابه ( حيلة المحاضرة )(47) صورة مجلس في بلاط الرشيد ، حضره الاصمعي ، دار الحوار فيه حول احسن التشبيهات في الشعر العربي ، تمثل نظرة الاصمعي الى ( التشبيه ) . وقد تعرض لها الدكتور احسان عباس في كتابه ( تاريخ النقد الادبي عند العرب )(48) ولكنه يبدو متشككاً في واقعية هذا المجلس لأنه يقول في حديثه عنه : ( ولو فرضنا ان هذا المجلس من نسيج الخيال ، لما استطعنا ان ننكر ان ذكر الاصمعي فيه انما كان مبيناً على شهرته في هذه الناحية ايضاً ) . ولا ادري سبب تشكك الدكتور عباس في ذلك . اذ انه مروي عن الاصمعي نفسه ، وقد ذكر الحاتمي اسناده ، ثم ليس كثيراً على الاصمعي رواية ما رواه عن هذا المجلس ، دون ان نشترط ان تكون الرواية نصاً . اما شهرة الاصمعي في مجال التشبيه فذلك حق لأنه ( اكثر نقاد القرن الثاني عناية بالتشبيهات )(49) . وقد رأى الاصمعي في هذا الحوار ان احسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس في قوله :
************************************************************** (46) المرزباني : الموشح : ص 392 . (47) 66 - 77 . (48) ص 55 . (49) سنية احمد محمد : النقد عند اللغويين في القرن الثاني : ص 380 .
فقد استحسن احد اللذين حضروا المجلس تشبيهات النابغة الاتية :
************************************************************** (50) الحاتمي : حيلة المحاضرة : ص 67 .
وهو بالاضافة الى ذلك يطلب لحسن التشبيه ان يكون من النوع الذي ( يفترعه قائله ، فلم يتعرض له ، او تعرض له شاعر بعده فوق دونه )(52) . وضرب امثلة لذلك . لاحظنا قبل اشارة الاصمعي الى ( الاستعارة ) و ( حسن التقسيم ) و ( المقابلة ) من الفنون البلاغية . وهناك فنون اخرى كان للاصمعي عندها وقفات . والان لنقرأ الخبر الآتي الذي اورده ابو علي الحاتمي : قيل ( لأبي الحسن علي بن سليمان الاخفش ، وكان اعلم من شاهدته بالشعر : اجد قوماً يخالفون في ( الطباق ) ، فطائفة تزعم ، وهي الاكثر : بأنه ذكر الشيء وضده بهما ، لا المعنى . وطائفة تخالف ذلك فتقول : هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد ، كقول زياد الاعجم :
************************************************************** (51) نفسه : ص 68 ، 69 . (52) نفسه : ص 79 ، 80 . (*) الهوجل : المقازة البعيدة التي ليس فيها اعلام . الهوجل ( الثانية ) : البطيء الثقيل . العيرانة : الناقة الصلبة . العنتريس : الناقة الغليظة الوثيقة . (53) حلية المحاضرة : ( تحقيق : الكناني ) : 1 / 142 .
يؤكد مكانة الاصمعي ـ والخليل ـ في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه ، يشير الى عناية الاصمعي بالتجنيس . وابن المعتز في حديثه عن التجنيس ، يذكر ان للأصمعي كتاباً اسمه ( الاجناس )(54) .
وقد تنبه الاصمعي ( للمطابقة ) . قال ابن رشيق : ( ذكر الاصمع المطابقة في الشعر فقال : اصلها : وضع اليد على اليد في مشي ذوات الاربع . وانشد لنابغة بني جعدة :
ويظهر انه اول من افاظ في الحديث عن المطابقة بمعناها الاصطلاحي ، كما ذكر معناها اللغوي ، وربما كان اول من اقترح اسمها(56) .
وقد تنبه الى ( الالتفات ) . قال الدكتور شوقي ضيف : ولعلنا لا نبالغ اذا قلنا : ان الاصمعي اول من اقترح للالتفات اسمه الاصطلاحي في البلاغة . وقد جعله ابن المعتز نوعين : نوع ينصرف فيه المتكلم عن المخاطبة الى الاخبار ، وعن الاخبار الى المخاطبة ، وما يشبه ذلك . وهذا الذي يصدق على الالتفات في الآية الكريمة : ( حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) . ونوع ثان ينصرف فيه المتكلم عن معنى يكون فيه الى معنى آخر . او بعبارة ادق : بعد ان يفرغ من المعنى وتظن انه سيجاوزه يلتفت اليه ، فيذكره بغير ما تقدم ذكره . وقد تنبه الاصمعي الى هذا النوع الثاني واعطاه اسمه الاصطلاحي لأول مرة فيما نعلم . اذ روي انه سأل ابا العيناء عن الالتفات . ولنترك ابا العيناء يحدثنا عن ذلك . ( قال : قال الاصمعي : اتعرف التفاتات جرير ؟ قلت : لا . فما هي ؟ قال : ************************************************************** (54) البديع : ( ظمن كتاب ابن المعتز : للدكتور خفاجي ) : ص 644 . (55) العمدة : 2 / 6 . (56) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 30 .
فالتفت الى الحمام ، فدعا له ... )(57) . وانشد ابن المعتز في حديثه عن الالتفات البيتين جميعاً ، وكأنه اخذ عن الاصمعي الاسم الاصطلاحي ،الاانه اضاف اليه النوع الاول، وجعله اوسع دلالة(58) . واخيراً نقول : ان الاصمعي اشار الى( التكرير ) ـ المعيب ـ فقد ( انشد إسحق الموصلي الاصمعي قوله في غضب المأمون عليه :
الجاحـظ ( ت 255 هـ ) تحدث الجاحظ كثيراً عن البلاغة وفنونها في كتبه ( البيان والتبيين ) و ( الحيوان ) و ( نظم القرآن ) الذي لم يصل الينا ، حتى عد مؤسس البلاغة العربية . ************************************************************** (**) البشام : شجر . (***) الغلل : الماء ينساب بين الشجر . (57) ابو هلال العسكري : الصناعتين : 407 . (58) د . شوقي ضيف : السابق : ص 30 ، 31 . (59) المرزباني : الموشح : ص 460 .
قال الدكتور طه حسين : ( فالعرب لم يخطاوا حين عدوا الجاحظ مؤسس البيان العربي ، وليس ذلك لأنه وصل بجهده الخاص الى قاعدة بيانيه بعينها ، فشخصيته القوية تكاد تكون معدومة في كتابه ( البيان والتبيين ) ولكن لأنه جمع في هذا الكتاب طائفة من النصوص لنا توضح توضيحاً حسناً كيف كان العرب يتصورون البيان في القرن الثاني والنصف الاول من القرن الثالث ، تعطينا صوررة مجملة لنشأة البيان العربي ، ان لم تسمح لنا بتاريخ هذه النشأة )(60) .
وقال الدكتور شوقي ضيف : ( لعلنا لا نبالغ اذا قلنا ان الجاحظ يعد - غير منازع - مؤسس البلاغة العربية ، فقد افرد لها ، لأول مرة ، كتابه ( البيان والتبيين ) ونثر فيه كثيراً من ملاحظاته وملاحظات معاصريه ، وتعمق وراء عصره ، فحكى آراء العرب السابقين ، والتمس آراء بعض الاجانب ، او قل سجلها ، وقد مضى ينثر في كتابه ( الحيوان ) تحليلات لبعض الصور البيانية في الذكر الحكيم . وليس من شك ان كتابه المفقود الذي صنفه في ( نظم القرآن ) كان يشتمل على كثير من ملاحظاته البلاغية . وهو حقاً لم يكن يعنى بوضع ملاحظاته في شكل قوانين محددة بالتعريفات الدقيقة ،ولكنه صورها في امثلة متعددة بحيث تمثلها من خلفوه تمثلاً واضحاً)(61) . ومما وقف عنده في المقصود بـ ( البلاغة ) ماحدثه به صديق له سأل العتابي : ما البلاغة ؟ فقال العتابي : ( كل من افهمك حاجتك من غير اعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ )(62) . ************************************************************** (60) البيان العربي من الجاحظ الى عبد القاهر : ص 3 . (61) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 57 ، 58 . (62) البيان والتبيين : 1 / 113 .
وقد ناقش الجاحظ هذا القول وخلص الى القول في قصد العتابي : ( وانما عنى العتابي إفهامك العرب حاجنك على مجاري كلام العرب الفصحاء )(63).
وقال في موضع آخر : ( وقال بعضهم - وهو احسن ما اجتبيناه - لايكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه ، فلا يكون لفظه الى سمعك اسبق من معناه الى قلبك )(64). كما قال عن تعريف ابن المقفع للبلاغة ، الذي مر بنا في حذيثنا عن ابن المقفع : ان احد الشعراء قال عنه : ( لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع قط )(65) . وهو حين يصف الكلام البليغ ويتحدث عن اثره في المتلقي انطلاقاً من نظرته الى ثنائية اللفظ والمعنى يقول : ( فإذا كان المعنى شريفاً ، واللفظ بليغاً ، وكان صحيح الطبع بعيداً عن الاستكراه ، ومنزهاً عن الاختلال ، مصوناً من التكلف ، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة )(66) . وهو يعرض لما عرف عند البلاغيين بـ ( مطابقة الكلام لمقتضى الحال ) فيقول : ( وينبغي للمتكلم ان يعرف اقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين ، وبين اقدار الحالات ، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً ، ولكل حالة من ذلك مقاماً ، حتى يقسم اقدار الكلام على اقدار المعاني ، ويقسم المعاني على اقدار المقامات والمستمعين ، على اقدار تلك الحالات )(67) . وقد تحدث الجاحظ عن البلاغة والبيان والبديع ، وهو مصطلحات استقرت واخذت دلالتها بعد عهده ، لذا حين ننظر في الفروق بينها عنده لا نكاد نجدها ، وكأنه يريد بها وبالفصاحة حسن التعبير ووضوحه وبيانه ، ولذلك لايجد ************************************************************** (63) نفسه : 1 / 162 . (64) نفسه : 1 / 115 . (65) المكان نفسه . (66) البيان والتبيين : 1 / 83 . (67) نفسه : 2 / 138 .
الباحث في بلاغته فاصلاً بين علومها الثلاثة لأن هذا الفصل لم يكن معروفاً في عهده ايضاً ، وبذلك تكون البلاغة عند الجاحظ ( فن القول ) أو الاسلوب الذي يعبر به الاديب . وينطوي ذلك تحت مصطلحات ( البلاغة ) و ( الفصاحة ) و ( البيان ) و ( البديع ) التي تتفرع الى موضوعات عالج الجاحظ الكثير منها(68) .
قلنا ان الجاحظ وقف عند عدد من الفنون البلاغية . وكان في حديثه يذكر المصطلح الذي عرف به الفن ، او لا يذكره ، ماضياً في ذلك دون تحديد او تعريف للفن ، لأنه ليس بصدد وضع القوانين ، وإنما ليلفت النظر الى ما يقف عنده . وقد وقف عند : الخبر ، والايجاز ، والحذف ، والاطناب ، والتكرار ، والمساواة ، والوصل ، والتشبيه ، والمجاز ، والاستعارة ، والمثل ، والكناية ، والتعريض ، والاشارة ، والاحتراس ، والتورية ، واللغز ، والافراط في الصفة ، والسجع ، والمزدوج ، والمقابلة ، وحسن التقسيم ، والارصاد ، والهزل الذي يراد به الجد ، والاقتباس ، وحسن الابتداء والانتهاء ، وغيرها(69) . ونود ان نقف قليلاً عند ما عرف بـ ( المذهب الكلامي ) . قال ابن المعتز في كتابه ( البديع ) : ( وهو مذهب سماه عمرو الجاحظ المذهب الكلامي )(70) ولم يعرفه ابن المعتز . وقال عنه ابن معصوم المدني : ( هذا النوع اول من ذكره الجاحظ . وهو عبارة ان يأتي البليغ بحجة على ما يدعيه على طريقة المتكلمين ، وهي ان تكون بعد تسليم المقدمات مستلزمة للمدعي )(71) . ************************************************************** (68) د . احمد مطلوب : البلاغة عند الجاحظ : ص 74 . (69) انظر كتابي : البلاغة عند الجاحظ للدكتور احمد مطلوب : ص 74 وما بعدها ، ومفاهيم الجمالية والنقد في ادب الجاحظ للدكتور ميشال عاصي : في امكنة متعددة . (70) ( ضمن كتاب : ابن المعتز للدكتور خفاجي ) : ص 684 . (71) انور الربيع 4 / 356 .
الا ان مؤلف كتاب ( الاثر الاغريقي في البلاغة العربية )(*) يقول عند حديثه عن ( المذهب الكلامي ) مايأتي : ( ومما يجدر ذكره في هذا المقام ايضاً هو اننا لم نعثر فيما كتبه الجاحظ ، على اطلاقه ، هذا اللقب ـ المذهب الكلامي ـ على هذا اللون من الكلام ، كما نسب ذلك ابن المعتز اليه . والذي يبدو لي انه ـ اي ابن المعتز ـ قد نسب هذه التسمية للجاحظ تجوزاً ، مستنتجاً اياها من النصوص التي ذكرها الجاحظ منسوبة الى بعض المتكلمين . فكأنه اراد ان يقول ان الجاحظ هو اول من التفت الى هذا اللون من الكلام هو من خصائص كلام المتكلمين واهل المنطق والجدل . ومن المحتمل ان يكون الجاحظ قد ذكر هذا اللقب في بعض كتبه التي ضاعت ولم تصل الينا )(72) .
************************************************************** (*) الدكتور مجيد عبد الحميد ناجي . (72) ص 278 ، 279 .
المبـرد ( ت 285 هـ )
للمبرد اسهامات في البلاغة العربية تبدو في رسالته عن ( البلاغة ) وفي كتابه ( الكامل ) . وتبدو اسهاماته واضحة في كتابه الاخير .
اما رسالته ( البلاغة ) فهي رسالة صغيرة تبلغ صفحاتها محققة تسع صفحات . وقد رد فيها على رسالة ارسلها اليه احمد بن الواثق يسأله فيها عن ( اي البلاغتين ابلغ ، ابلاغة الشعر ام ابلاغة الخطب والكلام المنثور والسجع ؟ ) . ويبدو رأي المبرد في البلاغة في جوابه الذي قال فيه : ان حق البلاغة احاطة القول بالمعنى ، واختيار الكلام ، وحسن النظم ، حتى تكون الكلمة مقاربة اختها ، ومعاضدة شكلها ، وان يقرب بها البعيد ، ويحذف منها الفصول . فان استوى هذا في الكلام المنثور ، والكلام المرصوف ، المسمى ( شعراً ) فلم يفضل احد القسمين صاحبه ، فصاحب الكلام المرصوف احمد ، لأنه اتى بمثل صاحبه ، وزاد وزناً وقافية . والوزن يحمل على الضرورة ، والقافية تضطر الى الحيلة . وبقيت بينهما واحدة ، ليست مما توجد عند استماع الكلام منهما ، ولكن يرجع اليهما عند قولها ، فينظر ايهما اشد على الكلام اقتداراً ، واكثر تسمحاً ، وأقل معاناة وابطأ معاسرة ، في علم انه المقدم )(73) . اما في كتاب ( الكامل ) فقد تطرق الى عدد من الموضوعات البلاغية ذكر بعضها بالأسم ، واشار الى بعضها دون ذكره . ولعله كان رائداً في حديثه عن بعضها من ذلك تفصيله الحديث عن ( التشبيه ) واشارته الى ما عرف بعدئذ بـ ( اضرب الخبر ) . ومن الموضوعات البلاغية التي تطرق اليها ثم وضعت اسماؤها بعدئذ ، عدا ************************************************************** (73) البلاغة : ص 59 ـ 60 .
هذين ، التعقيدي للفظي(74) ، والتعقيدي المعنوي(75) ، والايجاز(76) ، والمجاز العقلي(77) ، والالتفات(78) ، ومراعاة النظير(79) ولعله اول من تحدث ماعرف باللـف والنشـر(80) .
وقد جاء في حديثه عما عرف بأضرب الخبر ، الخبر الآتي : قال عبد القاهر الجرجاني : ( روي عن ابن الانباري انه قال : ركب الكندي المتفلسف الى ابي العباس(*) وقال له : إني لأجد في كلام العرب حشواً ! فقال له ابو العباس : في اي موضع وجدت ذلك ؟ فقال : اجد العرب يقولون : ( عبد الله قائم ) ثم يقولون : ( ان عبد الله قائم ) ثم يقولون : ( ان عبد الله لقائم ) فالالفاظ متكررة والمعنى واحد !! فقال ابو العباس : بل المعاني مختلفة لأختلاف الالفاظ ! فقولهم : ( عبد الله قائم ) إخبار عن قيامه . وقولهم : ( إن عبد الله قائم ) جواب عن سؤال سائل . وقولهم : ( إن عبد الله لقائم ) جواب عن انكار منكر قيامه . لقد تكررت الالفاظ لتكرر المعاني(81) . وننتقل الان الى الحديث عن التشبيه والكناية لأن المبرد اولاهما عناية . التشبيـه : والمبرد من اوائل من عني بالتشبيه وفصل له تفصيلاً لعله لم يسبق ************************************************************** (74) الكامل : 1 / 28 . (75) البلاغة : 62 . (76) المكان نفسه ، وابن الرشيق : العمدة : 2 / 37 . (77) الكامل : 1 / 135 ، 3 / 410 . (78) نفسه : 2 / 56 ، 3 / 22 . (79) المرزباني : الموشح : ص 306 . (80) د . عبد القادر حسين : اثر النحاة في البحث البلاغي : ص 217 . (*) ابو العباس كنية ثعلب والمبرد ، وكانا متعاصرين ، ولم ينص عبد القاهر على احد منهما ، ولكن ابن الزملكاني قال في كتابه ( البرهان الكاشف عن اعجاز القرآن ) : ( فقال ابو العباس المبرد : بل المعاني متكثرة ) فدل على ان المقصود هو المبرد . انظر : د . احمد مطلوب : مناهج بلاغية : ص 91 . (81) دلائل الاعجاز : ص 206 .
اليه(82) لأنه يعده باباً طريفاً(83) من جهة ، ولأنه ( جار كثيراً في كلام العرب ، حتى لو قال قائل : هو اكثر كلامهم لم يبعد )(84) .
وقد افرد له في كتابه ( الكامل ) باباً بدأه بقوله : ( وهذا باب طريف )(85) عرض فيه نماذج شعرية للتشبيه شرح مفردات بعضها ، وشرح المعنى العام لبعض آخر ، وربما جمع الاثنين . وقد بدأ بنماذج من شعر القدماء ، تلا ذلك بنماذج من شعر المحدثين ومن القرآن الكريم . ةقد حد التشبيه ، مركزاً على وجه الشبه ، قائلاً : ( واعلم ان للتشبيه حداً ، لأن الاشياء تتشابه من وجوه ، وتتباين من وجوه ، فأنما ينظر الى التشبيه من اين وقع . فاذا شبه الوجه بالشمس والقمر ، فأنما يراد به الضياء والرونق ، ولا يراد به العِظم والاحراق . قال الله عز وجل : ( كأنهن بيض مكنون ) . والعرب تشبه النساء ببيض النعام ، تريد نقاءه )(86) . ثم قال : ( والعرب تشبه المرأة بالشمس والقمر والغصن والكثيب والغزال والبقرة الوحشية والسحابة البيضاء والدرة والبيضة . وانما تقصد من كل شيء الى شيء )(87) . وهو حين يورد تلك النماذج يعلق عليها تعليقات سريعة غير معللة غالباً ، وقد يشابه بعضها بعضاً كقوله : ( ومن اعجب التشبيه قول النابغة ... وقوله ... وقوله ... )(88) وقوله : ( ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة ... وقوله ... )(89) ************************************************************** (82) د . شوقي ضيف : البلاغة تطور وتاريخ : ص 60 . (83) الكامل : 3 / 32 . (84) نفسه : 3 / 93 . (85) نفسه : 3 / 32 . (86) نفسه : 3 / 52 . (87) نفسه : 3 / 54 . (88) نفسه : 3 / 33 . (89) نفسه : 3 / 34 .
وقوله : ( وقد اجاد علقمة بن عبده في ... )(90) وقوله : ( ومن التشبيه المصيب ... )(91) وقوله : ( ومن التشبيه المستحسن قول ... )(92) وقوله : ( ومن التشبيه الحسن قول ... )(93) وقوله : ( ومن التشبيه المتجاوز المفرط قول .. )(94) وقوله : ( ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول ... )(95) وقوله : ( ومن التشبيه البعيد الذي لايقوم بنفسه كقوله ... )(96) الى غير ذلك .
وهو حين رأى تحصر صفات التشبيه رأى ان تحصر في اربع فقال : ( والعرب تشبه على اربعة اضرب : فتشبيه مفرط ، وتشبيه مصيب ، وتشبيه مقارب ، وتشبيه بعيد يحتاج الى تفسير لايقوم بنفسه ، وهو اخشن الكلام )(97) . وقد مثل لهذا الأضرب دون تعريف لها . وهذه طائفة من امثلته لهذه الاضرب : التشبيه المفرط : ( قول الخنساء :
( ومن افراط التشبيه قول ابي خراش الهذلي يصف سرعة ابنه في العدو :
************************************************************** (90) المكان نفسه . (91) الكامل : 3 / 36 . (92) نفسه : 3 / 42 . (93) نفسه : 3 / 46 . (94) المكان نفسه . (95) الكامل : 3 / 47 . (96) نفسه : 3 / 132 . (97) نفسه : 1 / 128 . (98) نفسه : 3 / 46 . (99) نفسه : 3 / 50 .
التشبيه المصيب : قول الشاعر :
وهو يرى ان احسن ما جاء في باب التشبيه ( بأجماع الرواة )(103) قول امرىء القيس :
************************************************************** (100) نفسه : 3 / 37 . (101) نفسه : 3 / 109 و د . عبد القادر حسين : اثر النحاة : ص 215 . (102) الكامل : 3 / 132 . (103) نفسه : 3 / 23 . (104) المكان نفسه .
الكنايـة :
وتحدث المبرد عن الكناية . وقد اهتم الدارسون بما كتب ( نظراً لأنه قسمها الى اقسام ثلاثة . وهذا التقسيم لم يعرف عند احد من السابقين حتى عند ابن قتيبة . وعلى الرغم من ان ابن قتيبة كان واضحاً في تحديد الكناية الاصطلاحية(105) . ضارباً لها من الامثلة التي ترددت فيما بعد حتى ضمنها المتأخرون كتبهم كـ ( فلان طويل النجاد ، كثير الرماد ) ... الا انه لم يقسمها هذا التقسيم الذي نراه عند المبرد ، ونذكر هنا ان المبرد قد انتفع بما ذكره قتيبة في الكناية ، وسار على نهجه(106) . وحين تحدث المبرد عن الكناية قال : ( والكلام يجري على ضروب : فمنه ما يكون في الاصل نفسه ، ومنه ما يكنى عنه بغيره ، ومنه ما يقع مثلاً ، فيكون ابلغ في الوصف . والكناية تقع على ثلاثة اضرب : [ الأول] : التغطية والتعمية ، كقول النابغة الجعدي :
والضرب الثالث من الكناية : التفخيم والتعظيم . ومنه اشتقت ( الكنية ) . وهي ان يعظم الرجل ان يدعى بأسمه . ووقعت في الكلام على ضربين : ************************************************************** (105) تأويل مختلف الحديث : ص 163 . (106) د . عبد القادر حسين : اثر النحاة : ص 208 .
وقعت في الصبي على جهة التفاؤل بأن يكون له ولد ، ويدعى لولده كناية عن اسمه . وفي الكبير ان ينادي بأسم ولده صيانة لأسمه .
وانما يقال : كنى عن كذا بكذا ، اي ترك كذا الى كذا لبعض ما ذكرنا )(107) . واذا اردنا ان نضع عنواناً لكل ضرب من هذه الاضرب الثلاثة التي ذكرها المبرد يمكننا القول بان الضرب الاول الذي جاء للتعمية والتغطية انما هو نوع من الكناية اللغوية . والضرب الثاني الذي نلحظ فيه العدول عن اللفظ الخسيس الى غيره مما يدل على معناه انما هو نوع من الكناية الاصطلاحية . اما الضرب الثالث الذي اشتق منه الكنية فهو كناية من باب التسمية ولا اكثر(108) . وقد يذكر المبرد ما يفيد الكناية ، الا انه لا ينص على انه من باب الكناية لشهرته ، واكتفاء بما ذكره السابقون كأبن قتيبة وغيره من ائمة البلاغة . فيشرح بيت الحسن بن هاني في مدح الفضل بن يحيى بن خالد :
ويقول عن قول الخنساء :
************************************************************** (107) الكامل : 2 / 190 - 193 . (108) د . عبد القادر حسين : المرجع السابق : ص 210 . (109) الكامل : 3 / 135 ، 138 ، و د . عبد القادر حسين : المكان نفسه .
الآمـدي ( ت 370 هـ )
للآمدي كتابان يهمنا امرهما هما : ( تبيين غلط قدامة بن جعفر بنقد الشعر ) ، و ( الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري ) .
ونستنتج من عنوان الكتاب الاول انه تعرض فيه الى قضايا بلاغية ، إلا ان عدم وصول هذا الكتاب الينا يحول دون الوقوف عنده . وسيكون الكتاب الثاني موضوع حديثنا . والحديث عن البلاغة يشكل جانباً مهماً من هذا الكتاب . فقد اسرف ابو تمام في عدد من الفنون البلاغية كالاستعارة والجناس والطباق الامر الذي جعل الامدي يقف عند هذه الفنون مبدياً الرأي فيها ، دون ان يعنى كثيراً بالتعريف والتحديد ، لأن الكتاب لم يكن من الكتب المؤلفة في علم البلاغة ، وانما كان تعرضه لهذه الفنون وسيلة للموازنة بين شعر الشاعرين آنفي الذكر . والبلاغة في كتاب ( الموازنة ) دفاع عن البلاغة كما يتصورها الآمدي على نحو تصور المحافضين من الرواة واللغويين ، كمـا يقـول الدكتور شوقـي ضيـف(110) . والبلاغة عند الآمدي : ( هي اصابة المعنى ، وادراك الغرض ، بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف كافية ، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة ، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية ... فإن اتفق مع هذا . معنى لطيف ، او حكمة غريبة ، او ادب حسن ، فذاك زائد في بهاء الكلام ، وان لم يتفق ، فقد قام الكلام بنفسه ، واستغنى عما سواه )(111) . وأن اجود الشعر عند اهل العلم به ـ كما قال ـ ليس ( الا حسن التأتي ، وقرب المأخذ ، واختيار الكلام ، ووضع الالفاظ في مواضعها ، وان يورد ************************************************************** (110) البلاغة تطور وتاريخ : ص 132 . (111) الموازنة : 1 / 400 ، 401 .
المعنى باللفظ المعتاد فيه ، المستعمل في مثله ، وان تكون الاستعارات لائقة بما أستعيرت له ، وغير منافرة(112) لمعناه ، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق الا اذا كان بهذا الوصف ) .
وهو يطلق اسم ( البديع ) على فنون البلاغة جميعاً ، اذ ان علم البديع لم يستقل في وقته ، ويرى ان البديع وجد في اشعار المتقدمين وفي القرآن الكريم ، ولم يكن للمحدثين فيه غير قصده والاسراف فيه ، كما يرى ان الأفراط في البديع مستهجن يخرج الشعر عن النهج المألوف والسنن المعروف . فقد جاء في المناظرة بين صاحب البحتري وصاحب ابي تمام رد صاحب البحتري على قول صاحب ابي تمام بأن ابا تمام هو صاحب المذهب البديعي ، مايأتي : ( قال صاحب البحتري : ليس الامر كذلك في اختراعه لهذا المذهب على ما وصفتم ، ولا هو سابق اليه ، بل سلك في ذلك سبيل مسلم [ بن الوليد ] ، واحتذى حذوه ، وأفرط وأسرف وزال عن النهج المعروف ، والسنن المألوف ، وعلى ان مسلماً ايضاً ليس مبتدع لهذا المذهب ، ولاهو فيه ولكنه رأى هذه الانواع التي وقع عليها اسم البديع . وهي : الاستعارة والطباق والتجنيس ـ منثورة متفرقة في أشعار المتقدمين ، فقصدها ، وأكثر في شعره منها ، وهي في كتاب الله عـز وجـل ايضاً موجـودة )(113) . كما يستعمل الآمدي لفظ ( البديع ) بمعناه اللغوي ، اي بمعنى : الجديد ، كما في قوله ، يتحدث عن السرقة : ( ان السرقة انما هي في البديع المخترع الذي يخص به الشاعر ، الا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في عاداتهم ، ومستعملة في امثالهم وحواراتهم )(114) . وقد وقف الآمدي عند عدد من الفنون البلاغية كالاستفهام والتشبيه والمجاز زالاستعارة والمطابق والتجنيس والاستطراد والتقسيم . والأن سنتحدث عن بعض الفنون التي عني بها الآمدي لكثرتها في شعر ************************************************************** (112) نفسه : 1 / 14 . (113) نفسه : 1 / 14 . (114) نفسه : 1 / 326 .
ابي تمام .
المجاز : وقد اشار الى نوعين منه ـ عدا الاستعارة ، وسيأتي الحديث عنها ـ عرفا بعدئذ بأسمي : المجاز المرسل والمجاز العقلي . فهو يقول في رد صاحب البحتري ، بعد ان يعلق على بيتين للبحتري والاعشى ورد فيهما المجاز ( ومثل هذا في كلام العرب ـ مما ينوب به الشيء عن الشيء ، اذا كان متصلاً به ، او سبباً من اسبابه ، او مجاوراً له ـ كثير . فمن ذلك قولهم للمطر : سماء ، وقولهم : مازلنا نطأ السماء حتى اتيناكم . قال الشاعر :
ومن ذلك قول المسيب بن علس : وتمد ثِنى جديلها بشراع اراد : بدقل ، فقال : بشراع ، لأنه يكون عليه )(115) . وقال في موضع آخر:( يجري الاسم . . . على سبيل المجاز ، كما يقال : ( العمران ) لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، و ( القمران ) للشمس والقمر )(116) . وقال : جاء ( فاعل بمعنى مفعول . قالوا : ( عيشة راضية ) بمعنى مرضية ، و ( لمح باصر ) وإنما هو مبصر فيه )(117) . ************************************************************** (115) نفسه : 1 / 34 ، 35 . (116) نفسه : 1 / 276 . (117) نفسه : 1 / 216 .
وواضح ان في قولهم للمطر سماء ، وللشحم طرق ، وقولهم للنبت ندى ، مجازات مرسلة . علاقتها المسببة . وفي تسمية الدقل بالشراع ، مجاز مرسل ، علاقته الحالية او المجاورة . وفي ( العمران ) و ( القمران ) مجازان مرسلان ، علاقتهما التغليب . وفي قولهم ( عيشة راضية ) و ( لمح البصر ) ، مجازان عقليان ، الاول علاقته المفعولية ، والثاني علاقته الزمانية .
الاستعـارة : اول ما يلقانا ذكرها في كتاب ( الموازنة ) عندما يذكر الآمدي وجوه الاختلاف بين شعر البحتري وشعر ابي تمام . ومما يقوله عن ابي تمام : ان ( شعره لا يشبه اشعار الاوائل ، ولا على طريقتهم ، لما فيه من الاستعارات البعيدة ، والمعاني المولدة )(118) . فهو يرى ان ابا تمام يبعد في الاستعارة وذلك يجعل شعره لا يشبه اشعار الاوائل ، وذلك عيب ـ في رأيه ـ في شعر ابي تمام ، لأن الآمدي يريد من الشاعر متابعة العرب في اسلوب الاستعارة وهو يرى ( انما استعارت العرب المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه او يناسبه او يشبهه في بعض احواله ، او كان سبباً من اسبابه ، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء إذا استعيرت له ، وملائمة لمعناه ، نحو قول امريء القيس :
قال : قال الله تعالى : ( واشتعل الرأس شيباً ) وقال تبارك وتعالى : ( وآية ************************************************************** (118) نفسه : 1 / 6 . (119) نفسه : 1 / 250 . (120) نفسه : 1 / 259 . (121) نفسه : 1 / 245 ـ 265 .
لهم الليل نسلخ منها النهار ) ، وقال : ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وهذه كلها من الاستعارة التي هي مجاز في القرآن )(122) ثم يذكر امثلة من الشعر ، منها بيت امرىء القيس المار ذكره ، ومنها قول زهير :
التجنيـس : وقد وقف عنده في مواضع متفرقة من الكتاب وافرد صفحات لما جاء في شعر ابي تمام من قبيح التجنيس(125) لأن الطائي ـ كما قال ـ ( استفرغ وسعه في هذا الباب ، وجد في طلبه ، واستكثر منه ، وجعله غرضه(126) . والمجانس عنده : ( هو مااشتق بعضه من بعض )(127) ويأتي ( مفرقاً في اشعار الاوائل )(128) وهو إذ يأتي في اشعارهم ( يأتي منه في القصيدة البيت الواحد ************************************************************** (122) نفسه : 1 / 14 . (123) نفسه : 1 / 14 ، 15 . (124) نفسه : 1 / 191 . (125) نفسه : 1 / 265 ، 271 . (126) نفسه : 1 / 271 . (127) نفسه : 1 / 265 . (128) المكان نفسه .
او البيتان ، على حسب ما يتفق الشاعر ، ويحضره في خاطره ، وفي الاكثر لا يعتمده وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه ، فلا ترى له لفظة واحدة )(129) . ويرى انه ( يحسن إذا كان بلفظتين )(130) ولهذا عاب ابتداء ابي تمام الاتي لأنه جاء فيه التجنيس بثلاثة الفاظ ، كما عاب قولاً للأبيرد الرياحي لأنه فعل فعل ابي تمام في بيت له . وبيت ابي تمام هو :
ياربع لو ربعو على ابن هموم وقوله : أرامة كنت مألف كل ريم(132) ومن امثلته عند غير ابي تمام قول امريء القيس : لقد طمح الطماح من بعد ارضه ليلبسني من دائه ماتلبسا وقول القطامي : ولما ردها في الشول شالث بذيال يكون له لفاعاً(133) ************************************************************** (129) الموازنة : 1 / 267 . (130) نفسه : (131) المكان نفسه . (132) الموازنة : 1 / 267 . (133) نفسه : 1 / 265 .
والآمدي يتابع ابن المعتز وغيره في تسمية هذا الفن بالاسم الذي ورد فيه ، ويخالف قدامة بن جعفر الذي اطلق اسم ( المطابق )على بعض المجانس(134) .
المطابـق : والآمدي يرى ان المطابق اكثر من التجنيس في كلام العرب(135) وقد عرفه بقوله : ( هو مقابلة الحرف بضده او يقارب الضد )(136) ثم يقول : ( حقيقة الطباق ، اما هو مقابلة الشيء بمثل الذي هو قدره ، فسموا المتضادين - اذا تقابلا بمتطابقين )(137) . ويعلل تسمية ( المتطابق ) بهذا الاسم ، تأسيساً على معناه اللغوي ، فيقول : ( وإنما قيل ( متطابق ) لمساواة احد القسمين صاحبه ، وإن تضادا او تخالفا في المعنى . الا ترى الى قولهم في المثل : ( وافق شن طبقة ) والطبق للشيء انما قيل إنه لمساواة إياه في المقدار اذا جعل عليه ، او غطى به ، وإن اختلف الجنسان . قال تعالى : ( لتركبن طبقاً على طبق ) ، اي : حالا بعد حال ، ولم يرد تساويهما في تمثيل المعنى ، وإنما اراد عز وجل - وهو اعلم - تساويهما فيكم ، وتغييرهما اياكم ، بمرورها عليكم . ومنه قول العباس بن المطلب : إذا انقضى عالم على طبق اي جاءت حال اخرى تتلو الحال الأولى . ومنه طباق الخيل يقال : ( طابق الفرس ) إذا وقعت قوائم رجليه في مواضع قوائم يديه في المشي والعدو . وكذلك الكلاب . قال الجعدي : طباق الكلاب يطأن الهراسا )(138) . وهو في هذا ربما تابع الخليل و الاصمعي . وهو يرى لصحة المطابق عدم إضعافه المعنى او جعله ركيكاً او محالاً(139) ولهذا نراه يعيب أبا تمام في قوله في وصف الابل . ************************************************************** (134) نفسه : 1 / 174 . (135) نفسه : 1 / 271 . (136) نفسه : 1 / 272 . (137) المكان نفسه . (138) الموازنة : 1 / 271 ، 272 . (139) نفسه : 2 / 285 .
وقد خصص صفحات لما يستكره من مطابق ابي تمام(141) . وهو يمثل للمطابق المصيب في شعر ابي تمام بقوله : نثرت فريد مدامع لم تنظم وقوله :
وقوله طرفة :
************************************************************** (140) المكان نفسه . (141) الموازنة : 1 / 271 ، 276 . (142) نفسه : 1 / 272 ،273 . (143) نفسه : 1 / 27 .
مع الآمدي في توحيد المصطلحات دفعاً للفوضى . الباقلانـي ( ت 403 هـ )
من مؤلفات الباقلاني كتاب مشهور هو ( اعجاز القرآن ) . وكتابه هذا من انضج الكتب التي ألفت في الاعجاز القرآني ، وهو في الوقت نفسه من المصادر البلاغية التي اسهمت في تحديد مسار البلاغة العربية .
والقضايا البلاغية في الكتاب تختلط بالقضايا الكلامية اختلاطاً متوازناً ، فتفرد القضايا البلاغية ببعض الفصول ، كذلك الفصل الطويل الذي خصصه للحديث عن ( البديع من الكلام )(144) وذلك الفصل الآخر عن ( وجوه البلاغة )(145) الذي تتبع فيه وجوه البلاغة العشرة التي اوردها الرماني في ( النكت في إعجاز القرآن )(146) وتنفرد القضايا الكلامية ببعض فصول الكتاب ، كذلك الفصل الذي عقده في اول الكتاب عن ( ان نبوة النبي صلى الله عليه وسلم معجزتها القرآن )(147) وذلك الفصل الآخر الذي خصصه لبيان ( وجه الدلالة على ان القرآن معجز )(148) والبعض الثالث من فصول الكتاب شركة بين القضايا البلاغية والقضايا الكلامية ، كالفصل الذي كتبه عن ( جملة وجوه إعجاز القرآن )(149) . والكتاب - كما يرى الدكتور شوقي ضيف : ( لم يزد عن شرحه او قل بعبارة أدق ، عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني ، وما قاله الرماني من انه - دون غيره من بلاغة البلغاء في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان . ************************************************************** (144) اعجاز القرآن : ص 66 وما بعدها . (145) نفسه : ص 262 وما بعدها . (146) ضمن ثلاث رسائل في اعجاز القرآن : تحقيق : محمد خلف الله و محمد زغلول سلام . (147) اعجاز القرآن : ص 8 وما بعدها . (148) اعجاز القرآن : ص 16 وما بعدها . (149) نفسه : ص 33 وما بعدها . وانظر : د . علي عشري زايد : البلاغة العربية : ص 52 .
ومضى يرد تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدها ابن المعتز وقدامة وابو احمد العسكري وغيرهم ، كما رد تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني ، الا ان يلاحظ في في ذلك كله النظم وروعة التأليف . فالمدار قبل كل شيء على الصياغة والنظم . ولعلنا لانبعد - وما زال الكلام للدكتور ضيف - اذا قلنا انه اول من هجم بقوة نظرية اعجاز القرآنعن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع ، وأيضاً وجوه البلاغة التي احصاها الرماني . ومن هنا تأتي اهميته اذا اعد للبحث عن اسرار في نظم القرآن من شأنها حين توضح توضيحاً دقيقاً أن تقف الناس على اعجازه . وان كنا نلاحظ - في الوقت نفسه - انه لم يستطع ان يصور شيئاً من هذه الاسرار ، اذ ظلت الفكر عند غامضه ، وظلت مستورة في ضباب كثبف(150) .
ومهما يكن من امر ، فإن الكتاب يدخل ، بلاشك ، في دائرةالدرس البلاغي ومن الطبيعي الا يتناول بحثاً هنا جوانب بحث الباقلاني في قضية الاعجاز القرآني الا بالقدر الذي يتصل بغرضنا من الحديث بالدرس البلاغي في كتاب الباقلاني هذا . وقد عقد في الكتاب فصلين اسمى الاول ، كما مر ، ( في ذكر البديع من الكلام )(151) واسمى الثاني ( في وصف وجوه البلاغة من الكلام )(152) كما وقف عند فنون في غير هذين الفصلين من الكتاب . ومفهوم البديع عنده يشمل جميع الخصائص اللغوية والصور الفنية التي اطلق عليها المتأخرون مصطلح ( بلاغة ) . وهو في ذلك يجري ما جرى عليه العلماء على عهده من اطلاق هذه الكلمةعلى فنون ( علم البلاغة ) التي تقسمت ، بعدئذ ، على علوم المعاني والبيان ، والبديع ، ************************************************************** (150) البلاغة تطور وتاريخ : ص 114 . (151) اعجاز القرآن : ص 66 وما بعدها . (152) نفسه : ص 262 وما بعدها .
بالاضافة الى الاستعمالات الحقيقية التي وردت في القرآن الكريم على اصل وضع اللغة .
فهو يذكر : المساواة الايغال والتشبيه والمجاز والاستعارة وغيرها ، كما يذكر المطابقة والمجانسة والتوشيح وغيرها ، وكلها يطلق عليها اسم ( البديع ) . وقد دخلت فيه الأساليب المستعملة على حقيقتها في اصل اللغة ، من حيث انها اخترعت وجاءت على ما جاءت عليه لأول مرة في الاستعمال ، ولم يسبق استعمالها احد قبل القرآن ، كما انها اصيبت بها مواقعها ، واتت على الغرض الذي سيقت من أجله في أكمل صورة . وهذا فيما يرى الباقلاني بلاغة ، فهو إذن بديع . ومن امثلة الباقلاني التي توضح مذهبه في اطلاق لفظ ( البديع ) على جميع الفنون البلاغية قوله : ( واخفض لهما جناح الذلة من الرحمة ) ، وقوله : وإشتعل الرأس شيباً ، وقوله : ( او يأتيهم عذاب يوم عظيم )(153) وهذه كلها استعارات . ثم يقول : وقد يكون البديع في الكلمات الجامعة الحكيمة كقوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) . وقد يكون في الالفاظ الفصيحة ، كقوله تعالى : ( فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً ) . وقد يكون في الالفاظ الالهية كقوله تعالى : ( وله كل شيء ) و ( مابكم من نعمة فمن الله ) وقوله : ( لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار )(154) . وواضح في ذلك الاستخدام الحقيقي للألفاظ على اصل وضعها في اللغة كقوله تعالى : ( وما بكم من نعمة فمن الله ) وقوله ( وله كل شيء ) ان البديع عنده ماجاء من الاسعمالات على غير سابق مثال ، وأن كان الاستعمال فيه على سبيل الحقيقة ، وهكذا يكون الباقلاني قد توسع في مدلول كلمة ( البديع ) واستعمالها فيما تدل عليه لغة . ويدل على ذلك ايضاً انه يذكر بيت امرىء القيس : ************************************************************** (153) نفسه : ص 66 وما بعدها . (154) المكان نفسه .
قوله : ( قيد الاوابد ) عندم من البديع ومن الاستعارة )(155) .
فكونه من البديع لايفهم الا انه تعبير جاء به امرؤ القيس ، دون ان يسبقه اليه قائل ، وأما كونها استعارة فواضح . وهكذا يكون دخول مثل هذه التراكيب في ( البديع ) عند الباقلاني ، قد جاء من جهة اولية استخدام الشاعر له في اساليب العرب . وذلك هو المعنى اللغوي .
كما يدل على ذلك ايضاً ان ليس كل استعارة ( بديعاً ) عنده ، وإنما البديع من الاستعارات - فيما يرى - مالم يسبق صاحبه الى مثله ، ولذلك نراه يقول : ( ومن البديع في الاستعارة قول امرىء القيس :
ومن ذلك القبيل قوله : ( واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم ) (157) . ومعنى ( الاستبداع ) عد الشيء مبدعاً وآتياً على غير مثال )(158) . وقد بدأ فصل ( في البديع من الكلام ) بقوله : ( إن سأل سائل فقال : هل يمكن ان يعرف اعجاز القرآن من جهة تضمنه من البديع ؟ قيل : ذكر اهل الصنعة ، ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع الفاظاً نحن نذكرها ثم نبين ************************************************************** (155) إعجاز القرآن : ص 70 . (156) نفسه : ص 74 . (157) نفسه : ص 72 . (158) د . عبد الرؤوف مخلوق : الباقلاني وكتابه اعجاز القرآن : ص 286 ، 289 .
ماسألوه عنه ليكون الكلام وارداً على امر مبين ، وباب مصور )(159) .
وهو يستعمل في لفظ ( البديع ) بالمفهوم الذي ذكرناه ، ضارباً الامثلة ، مبتدئاً بأمثلة لايسمى الفن البلاغي فيها ، ثم يذكر - مع امثلته التالية - اسم الفن مرة ، تاركاً ذكره اخرى ، معرفاً الفن او تاركاً تعريفه . وهو - طبعاً - لايتعرض لجميع الفنون ، وهي كثيرة جداً ، مشيراً الى ذلك(160) وهو حين يفعل ذلك ، فهو امر متوقع ، لآن الكتاب ليس في ( علم البلاغة ) ، من ناحية ، ومن ناحية اخرى إنه حين يتعرض للفنون البلاغية فذلك لغاية قصدها. بعد ذلك يعقب مجيباً على السؤال الذي طرحه في اول الفصل ، حول إمكان معرفة إعجاز القرآن من جهة ماتضمنه من البديع ، فيقول : ( وقد قدر وقدر انه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الابواب التي نقلناها ، وإن ذلك مما يمكن الاستدلال عليه . وليس كذلك عندنا ، لأن هذه الوجوه اذا وقع التنبيه عليها امكن التوصيل اليها بالتدريب والتعود والتصنع لها ، وذلك كالشعر إذا عرف الانسان طريقه ، صح منه التعمل وأمكنه نظمه . والوجوه التي تقول : إن إعجاز القرآن يممكن ان يُعمل منها فليس مما يقدر البشر على التصنيع له والتوصل اليه بحال )(161) . ثم يقول : ( فأما نظم القرآن فليس بمثال يحتذى عليه ، ولا إمام يقتدى به ، ولايصح وقوع مثله اتفاقاً ... ولكن يمكن ان يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه اليهم : إن ذلك باب من ابواب البراعة وجنس من اجناس البلاغة ، وأنه لاينفك ************************************************************** (159) اعجاز القرآن : ص 66 . (160) نفسه : 107 . (161) المكان نفسه .
القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم ، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم ، واذا أورد وضع هذا الموضع كان جديراً .
وإنما نطلق القول اطلاقاً ، لأنا لانجعل الاعجاز بهذه الوجوه ، الخاصة ووقفاً عليها ، ومضافاً اليها ، وإن صح ان تكون هذه الوجوه مؤثرة في الجملة ، آخذة بحضها من الحسن والبهجة ، متى وقعت في الكلام على غير وجوه التكلف المستبشع ، والتعمل المستشنع )(162) . وقد تحدث في هذا الفصل عن : الاستعارة ، والتشبيه ، والمماثلة ، والمطابقة ، والتجنيس ، والمقابلة ، والموازنة ، والمساواة ، والاشارة ، والمبالغة واللغو ، والايغال ، والتوشيح ، ورد عجز الكلام على صدره ، وصحة التقسيم ، وصحة التفسير ، والتكميل والتتميم ، والترصيع ، والمضارعة ، والتكافؤ ، والتعطف ، والسلب والايجاب ، والكناية والتعريض ، والعكس والتبديل ، والالتفات ، والاعتراض والرجوع ، والتذييل ، والاستطراد ، والتكرار ، والاستثناء . وهو في فصل ( في وصف وجوه البلاغة في الكلام ) يرى ان البلاغة عشرة اقسام هي : الايجاز ، والتشبيه ، والاستعارة ، والتلاؤم . والفواصل ، والتجانس ، والتصريف ، والتضمين ، والمبالغة ، وحسن البيان . وهي الاقسام التي حددها الرماني من قبل ، وتحدث عنها في رسالته ( النكت في اعجاز القرآن )(163) . ************************************************************** (162) اعجاز القرآن : ص 112 . * قال عنه : ومن البديع باب ( التكافؤ ) . وذلك قريب من ( المطابقة ) كقول المنصور : لاتخرجوا من عز الطاعة الى ذل المعصية . ومنه قول بشار : اذا ايقضتك حروب العدا فـنبه لـها عمراً ثم نم انظر : المصدر السابق ص 97 . وجدير بالذكر ان قدامة سمى ( المطابقة ) بهذا الاسم . انظر : انظر : نقد الشعر : ص 163 . (163) انظر : ثلاث رسائل في اعجاز القرآن : ص 67 وما بعدها . وقد تحدث الباقلاني عن السجع : اعجاز القرآن : ص 57 وما بعدها .
وهو يأخذ بعض تعريفات الرماني لبعض هذه الاقسام وبعضها يهمل تعريفها وبعضها يأخذ تعريفات الرماني لها كاملة ، ويفيد من امثلة الرماني ، كما أنه لايفصل في حديثه تفصيل الرماني ، لأختلاف غايتهما ، وعقب على ما ذكرناه بقوله : ( قلنا : قد حكينا ان من الناس من يريد ان يأخذ إعجاز القرآن من وجوه البلاغة التي ذكرنا انها تسمى البديع ، في اول الكتاب ، مما مضت امثلته من الشعر . ومن الناس من زعم : ان يأخد ذلك من هذه الوجوه التي عددناها في هذا الفصل . واعلم ان الذي بيناه قبل ، وذهبنا اليه هو سديد ، وهو ان هذه الامور تنقسم : فمنها ما يمكن الوقوع عليه ، والتعمل له ، ويدرك بالتعلم له ، فما كان ذلك فلا سبيل الى معرفة اعجاز القرآن به . واما ما لاسبيل اليه بالتعلم والتعمل من البلاغات فذلك هو الذي يدل على اعجازه . ونحن نضرب لذلك امثلة ، لتقف على مذهبنا اليه .
وذكرنا في هذا الفصل عن هذا ( القائل ) إن التشبيه تعرف به البلاغة . وذلك مسلم ، ولكن ان قلنا ، ما وقع في التشبيه في القرآن معجز ، عرض علينا من التشبيهات الجارية في الاشعار ملايخفى عليك . وانت تجد في شعر ابن المعتز من التشبيه البديع الذي يشبه السحر . وقد تتبع في هذا مالم يتتبع غيره ، واتفق له مالم يتفق لغيره ، من الشعراء وكذلك كثير من وجوه البلاغة ، قد بينا ان تعلمها يمكن ، وليس تقع البلاغة بوجه واحد منه دون غيره . فإن كان يعني هذا ( القائل ) انه اذا اتى في كل معنى يتفق في كلامه بالطبقة العالية ، ثم كان ما يصل به كلامه بعضهة ببعض ، وينتهي منه الى متصرفاته على اتم البلاغة ، وابدع البراعة فهذا مالا نأباه بل نقول به . وانما ننكر ان يقول القائل : ان بعض هذه الوجوه بأنفرادها قد حصل فيه الاعجاز من غير ان يقارنه مايصل به من الكلام ويفضي اليه مثل ما يقول : ان ما اقسم به وحده بنفسه معجز ، وان التشبيه معجز ، وان التجنيس معجز ، والمطابقة معجزة . فالآية التي فيها ذكر التشبيه ، فإن ادعى اعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لاأدفع ذلك واصححه ، ولكن لاأدعي اعجازها لموضع التشبيه )(164) . ************************************************************** (164) اعجاز القرآن : ص 275 ، 276 .
وذلك كله يصل بنا الى ان ( النظم ) هو المهم في الاعجاز القرآني عند الباقلاني(165) .
وللباقلاني وقفات عند بعض الفنون البلاغية ، ولعل اهم ذلك وقوفه عند ( الاستعارة ) . وهو موضوع حديثنا الآتي . يأتي كلام الباقلاني على الاستعارة في ثلاثة اقسام . الاول في كلامه على وجدوه البديع ، والثاني : في كلامه على وجوه البلاغة ، والثالث : في مواضع متفرقة من الكتاب ، بعضها بصورة نقدية تطبيقية . اما كلامه عليها عند كلامه على وجوه البلاغة - ونبدأ به لأن حديثنا عنه قصير - فهو لايعدو ذكر اسمها والتمثيل لها بعدد من الآيات القرآنية ، ولشيء غير ذلك سوى قوله انها تباين التشبيه(166) . وفي كلامه عليها في كلامه على وجوه البديع يأتي بأمثلة قرآنية للأستعارة في تمثلية للبديع في القرآن ، دون ان يذكر اسمها ، ثم يذكر اسمها خلال حديثه عن امثلة لها من الشعر والقرآن في هذا الفصل(167) وفي اثناء تعرضه لها في المواضع المتفرقة . ومما جاء في قوله عند الاستعارة قوله عن قول امرىء القيس :
( قوله : ( قيد الأوابد ) عندهم من البديع والأستعارة ، ويرونه من الالفاظ الشريفة . وعني بذلك : انه اذ ارسل الفرس على الصيد صار قيداً ، وكانت بحالة ************************************************************** (165) نفسه : ص 276 مثلاً . (166) نفسه : ص 266 . (167) نفسه : 16 ، 17 .
المقيد من جهة سرعة احضاره )(168) . وهنا ، كما مر بنا ، يقول عن ( قيد الأوابد ) انه من البديع والاستعارة ، جرياً على مفهومه للبديع . فليست فنون البلاغة عنده من البديع ، إلا إذا كانت مبتدعة مبتكرة ، كما مر بنا ايضاً . وهو يستقبح الاستعارة في قول لأمريء القيس هو :
وأما ( القضاء المقفل ) وفتحه ، فجلام غير محمود ولامرضي ، وأستعارة لو لم يستعرها كان اولى به . وهلا عيب عليه كما عيب على ابي تمام قوله :
************************************************************** (168) نفسه : ص 70 . (169) نفسه : 169 . (170) نفسه : ص 170 .
الأخدع ولوعاً بأتباعه ، فقال في الفتح بن خاقان : |